تآكل المظلة الأميركية يترك حلفاءها عزلاً في نظام عالمي مضطرب (مونا إينغ/ مايكل ميسنر/ فرين أفيرز) بأقلامهم مارا كارلين – فيليب غوردون: حلفاء بلا أميركا by admin 25 يناير، 2026 written by admin 25 يناير، 2026 103 انشغل حلفاء الولايات المتحدة في آسيا والشرق الأوسط طوال العقد الماضي بالمحافظة على تحالفاتهم مع واشنطن بدلاً من العمل على تدعيمها ببدائل احتياطية اندبندنت عربية / مارا كارلين – فيليب غوردون فيليب غوردون هو باحث “سيدني شتاين الابن” في معهد بروكينغز. شغل منصب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس بين عامي 2022 و2025، كما عمل خلال إدارة أوباما مساعداً لوزير الخارجية للشؤون الأوروبية. مارا كارلين هي أستاذة ممارسة في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، وباحثة زائرة في معهد بروكينغز. وخلال إدارة بايدن، شغلت منصب مساعدة وزير الدفاع الأميركي لشؤون الاستراتيجية والخطط والقدرات. لقد أثبت العام الأول من ولاية ترمب الثانية، إن كانت ثمة حاجة إلى مزيد من الإثبات، أن الأيام التي كان بوسع الحلفاء فيها الاعتماد على الولايات المتحدة في الحفاظ على النظام العالمي قد ولّت، فعلى مدى الـ 80 عاماً التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، كان كل رئيس أميركي، باستثناء دونالد ترمب إلى حد ما خلال ولايته الأولى، ملتزماً في الأقل بدرجة أو بأخرى بالدفاع عن مجموعة من الحلفاء المقربين وردع أي عدوان ودعم حرية الملاحة والتجارة، والحفاظ على المؤسسات والقواعد والقوانين الدولية، ولم يكن الرؤساء الأميركيون متسقين دائماً في السعي وراء هذه الأهداف، لكنهم جميعاً قبلوا فرضية أساسية مفادها أن العالم سيكون أكثر أمناً وأفضل حالاً، بما في ذلك بالنسبة إلى الأميركيين، إذا كرست الولايات المتحدة موارد كبيرة لتعزيز هذه الغايات. أما في ظل ولاية ترمب الثانية فلم يعد هذا هو الحال، وفي الواقع فإن تخلي ترمب عن السياسة الخارجية الأميركية التقليدية يحمل تداعيات عميقة على النظام العالمي المتغير وعلى جميع الدول التي اعتمدت بصورة كبيرة على الولايات المتحدة لعقود، فالحقيقة هي أن تلك الدول لا تملك خطة بديلة واضحة، وكثير من أصدقاء واشنطن المقربين غير مستعدين للتعامل مع واقع لم يعد بإمكانهم فيه الاعتماد على الولايات المتحدة لحمايتهم، ناهيك عن عالم تصبح فيه الولايات المتحدة خصماً. وهم بدأوا على مضض بإدراك مدى التغير الذي يشهده العالم، وأنهم بحاجة إلى الاستعداد، لكن أعواماً من الاعتماد والانقسامات الداخلية والإقليمية العميقة، وتفضيل إنفاق الأموال على الحاجات الاجتماعية بدلاً من الدفاع، تركتهم بلا خيارات قابلة للتطبيق على المدى القريب. في الوقت الراهن يحاول معظم حلفاء الولايات المتحدة المراهنة على مسألة الوقت والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الدعم من واشنطن بينما يتأملون ما سيأتي بعد ذلك، فهم يغدقون على ترمب المديح المبالغ فيه ويقدمون له الهدايا ويستضيفونه في مناسبات فاخرة، ويعِدون بزيادة الإنفاق الدفاعي ويقبلون اتفاقات تجارية غير متكافئة ويتعهدون باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة (من دون أن ينفذوا ذلك بالضرورة)، ويصرون على أن تحالفاتهم مع واشنطن لا تزال قابلة للاستمرار، وهم يفعلون ذلك على أمل أن يُستبدل ترمب برئيس أكثر التزاماً بالحفاظ على دور واشنطن العالمي التقليدي، مثلما حدث بعد ولايته