شيروود أندرسون (1876 - 1941) (غيتي) ثقافة و فنون شيروود أندرسون: كل كتابة كاذبة حتى وإن كانت سيرة ذاتية by admin 15 November، 2025 written by admin 15 November، 2025 74 “طفولة تار مورهيد”: حسناً لنفترض جدلاً أن تلك هي حكاية حياتي! اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب عندما حقق مبدعو “الجيل الضائع” من الأميركيين الذين ارتبطت أسماؤهم بوجودهم في باريس، بأكثر مما ارتبطت بوجودهم في وطنهم الأميركي، تلك المكانة التي اعتبرت نوعاً من تجديد كبير في الحداثة الأدبية في أميركا وأوروبا، كان شيروود أندرسون (1876 – 1941) أكبر سناً من أن يعتبر نفسه منتمياً إليهم، غير أن كثراً منهم قالوا على أية حال، إنهم يسيرون على خطاه في حداثة أدبية صارخة. من هنا، كان أندرسون، حتى وإن لم يكن كذلك، في الوطن نفسه، معلماً من معالم تلك الحداثة، أما هو نفسه فكان لا يعبأ بذلك كله، كان كل همه أن يكتب وأن يكتب روايات بالتحديد، وهو الذي كان ينظر حتى إلى كتب ونصوص عدة من نتاجه تناولت سيرته وسيرة المناطق التي عاش فيها، بوصفها روايات حقيقية ولو من منطلق أن الأدب الروائي يقوم في مجمله على الكذب، “نحن أيها السادة نميل إلى هذا الكذب اللذيذ حتى حين نكتب عن أنفسنا ما نريد للآخرين أن يعتبروه حقائق خالصة!”، كما قال مرة في محاضرة له. طبعة مبكرة رواية “تار” (أمازون) من هنا أيضاً، حين أصدر شيروود أندرسون عام 1926 كتاب “سيرة طفولته” الذي ينظر إليه مؤرخو الأدب الأميركي باعتباره أجمل كتبه وأهمها، لم يفته أن يشير إلى أنه لئن كان قد اقترح لبطل كتابه اسماً آخر غير اسمه هو، فما هذا إلا لأن كثيراً مما عاشه هذا البطل، قد يشبه ما عاشه هو نفسه، لكن ثمة اختلافات كثيرة “ستجعلني أبدو كاذباً إن جعلتها في الكتاب ملتصقة بحياتي الشخصية، ومن هنا آثرت أن أسلك درب النزاهة فكتبت عن طفولتي وكأنها طفولة فتى آخر، وليعتقد من يريد أن يعتقد أنها طفولتي فلا ضير في ذلك”، بحسب ما كتب مرة يقول مفسراً فلسفته هذه. حكاية في كتابين وأكثر حمل الكتاب الذي نشير إليه هنا عنواناً بات واسع الشهرة في الحياة الأدبية الأميركية “تار: طفولة في الغرب الأوسط”. وربما يعود جزء من شهرته إلى ذلك التصريح الذي عبر عنه المؤلف يوم صدور الكتاب بقوله “إن فن رواية الحكايات كله ليس أكثر من ممارسة كبرى لفن الكذب”. وهو ما عاد وكرره لاحقاً حتى حين أصدرت سيرته الذاتية بعد أعوام طويلة بعنوان “رار يروي سيرته: أبي وأنا”، ممعناً في تفسير الأمر إلى درجة بات يعتبره معها “فعل إيمانه الخاص”. غير أن ما بدا في النهاية منهجاً في “النزاهة الكتابية”، كان يبدو أول الأمر في “حكاية تار” لعبة أدبية ظريفة. من هنا حقق هذا الكتاب تلك المكانة التي جعلت أبناء “الجيل الضائع” يتبنون تلك السيرة المقنعة المبكرة كنوع أدبي جديد، جاعلين من تفسير أندرسون قانوناً للنوع، إذ تبنوا كذلك قوله “لأن كل الكتابة كذب في كذب، قد يتعين علينا أن نتبع التكتيك التالي الذي اتبعته أنا، إذ اخترعت شخصية تار مورهيد، ليمثلني بشكل جعلني من خلاله فقط أقبل نفسي كما أنا. فهو، كما صورته، كائن يكذب منذ طفولته، وصاحب مخيلة واسعة منذ وعى العالم. لقد قلت لنفسي: “لماذا تراك لا تقبل بأن تكون ما أنت عليه؟ والحقيقة أنني ما إن تلفظت ذات لحظة بهذه العبارات حتى جلست إلى طاولتي ورحت أكتب… أكتب حقائق مختلطة بالأكاذيب في مأمن ممن قد يتهمونني بالمبالغة”. فما الذي كتبه؟ مشاهد وحكايات ليس كتاب “تار: طفولة في الغرب الأوسط” إذاً، رواية بالمعنى التقليدي للكلمة، بل هو مجموعة مشاهد وحكايات متصلة ببعضها بعضاً يرسم من خلالها المؤلف عالم “تار” الذي اتفقنا أعلاه على أنه نسخة متخيلة من أندرسون نفسه، ولكن لمَ كتب أندرسون هذا النص؟ ببساطة لأنه كان يشعر أن طفولته الحقيقية مليئة بالفوضى وضروب التنقل من مكان إلى آخر، والفقر، لكنه في الوقت نفسه وجد فيها البذرة النفسية لمعظم كتاباته، ومن هنا نجده في “تار” يعيد تنظيم طفولته فنياً، ويحول فوضاها إلى سرد متماسك، ثم ينطلق ليصنع لحياته ميثولوجيا خاصة بها، مثلما يفعل الروائيون الكبار عندما يعيدون بناء صورتهم عن العالم. فيكتب، على سبيل المثال، الأصل الذي خرجت منه أعماله الأهم والأجمل مثل روايته الكبرى “واينسبرغ، أوهايو”. والحقيقة أننا إذا تابعنا ما يمكننا اعتباره العناصر المركزية في “تار” سنجد أن الكاتب يقدم من خلال مدينته الصغيرة في ولاية أوهايو، صورة حية لمدينة الغرب الأوسط، حيث العلاقات بسيطة ومباشرة، والشخصيات تتسم بغرابة وطرافة لافتتين، إضافة إلى وجود إحساس دائم بالانغلاق وصعوبة البحث عن مخرج. والحقيقة أن هذا العالم الذي يبنيه أندرسون في “تار” هو البنية التحتية لكل أعماله اللاحقة، وكذلك لا بد من أن نشير هنا إلى أن صورة الأب في “تار” جاءت قريبة جداً من صورة والد أندرسون الحقيقي، الأب الضعيف والضائع، على رغم أنه شخص موهوب، فإنه يفتقر إلى مقومات النجاح ويتسم بكثرة الوعود والعجز عن الفعل، لذا تمثل هذه الشخصية خيبة الطفل الذي كانه “تار”، وهي خيبة لا تغيب عن أي من أعمال أندرسون الرئيسة. الأم وعذابها الدائم، وفي المقابل لا تغيب شخصية الأم كما نراها مرسومة حنوناً مرهقة في “تار” حين تظهر كركيزة روحية في البيت، لكنها دائماً منهكة بفعل الفقر. ولا يفوتنا أن نلاحظ هنا كيف أن هذه الازدواجية في شخصية الأم بين الحنان والمعاناة هي التي تطبع معظم الأمهات في أدب أندرسون، هذا الأدب الذي يرصد الكاتب في “تار” ومن خلال هذه الشخصية تحديداً، لحظات وعيه على الكتابة حين يشعر الطفل أن الكلمات يمكنها أن تنقذه من فوضى العالم، ومن ثم تتشكل في وعي الفتى “تار” فكرة ملحاحة مفادها بأن الكتابة ليست بالنسبة إليه مهارة أو موهبة، بل هي مجرد ملاذ منقذ. وهكذا يرتاح “تار” إلى الكتابة، بل يعمل وبشكل تلقائي على تنقية أسلوب كتابي، سيصبح لاحقاً فقط أسلوبه الأدبي، خاصاً به، ولا يتوانى الكاتب هنا عن تعريفنا بهذا الأسلوب وبشيء من الصرامة العلمية: أنه يتبنى نبرة هادئة وشاعرية، ويمعن في اللجوء إلى تلك التفاصيل الصغيرة والمتواترة في عمله على خلق جو حميم يعبر بالجمل القصيرة والحس الإنساني العميق، ومع ذلك ليس ثمة في “تار” حبكة تقليدية، بل سيل من الذكريات المتدفقة، ولا شك أن في إمكاننا أن نزعم هنا أن هذا الأسلوب سيمارس تأثيراً كبيراً في همنغواي وفولكنر لاحقاً، أما بالنسبة إلى كتابات أندرسون نفسها فإن النقاد يتفقون على أن “تار” نص لا غنى عنه لفهم شيروود أندرسون بوصفه من أبرز مبدعي تيار الواقعية الريفية الأميركية، ناهيك بأن الكتاب نفسه يمكن النظر إليه بوصفه “وثيقة فنية تظهر كيف يمكن أن تتحول التجربة الشخصية إلى قطعة من الأدب العالمي”. المزيد عن: شيروود أندرسونطفولة تار مورهيدالحياة الأدبية الأميركيةتار مورهيد 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ما هي عجائب الدنيا السبع وكيف تزورون المواقع المدرجة في القائمة الحديثة؟ next post عودة سينما الموجة الفرنسية الجديدة في حقبة تكنولوجيا الفرد You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026