لعل الناظر إلى رؤى والت يدرك أن الرجل مهموم، بل محموم بالمشهد الأميركي– الآسيوي (مواقع التواصل) عرب وعالم ستيفن والت… من رأى نهاية أميركا بمنظار الواقع by admin 10 يوليو، 2025 written by admin 10 يوليو، 2025 169 يستشرف أخطاء النخبة وخطايا القيادة باحثاً عن الأسباب الحقيقية وراء تغير المشهد الجيوسياسي العالمي اندبندنت عربية يصعب على المرء أن يجد توصيفاً محدداً لهذا المفكر الأميركي الذائع الصيت، فهو ليس فقط أستاذاً للعلاقات السياسية في جامعة “هارفارد”، ولكنه منظّر استراتيجي لحال ومآل الولايات المتحدة على أكثر من صعيد، ذلك أنه وفي ما يرصد تحركات الداخل السياسي الذي يراه والت مأزوماً، يتابع صعود الخارج على الأصعدة المختلفة، عطفاً على تقديراته لحروب أميركا الحديثة، وأزماتها المعاصرة، من روسيا إلى الصين، ومن إيران إلى غزة. ولعل الناظر إلى رؤى والت يدرك أن الرجل مهموم، بل محموم بالمشهد الأميركي– الآسيوي، حيث الصراع المؤكد في القرن الـ21، والذي سيحتدم في تقديره عما قريب، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، أولى شطراً كبيراً من حياته مكرساً إياه لمتابعة العلاقات الأميركية- الإسرائيلية، وأوضاع النفوذ الخاص باللوبي الداعم لإسرائيل في واشنطن، وقد عرف بمؤلفه المثير للجدل الذي أصدره مع زميله البروفيسور جون ميرشايمرز، وكاد أن يتسبب له في اتهامات بمعاداة السامية. ولعل المواجهة الأميركية– الإيرانية الأخيرة فتحت الباب واسعاً أمام تقييم والت لما سماه “غرور الحرب” عند ترمب، وهل يمكن أن تكون أراضي الفرس مستنقعاً جديداً للأميركيين مثلما كانت الحال في فيتنام وأفغانستان والعراق؟ على أن من أهم رؤى البروفيسور والت في السنوات الأخيرة، ما قدمه للداخل الأميركي حول كيفية السلوك الدولي، وقد بدا وكأنه صنو لزيجينو بريجنسكي، حكيم أميركا الأخير ومستشارها للأمن القومي في ثمانينيات القرن المنصرم. يؤيد والت فكرة التعاون لا الهيمنة، ويعتقد أن من الأفضل لواشنطن أن تمد جسور التعاون لا أن تقيم الجدران العازلة، سواء بينها وبين جيرانها الجغرافيين، أو الأسوار النفسية مع بقية دول العالم، ومعتبراً أن الحضور وسط العالم وتعزيز أمنه وسلامه، سينعكس برداً وسلاماً على الداخل الأميركي ولن يختصم منه كما يزعم دعاة القوة الأميركية الخشنة. فمن أين للمرء أن يبدأ؟ من الكيمياء إلى العلاقات الدولية ولد ستيفن مارتن والت في 2 يوليو (تموز) 1955 بمدينة لوس آلاموس الشهيرة، حيث أهم المفاعلات النووية الأميركية بولاية نيومكسيكو. والده شغل منصباً مهماً كفيزيائي متميز في مختبر المدنية الوطني الشهير، ووالدته معلمة. انتقلت العائلة إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو عندما كان ستيفن يبلغ من العمر نحو ثمانية أشهر. أكمل والت دراسته الجامعية في جامعة “ستانفورد”، ولعل من مفارقات القدر أن يتخصص بداية الأمر في علوم الكيمياء، إذ كان يحلم بأن يصبح عالم كيمياء حيوية، غير أن مقادير الحياة سارت به ومعه إلى حيث موقع وموضع آخر، أي نحو عالم العلاقات الدولية، حيث كيمياء أخرى تجري بين الأمم والشعوب، بأدوات من الشدة واللين، السلام والحرب، عبر دروب التاريخ وخرائط الجغرافيا. يعتقد والت أن من الأفضل لواشنطن أن تمد جسور التعاون لا أن تقيم الجدران العازلة (أ ب) بدأت