الأولى. غير أن هذا تفكير واهم، فترمب سيبقى في منصبه ثلاثة أعوام أخرى، وهي فترة كافية تماماً لتدهور نظام التحالفات بصورة أكبر، أو لتمكين الخصوم من استغلال الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة. أولئك الذين يؤمنون بالتحالفات والقواعد والأعراف والمؤسسات العالمية، وبالمصلحة الأميركية في الحفاظ على الشراكات، يمكنهم أن يأملوا في ألا يكون نهج ترمب دائماً، وأن يتصرفوا على هذا الأساس، لكن هذا قد يكون تصرفاً غير حكيم، فترمب لا يكتفي بصنع السياسة الخارجية الأميركية وحسب، بل يعكس أيضاً مواقف الأميركيين تجاهها، فجيل من التدخلات الفاشلة في الخارج وتزايد العجز في الموازنة وتراكم الديون والرغبة في التركيز على الشؤون الداخلية، جعل الأميركيين من مختلف الأطياف السياسية أكثر تردداً في تحمل أعباء القيادة العالمية مما كانوا عليه منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، وقد لا يمتلك حلفاء الولايات المتحدة خطة بديلة الآن، لكن من الأفضل لهم أن يبدأوا في تطوير واحدة بسرعة. كسب الوقت خلال ولاية ترمب الأولى تعرض التزام الولايات المتحدة بدعم شبكة تحالفاتها العالمية للاهتزاز لكنه لم ينكسر، ويعود ذلك جزئياً لأن ترمب كان جديداً في المنصب وأكثر حذراً (في الأقل في أفعاله)، ولم يكن مستعداً تماماً لإحداث ثورة في السياسة الخارجية الأميركية، فضلاً عن أنه شكل إدارته في الغالب من أنصار السياسة الخارجية والدفاعية التقليدية، وكان كبار مستشاريه في السياسة الخارجية يشتركون جميعاً في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ينبغي أن تكون نشطة على الصعيد العالمي، وبأنها تستفيد بصورة كبيرة من النظام السياسي والأمني والاقتصادي الذي كان قائماً منذ أربعينيات القرن الـ 20، وعلى رغم شعاره “أميركا أولاً” ونزعاته الأكثر راديكالية، تردد ترمب خلال معظم ولايته الأولى في اتخاذ خطوات من شأنها أن تهدد الدور القيادي العالمي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال فكّر في سحب القوات الأميركية من ألمانيا والعراق واليابان وكوريا الجنوبية وسوريا، لكنه لم يقْدم على ذلك قط، غالباً بسبب معارضة كبار مستشاريه. أما إدارة ترمب الثانية فمختلفة، فهذه المرة أُقصيَ أنصار الدور العالمي للولايات المتحدة وأصبح الرئيس محاطاً بأشخاص يرون معظم التزامات الولايات المتحدة الخارجية عبئاً صافياً، فنائب الرئيس جي دي فانس ووزير الدفاع بيت هيغسيث ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، خدموا جميعاً في الجيش الأميركي في العراق وخرجوا من تلك التجربة حاملين استياء عميقاً تجاه نخب السياسة الخارجية الأميركية والمغامرات الأميركية في الخارج، وخلال فترة عضويته في مجلس الشيوخ، كان ماركو روبيو، الذي يشغل الآن منصب مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، من أشد المدافعين عن التصدي لروسيا والدفاع عن حقوق الإنسان وتقديم المساعدات الخارجية، أما اليوم فيبدو أنه كبت تلك القناعات لكي يبقى مؤثراً ويحافظ على ثقة ترمب وقاعدة “ماغا”، وببساطة يبدو أن رؤية الإدارة الحالية للعالم متأثرة إلى حد بعيد بمعتقدات ترمب الراسخة، وهي أن التحالفات عبء غير ضروري، والتعامل مع الأنظمة الاستبدادية أسهل من التعامل مع الأنظمة الديمقراطية، ونظام التجارة الحرة غير عادل، والولايات المتحدة قادرة على الدفاع عن نفسها بصورة كافية من دون مساعدة دول أخرى، والقوى العظمى