فادي أبو خليل: رحت أعيش تائهًا متفلتًا من أي إطار يجمع فوضى حياتي (جوزيف عيساوي) X FILEثقافة و فنون محمد أبي سمرا يكتب عن: فادي أبو خليل راويًا سيرته الرثائية(2- 2) by admin 7 January، 2026 written by admin 7 January، 2026 69 المدن الالكترونية / محمد أبي سمر – بيروت توفي الفنان المسرحي والممثل السينمائي والشاعر فادي أبو خليل مساء عيد الميلاد المنصرم في 25كانون الأول 2025، ببيت أهله لوالده في بلدة اللويزة القريبة من بيروت، على سفح جبل الكنيْسة. وكان قد ولد في الأشرفية في الأول من نيسان 1958. ولما توفي كان قد مضى أكثر من عقدين على اختفائه الإرادي التام من دوائر الحياة الثقافية والفنية والصحافية، التي عايشها وشارك فيها حينما كانت ناشطة في بيروت الثمانينات والتسعينات. في الشعر كتب فادي 3 مجموعات شعرية: “غيوم طويلة.. إني أتذكر”، “لا شيء تقريبًا”، و”فيديو”. وفي المسرح شارك ممثلًا في أعمال عدة، أولها “العائلة طوط”، وكتب “بوب كورن”، “راديو وشعر وحديث”، و”سوق سودا ما تنسى حبيبي”، ومثّل فيها. وفي السينما والتلفزيون مثّل في أعمال كثيرة، آخرها “خلص” للمخرج الراحل برهان علوية. بعد رحيله الأخير عن عالمنا، نستعيد هنا سيرة فادي أبو خليل، كما كان قد روى مقتطفاتها في العام 1989، بعد صدور مجموعته الشعرية الأولى “غيوم طويلة..”. وبعد حلقة أولى الإثنين الماضي، هنا حلقة ثانية وأخيرة. الخيبة طاقةٌ جسمانية لعنف “كتائبي” كان فادي تجاوز الثالثة عشرة، عندما أيقن أنه خيّب أحلام أمه وأهله به: لن أكون قط في أي من المهن التي ترغبها لي أمي وجدتي، لكن من دون أن أتصور ماذا يمكنني وأحب أن أكون. وهذا ربما -إلى جانب رحلاته مع الفتى الشيوعي إلى ساحة البرج، وتعرفه على عالم والده فيها- كان من أسباب ميله إلى الرياضة، عله يتخلّص بواسطتها من رقة قلبه، خوفه وهشاشته وانكفائه. كأنما خيبة أهله به وانعكاساتها عليه، راكمت وبعثت في صدره طاقة جسمانية حسّيّة، أخذ يغذيها بصريًا بتردده وحيدًا إلى صالات ساحة البرج السينمائية، تلك التي كانت تعرض أفلام كاراتيه، فيحضرها كأنما وجد فيها دواءً شافيًا: بشغف هذياني أقبلتُ على تدريبات رياضية، فبذلت جهدًا كبيرًا لأتقدم فيها وأحترفها. وسرعان ما أصبحت لاعبًا بارزًا في ألعاب القوة: الجمباز، التكوندو، كمال الأجسام. وسلخت هذه الرياضات سنوات من مراهقتي وفتوتي. وفي سن التاسعة عشرة حزتُ الحزام الأسود في لعبة التكواندو. الأرجح أن رغبته في الخلاص من رقة قلبه وهشاشته، انعطفت بفادي أبو خليل نحو الانتساب إلى حزب “الكتائب اللبنانية” في الأشرفية بين العامين 73- 76. كأنه ما أن خرج من عالمه البيتي، ومن نظام أهل أمه الأخلاقي والسلوكي الذي أرسته جدته الخياطة العصامية، حتى ارتمى في أول شلة شبان وفتيان تلقفته في الشارع والحي، فإذا بها شلة كتائبية: سواي راح أفرادها يُقتلون واحدًا تلو آخر في حرب السنتين (1975 – 1976). وسواي أيضًا كانوا أصحاب مهن يدوية مختلفة: نجار، حداد، بائع زهور، ميكانيسيان، وسنكري… لكن كلًا منا كان يمارس نوعًا من الرياضات البدنية. قبل الحرب، ومن ضجر وتبطل، كان أعضاء تلك الشلة الكتائبية يمضون ساعات أمام بيت “الكتائب” أو يتسكعون في شوارع الأشرفية: نضرب بويجيًا ونحطم صندوقه الخشبي. نعتدي على بائع زجاجيات منزلية، فنقلب عربته التي يدفعها أمامه. وكم كان يطربنا صوت الصحون والأكواب، وغيرها من الأواني، حينما تهوي عن العربات وتتحطم على الأرض. وياما كنا نميّز ضحايانا من أشكالهم وملابسهم المتواضعة المزرية وسحناتهم الكئيبة. وفي طليعة هؤلاء عمال بناء سوريون، كنا مولعين بضربهم بعنف غرائزي مضاعف، بلا حدود ومنفلت حتى أقاصي العنف، من دون أي حساب للعواقب. وعندما كنا في اعتداءاتنا هذه ندمي ضحايانا، كانت دماؤهم تقوّي نزوة العنف فينا، فنطلب لها المزيد من الضحايا. لكن ليس الأشرفية، بل ساحة البرج البيروتية كانت المسرح الأحب والمختبر الأفضل للشلة الكتائبية: حيث كان يسهل عثورنا على ضحايانا، فنمارس عليهم عنفنا المجاني الغرائزي. ففي تلك الساحة المكتظة كنا نقوم بنزهات يومية، لنصطاد فتيانًا مسلمين ونعتدي عليهم. وغالبًا ما كنا نصرّ على أن تكون ساحة المعركة قريبة من سينما “أمبير”، حيث تتوقف سرفيسات الأشرفية. وفي 13 نيسان 1975، لما انتشر خبر مقتل الكتائبي جوزف أبو عاصي في عين الرمانة، التقى أفراد الشلة أو المجموعة الكتائبية أمام مقر الحزب في الأشرفية، وساخطين غاضبين انتشروا في أحيائها بحثًا عن مسلمين، فوقع بعضهم في قبضتهم. فادي أبو خليل راويًا سيرته الرثائية(2- 2) نوبات ندم أخلاقي – جمالي لكن فادي وحده من تلك الشلة الكتائبية، غالبًا ما كانت تصيبه نوبات من الذهول، بعد كل جولة من جولات ذاك العنف: بعدما كنت أصرّف طاقة العنف الغرائزية من جسمي وصدري، كنت أصحو فجأة وللحظات، كأنما من كابوس. لحظات يتراءى لي فيها وأشعر أن من شاركت في الاعتداء عليهم ليسوا سوى ضحايا نزوات وأهواء جاريت في تصريفها رفاق الشلة الكتائبية، بعدما تشبّثتْ وانحرفتْ بي تلك النزوات والأهواء نحو رثاثة ومروق، ولست أنا نفسي سوى ضحيتها مثل ضحايانا. ولربما أنا وحدي من أعضاء الشلة كنت أشعر بانقباض وخجل وندم حيال ما أفعله وأرتكبه من عنف مجاني. وفي تلك اللحظات من ذهول صحوتي المفاجئة والعابرة من كابوس العنف، كنت أشعر أن خجلي وندمي ينطويان على اقترافي ذنب أو خطيئة، لا أثر فيهما ولا صدى لإيمان أو تديّن مسيحيين شخصيين أو اجتماعيين. بل هو ذنب أخلاقي، جمالي وفني، ذاتي وشخصي. وقد تكون هشاشتي العميقة ورقة قلبي، اللتان كنت أحاول تدميرهما ومحوهما، هما مصدر العنصر الأخلاقي والجمالي وأصله في شعوري بالذنب. لكن أفراد الشلة الكتائبية الآخرون، كان يأخذهم تلذّذهم بالعنف إلى نشوة قصوى، لا أثر فيها لندم أو ذنب. أما أنا فكنت كلما أوغلت في ذاك النوع من العنف، تعذبني وتؤلمني شدة شعوري بالذنب والندم، بعد متعتي وتلذّذي به. حتى أن ذاك المركب المتناقض أو الفصامي، بدأ لاحقًا، بعد حرب السنتين (75 – 76)، ينفجر فجأة وبغير إرادة مني في نوبات غضب عنيف على نفسي وجسمي، كأنه شكل من أشكال التدمير الذاتي: أمسك في المنزل مزهرية وأقذفها نحو جدار، أو أهجم على نافذة وأحطم زجاجها بقبضتي. لوثة الشعر والمسرح في حرب السنتين -وفيما كانت تتكاثر في الأشرفية هجمات كتائبيين على بيوت شيوعيين هربوا منها إلى بيروت