الرحلة المفصلية لوالت عبر دراسة التاريخ، ويبدو أن صفحاته فتحت له الأبواب واسعة لفهم حركة الزمان وأحاجي الإنسان، لينتقل من بعدها إلى مرحلة دراسات العلاقات الدولية. بعد حصوله على درجة البكالوريوس، بدأ والت دراساته العليا في جامعة “كاليفورنيا”، بيركلي، وتخرج بدرجة الماجستير في العلوم السياسية عام 1978، ودرجة الدكتوراه عام 1982. طوال أربعة عقود من العمل الأكاديمي والكتابة لكبريات المجلات السياسية الأميركية المتخصصة، لا سيما مجلة الـ”فورين أفيرز” الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، درّس والت في جامعة “برينستون” الشهيرة، وجامعة “شيكاغو”، حيث شغل منصب رئيس قسم العلوم الاجتماعية، ونائب عميد كلية العلوم الاجتماعية، واعتباراً من عام 2015، يشغل منصب أستاذ روبرت ورينيه بيلفر للشؤون الدولية في كلية “كيندي” بجامعة “هارفارد”. يعد والت محاضراً مفوهاً في كثير من الأكاديميات والمؤسسات العلمية الأميركية، وتلقى آراؤه عن قضايا السياسة الخارجية اهتماماً واسعاً، لا سيما أنه عادة ما يضمنها كتبه المهمة. فماذا عن أهم تلك الآراء؟ طهران – تل أبيب وغرور ترمب لنبدأ مشاغبة أفكار والت من عند آخر كتاباته عبر مجلة الـ”فورين بوليسي”، حيث يكتب عموداً ثابتاً يناقش فيه آخر تطورات مشهد العلاقات الدولية، وقد جاءت المواجهات الإيرانية– الإسرائيلية والتدخل الأميركي فرصة ليدلي بدلوه في المشهد. وقبل مناقشة آراء والت يعن لنا أن نتساءل “هل يمكن لترمب أن يشذ عن فكرة الحرب التقليدية التي سيطرت على عقول الرؤساء الأميركيين، من حرب الاستقلال عند جورج واشنطن، إلى حرب إيران؟ المعروف أن فكرة اليانكي، الذي استولى على أراضي الهنود الحمر، لا تزال تسيطر وبقوة على مقدرات التفكير في البيت الأبيض، حيث لكل رئيس حربه التي عليه أن يظهر فيها فحولته السياسية في ميادين ضرب النار. مهما يكن من أمر، فإن والت يعتبر أن الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران كانت في واقع الأمر أقل أهمية مما تبدو عليه. يجزم والت بأن ما جرى هو حرب فعلية، غير أنه ربما يفاجئ جمهور قراءه بأنها حرب لم تكن تهدف إلى جعل الولايات المتحدة أكثر أمناً وازدهاراً، أو أكثر احتراماً وإعجاباً حول العالم. وعنده أنه بصرف النظر عما يدعيه ترمب على منصته “تروث سوشيال”، أو ما يقوله أتباعه المخلصون، لم تكن تهدف إلى جعل الشرق الأوسط أكثر استقراراً، أو حتى حماية إسرائيل على المدى البعيد. فكيف لنا أن نفهم مغزى حديث والت؟ بداية لم تكن إيران على وشك امتلاك سلاح نووي، هو ما صرحت به مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد أمام الكونغرس، قبل أن يجبرها البيت الأبيض على التراجع. وحتى لو حصلت طهران على القنبلة يوماً ما، فلن يتمكن قادتها من استخدامها ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل من دون انتحار وطني، لأن إسرائيل تمتلك العشرات من قنابلها النووية، والولايات المتحدة تمتلك الآلاف منها، وهو الأمر الذي يدركه قادة إيران جيداً. المواجهة مع إيران فتحت الباب واسعاً أمام تقييم والت لما سماه “غرور الحرب” عند ترمب (أ ف ب) ويخلص والت إلى أنه لا ينبغي أن يفاجئ هذا التوجه أحداً في هذه المرحلة، لأن مسيرة ترمب المهنية بأكملها استندت إلى قدرة ملحوظة على إقناع ملايين