يجب أن يكون لها الحق في الهيمنة على جيرانها الأصغر حجماً، بل وحتى في ضم أراض جديدة عندما يخدم ذلك مصلحتها. لقد ولّى زمن عالم ما بعد الحرب الذي بُني حول حلفاء ديمقراطيين في الغالب يعتمدون على الولايات المتحدة في الأمن والدفاع، ويتجلى هذا التفكير بوضوح في مقاربة الإدارة تجاه أوروبا وحلف شمال الأطلسي، فبينما أبدى الرؤساء السابقون التزاماً راسخاً بالمادة الخامسة من ميثاق الـ “ناتو” التي تنص على أن أي هجوم مسلح على عضو واحد يُعد هجوماً على جميع الأعضاء، أشار ترمب إلى أن هذه الضمانة لا تنطبق إلا إذا “سدد الحلفاء التزاماتهم”، أي أسهموا بصورة أكبر في الدفاع الجماعي، وفي وقت باكر من ولايته الثانية أعلن ترمب نيته السيطرة على غرينلاند، وهي إقليم تابع للدنمارك، الدولة العضو في الـ “ناتو”، بل وألمح إلى إمكان لجوء الولايات المتحدة إلى القوة لفعل ذلك، مما أثار احتمال استخدامها لجيشها، لا لحماية أحد أعضاء الـ “ناتو” بل لمهاجمته. أصبح الأميركيون اليوم أكثر تردداً في تحمل أعباء القيادة العالمية يبدو فانس أكثر تشككاً، إن صح التعبير، تجاه الدور الأميركي التقليدي في أمن أوروبا، ففي عام 2022 قال إنه “لا يكترث حقاً بما سيحدث لأوكرانيا بطريقة أو بأخرى”، وفي فبراير (شباط) 2025 قال فانس أمام الحضور في “مؤتمر ميونيخ للأمن” إنه قلق حيال التهديدات من داخل أوروبا أكثر مما هو قلق من تلك التي تشكلها الصين أو روسيا، وفي وقت لاحق من الشهر نفسه قال إن الدنمارك “ليست حليفاً جيداً”، وألمح إلى أن ترمب قد “يبدي اهتماماً إقليمياً أكبر بغرينلاند” لأنه “لا يُبالي بما يصرخ به الأوروبيون في وجهنا”، وخلال محادثة عبر تطبيق “سيغنال” مع كبار مسؤولي الإدارة في مارس (آذار) اشتكى فانس من “إنقاذ أوروبا مجدداً”. خلال السنة الأولى من عمر هذه الإدارة عكست السياسة الأميركية هذه المواقف، فقد تبنى ترمب الرواية الروسية حول أسباب الحرب في أوكرانيا ولم يقدّم أية مساعدات عسكرية أميركية مباشرة لكييف تتجاوز ما كان مخططاً له مسبقاً، ورفض منح ضمانات أمنية حقيقية لأوكرانيا، وعندما أطلقت روسيا طائرات مسيرّة داخل بولندا في سبتمبر (أيلول) 2025، قلل ترمب من شأن الأمر ووصفه بأنه خطأ ممكن، وعندما انتهكت روسيا المجال الجوي لرومانيا وإستونيا في الشهر نفسه وقفت الولايات المتحدة، إلى حد كبير، على هامش الرد العسكري للـ “ناتو”، وكذلك أعلنت إدارة ترمب أنها ستتوقف عن تقديم المساعدات العسكرية للدول الواقعة على حدود روسيا، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بدأت بسحب بعض القوات الإضافية التي كانت إدارة بايدن قد أرسلتها للمساعدة في الدفاع عن أوروبا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. لدى شركاء الولايات المتحدة في آسيا أيضاً أمور كثيرة تدعو إلى القلق، فعلى مدى أكثر من عقد روجت واشنطن لنيتها “الاستدارة نحو آسيا”، لكن يبدو الآن أن أولوية الولايات المتحدة هي أراضيها ونصف الكرة الغربي، وقد ركزت أول استراتيجية دفاع وطني لترمب عام 2018 على مواجهة روسيا والصين، فيما اعتبرت استراتيجية إدارة بايدن أن الصين تمثل “التحدي المرجعي الرئيس” للولايات المتحدة، أي التهديد الأكبر الذي ينبغي تشكيل وبناء الجيش الأميركي على أساسه، لكن يبدو أن مسؤولي إدارة ترمب الثانية يعيدون النظر في هذه الأولوية ويركزون بدلاً من ذلك على أمن الحدود ومكافحة المخدرات والدفاع الصاروخي الوطني، إضافة إلى مطالبة الحلفاء بتحمل أعباء أكبر. لقد حافظ ترمب بصورة عامة على شبكة الشراكات العسكرية للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لكن الحلفاء هناك يخشون أن يصبح دعم مصالحهم الأمنية ثانوياً أمام رغبة ترمب في تحسين العلاقات، وربما إبرام صفقة تجارية كبيرة مع الصين.