الغربية، فيعتدون على أهلهم الذين كان فادي على معرفة ببعضهم- نشأت وتوطدت بينه وبين شاب راح يلمّح له أن العالم ليس كما يتراءى لأمثاله، منقسمًا إلى مسيحيين ومسلمين، بل إلى طبقات من فقراء وأغنياء. آنذاك كان أفراد الشلة الكتائبية قد قُتلوا واحدًا تلو آخر، وربما فادي وحده بقي منهم على قيد الحياة، فانكفأ على نفسه وعزلته مع أمه، وحيدين في بيتهما، بعدما مات والداها وفرّقت الحرب شمل إخوتها. وأخذ شاب “الوعي الطبقي” يزورهما في أوقات متباعدة. أنِست الأم للشاب واستبشرت به وبهدوئه خيرًا، لأنه ليس من أبناء الحرب ودعاتها، فراح يصطحب فادي إلى لقاءات خلف أبواب ونوافذ موصدة في بيوت شبان آخرين. وفي نهايات حرب السنتين نشأت بين فادي وشابين يكتبان أشعارًا متأثرة بما يكتبه نزار قباني. وهو أيضًا كان قد بدأ يكتب شعرًا من النوع نفسه، لكنه على خلاف ما يكتبانه كان ما يكتبه ينطوي على ميل حسي وجسدي بارز، وعلى شيء من مشهدية بصرية عابرة، ربما كصدى مستعاد من ميله المبكر إلى الرسم في حياته المدرسية القلقة والعابرة. لكن الشابان كانا أبرع منه بكثير في صوغ الجمل والتراكيب اللغوية. وفي ذلك الوقت تفتح ميله إلى قراءة الكتب، فأدمن الكتابة بعسر ومشقة سيزيفية، متكئًا على ذائقته ورؤيته البصريتين للعالم، اللتين كان قد حصّلهما ونمّاهما من إكثاره مشاهدة أفلام سينمائية. وفي صيف 1977 انكب على قراءة نوال السعداوي وغسان كنفاني والياس الديري… وغيرهم. ثم راح يكتب سيناريو فيلم سينمائي اعتبره سخيفًا وطواه جانبًا. وفي العام 1979 تعرف إلى مدرِّس مسرح في ناد كان فادي يدرب فيه رياضة التكوندو. معرفته بذلك المسرحي صرفته عن التكوندو، ليتابع دروسًا في المسرح الذي كان امتدادًا جسمانيًا وذهنيًا لشغفه بالرياضة، التي كانت في جانب منها حركية، استعراضية وتشخيصية. لوثة بيروت الغربية وانتسب فادي كمستمع حرّ إلى صف المسرح في كلية الفنون- الجامعة اللبنانية، بفرعها الثاني في فرن الشباك. مخالطته شلة شبان وشابات مسيحيين في الكلية، تنطوي ميولهم وأهواؤهم الثقافية والفنية على بقايا إرث ثقافي يساري، انعطفت بحياته وشخصيته منعطفًا جديدًا وحاسمًا: الشغف بالفن الأدائي، وتصريف توتره الجسماني والنفسي فيه. كان ذاك الإرث اليساري قد تخثر في المجتمع المسيحي، بعدما سيطرت أحزاب اليمين المسيحية وميليشياتها عليه، ورسمت جولات الحرب الأهلية خطَ التماس بين شطري بيروت، الشرقية والغربية، في العام 1975. ثم حاصرت تلك الميليشياتُ محازبي اليسار المسيحيين في مناطقهم، فطاردتهم واجتثت الذين لم يبادروا من تلقاء أنفسهم إلى المغادرة والفرار إلى بيروت الغربية وعواصم أوروبية. وكانت يسارية المتأثرين ببقايا ذاك الإرث المتخثر والمحرّم في المناطق المسيحية، تقتصر في حرب السنتين وبعدها على ميول وممارسات ثقافية وفنية في دوائر يلتقي ويتعارف فيها أفراد معزولون، مكتومون ومختنقون، في هوامش مجتمعهم المسيحي. ميولهم وممارساتهم تلك راحت تتغذى وتستمد نشاطها القلق والخائف في شرق بيروت، مما يصل إليهم من غربها: أصداء أفكار ونقاشات وموضوعات، تنقلها كتب ومجلات وصحف، إضافة إلى أثير إذاعات عدة. فالحياة الثقافية والفنية في بيروت