الناس بأنه شيء مختلف عن حقيقته. على رغم أنه كان رجل أعمال عادياً، لكنه كان بارعاً في إقناع المغفلين الجدد بإقراضه المال، وبارعاً في لعب دور قطب ناجح على شاشة التلفزيون. أكدت إعادة انتخابه قدرته على خداع الملايين– يقول والت– والآن يدخل أميركا في حرب لإرضاء غروره، لا سيما بعد أن أوهم الملايين بأنه صاحب رؤية لجعل البلاد أعظم، حتى مع تفكيك إدارته عديداً من المؤسسات التي يعتمد عليها الأميركيون العاديون وتُبنى عليها القوة والنفوذ الأميركيان. لقد صنعت السياسة في أميركا المعاصرة لشخص مثل ترمب، الذي يتناسب طموحه الهائل وتجاهله للحقيقة تماماً مع عالم تهم فيه الصورة والنقرات وحجم الجمهور، أكثر من الحقائق والإنجازات. فهل كانت الهجمات لإرضاء غرور ترمب فقط، أم خدمة للنفوذ الإسرائيلي في الداخل الأميركي؟ نفوذ أميركا على إسرائيل يتراجع في عام 2007، أصدر ستيفن والت بالشراكة مع جون ميرشايمرز، عملاً ربما هو الأول من نوعه في الداخل الأميركي، وذلك في تناوله لنفوذ جماعات الضغط الموالية لإسرائيل. حمل الكتاب عنوان “اللوبي الإسرائيلي وسياسة أميركا الخارجية”، وفيه يقول علانية وللمرة الأولى إن اللوبي الإسرائيلي أصبح يشكل عبئاً خطراً على الولايات المتحدة، وقد أوقعها في ارتباكات وإحراجات محلياً وعالمياً. قبل نحو عقدين من الزمن ومع صدور هذا الكتاب، أطلق والت مجالاً مستفيضاً لمناقشة دور المسيحية الصهيونية، وألقى الضوء على الحجج الأخلاقية التي ترفعها الولايات المتحدة وتتمسك بها لتبرر الدعم الأميركي اللامتناهي للدولة اليهودية على رغم وحشيتها في التعامل مع الفلسطينيين، كما يتكلم بوضوح عن المخططات التي تجري في الداخل الأميركي لاستهداف إيران، كما يصور حرص المرشحين للرئاسة الأميركية على نيل رضا اللوبي، والتعهدات السرية بتنفيذ رغباته لضمان وصولهم إلى سدة الرئاسة. ويعن لنا التساؤل: هل تغيرت آراء والت بعد هذه السنوات التي تقترب من 20 سنة؟ مسيرة ترمب المهنية بأكملها استندت إلى قدرة ملحوظة على إقناع الملايين بأنه مختلف (أ ف ب) من الواضح أن شيئاً لم يتغير في الداخل الأميركي على رغم كتابات والت المعمقة، وهذا ما جعله يقر في مارس (آذار) من العام الماضي بأن نفوذ الولايات المتحدة على إسرائيل يبدو أقل مما يعتقد كثير من المراقبين حول العالم. اتهامات والت طاولت في ذلك الوقت الرئيس الديمقراطي جو بايدن، ما يعني أن نفوذ اللوبي الداعم لإسرائيل ينسحب على الديمقراطيين بنفس قدر انسحابه على الجمهوريين. يصف والت مشهد المأساة في غزة بقوله “في حين أصيب بايدن ومساعدوه بالجزع جراء حصيلة الضحايا المتصاعدة، وشعورهم بالاستياء من رفض إسرائيل السماح بوصول إمدادات كافية من المساعدات الإنسانية إلى مئات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء الذين أجبروا على الفرار من منازلهم، لم يوقف بايدن تدفق الأسلحة الأميركية، واستخدمت الولايات المتحدة حق النقض على ثلاث قرارات بمجلس الأمن تدعو لوقف إطلاق النار. على أن منتقدي بايدن في ذلك الوقت افترضوا أن الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ هائل على إسرائيل، وأن كلمة صارمة من بايدن، مقترنة بتهديدات تقليص أو وقف المساعدات الأميركية، من شأنها أن تجبر إسرائيل على تغيير مسارها بسرعة. هنا رأى والت أن هذا الافتراض