، فخلال ولايته الأولى ربط ترمب التزامات الولايات المتحدة الأمنية تجاه اليابان وكوريا الجنوبية باستعدادهما لزيادة الإنفاق على دفاعهما، على رغم أن الولايات المتحدة حافظت على معاهدات دفاعية مع كلا البلدين، وأيضاً أوقف تسليم الأسلحة الأميركية إلى تايوان وقلّل من التفاعل الدبلوماسي معها، ورفض منح رئيس تايوان الإذن بالمرور عبر الولايات المتحدة في طريقه إلى أميركا اللاتينية، وبدأ بالسماح للصين بشراء أشباه موصلات أكثر تطوراً، في ما بدا أنه محاولة لتهيئة ظروف علاقة ناجحة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ. مناورة عسكرية أميركية – كورية جنوبية في يوجو، كوريا الجنوبية، أغسطس (آب) 2025، (كيم هونغ جي/ رويترز) وفي حين قال الرئيس جو بايدن مراراً إن الولايات المتحدة ستساعد في الدفاع عن تايوان في حال شنّ غزو صيني، ظل ترمب متحفظاً وغير ملتزم بتصريح واضح، بل إن وزير التجارة هوارد لوتنيك ذهب إلى حد الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لن تحمي تايوان إلا إذا وافقت تايبيه على نقل نصف قدرتها المتقدمة في صناعة الرقائق إلى الأراضي الأميركية، وليس من الصعب تصور أن يرفض ترمب الدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في حال نشوب صراع. ويبدو أيضاً أن ترمب غير ميّال إلى إنفاق الموارد الأميركية للحفاظ على النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فصحيح أنه دعم إسرائيل بقوة وأصدر في سبتمبر أمراً تنفيذياً يمنح قطر التزاماً دفاعياً رسمياً، لكن ترمب يخشى الانجرار إلى الحرب أكثر من حرصه على الدفاع عن شركاء الولايات المتحدة ومكافحة الإرهاب ومنع الانتشار النووي وحماية مصالح الأمن القومي، ومن الواضح أنه يقدر علاقاته مع قادة الخليج لكن ذلك لا يعني أنه سيدافع عنهم أكثر مما فعل عام 2019، حين لم يُحرك ساكناً بعد أن هاجمت إيران مصفاة نفط سعودية رئيسة وناقلات نفط قبالة سواحل عُمان والإمارات العربية المتحدة. تاريخياً لم يكن ترمب مستعداً لدعم الحلفاء بالقوة العسكرية إلا عندما يكون خطر التصعيد منخفضاً، ولا سيما مع القوى الكبرى، فخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) 2025، لم يشن ضربات على مواقع عسكرية ونووية إيرانية إلا بعد أن دمرت إسرائيل دفاعات إيران الجوية وقدرتها على الرد، وكذلك أذن بشن غارات جوية على اليمن لكنه تراجع لاحقاً عندما بدأت الكُلف تتصاعد، واتضح له أن الأوروبيين هم المستفيدون الرئيسون من العملية. وفي سبتمبر 2025 بدأ الجيش الأميركي بتدمير قوارب قال إنها كانت تنقل مخدرات من فنزويلا، وهي دولة لا تملك قدرة حقيقية على الرد على الولايات المتحدة، وتبقى رغبة ترمب في المخاطرة بمواجهة قوى عظمى محدودة للغاية، مثلما يتضح من تردده في مواجهة روسيا حول أوكرانيا. التشبث بأي ثمن على رغم أن خطر انكفاء الولايات المتحدة الذي لوحت به إدارة ترمب الأولى يتزايد منذ أعوام، فإن معظم حلفاء الولايات المتحدة لم يستعدوا له بصورة فعلية، فقد ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفاعاً متواضعاً بعد الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014، لكن