وولفغانغ أماديوس موزارت (غيتي) ثقافة و فنون سيمفونية “جوبيتر”… ذروة الإبداع الموزارتي by admin 29 أبريل، 2026 written by admin 29 أبريل، 2026 16 قراءة في العمل السيمفوني الـ41 وملامح نضجه الفني والروحي اندبندنت عربية/ إبراهيم العريس باحث وكاتب في عام 1788، قبل وفاته بثلاث سنوات، كان موزارت في الـ32 من عمره، مفلساً مريضاً يعيش هبوطاً مدهشاً في معنوياته، ويخيل إليه وإلى كثر من الذين يحيطون به، أن فنه لن تقوم له قائمة بعد اليوم. ومع ذلك فاجأ العبقري الشاب أهله ومحبيه في صيف ذلك العام باشتغاله على ثلاث سيمفونيات أنجزها في وقت واحد، وخلال فترة زمنية لا تزيد على ستة أسابيع. وكان من بين هذه السيمفونيات، الأخيرة التي تحمل الرقم 41 بين أعماله من هذا النوع، وتعرف باسم “جوبيتر”. واللافت هو أن هذه السيمفونية تعتبر الأقوى والأجمل بين مجمل إنتاجه السيمفوني، بل يذهب بعض النقاد والباحثين أنها الوحيدة وربما إلى جانب سابقتها، الرقم 40، التي تفوق فيها موزارت على أعماله الأوبرالية، خصوصاً على “دون جيوفاني” التي لحنها قبلها بعام، وعلى “هكذا يفعلنها جميعاً” التي كتبها بعدها بعام، إذ يرى هؤلاء أنه بقدر ما كان موزارت عبقرياً في فن الأوبرا، ثم خصوصاً في كونشرتوات البيانو، كانت أعماله السيمفونية بصورة عامة، أقل عبقرية من تلك الأعمال. غير أن هؤلاء الباحثين يعترفون للـ40 وللـ41، بمكانة شديدة التقدم والعلو في موسيقى موزارت ككل، ومع هذا ليس ثمة من بين المؤرخين والباحثين من يؤكد أو لا يؤكد أن سيمفونية جوبيتر قد عزفت خلال حياة مؤلفها. ففي الوقت الذي انتهى من كتابتها يوم الـ10 من أغسطس (آب) من عام 1788، كان موزارت منهمكاً لأسباب معيشية لا أكثر، في تحضير سلسلته الموسيقية المعروفة بـ”كونشرتو للكازينو”، وذلك كي تقدم هذه الأعمال القصيرة في سهرات الكازينو الجديد الذي كان افتتحه صديقه فرانك أوتو. والحقيقة أن التاريخ لا يقول لنا، حتى في هذا المجال، ما إذا كانت تلك السلسلة نفسها قدمت في الكازينو أو لم تقدم. ويمكننا أن نتصور هنا أيضاً كم أن هذا كله أسهم في هبوط معنويات موزارت أكثر وأكثر، وأدى إلى استسلامه أمام المرض والتعب اللذين سيقضيان عليه بعد أعوام قليلة. هندسة موسيقية غير مسبوقة غير أن هذا كله لا علاقة له، لحسن الحظ، بالمستوى المدهش الذي أوصل إليه موزارت سيمفونية “جوبيتر” هذه. إذ ها هو هنا بعد انسيابية سيمفونيته قبل السابقة عليها، والمعاناة الشديدة التي عبر عنها في السابقة، ها هو في “الـ41” يقدم عملاً ذا ثراء في الآلات لا سابق له، عملاً يشهد على قوة وحيه وقدرته على رسم هندسة تضع العمل الموسيقي في إطار يمزج بين أقصى درجات العقلانية البنائية، وأروع التعبير عن البعد الأسطوري. ومن هنا كان عنوان “جوبيتر” الفلكي والأسطوري معاً، الذي أطلق على هذه السيمفونية. ولعل إدراكاً للخلفية العقلانية التي زود موزارت نفسه بها في الحقبة التي اشتغل فيها على “جوبيتر” كافية لتوضيح صورة ما تتعلق بها. إذ في ذلك الحين كان الموسيقي العبقري قد اشتغل على دراسات للكلاسيكيات، لحساب واحد من أعيان فيينا. وهذه الدراسات وضعته في قلب عدد من الأعمال الفنية والفكرية، في شكل راكم كل هذه الأعمال ومدلولاتها في ذهنه إلى درجة أن أي مستمع واع لسيمفونية “جوبيتر” لن يفوته تأثير ذلك التراكم في ما لجأ إليه موزارت من تركيبيته للبنية الموسيقية، في عمل صور أفضل تصوير ذلك التطور الكبير الذي كان أصاب علم “الكونتربوان”. وعلى هذا النحو، حركة بعد حركة في هذا العمل من مقام “سي كبير” والمؤلف من أربع حركات، آليغرو فيفاتشي، وآندانتي كانتابيلي، ومنويتو آليغرتو – ثلاثي، ومولتو آليغرو – يقدم لنا موزارت موسيقى صاخبة التعبير، ولكن لا يفوتها بين الحين والآخر أن تغرق في شجن عميق، شجن يبدو في تعبيرات المؤلف، خارجاً عن أي منطق هندسي، وتلعب فيه الوتريات دوراً أساسياً. “جوبيتر” في إصدار حديث (أمازون) بين موزارت وبيتهوفن ولعلهم محقون، هنا، أولئك الباحثين الذين رأوا في الحركة الأولى “آليغرو فيفاتشي” إيذاناً بولادة هذه الصيغة مرات ومرات في بعض أجمل لحظات عدد من سيمفونيات بيتهوفن، ولا سيما في تركيبة المواضيع التي كانت مشتركة لدى المؤلفين الكبيرين. ويفيدنا المحللون هنا كيف أن