Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » عندما تسهم الترجمة في تعزيز حضور الأدب الصيني عربياً

عندما تسهم الترجمة في تعزيز حضور الأدب الصيني عربياً

by admin

 

بحث نظري وميداني يقارب حركة المترجمين العرب قديما وحديثا

اندبندنت عربية / نشوة أحمد

لا تقف الترجمة عند حدود نقل النصوص من ضفة لغوية إلى أخرى، بل تتجاوزها لتؤدي أدواراً حضارية مفصلية، باعتبارها وسيلة رئيسة للتبادل المعرفي، وأداة لبناء حضور رمزي، تؤسس عبره الشعوب قوتها الناعمة. وعلى رغم العزلة التي حجبت الأدب الصيني لحقب زمنية طويلة خلف جدار من الصمت والغموض، فإن جهود الترجمة من اللغة الصينية، التي شهدت طفرة كبيرة في الأعوام الأخيرة، عملت على كسر هذه العزلة، وأتاحت له حضوراً لافتاً على الصعيد العربي.

يضع علي عطا إصبعه على جرح قديم، ويسائل صورة ذهنية اختزلت الصين في الفنون القتالية، وأكل الحشرات والكلاب، وتصدير الأوبئة، كاشفاً دور الغرب في ترسيخ هذه الصورة السطحية، وأثر الترجمة الأدبية في تصحيحها. ويحاول عبر كتابه الذي يدخل في باب “دراسات الترجمة”، التركيز على حركة ترجمة الأدب الصيني للغة العربية، وما تعكسه من تقارب صيني عربي متنامٍ، لافتاً إلى القواسم المشتركة بين المسيرة التاريخية لكل من الصين والبلدان العربية، التي خلقت نوعاً من كيمياء التلقي، جعلت بدورها القارئ العربي متعاطفاً مع موضوعات الأدب الصيني، ويرصد ما تواجهه الترجمة من تحديات لغوية، وما تتطلبه من قدرة على تكييف النص ليناسب الثقافة العربية، من دون الإخلال بروح الأصل، وهو ما يضعه عطا في إطار “الخيانة المستحبة”، في حين يحذر من “خيانة جوجل”، ويقصد بها الترجمة الحرفية التي تقتل الإبداع.

حقائق ومفارقات

الكتاب الجديد (دار بيت الحكمة)

يرتحل الكاتب إلى مناطق بعيدة من التاريخ، فيبلغ جهود بعض نجوم الترجمة القدامى أمثال ثابت بن قرة وحنين بن إسحاق والكندي وغيرهم. ويكشف عن مفارقات صارخة، فبينما وجدت الترجمة اهتماماً كبيراً في الحضارة الإسلامية، لا سيما في ظل حكم الخليفة المأمون، الذي كان يمنح المترجمين زنة كتبهم ذهباً، ظلت الحضارة الصينية مكتفية بذاتها لا تترجم إلا النزر اليسير من الكتب الدينية الخاصة بالبوذية والمسيحية.

ومع عودته للحاضر، يبين عطا تبدل الأدوار، فبينما تراجع العرب، وتفرقت مشاريع الترجمة في الزمان والمكان، بعيداً من أي خطة قومية جامعة، أدركت الصين أن الترجمة بوابة قوتها الناعمة وسبيلها إلى المستقبل، فعمدت إلى إنمائها، ولا سيما إلى العربية. وأسهمت في تأسيس أقسام لتعليم اللغة الصينية في الدول العربية، كذلك دعمت الترجمة من الصينية للغة الضاد عبر برامج متنوعة، منها برنامج “عبق طريق الحرير للكتب الصينية المترجمة”، و”مشروع ترويج الكتب الصينية في العالم”، وسلسلة “كلاسيكيات الصين”، وعلى رغم هذه المقارنة الضمنية الكاشفة لتأخر الواقع العربي عن نظيره الصيني في اللحاق بقاطرة التقدم، لا يغفل الكاتب بعض المحاولات الجادة التي شرعت فيها بعض المؤسسات مثل “المرصد العربي للترجمة”، الذي يهدف بصورة أساسية إلى توثيق حركة الترجمة في العالم العربي وتنسيق جهودها.

وإضافة إلى تتبعه تاريخ الترجمة وتطورها وأعلامها في العصور القديمة والحديثة، يفجر الكاتب قضايا أخرى تتعلق بجودتها وجمالياتها، وكذلك مركزية اللغة الإنجليزية، وعدم المساواة في السوق العالمية لرأس المال الإبداعي، التي دعت الناقدة الأميركية إميلي أبتر لتصحيحها، بهدف التغلب على الهيمنة الثقافية البيضاء.