لم يُحرز سوى تقدم ضئيل في تطوير “ركيزة أوروبية” داخل الـ “ناتو” من شأنها تمكين الجيوش الأوروبية من العمل باستقلالية أكبر عن الولايات المتحدة، وبينما دعت فرنسا منذ فترة طويلة إلى “الاستقلالية الاستراتيجية” الأوروبية، رفضت دول أخرى في القارة الفكرة باعتبارها إما غير ضرورية أو مكلفة للغاية. لقد انشغل حلفاء الولايات المتحدة في آسيا والشرق الأوسط طوال العقد الماضي بالمحافظة على تحالفاتهم مع واشنطن بدلاً من العمل على تدعيمها ببدائل احتياطية أو بناء ترتيبات يمكن أن تحل محلها، وهو خيار معقول بالنظر إلى الموارد الكبيرة والإرادة السياسية اللازمة لتطوير بدائل للقيادة الأميركية، لكنهم الآن يجدون أنفسهم أمام شح الخيارات الجيدة في مواجهة خطر أن تتخلى الولايات المتحدة عن دورها القيادي أو ترفض الدفاع عن شركائها. حتى الآن، خلال ولاية ترمب الثانية، واصل معظم حلفاء الولايات المتحدة وشركائها التمسك بالدعم الأميركي وأحياناً بصورة يائسة، فأعضاء الـ “ناتو”، على سبيل المثال، بالغوا في محاولة إرضاء ترمب فوافقوا على رفع إنفاقهم الدفاعي إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو إنجاز كبير حتى لو تحقق من طريق بعض الحيل المالية (إذ يحتسب الإنفاق على البنية التحتية ضمن نسبة الـ 5 في المئة)، وحاول كثير من القادة استخدام الإطراء لإبقاء ترمب في صفهم، ويتجسد هذا النهج بأوضح صورة في رسالة الأمين العام للـ “ناتو” مارك روته الذي أرسل في يونيو 2025 رسالة إلى ترمب اتسمت بالتملق وأثنت على دبلوماسيته في الشرق الأوسط وأشادت به لأنه دفع الدول الأوروبية إلى الإنفاق أكثر على الدفاع، وكتب روته “ستدفع أوروبا بسخاء مثلما ينبغي وسيكون ذلك انتصاراً لك”. وعلى نحو مشابه قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في أول لقاء لها مع ترمب إنها سترشحه لـ “جائزة نوبل للسلام”، بينما قال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إن ترمب هو “الشخص الوحيد القادر على إحراز تقدم” نحو السلام بين الكوريتين. كذلك لجأ الحلفاء إلى الاتفاقات الاقتصادية في محاولة لإبقاء الولايات المتحدة ملتزمة بأمنهم، فقد وافقت اليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي على اتفاقات تجارية غير مواتية وغير متكافئة مع واشنطن، وقبلت بموجبها زيادات كبيرة في الرسوم الجمركية الأميركية، وتعهدت باستثمارات ضخمة في الاقتصاد الأميركي وبشراء صادرات الطاقة أو المعدات العسكرية الأميركية، وقد صُممت هذه الاتفاقات جزئياً لتجنب حرب تجارية، لكنها كانت مدفوعة أيضاً بمخاوف من أن يؤدي نزاع تجاري كبير مع الولايات المتحدة إلى تقويض الشراكة الأمنية الوثيقة مع واشنطن، والتي يعتمد عليها جميع هؤلاء الحلفاء، ومثلما اعترف رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في سبتمبر 2025، فإن “تصعيد التوترات مع حليف رئيس في شأن الرسوم الجمركية في وقت تتعرض حدودنا الشرقية للتهديد، كان سيشكل مجازفة غير حكيمة”، وأي احتمال لوقوف الاتحاد الأوروبي في وجه الرسوم الجمركية الأميركية، مثلما فعلت الصين، قد تضاءل بسبب “المخاوف من أن يقطع ترمب إمدادات الأسلحة عن أوكرانيا أو يسحب القوات من أوروبا أو حتى ينسحب من حلف شمال الأطلسي”، بحسب صحيفة “فايننشال تايمز”. وبالمثل في الشرق الأوسط، فقد حاولت دول الخليج إبقاء ترمب مهتماً بأمنها من خلال التودد والتعهد باستثمار مئات المليارات