السبت, مارس 14, 2026
السبت, مارس 14, 2026
Home » “سا أوزير” حكاية عن الماوراء سبقت دانتي والمعري

“سا أوزير” حكاية عن الماوراء سبقت دانتي والمعري

by admin

 

نصوص قديمة وسير وألغاز يكشفها كتاب “صفحات منسيّة من الثقافة المصرية”

اندبندنت عربية / عبد الكريم الحجراوي

يرصد الكاتب المصري سليم كتشنر في كتابه “صفحات منسية في الثقافة المصرية“، جملةً من العادات والتقاليد المتوارثة، بوصفها شواهد حية على التراكم الثقافي. فالحضارة المصرية، بحسب تعبيره، تحمل في طياتها رقائق متصلة ومتداخلة من ثقافات عديدة تراكمت عبر العصور، بدءاً من الثقافة المصرية القديمة، مروراً باليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية، وصولاً إلى ثقافة البحر المتوسط، والامتدادين العربي والإغريقي، في نسيج حضاري واحد متعدد الجذور.

يحرص كتشنر، في الموضوعات التي يناقشها، على إثبات تأثير الحضارة المصرية القديمة في كلٍّ من الثقافة القبطية والإسلامية، بل وفي الأدب العالمي أيضاً، لافتاً إلى أننا “لو أردنا حصر الإرث المتوارث من مصر القديمة وما زال باقياً حتى زمننا لاستغرق الأمر مجلداً كاملاً” ص 65.

ومن الأمثلة الدالة التي يسوقها على استمرار الفعل الحضاري المصري القديم واتخاذه صوراً جديدة مع الديانة المسيحية، عيد رئيس الملائكة ميخائيل ليس سوى صيغة محدثة للعيد الفرعوني القديم المعروف بـ”ليلة دموع إيزيس”، والذي عرف في المسيحية باسم “ليلة النقطة”، الذي يعد إعلاناً عن أول علامة محسوسة لبدء الفيضان السنوي لنهر النيل. كما يكشف عن أن عيد “الطلعة”، أي زيارة القبور والترحم على الأموات، المتصل بعيد النيروز (رأس السنة القبطية)، يعود في جذوره إلى العصر الفرعوني، إذ تتوافق احتفالاته في الكنيسة مع ما كان يمارسه المصريون القدماء في الأيام نفسها (17 و18 و19 توت) وبالطقوس ذاتها تقريباً. فقد كان الاحتفال يتم عبر ثلاثة أعياد كبرى للموتى: عيد النواحات، وعيد اللهب، وعيد الواج، حيث تُقدَّم القرابين وتُتلى الصلوات، وهو ما تقابله الكنيسة في الأيام نفسها بما يُعرف بأيام عيد الصليب، التي تُقام فيها دورة لتمجيد جميع القديسين، وتُتلى الأناجيل، وتُشعل الشموع.

جذور قديمة

كتاب الثقافة المصرية القديمة (الهيئة المصرية)

ينتقل سليم كتشنر إلى مناقشة الأدب المصري القديم وفاعليته الممتدة حتى الحاضر، متوقفًا عند قصة “سا أوزير” التي تعني “ابن الإله”، وهي من النصوص التي لم تنل حظاً من الشهرة، مقارنة بقصص أكثر تداولاً مثل “الفلاح الفصيح” و”سنوحي” و”ردوبيس” التي استلهمت منها الحكاية العالمية الشهيرة “سندريلا”. كتبت قصة “سا أوزير” بالخط الديموطيقي، وهي محفوظة حالياً في المتحف البريطاني، ويعد كتاب “السحر والماورائيات في مصر القديمة” للباحث الفرنسي كريستيان جاك المرجع الأساسي لدراستها وتحليلها. وتكتسب القصة أهميتها من تقاطعها اللافت مع عدد من الأعمال الأدبية الكبرى التي تناولت فكرة الرحلة إلى العالم الآخر ومحاكمة الإنسان على أفعاله، مثل “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري (973–1057م)، و”الكوميديا الإلهية” لدانتي أليغييري (1265–1321)، وهما نصان دارت حولهما دراسات نقدية واسعة بشأن التناص بينهما. غير أن قصة “سا أوزير” تسبق هذين العملين بقرون طويلة في طرح فكرة الرحلة الأخروية بوصفها أداة أخلاقية ومعرفية لكشف العدل الكوني.