بين الصناعة والفكر

في استقصائه مراحل تطور الحضور الصيني في الثقافة العربية، يقتفي الكاتب أثر النظرة العربية التاريخية التي حصرت الأمة الصينية، فترة طويلة في التفوق الحرفي والحكمة اليدوية. ويستدعي استشهاد الباحثة ياسمين رمضان بقول أبي حيان التوحيدي على لسان أستاذه أبي سليمان المنطقي في كتاب “المقابسات”: “نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وأيدي الصينيين”. غير أنه يبين تطور تلك النظرة عبر ما أنجزه ابن بطوطة، الذي يصفه هادي العلوي في كتابه “المستطرف الصيني” بأنه صاحب المجهود الحقيقي في اكتشاف الصين، إذ نفذ إلى عمق المجتمع الصيني، وتناول أوجهاً معرفية وثقافية جديدة لم يتطرق إليها أحد قبله، ممهداً بذلك لتغيير الصورة النمطية السائدة.

كتب صينية مترجمة إلى العربية (نيل وفرات)

وفي المقابل يتتبع عطا أثر العرب في الثقافة الصينية، الذي بدا في ظهور مفردات وعناصر عربية في الشعر الصيني التقليدي، دلل عليها الباحث هوانغ هوي بالسيف والجواد والمر واللبان والإبريق، وهي مفردات تعكس صورة العربي في الثقافة الصينية التي تقترن – وفقاً للباحث نفسه – بصفات الشجاعة والصبر والكرامة والقوة.

جاذبية عابرة للحدود

وعبر هذا الجسر التاريخي يرصد الكاتب رحلة ترجمة الأدب الصيني التي بدأت بالكلاسيكيات مثل “محاورات كونفوشيوس”، وكتاب “الطاو”، وصولاً إلى جيل المترجمين الجدد، الذين نقلوا نصوصاً معاصرة، من دون المرور بلغة وسيطة. ويحلل عطا سمات الأدب الصيني، التي منحته جاذبية في سوق النشر العربية، وتتنوع بين قدرة على نقد الأعراف الاجتماعية، وطرح موضوعات الفساد والتحولات السياسية، فضلاً عن جاذبية جمالية مستمدة من الواقعية السحرية. ويتوقف عند ما التقطه تشونغ جي كون من تشابه أديبي نوبل، نجيب محفوظ ومويان في الاهتمام بمعاناة الشعب، واللجوء إلى الفن الماكر لاستنكار الظلم بدلاً من التعبير الصارخ.

وفي المقابل يستعرض نماذج من الترجمات العربية إلى الصينية، التي بدأت بترجمة معاني القرآن الكريم، ثم انتقلت للجانب الإبداعي المتصل بالدين، كما في ترجمة قصيدة “البردة” للإمام البوصيري، وتبعها ترجمات إبداعية خالصة، شملت “ألف ليلة وليلة”، ومقاطع من شعر أبي نواس وأبي العتاهية والمتنبي والمعري. ويكشف عن غلبة العوامل السياسية على القيمة الأدبية في اختيار الأعمال العربية المترجمة إلى الصينية، بعد قيام الجمهورية الشعبية عام 1949، واستمرار تلك الإشكالية إلى أن انحسرت السطوة السياسية للثورة الثقافية، لتصبح القيمة الإبداعية معياراً للاختيار، مما جعل لنجيب محفوظ النصيب الأكبر من الاهتمام، وكذلك طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود درويش وأدونيس وبهاء طاهر ورضوى عاشور والمنسي قنديل، وغيرهم.

البووم الصيني

يذهب الكاتب لتشبيه الطفرة الحالية للأدب الصيني عربياً بظاهرة “البوم اللاتيني”، التي فجرها أدباء أميركا اللاتينية، وعلى رأسهم ماركيز، وعرف المجتمع العربي بها من طريق مترجمين كبار مثل صالح علماني. وينقل عطا عن المترجم أحمد السعيد حقائق رقمية مثيرة، عن الكتاب الصينيين الأكثر مبيعاً في العالم العربي، فبينما يحظى صاحب نوبل مويان بمبيعات جيدة، يتربع ليو جين يون على عرش الأكثر مبيعاً بروايتي “الطلاق على الطريقة الصينية”، و”تاريخ آخر للضحك” وتبرز أسماء أخرى مثل ليو خوان ووانغ شياو بو صاحب رواية “الزمن المفقود”.