في الولايات المتحدة، فأهدت قطر ترمب طائرة لاستخدامه الشخصي، ووقعت على “تبادل اقتصادي” غامض بقيمة 1.2 تريليون دولار، وساعدت ترمب في مساعيه لوقف إطلاق النار في غزة، وهو ما كوفئت عليه في سبتمبر 2025 بوعد أميركي بالتعامل مع أي هجوم على قطر باعتباره تهديداً لأمن الولايات المتحدة، وكذلك وافقت دول خليجية أخرى على صفقات عقارية وصفقات في مجال العملات المشفرة مع أفراد من عائلة ترمب وعائلات مسؤولين كبار آخرين في إدارته، أملاً في أن يساعد ذلك في ضمان بقاء الإدارة الأميركية إلى جانبها. التملق لا يجدي نفعاً لا يلام حلفاء الولايات المتحدة على سعيهم إلى استرضاء ترمب، فليس لديهم عدد كبير من البدائل الجيدة التي تحل محل الاعتماد على الولايات المتحدة في أمنهم وازدهارهم لكن عليهم ألا يتوهموا، فترمب سياسي ينتهج منطق الصفقات ويُعرّف المصالح الوطنية تعريفاً ضيقاً، ولا يدين بالولاء إلا لنفسه، وقد تسهم المجاملات والوعود الاستثمارية اللافتة والبراقة في تعزيز اللقاءات الإيجابية أو التوصل إلى تفاهمات شكلية، لكنها لا تضمن دعماً دائماً. في الواقع لم يعد من المستبعد تخيل عالم ينظر فيه الحلفاء السابقون إلى الولايات المتحدة، لا بوصفها غير موثوقة وحسب، بل أيضاً غير مرغوب فيها بل وحتى خصماً، فلقد انهارت الثقة في الولايات المتحدة، ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز “بيو” للأبحاث في يونيو (حزيران) الماضي وشمل 24 دولة، فقد أفادت غالبية كبيرة في معظم الدول التي شملها الاستطلاع بأنها “لا تثق” في قدرة ترمب على “اتخاذ القرار الصائب في ما يتعلق بالشؤون العالمية”، وفي بداية ولاية ترمب الثانية صرح المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس بأنه من الواضح أن واشنطن “غير مبالية إلى حد كبير بمصير أوروبا”، وليس من الصعب تصور قادة العالم الآخرين وهم يتوصلون إلى استنتاجات مماثلة حول نظرة الولايات المتحدة إلى مناطقهم. في الوقت الراهن يشعر كثير من حلفاء واشنطن بالتهديد من الصين وروسيا مما يجعل من المستبعد أن يصل بهم الأمر إلى حد التحالف مع بكين أو موسكو لموازنة نفوذ الولايات المتحدة، ومن المرجح أيضاً ألا ينضم معظم الشركاء الآسيويين والأوروبيين إلى تكتلات جيوسياسية بديلة مثل “مجموعة بريكس“، وهي كتلة تضم 10 دول سُميت تيمناً بأعضائها الخمسة الأوائل، البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، نظراً لاختلافاتهم مع تلك الدول ورغبتهم في تجنب أزمة كبيرة مع واشنطن، لكن استراتيجية “أميركا أولاً” إذا ما طُبقت حتى أقصى حدودها فقد تجبر حلفاء الولايات المتحدة على الابتعاد منها إلى درجة كان من شبه المستحيل تصورها خلال العقود الثمانية الأخيرة. أكثر من 70 في المئة من الكوريين الجنوبيين يريدون أن تمتلك حكومتهم قنبلة نووية إن بدائل الاعتماد على الولايات المتحدة تنطوي كلها على تحديات كبيرة، لكن قد لا يجد شركاء واشنطن خياراً سوى السعي إليها، وفي الواقع يعمل عدد منهم بالفعل على تطوير جيوش أكثر استقلالية وكفاءة مع زيادة الإنفاق الدفاعي والبدء في الاندماج مع شركاء آخرين، فمثلاً أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرات عدة ستزيد الإنفاق الدفاعي والتكامل العسكري بحلول عام 2030، وقد تعهدت اليابان برفع إنفاقها الدفاعي إلى اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول مارس 2026، وإذا أُديرت هذه الجهود بصورة جيدة فقد تفضي إلى