لوحة مستوحاة من قصيدة بوشكين _الغجر_ بريشة كونستانتين تروتوفسكي (1826 ـ 1893) (دار إيفانوف للنشر) ثقافة و فنون “غجر” بوشكين رومانسية جنوبية تغزو روسيا by admin 10 ديسمبر، 2025 written by admin 10 ديسمبر، 2025 69 عندما عبر الشاعر المؤسس في قصيدته الروائية عن مسار مثالي لنقلة نوعية في أدبه اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب إذا كان مؤرخو الآداب الروسية قد تساءلوا دائماً عن اللحظة التي يمكنهم اعتبارها تلك التي انتقل فيها شاعر الروس الكبير الكسندر بوشكين من كتابات مرحلة الصبا إلى كتابات زمن النضج والتأسيس لديه، على اعتبار أنه المؤسس الذي حدد للأدب الروسي، شعراً ورواية ومسرحاً أيضاً، عوالمه ولغته المقبلة، فإن الجواب الأكثر بداهة وتداولاً سيأتي حاملاً عنواناً واحداً في كلمة لا ثانية لها: “الغجر”. صحيح أن “الغجر” لن تبرز بأية حال من الأحوال بوصفها الأكبر شهرة والأرفع مكانة بين نتاجات بوشكين في المجالات التي طرقها وأبدع في كل منها إبداعاً استثنائياً، لكنها بالنسبة إلى كاتبي سيرته ومؤرخي أدبه كما بالنسبة إلى مؤرخي الأدب الروسي بصورة عامة، لا ريب أنها هي التي تشغل نقطة المفصل في ذلك التاريخ المجيد الذي يمكن اعتبار ازدهاره في القرنين الـ18 والـ19، نوعاً من “غزو” روسي إبداعي للعالم. ومن هنا تعتبر القصيدة “الروائية” التي نتحدث عنها هنا وكتبها صاحبها في عام 1824، صاحبة موقع فريد، من ناحية في مسار الشاعر، ومن ناحية ثانية في تطور الأدب الروسي، وذلك على رغم أنها تأتي خاتمة لمرحلة “الرومانسية الجنوبية” التي طبعت شباب بوشكين. ففي نهاية الأمر لا يختلف مؤرخان للشاعر وأدب بلاده، في أنها تشكل تلك اللحظة المفصلية التي دائماً ما طرحوا أسئلتهم في شأنها، وذلك بالتحديد لأنها هي بالذات تعلن “انفتاحاً تدريجياً على رؤية أكثر واقعية للعالم والإنسان”، بحسب ما يقولون. ولعل قيمة القصيدة الأساسية تكمن في ذلك التوازن الدقيق الذي تعبر عن وجوده بين نفس رومانسي حر، وبين تأملات عميقة في حدود الحرية الفردية وصراع الإنسان مع نفسه. الكسندر بوشكين (1799 – 1838) (غيتي) نتاجات مرحلة المنفى ونعرف بالطبع أن بوشكين قد عاش منفى قاسياً في الجنوب الروسي بين مناطق القوقاز والقرم ومولدافيا، وفي تلك البيئة تفتحت لديه نظرته إلى الآخر الغريب في ما يتعلق بالمجتمع الروسي الرسمي: شعوب الجبال، الفرسان، والمجتمعات البدائية التي رآها كبديل، متوهم على أية حال، لحياة المدينة. ويقيناً أن قصيدة “الغجر” تنتمي إلى هذا المزاج ولكنها تتجاوزه، إذ هنا لا يعود “الآخر” مجرد خلفية شاعرية، بل يصبح مرآة تعكس أزمة الإنسان الحديث نفسه. فالقصيدة بالنسبة إلى موضوعها، تروي حكاية شاب روسي يدعى الكسي، على اسم الشاعر نفسه، يهرب من قيود المجتمع، بحثاً عن حرية مطلقة يتوخى العيش في أحضانها، وبالتالي يلتحق بقبيلة غجرية يجد نفسه، وقد ارتبط فيها بالزواج بحسناء من فتيات القبيلة تدعى زاريما. وتكاد الأمور تمضي على خير، لولا أن التناقضات الذاتية والموضوعية، تبدأ بالظهور في حياة الكسي. فالغجر المحيطون به هنا في حياته الجديدة، يعيشون بساطة تتناغم مع الطبيعة، بينما يحمل هو في داخله عبئاً حضورياً موروثاً، لا يستطيع التخلص منه. ويتبدى هنا بالتالي وجه جديد إنما غير مفاجئ على أية حال، من وجوه شعر بوشكين: فالرومانسية لا تتبدى هنا بوصفها سبيلاً للهرب الناجز، بل كمساحة يختبر فيها الإنسان خيبته الخاصة، ومن هنا تتحول الحرية الموعودة إلى صراع نفسي ينتهي بمأساة. المأساة والنضج الفكري إن كثراً من النقاد الروس يرون أن “الغجر” تشكل نقلة مفصلية واضحة في الدرب التي سار عليها بوشكين نحو نضج فني وفكري، وهم يرون انطلاقاً من هذا الحكم، أن الشاعر كان في أعمال سابقة له مثل “أسير القوقاز” يمجد الطبيعة والبطولة والشعوب الحرة من موقع الانبهار، أما هنا فهو يضع بطله أمام اختبار قاس لمعنى الحرية. فهل الحرية حالة خارجية يعيشها الإنسان بين الطبيعة والبداوة؟ أم هي إمكان داخلي تتعلق بالتوافق مع الذات؟ ويبدو أن معظم طارحي هذا التساؤل مالوا دائماً إلى أن بوشكين، في “الغجر”، كان أقرب إلى الخيار الثاني، مما يجعل القصيدة خطوة تمهد لولادة أسلوبه الواقعي في مؤلفات له لاحقة مثل “يفغيني أونيغن”. وفضلاً عن ذلك، تتضمن القصيدة معالجة مبكرة لموضوع سيضحي مركزياً في الأدب الروسي: موضوع الإنسان الزائد على الحاجة، وهو موضوع سيصل إلى ذروته في القرن الـ19 عبر أعمال دوستويفسكي وليرمنتوف وتورغينييف، بحسب النقاد الروس. وما الكسي في “الغجر” سوى نموذج أولي لهذا الإنسان: مثقف، مرهف الحس، مشبع الذهن بالأفكار الرفيعة، لكنه عاجز حقاً عن إيجاد موقع حقيقي يشغله، لا في المجتمع “المتحضر” الذي هرب منه، ولا في حياة البساطة التي اعتنقها في المجتمع “البدائي” الذي لجأ اليه. ففي النهاية من الواضح أن إصرار الكسي على الوصول إلى الحرية المطلقة ورفضه لأي قيود، بما فيها تلك التي تعتبر قيود الحب، إنما يكشفان عن تناقض داخلي يلتهم بطلنا في النهاية. ولذلك تعد هذه القصيدة بياناً يعبر بصورة مبكرة ومبتكرة عن مأزق الإنسان الحديث في الثقافة الروسية. صورة البطل المركزية كما الحال في مجمل الأدب الروسي، وليس فقط لدى بوشكين، تشغل صورة البطل هنا مكانة مركزية، إذ تجسد بروفيل الرجل المتحضر الذي يأمل في أن يعثر على قوته ومكانته، بل حتى على سعادته المفقودة، عبر احتكاك يريده أول الأمر صادقاً، مع الطبيعة البدائية. ولعلنا لا نبتعد من الواقع إن نحن أشرنا هنا إلى جانب رئيس في “الغجر” يقوم على أن بوشكين قد استخدم لغته الرائعة وقدرته على الوصف لتصوير الحياة الحرة والبدوية التي يعيشها غجر قصيدته، وكانت النتيجة لوحة فاتنة وساحرة لحياة سيدهش القارئ حين يدرك أن بطل القصيدة، وهو على أية حال أنا / آخر لشاعرها، وليس فقط لأن اسميهما واحد، سرعان ما يفكر بمبارحة ذلك الفردوس المستعاد. وكما الحال في كتاب بوشكين السابق “أسير القوقاز”، هذا ما يجعل القصيدة موسومة بقدر كبير من التشاؤم الذي يبدو للوهلة الأولى غير مبرر، لكنه سرعان ما يجد ذرائعه في تلك المقارنة التي تجريها القصيدة، إنما من وجهة نظر بطلها، لا بالشكل المطلق، بين حياة حضرية وحياة بدوية. مقارنة تفيدنا في نهاية الأمر بأن العودة للطبيعة لا يمكنها أن تكون أكثر من حلم وواقع متوهم، وأن الكسي لن يكون بأية حال من الأحوال قادراً على أن يكسر الحلقة الراسخة التي تسير حياة المدينة مهما كان مسعاه إلى ذلك مخلصاً ومحقاً. ولا شك هنا أن بوشكين، في إقراره بهذا الواقع إنما سجل كذلك قطيعة مع شعر زميله الإنجليزي لورد بايرون، معتبراً إياه متوهماً في هذا المجال! المزيد عن: الكسندر بوشكينالأدب الروسيالغجرالقوقاز والقرم 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post على خطى تكساس.. فلوريدا تصنّف “الإخوان” و”كير” إرهابيتين next post “ازدواجية السياسي والثقافي” يكشف مشكلات “اليونسكو” You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026