الغربية كانت آنذاك ناشطة، حارة وصاخبة، فوضوية ومتجددة، في الشعر والغناء والمسرح والسينما والصحافة والسجالات الإيديولوجية. وقد سماها أصحابها “ثقافة وطنية”، وأطلقوا على تلك التي في الشرقية تسمية “الثقافة الإنعزالية” التي كانت في حقيقتها عارية من الميول والأهواء الثقافية والفنية، باردة وفولاذية، وبلا نجوم. هذا فيما كان يتألق في الغربية نجوم جدد في الثقافة والفن، وكان كثيرون منهم مسيحيين غادروا أهلهم ومناطقهم المسيحية أو فروا منها: زياد الرحباني، مارسيل خليفة، ومارون بغدادي… الذين احتفلت بيروت “الثقافة الوطنية” احتفالًا مضاعفًا بنجوميتهم. وبين أواخر السبعينات والعام 1982، أنشأ فادي أبو خليل وبعضٌ من أمثاله في الشرقية فرقة مسرحية في جونية، فعرضوا 6- 7 مسرحيات، واحدة منها عُرضت في الشارع عنوانها “أبو موسى الزبال”. النشاطات والاعمال الثقافية والفنية، وما تثيره من أفكار وسجالات في بيروت الغربية، شكلت مثالًا لفادي وأمثاله من أصحاب الإرث الثقافي اليساري في الشرقية: رحنا نتردد 3- 4 مرات في الشهر إلى الغربية، فتعرفنا عن قرب على تجربة روجيه عساف في “مسرح الحكواتي”، فأدهشتنا دهشة لا مثيل لها وأطلقت فينا حمية شديدة لم نجد لها ترجمة في نشاطنا. بعد العام 1982 تكاثرت الأوقات والأيام التي راح فادي يمضيها في الغربية: وصرت شبه مقيم في مقاهي شارع الحمراء، مع روادها من شلل ثقافية كان معظم المنخرطين فيها يعملون ويكتبون في الصحافة الثقافية. واكتشفت أن حضور النشاطات الثقافية والمشاركة فيها، متصلان اتصالًا حميمًا وشُلليًا باللقاءات والجلسات والأحاديث والنميمة في المقاهي، إلى جانب ما ينشأ عن ذلك من علاقات وصداقات، يشكل دورة حياتية يومية، متدفقة وصاخبة، في بيروت الغربية التي كان شارع الحمراء مركزها ومسرحها الثقافي. لقد كانت أوقات كثيرة من حياتي على ذاك المسرح، فورانًا دائمًا واندهاشات دائمة، ما بين العام 1982 وانتفاضة 6 شباط 1984. وهذا على خلاف ما كانت عليه في بيروت الشرقية، حيث تُختصر حياتنا في نقاشات خالصة متقطعة ومحاضرات تماثلها في الجامعة. شعر اللاتوازن المرضي تعويضًا عن السينما ما حمله فادي وأمثاله في رؤوسهم من حمى أفكار ونقاشات ثقافية ساخنة، فيما هم يعبرون من الشرقية إلى الغربية، ويتعرفون ويجالسون في مقاهي الحمراء من كانوا يعدّونهم مثالاتهم ونجومهم الثقافيين، أخذت صورهم، وما يضج في وعي فادي ومخيتله من أفكار ونقاشات، تخبو وتتكسر شيئًا فشيئًا: فوجئت بلامبالاتهم ونزاعاتهم وعداواتهم وتكايدهم. واكتشفتُ أن الجهد السيزيفي الكبير الذي بذلته طوال سنين وجدِّيتي التي بالغت فيها، ضاعا سدىً، وكانا ينطويان على الكثير من المراهقة، كصدى لأفكار وصور موهومة عن الثقافة والفن. لذا تولّد لدي شعور بخيبة كبيرة. وجاءت انتفاضة 6 شباط 1984 تتويجًا لخيبة فادي: بتغييرها نمط الحياة في بيروت الغربية، وفي رأس بيروت وشارع الحمراء ومقاهيه تحديدًا، سحبت تلك الانتفاضة البساط من تحت قدمي، فعدتُ محطمًا إلى بيروت الشرقية، حيث انكفأت على نفسي في عزلة بيتية شبه كاملة، اكتشفت فيها أن الحياة اليومية للثقافة أهم عندي بكثير من الثقافة المحض. وفي عزلتي البيتية