شراكات أكثر توازناً وتكافؤاً مع الولايات المتحدة، لكنها على الأرجح لن تجعل آسيا وأوروبا أكثر أمناً، فليس بوسع حلفاء واشنطن على المدى القريب القيام بأي شيء واقعي لتعويض فقدان التزام دفاعي موثوق من جانب الولايات المتحدة، وإذا تراجعت رغبة الولايات المتحدة في الدفاع عن حلفائها فإن هؤلاء قد يترددون بدورهم في مساعدتها، وفي الحقيقة لم يمض وقت طويل على استعداد عدد كبير من الشركاء الآسيويين والأوروبيين والشرق أوسطيين لإرسال قواتهم للقتال والموت جنباً إلى جنب مع القوات الأميركية، انطلاقاً من ولائهم لواشنطن، لكن تلك الأيام ربما تكون قد ولّت. من المرجح أن يؤدي تعزيز الاعتماد على الذات إلى دفع الحلفاء نحو تطوير صناعات دفاعية أقل اعتماداً على الولايات المتحدة، ومع ازدياد إنفاقهم من الموارد الشحيحة والمحدودة على الدفاع، اتفق أعضاء الاتحاد الأوروبي على أن فئات التمويل الدفاعي الرئيسة لا يمكن إنفاقها إلا داخل الاتحاد (أو في دول شريكة محددة مثل النرويج وليس في الولايات المتحدة)، وتخطط ألمانيا لإنفاق الجزء الأكبر من مشتريات الأسلحة، بقيمة 95 مليار دولار تقريباً، في أوروبا، على أن تخصص ثمانية في المئة منها فقط للموردين الأميركيين، ولم يكن من قبيل المصادفة أن الدنمارك، المستاءة من تهديدات ترمب في شأن غرينلاند، قررت في سبتمبر 2025 إبرام أكبر صفقة شراء عسكرية في تاريخها تزيد قيمتها على 9 مليارات دولار في أنظمة الدفاع الجوي، مع شركات أوروبية لا أميركية. وقد يسعى بعض الحلفاء أيضاً إلى تطوير أسلحتهم النووية الخاصة، فأكثر من 70 في المئة من الكوريين الجنوبيين يريدون أن تمتلك حكومتهم قنبلة نووية، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته “مؤسسة غالوب-كوريا” عام 2024، وعلى رغم معارضة غالبية الشعب الياباني للأسلحة النووية لكن عدداً متزايداً منهم بات أكثر تقبلاً لفكرة تطوير بلادهم لها، وفي أوروبا فإن الشكوك في الردع الأميركي الموسع دفعت ميرتس إلى طرح احتمال أن تتولى فرنسا والمملكة المتحدة دوراً داعماً وتكميلياً للمظلة النووية الأميركية، وفي مارس صرح رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك قائلاً “يجب على بولندا السعي إلى امتلاك أحدث القدرات، بما في ذلك الأسلحة النووية والأسلحة غير التقليدية الحديثة”، وفي سبتمبر 2025 وبعد وقت قصير من شن إسرائيل غارات جوية على قطر، وهو هجوم لم تمنعه الولايات المتحدة، وقّعت السعودية اتفاقاً دفاعياً مع باكستان، وقد صرحت باكستان أنها بموجب هذا الاتفاق يمكنها أن تتيح للسعودية استخدام رادعها النووي إذا دعت الحاجة. ترمب والأمين العام للـ “ناتو” مارك روته في واشنطن العاصمة، أكتوبر (تشرين الأول) 2025 (كيفن لامارك / رويترز) سيكون استبدال المظلة النووية الأميركية أمراً صعباً سياسياً ومليئاً بالتحديات التقنية ومكلفاً للغاية، وقد لا يكون فعالاً حتى في ردع الخصوم لأن القوات النووية الصغيرة غير الأميركية قد تطغى عليها الترسانات الأكبر بكثير التي تمتلكها الصين وروسيا، وهما المعتديان الأكثر احتمالاً، ولكن مع مرور الوقت سيتعين على شركاء الولايات المتحدة أن يأخذوا على محمل الجد احتمال حاجتهم إلى قوات نووية خاصة بهم، لأن الولايات المتحدة قد ترفض الدفاع عنهم، وسيؤثر تراجع دور الولايات المتحدة القيادي وتآكل صدقيتها تأثيراً بالغاً في النظام الاقتصادي العالمي أيضاً، ففي معظم الأحيان فضّل حلفاء الولايات المتحدة في آسيا