موزارت ومنذ مقاربته الموضوع الأول في سيمفونيته، انطلق انطلاقة قوية في تأكيد غنائي، راح يتجاوب مع قدر الطاقة المفرغة في الجمل الموسيقية الأولى، ولكن في صيغة سؤال ورجاء جعل موزارت لهما في الحركة كلها مكانة رئيسة، وكأنه أراد أن يجعل من الحركات الثلاث الباقية إجابات واستجابات. ولعل ملاحظة أساسية تفرض نفسها هنا، تقول لنا إن هذه المواضيع في الحركة الأولى تبدو، في تأرجحها، غير معهودة في الموسيقى الموزارتية التي اعتادت أن تكون أكثر ثقة بنفسها، وبالتالي أكثر انسيابية في تأكيد موضوعها. البعد الدرامي والرومانسي ولعل موزارت تنبه إلى هذا، إذ نجده يعود في الحركة التالية إلى ثقته وانسيابيته، ولا سيما حين يدخل، في وقت يكون انسياب اللحن متواصلاً، جملاً تكاد تنتمي إلى فن الأوبرا الساخرة الذي كان يطبع عدد من تلحيناته في هذا المجال. بل يمكن أن نلاحظ هنا كيف أن موزارت يبدو وكأنه خشي الاستطراد في أسلوب “الأوبرا – بوف” هنا ما يفقد عمله دراميته، لذا نراه يستعيد بسرعة اللمحات الدرامية الأولى، ولكن ليس لفترة طويلة في أسلوب “الاندانتي كانتابيلي” الذي يملأ، في الأقل، نهاية الحركة الثانية، خصوصاً حين يعلو صوت آلات الكمان العديدة في غناء يكاد يبدو رومانسياً. وسيعود موزارت ليستخدم هذه الموضوعة ربما كلازمة تذكيرية في الحركتين الأخيرتين، إذ سرعان ما يقطع ذلك الألق الرومانسي الوتري، بجمل صاخبة، يتلوها عزف نايات شجية، لينهي هذا، كل مرة بجمل فانتازية، لعلها هي التي جعلت هذه السيمفونية تستحق اسم “جوبيتر”. بيد أن علينا أن نلاحظ هنا أن الحركة الختامية، إذ تلوح بعد تلك المقدمات، سرعان ما تبدو، هي، الحركة التي تبرر أكثر اسم “جوبيتر”، بصورة تجعل اللازمات والمواضيع العديدة التي تتلاحق في الحركات الثلاث السابقة، تبدو ممهدة منطقية للحركة الختامية. وهذا ما جعل الباحثين والنقاد ينظرون إلى السيمفونية الـ41 هذه، على اعتبارها سيمفونية هندسية، بل إن بعض المحللين يصل في عمق تحليله إلى أن سيمفونية “جوبيتر” هي العمل الذي عبر فيه موزارت أفضل وأعمق تعبير عن ارتباطه الفكري والروحي بالماسونية، طائفة البنائين الأحرار، إذ إن بنية العمل ككل تنتمي إلى تلك الهندسة المعمارية التي تبدو مدروسة بعمق، بحيث أن استماعاً متكرراً إلى هذا العمل ووعياً بتركيبية حركاته الأربع، يكشفان عن تلك العقلانية البنيانية التي تحدثنا عنها أول هذا الكلام، أو في الأقل عن جدل ماكر أقامه الفنان بين رومانطيقية كلاسيكية انسيابية، ولحظات هندسية مركبة. ومن هنا يكشف هذا العمل السيمفوني الأخير لموزارت عن نضج روحي وتقني يجعل “جوبيتر” تتويجاً لعمله ككل، وكذلك للدوامة التي كان يعيشها خلال تلك السنوات الأخيرة من حياته، بين معاناة رومانسية وجودية من ناحية، ونزعة إنسانية صلبة وشديدة العمق من الناحية الثانية. عبقرية مبتورة على رغم أن موزارت كتب أكثر من 560 عملاً طوال حياته الفنية، فإننا نعرف أنه لم يعش سوى 35 عاماً. وهذا الواقع هو الذي يبرر السؤال الحائر والعميق الذي يقول: إذا كان هذا الفنان الاستثنائي كتب خلال حياته القصيرة كل هذا الكم والنوع من الأعمال الموسيقية الرائعة والمتنوعة، ما الذي كان في إمكانه أن ينتجه لو أنه عاش أطول؟ ولو أن حياته لم تنته بذلك الوباء الذي أصابه في فيينا ليقضي عليه عام 1791 ويرمي بجثمانه مثل أي ميت بائس، هو الذي أبدع للموسيقى أعمالاً خالدة من الصعب وضع لائحة نهائية بها، وإن كان من السهل التذكير ببعض عناوينها، في مجال الأوبرا والسيمفونية والسوناتا والكونشرتو، وصولاً إلى أعمال تجمع كل الأنواع، وأعمال أخرى تقف خارج التصنيف، ولا سيما القداس الأخير الذي ختم به حياته، ولا يزال إلى اليوم قائماً لغز ذلك “الشبح” الذي زاره وأوصاه أن يكتبه؟ المزيد عن: وولفغانغ أماديوس موزارت السيمفونية الـ 41 جوبيتر بيتهوفن 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الحياة الانسانية ليست سلعة في سوق المقاولات الربحية next post لاسلو نمش يسترجع صفحة حالكة من ماضي المجر You may also like لاسلو نمش يسترجع صفحة حالكة من ماضي المجر 29 أبريل، 2026 الحياة الانسانية ليست سلعة في سوق المقاولات الربحية 29 أبريل، 2026 ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026