يستحق التدقيق، لأن من وصفهم بالدول الأضعف، غالباً ما ترفض الامتثال لطلبات الولايات المتحدة، وأحيانا تفلت بفعلتها، مشيراً إلى تحمل إيران وكوريا الشمالية العقوبات على مدار عقود ومواصلتهم تحدي واشنطن. أما حلفاء أميركا المقربين فأحياناً يقاومون الضغط الأميركي، كما فعلت ألمانيا عندما واصلت بناء خط أنابيب “نورد ستريم 2” على رغم اعتراض الولايات المتحدة. بالمثل، قاوم قادة إسرائيليون من ديفيد بن غوريون إلى بنيامين نتنياهو الضغط الأميركي في مناسبات عدة وإن لم يكن دائماً، مما يرجح أن حجم النفوذ الذي تتمتع به واشنطن في أية لحظة يعتمد على أكثر من الحجم الهائل للسخاء الأميركي على حد وصف والت. هل يعني ذلك أن موازين السياسة الدولية باتت لا تميل لمصلحة الولايات المتحدة؟ منافسو أميركا أقوى منها عزيمة يضع والت يده على مكمن الألم في ما يتعلق بالسياسات الأميركية الخارجية بنوع خاص، وعنده أنه يمكن أن تبدو السياسة الخارجية الأميركية في السنوات الأخيرة وكأنها سلسلة من المغامرات الفاشلة في العراق وأفغانستان، ناهيك عن جهود السلام الفاشلة في الشرق الأوسط، والقدرات النووية المتزايدة لدى بعض القوى المتنافسة، وعدد من الأمور المحرجة الأخرى. هنا يرى والت أن من المغري إلقاء اللوم في هذه الإخفاقات المتكررة على القيادة الأميركية غير الكفوءة في كلا الحزبين السياسيين، أو على استراتيجية كبرى تم اختيارها بشكل سيئ، ذلك أن جهود الولايات المتحدة لتشكيل السياسة العالمية تواجه مشكلة هيكلية أعمق من أن يتم إغفالها أحياناً. لماذا؟ والجواب أن المبادرات الأميركية في بعض الأحيان تفشل، ليس لأن استراتيجية الولايات المتحدة سيئة بالضرورة، أو لأن المسؤولين الحكوميين أقل مهارة مما قد يرغب المرء، ولكن لأن الخصوم لديهم مصلحة أكبر في النتيجة، وهم على استعداد لتقديم تضحيات أكبر مما يفعل الجانب الأميركي، وفي هذه المواقف قد يتم التغلب على قوة أميركا المتفوقة من خلال عزيمة الخصم المتفوقة. يلفت والت الانتباه إلى أمر مهم للغاية، وهو أنه إذا كان العالم يدخل فترة من الهيمنة الدفاعية، وإذا كانت عزيمة أغلب الدول أعظم في محيطها المباشر، فإن قدرة أية دولة على ممارسة نفوذ واسع بلا منازع سوف تتراجع، وبوسع المرء أن يتخيل نظاماً ناشئاً متعدد الأقطاب، تمارس فيه ست قوى كبرى أو أكثر درجة من النفوذ على مقربة من الوطن، ولكن نفوذها يتراجع بسرعة كلما ابتعدت عن أراضيها. قاوم قادة إسرائيليون من بن غوريون إلى نتنياهو الضغط الأميركي في مناسبات عدة (أ ف ب) هنا يخلص والت إلى أن نفوذ الولايات المتحدة سيتراجع جزئياً بسبب انخفاض القدرة على إظهار القوة مع المسافة، لكن أيضاً لأن ميزان العزيمة يتحول نحو الآخرين كلما غامر المرء بالذهاب إلى أبعد من ذلك. في مثل هذا العالم، سيتعين على الولايات المتحدة أن تختار معاركها بعناية أكبر مما كانت عليه في الماضي، لأن كلف الذهاب إلى كل مكان والقيام بكل شيء سوف ترتفع، وسيكون المعارضون البعيدون أكثر استعداداً لدفع هذه الكلف في مناطق أقرب إليهم. يعتبر والت أن الخبر السار بالنسبة إلى الأميركيين، هو أن هذا قد يكون أيضاً عالماً، حيث يبدأ بعض حلفاء أميركا الحاليين في بناء مزيد من الجهد لحماية أنفسهم ومحيطهم لأن من مصلحتهم أن يفعلوا ذلك. ويصف ذلك العالم بأنه سيكون مختلفاً عن العالم الذي عاش فيه الأميركيون طوال 75 عاماً، وهنا يقصد نهاية الحرب العالمية الثانية. غير أن الخبر السيئ الذي يتوقف عنده والت في الوقت ذاته موصول بالنخبة الأميركية، والتي يعتبرها سيئة وتأخذ أميركا في طريق الانحدار. ماذا عن ذلك؟ الانحدار الأميركي ونخبة السياسة الخارجية في مقدمة القضايا التي تثير كثيراً من الشقاق في الداخل الأميركي، يجري الحديث عن النخب السياسية المغشوشة التي باتت تتسيد المشهد العام، لا سيما على صعيد أدوات ومفاتيح السياسة الخارجية للولايات المتحدة. إن نظرة سريعة على نماذج القيادة الأميركية منذ بدايات الألفية الجديدة تظهر فراغاً في عالم القياصرة الأميركيين، ذلك أنه بعد روزفلت وأيزنهاور وكيندي وريغان احتل البيت الأبيض بوش الابن، الذي أقحم أميركا في حروب جرّت عليها الوبال، أما باراك أوباما فقد اكتشف الجميع لاحقاً أن حديثه عن الأمل ليس إلا أكذوبة كبرى، لا سيما بعد أن مضى وراء كوندوليزا رايس وفلسفتها الأبوكريفية لعالم “الفوضى الخلاقة”، ومن ترمب الأول مروراً ببايدن ووصولاً إلى ترمب الثاني يغني الحال عن السؤال، ما جعل والت يتساءل، وله في الحق ألف حق “هل هذه النخبة هي السبب الرئيس في انحدار النفوذ الأميركي؟”. يرى والت أنه لم يكن الترويج للهيمنة الليبرالية مؤامرة متقنة من قبل نخبة غامضة، بل على النقيض تبنت مؤسسات السياسة الخارجية الأميركية تلك الاستراتيجية وروجت لها باستخدام مختلف وسائل الإعلام. بيد أنه لا يمكن إنكار استفادة الوكالات الحكومية المسؤولة عن إدارة السياسة الخارجية الأميركية من الأجندة العالمية التي يترتب عليها حصة كبيرة من الموازنة الفيدرالية، ناهيك عن استفادة صانعي الأسلحة، وموظفي الخدمة المدنية، والجمعيات الإثنية، ونشطاء حقوق الإنسان، من الهيمنة الليبرالية. وعليه تعزز الهيمنة الليبرالية سلطة مجتمع السياسة الخارجية، ووضعه، وتجعل من القيادة الأميركية العالمية ضرورية وممكنة ومرغوبة أخلاقياً. يضع والت يده على مكمن الألم في ما يتعلق بالسياسات الأميركية الخارجية بنوع خاص (مواقع التواصل) يكشف والت حال التضاد في عالم نخبة السياسة الخارجية الأميركية، فعلى رغم النتائج السلبية المتولدة عن استراتيجية الهيمنة الليبرالية لم تتخل مؤسسات السياسة الخارجية الأميركية عنها، ولم تتم محاسبة المسؤولين الحكوميين لتشجيعهم على الابتكار واقتراح مبادرات خارج الصندوق. ويكمن العائق الأكبر أمام المساءلة الحقيقية في المصالح الذاتية لمؤسسة السياسة الخارجية، بينما يكمن الحل الأفضل في تحديد السياسات التي أدت إلى حدوث مشكلات والاعتراف بها بشكل مفتوح. في قراءته المنشورة عبر الـ”فورين أفيرز”، يؤكد والت على أهمية وضرورة الحفاظ على توازن القوى في ثلاث مناطق رئيسة، هي أوروبا، وشرق آسيا، والخليج العربي. ومن ثم تنطوي تلك الدعوة على رفض أفكار وشعارات دعاة الانعزالية، لكنها تعتمد في المقام الأول على الأطراف الإقليمية للحفاظ على موازين القوى. وفي هذا السياق تلتزم الولايات المتحدة بالتدخل بقواها الخاصة في حالات التهديد القصوى فحسب. من جهة أخرى، يكتب والت ما يشبه الوصفة الدوائية، إذ يرى أنه لا يمكن للتغيير الجذري في السياسة الخارجية الأميركية أن يحدث بمعزل عن ظهور حركة إصلاحية سياسية يمكنها خلخلة التوافق النخبوي على الهيمنة الليبرالية، وتوليد نقاشات بنائية مستديمة، وهو أمر يستحيل على أي رئيس أميركي بمفرده أن يقوم به، لا سيما الرئيس ترمب، ومن ثم يدعو والت إلى أهمية وضرورة إحداث تغييرات على صعيد مؤسسات السياسة الخارجية، مما يتطلب بناء مصادر جديدة من القوة السياسية. على أن هذا البناء يستدعي علامة استفهام: هل يمكن لذلك أن يحدث في ظل حال التضاد السياسي الحادثة على الأرض بين الليبراليين والواقعيين؟ إنقاذ أميركا بين الليبراليين والواقعيين أخيراً تساءل والت عما إذا كان بإمكان الاشتراكيين الديمقراطيين الناشئين من اليسار، والليبراليين من اليمين، والواقعيين في الوسط، توحيد قواهم لإنتاج سياسة خارجية تحظى بالدعم في الداخل، وتعمل بفعالية في الخارج؟ رأى كثيرون، ومنهم الكاتب رايان ماكماكمين، أنه باعتباره واقعياً في السياسة الخارجية، كان والت منذ فترة طويلة على الجانب الخاسر في مناقشات السياسة الخارجية مع “التحالف الفضفاض” بين المتداخلين الليبراليين والمحافظين الجدد المتشددين، الذي هيمن على السياسة الخارجية على مدى ربع القرن الأخير. ربما يكون والت على حق. لماذا؟ في هذه المعركة، الأخيار نسبياً هم الواقعيون. اتضح هذا جلياً عام 2017. لينظر القارئ إلى مقال “المحافظون الجدد يعلنون الحرب على الواقعيين”، عندما كتب ميرشايمرز، أحد أبرز رواد الواقعية الحديثة، في مجلة “المصلحة الوطنية”، أن على ترمب “تبني سياسة خارجية واقعية”، وجند أجندة سياسية خارجية أفضل بكثير مما رآه الأميركيون قادماً من واشنطن. من المرشح أن تفشل أية محاولة صينية للهيمنة الإقليمية، وأن تلحق ضرراً جسيماً بها وبغيرها (أ ف ب) بدت شطحات الليبراليين وهماً وزيفاً كبيرين، الأمر الذي تجلى في محاولة نشر الدمقرطة بالقوة، بدءاً من أفغانستان في 2001، وصولاً بعد عقد من الزمان إلى ما عرف بزمن الربيع العربي المغشوش. تبدو دعوة والت للتعاون بين الواقعيين والليبراليين وكأنها وجدت آذاناً صاغية، فقد بدأ عدد من المعلقين يدركون أن الولايات المتحدة بحاجة إلى بديل. ففي مقال له بمجلة “ذا أتلانتيك”، يفضل بيتر بينارت، الليبرالي المتعافي من التدخل، سياسة خارجية أميركية أكثر تحفظاً تطابق تقريباً تلك التي دعا إليها الواقعيون لسنوات. وفي كل الأحوال هناك تحديات في شكل التعاون الذي يتطلع إليه والت ما بين الليبراليين والمحافظين. الاشتراكيون الديمقراطيون اليساريون ملتزمون بشدة بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وقد يميل بعضهم، كما فعل الليبراليون التدخليون، إلى استخدام القوة الأميركية لمحاولة تحسين أوضاع حقوق الإنسان بالمناطق النائية التي يعاني سكانها. أما الواقعيون فهم أكثر حذراً من مثل هذه الحملات الصليبية، وعلى رغم إيمانهم بوجوب احترام حقوق الإنسان فإنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة تستطيع تعزيز هذه المبادئ على أفضل وجه، ليس بمحاولة فرضها على الآخرين بل بتقديم قدوة حسنة، فقد يكون من الصعوبة إقناع اليسار بالالتزام بسياسة عدم التدخل. يخلص المرء من القراءة المتقدمة إلى فكرة مثيرة تشاغب عقل والت، وتتعقب مستقبل القوة الأميركية، وهل ستبقى واشنطن طويلاً سيدة قيصر مالئة الدنيا وشاغلة الناس؟ الطريق الواقعي الوحيد للسلام يحتاج الجواب عن السؤال المتقدم إلى تقديم نماذج متعددة عن علاقات الولايات المتحدة بالعالم الخارجي، وهل الأفضل اتباع سياسات الاحتواء أم الردع، الصدام أم الوئام؟ يقدم والت لأميركا رؤية مفادها أن التعايش هو الطريق الواقعي الوحيد للسلام، ويأخذ ما يدور في عقل الليبراليين الأميركيين من مخاوف وهواجس في شأن الصين مثالاً لذلك. يقول الليبراليون إنه إذا كانت الصين تسعى بنشاط إلى أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة في آسيا، والولايات المتحدة عازمة على منعها، فسيكون من الصعب تجنب صدام مباشر بين أقوى دولتين في العالم. لكن هل هذه المخاوف مبررة؟ الثابت أنه مع أن الصين– والحديث لوالت– قد تكون في وضع أفضل إذا تمكنت من طرد الولايات المتحدة من آسيا وأصبحت قوة إقليمية مهيمنة حقيقية، لكن هذا الهدف ربما يكون بعيد المنال. من المرشح أن تفشل أية محاولة صينية للهيمنة الإقليمية، وأن تلحق ضرراً جسيماً بالصين وغيرها في هذه العملية. لذا يمكن للولايات المتحدة أن تنظر إلى هذا الاحتمال بتفاؤل نسبي، حتى لو لم تستطع رفضه تماماً. وحتى في ظل سعيهم للحفاظ على توازن إقليمي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها ضمان ألا تقنع جهودهم قادة الصين بضرورة السعي للهيمنة على رغم الأخطار الواضحة. هل ينصح ستيفن والت قيادات أميركا بالتعاون عوضاً عن الهيمنة؟ المؤكد، بحسب رؤيته، أنه قد تكون الهيمنة الإقليمية مرغوبة نظرياً، لكن التاريخ يشير إلى أنها هدف بعيد المنال، وهذا ما يشير إليه المؤرخ الأميركي جوناثان كيرشنر، فقد سعت قوى عظمى مختلفة للهيمنة الإقليمية في العصر الحديث، وانتهت جميع هذه المحاولات، باستثناء واحدة، بكارثة. فشلت فرنسا في عهد لويس الـ14 ونابليون بونابارت، وهزمت ألمانيا هزيمة ساحقة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وانتهت محاولة اليابان لإقامة نظام مهيمن في آسيا بهزيمة نكراء. أما الحقيقة التي نختتم بها هذه الرؤية، تلك التي يرى من خلالها والت أن الولايات المتحدة نجحت في أن تظهر وحدها طوال العقود الفائتة كقوة مهيمنة في نطاقها الجغرافي، أن هذا الوضع لن يظل طويلاً، لا سيما أنه بدأ بالتناقص الفعلي بمعدل 20 في المئة، ومرشح للزيادة. فهل من آذان صاغية لوسطية والت وعقلانيته في الداخل الأميركي؟ المزيد عن: الولايات المتحدةحرب إيرانالبرنامج النوويفيتنامأفغانستانالعراقجو بايدنإسرائيل دونالد ترمب 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أوتاوا تُوائم واشنطن بإنهاء خلع الأحذية أثناء التفتيش في المطارات next post ترمب يفكك الاستخبارات الأميركية You may also like تركيا تراقب الحرب بحذر وتعزز جاهزيتها على الحدود... 9 مارس، 2026 ما مدى أهمية جزيرة “خرج” الإيرانية؟ 9 مارس، 2026 كيف ومتى تخطط واشنطن للتخلص من يورانيوم إيران... 9 مارس، 2026 القناة 12: إسرائيل تبحث سيناريوهات خروج من الحرب... 9 مارس، 2026 من بيروت إلى الشمال والبقاع: أبرز عمليات الإنزال... 9 مارس، 2026 الدعم الأميركي لأكراد إيران… كواليس خطة إسقاط النظام 9 مارس، 2026 بريطانيا بين حربين… هل يكرر التاريخ نفسه؟ 9 مارس، 2026 (4 سيناريوهات) للتوغل البري الإسرائيلي في جنوب لبنان 8 مارس، 2026 جزيرة خرج… هل تصبح طريق واشنطن لإسقاط النظام... 8 مارس، 2026 الأكراد… حصان رابح لإسقاط النظام الإيراني 8 مارس، 2026