التي دامت ثلاثة أشهر كتبت مجموعتي الشعرية “غيوم طويلة… إنني أتذكر”. كانت كتابتها تعويضًا عن طموحات كثيرة راودتني للعمل في السينما والمسرح، وعن حياة كاملة عشتها في بيروت الغربية. حياة أكدت لي تجربتي القصيرة فيها أن الحلم بفردوس أرضي ليس سوى سذاجة خالصة. واستنتجت أن الفن لا ينشأ إلا عن حالة لا توازن مرضي. أعجبتني وأسعدتني هذه الفكرة التي نبهتني إلى أن حالة اللاتوازن أصلية فيّ، ويمكن أن تجد لغتها بعدما كنت أبذل جهدًا جبارًا لإخفائها. بعد عودته إلى الشرقية وعزلته البيتية الشعرية، حاول فادي استكمال حياته، تجربته الثقافية والفنية، في شلة: لم يدم ذلك طويلًا. سريعًا تباعدنا وتفرّقنا أفرادًا منعزلين ومنقطعين، وهاجر كثيرون/ات إلى أوروبا، وتُركت وحدي. كأنما لم تتوافر لتجربتنا أرض وفضاء يتيحان استمرارها. اشتركت في أعمال مسرحية وبرامج تلفزيونية كثيرة. لكنني رحت أعيش تائهًا متفلّتًا من أي إطار يجمع فوضى حياتي وشظاياها وعلاقاتي العبثية، المفتوحة على هوة عدمية. والمجموعة الشعرية التي كتبتها كانت ورقة استقالة من مراهقتي الثقافية ووعودها الزهرية، ومن محاولتي للانتماء إلى سلبية العالم والحياة، ربما بتأثير من شعر عباس بيضون وكتاباته النقدية لقصيدة الشعراء الشبان اللبنانيين الجدد. وربما كانت محاولتي الشعرية تجسدًا كتابيًا لحالة انقطاعي بلا نداء. لكنني في عزلتي كنت أعيش حدادًا حيال رغبتي في أن أجسد حضوري في أعمال سينمائية. والسينما عندي صورة ومشهد، قبل أن تكون كلامًا، وآلة معدنية قبل أن يدخل عليها الأدب المسرحي وسواه من الفنون. الكهولة المبكرة أو الهذيان والآن -أي في ليل 2- 8- 1989، حين سُجِّلت هذه المقتطفات من سيرة فادي أبو خليل- ها هو من بعيد ينظر إلى هواجسه تلك كلها: بشفقة كبيرة أنظر إلى نفسي، وأضحك ضحكة عبثية وعدمية على ذلك الشاب الذي كنته، والذي كان مصدِّقًا أن بيروت مدينة للثقافة والفن. أشفق على نفسي وأضحك، فيما الألم يشتد في معدتي بنتيجة اضطرابي النفسي والروحي الذي وصل أخيرًا إلى جسمي. لكن حياتي وتجربتي اليوم هما نوع من التطهر من اضطراب السنوات التي عشتها بعد العام 1982 في بيروت الغربية. لا أريد أن أقول أن نزواتي الثقافية والحياتية قد ولّت أو ماتت. لكنني أراها اليوم على نحو مختلف، ومن خلال عدسة مكبرة تريني بوضوح حقيقة البلد الذي نعيش فيه. ففي لبنان اليوم أنا مجبر على الدخول سريعًا في الكهولة، أو السقوط في التيه والهذيان. محمد أبي سمرا يكتب عن: فادي أبو خليل راويًا سيرته الرثائية(1) 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post محمد أبي سمرا يكتب عن: فادي أبو خليل راويًا سيرته الرثائية(1) next post المطربة الكويتية الكفيفة عائشة المرطة بطلة روائية You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 (7 أيام من الحرب.) . تسلسل زمني لضربات... 7 March، 2026 “لغز البديل الرابع”.. خطة إيران للصمود في حرب... 7 March، 2026 الأكراد في إيران: تنظيماتهم وحراكهم السياسي والعسكري 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 الأكراد في إيران: تنظيماتهم وحراكهم السياسي والعسكري 6 March، 2026