ويتطرق إلى رواية “الزهرات الذابلات الثلاث” التي صدرت نسختها الصينية عام 1617، ويعدها النقاد أول عمل روائي صيني متكامل الأركان حول مركز الاهتمام – وفقاً للمستعربة زهيرة تشانغ هونغ إي – نحو الواقع الاجتماعي والأشخاص العاديين. ويستدعي عطا ما طرحته سوسن الأبطح حول الأدب الإنترنتي، ليحيل إلى ما قطعته الصين من أشواط ضوئية في هذا الأدب، الذي يعتمد أدوات جديدة. ويتمرد على الصيغ التقليدية للنشر، محققاً انتشاراً سريعاً، واعترافاً أكاديمياً، قاده للحصول على جوائز أدبية مهمة، وزامنه تقدم هائل على مستوى المعالجة الآلية للغة الصينية.

 على الطريقة الصينية

يغوص الكاتب في البنية الفنية للأدب الصيني، ويرى أن الصين أنبتت نسختها الخاصة من الواقعية السحرية، تحديداً عبر تيار “أدب البحث عن الجذور”، فعلى رغم اعتراف مويان بفضل كل من ماركيز وفوكنر، فإنه استطاع صنع واقعية سحرية بنكهة صينية خالصة. ومن مويان ينتقل عطا إلى وانغ شياو بو كأبرز فرسان البووم الصيني، ويتطرق إلى أعماله التي اتسمت بالعبثية والرمزية، وأسهمت بترجمتها إلى أكثر من 30 لغة، في كسر المركزية الأوروبية، ثم ينتقل إلى جيدي ماجيا الشاعر المنفتح على عذابات الإنسان، وصاحب الصوت العابر للحدود، ويتطرق إلى رواية “الشيفرة” للكاتب ماي جيا التي ترجمت إلى 33 لغة، وتعد الرواية الصينية الأولى، التي تحفظ في المكتبة العالمية، ويربط عبرها بين الشيفرة الأدبية والشيفرة التكنولوجية، التي مكنت الصين عبر الريادة الرقمية من انتشال الملايين من الفقر.

يواصل الكاتب الاشتباك مع كثير من الأعمال الأدبية الصينية المهمة، مثل رواية “رحلة إلى الشمال” للكاتب شيو تسي شن، التي تتبع تاريخ الصين وترصد تحولها من إمبراطورية إلى دولة حديثة، كاشفة عن الاغتراب الثقافي بين الشرق والغرب. ويعرج على رواية “رباعية المدينة” لقوه مينغ هوي، التي توثق قرناً من التحولات حيث تتشابك المصائر في سردية ملحمية، ثم ينتقل إلى منطقة أكثر سخونة، مشتبكاً مع نصوص تعري المسكوت عنه، فتكشف الفساد السياسي وتبعاته كما في رواية “بعد النهاية” للكاتب تشو دا شين، ورواية “رحلة رجل الزمن القديم” للكاتب ليو غه، ورواية “أكثر من طفل” التي تمثل صوت الجيل الخفي، جيل الأطفال الزائدين الذين عاشوا في الظلام بسبب سياسة الطفل الواحد، وكذلك رواية “زوجات ومحظيات” لسو تونغ، التي تتعرض لقهر المرأة في الإقطاع، وتحيل إلى تشابه أوضاع النساء، على رغم اختلاف الأماكن والأزمنة.

في الختام يضع الكاتب يده على أهم التحديات، التي تواجه التبادل والتعاون الصيني العربي في مجالي الترجمة والنشر، بدءاً من محدودية تنوع الكتب، وتذبذب جودة الترجمة، مروراً بتدني اهتمام شباب القراء العرب بالأدب الصيني مقارنة بأدب دول آسيوية أخرى، مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وصولاً إلى المعضلة اللغوية المتمثلة في صعوبة اللغة الصينية وتشعب لهجاتها المحلي، ويجد أن الأفلمة تعمل بصورة فاعلة على كسر الهوة بين الرواية الصينية والجمهور غير الناطق بهذه اللغة، مستعرضاً تجربة منصة “آي كيو” في تحويل الأدب إلى سينما، وظاهرة قرية هنغديان التي تحولت إلى “هوليوود الشرق” بفضل غزارة إنتاجها، ويؤكد عطا الحاجة الماسة إلى اتجاه الأدب العربي شرقاً، وضرورة كسر المركزية الأوروبية.

المزيد عن: الأدب الصيني الترجمة إلى العربية الحضارة التقاليد مترجمون العصر القديم الحداثة

 

 

 

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00