وأوروبا قبول اتفاقات تجارية أحادية الجانب بدلاً من توحيد صفوفهم في مواجهة واشنطن لكن حساباتهم قد تتغير، فعندما سحب ترمب خلال ولايته الأولى الولايات المتحدة من “اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ“، وهو تكتل تجاري كبير بقيادة الولايات المتحدة صمم جزئياً لموازنة نفوذ الصين، التزمت أستراليا وكندا واليابان بالاتفاق، وبعد بضعة أعوام انضم عدد من هذه الدول نفسها إلى الصين في “اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” الذي يعد الآن أكبر اتفاق تجارة حرة في العالم، وهو لا يشمل الولايات المتحدة، وكلما قل اعتماد شركاء الولايات المتحدة عليها في مجال الأمن أصبح من الأسهل عليهم التعاون مع بعضهم أو مع قوى عظمى أخرى، لموازنة ما يعتبرونه سياسات اقتصادية عدائية تصدر عن واشنطن. مع انهيار النظام القديم قد يصبح العالم مكاناً أكثر إثارة للخوف، وحتى لو وضع الحلفاء خطة بديلة فقد لا يتمكنون بمفردهم من التعامل مع العدوان المتزايد، وهذه ليست المرة الأولى التي تُفرض عليهم فيها سياسة “أميركا أولاً”، فخلال العقود الأولى من القرن الـ 20 انتهج كثيرون في واشنطن نهجاً مشابهاً قائماً على التعرفات الجمركية المرتفعة والنفور من التزامات التحالفات والحروب الخارجية والرغبة في استرضاء القوى الاستبدادية بدلاً من مواجهتها، وقد مهدت هذه النتائج الطريق أمام موجة من العدوان العالمي خلال ثلاثينيات القرن الـ 20، ومن دون دعم واشنطن لم يتمكن حلفاء أميركا من فعل أي شيء حيال ذلك. لا ينبغي لأحد أن يتمنى رؤية نهاية نظام التحالفات الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي على رغم كل نقاط ضعفه وكُلفه واختلالاته لكنه خدم واشنطن وحلفاءها على مدى أجيال عدة، ولا ينبغي لأحد أن يراهن على استمراره أيضاً، فإدارة ترمب الثانية ليست ملتزمة بالدفاع عن هذا النظام ولا يوجد ما يضمن التزام الرئيس المقبل بذلك، ولا يعني هذا أن التعاون مع واشنطن سيكون مستحيلاً، فالولايات المتحدة ستظل شريكاً مهماً لأعوام مقبلة ولو بصيغة ربما أكثر اعتماداً على منطق الصفقات والتعاملات، لكنه يعني أن الحلفاء لم يعودوا قادرين على الاعتماد على الولايات المتحدة لتخصيص موارد كبيرة للدفاع عنهم أو عن النظام العالمي، ويجب أن تكون الخطة الأساس للحلفاء هي بذل قصارى جهدهم للحفاظ على أكبر قدر ممكن من التعاون العملي، ولكن سيكون من الخطر وغير المسؤول عدم وجود خطة بديلة. مترجم عن “فورين أفيرز” يناير (كانون الثاني) / فبراير (شباط) 2026، نشر في 16 ديسمبر (كانون الأول)، 2025 المزيد عن: التحالفات الدولية الانكفاء الأميركي النظام الدولي المظلة الأميركية سياسة الانكفاء دونالد ترمب فورين أفيرز الرسوم الجمركية الأميركية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أفشون أوستوفار يكتب عن: على أي وجه قد ينهار النظام الإيراني؟ next post كارني يدعو إلى «شراء المنتج الكندي» رداً على تهديد ترمب You may also like سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 مارس، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 مارس، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 مارس، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 فبراير، 2026 مايكل آيزنشتات يكتب عن: الخيارات العسكرية الأمريكية في... 28 فبراير، 2026 دلال البزري تكتبمن تورنتو عن: ترامب “القوي” الذي... 28 فبراير، 2026