تبدأ القصة بمرور جنازتين متعاقبتين: الأولى لرجل غني، فاخرة الرياش، يتبعها مشيّعون كُثر، والثانية لفقير لم يشيّعه سوى شخصين، ملفوفاً في نسيج رخيص. عندئذٍ يدعو الابن لوالده أن يكون مصيره في الآخرة كمصير ذلك الفقير، وهو ما يُغضب الأب، فيأخذه “سا أوزير” في رحلة أخروية عبر جبانة منف ليكشف له حقيقة الجزاء.

وخلال الرحلة، يشاهد الأب مشاهد متعددة للعذاب، من بينها أناس عُلِّق زادهم من ماء وخبز فوق رؤوسهم، فيقفزون محاولين الوصول إليه، لكن أقدامهم تغوص في الأرض فيفشلون مراراً. ويشرح الابن لأبيه أن هؤلاء كانوا في الدنيا يظنون أنفسهم أذكى من غيرهم، واستولوا على أموال ليست من حقهم.

وفي المقابل، يشاهد الأب رجلاً ينعم في الجنة وسط الأشجار والفاكهة، يعيش في سعادة دائمة. وحين يسأل عنه، يخبره الابن بأنه الفقير الذي مرّت جنازته ولم يشيّعه سوى شخصين، والذي تمنى له أن يكون مصيره كمصيره. أما الغني الذي شُيِّع في جنازة مهيبة ولفّ في نسيج فاخر، فيكشف له الابن أنه هو نفسه الذي رآه في بداية الرحلة يتعذب، وقد غُرِس مقبض باب في عينيه، عقاباً له على أفعاله في الدنيا.

تكشف القصة عن عمق التصور الأخلاقي والميتافيزيقي في الأدب المصري القديم، الذي سبق في هذا الصدد الكثير من الأعمال المؤسسة لفكرة الرحلة الأخروية ومحاكمة الضمير الإنساني.

نمط سردي متصل

ومن الأمور اللافتة في هذه القصة، أنها تكشف عن نمط سردي استمر حضوره في الأدب الشعبي المصري، يتمثل في الصراع بين سحرة الحبشة وملك مصر. فتصوّر  كيف تمكن سحرة الحبشة، من نقل ملك مصر ليلاً إلى بلادهم، وتعذيبه، ثم إعادته إلى فراشه، هو مثل إهانة لمصر، فتصدى له السحرة المصريون ونجحوا في الانتقام من سحرة الحبشة وملكهم، وردّ شرهم عن مصر.

ويعود هذا النمط السردي نفسه في سيرة الظاهر بيبرس، التي  ترد فيها قصة “سا أوزير” بشكل يثير الدهشة، ولا سيما أن هذه القصة المصرية القديمة لم تُفك رموزها إلا في زمن قريب نسبياً، في حين كُتبت سيرة الظاهر بيبرس في العصور الوسطى. فالصراع السحري بين المصريين والأحباش، وقدرتهم على خطف ملك مصر، يتكرر ببنيته ذاتها حين ينجح الأحباش في اختطاف الظاهر بيبرس وتعذيبه. فيتأتي في السيرة أن الملك “برقان”، ملك الحبشة، وبعد هزيمة جيوشه وارتدادها أمام جيوش بيبرس، أرسل الوحش “غرطال” في ثوب من الريش إلى الظاهر بيبرس، فحمله وطار به من بين جنوده حتى وصل إلى قلعة الشهاب وبرج العقاب.

وهناك ألبسه الملك “فرطوس أبو الرؤوس” ثوب القنفد بعد أن جردَّه من ملابسه، فغرزت رؤوس القنفد في جسده كالإبر حتى غاب عن الوعي، ثم وُضع في تابوتٍ مجنّح وطير به إلى بلاد الحبشة حيث جرى تعذيبه. وحين عاد في الصباح حكى لأصحابه ما جرى وهو حزين لكن المصريين نجحوا في رد هيبة ملك مصر والانتقام من الأحباش.

الألغاز والأحاجي

وتحضر في حكاية “سا أوزير” الألغازُ والأحاجي أحد أشكال تعجيز ملك مصر وكسر إرادته، يرسل الأمير الحبشي رسالة مغلقة، ويتحدى المصريين أن يعرفوا ما بداخلها دون فتحها، مهدداً أنه إذا فشلوا في حل هذا الاختبار سيشيع في الآفاق أنهم شعب جاهل، وأن ما يتباهون به من تقدم ومعرفة ليس سوى وهم. ويضع هذا التحدي الملك وعامة الشعب في حالة من الحزن والقلق، إلى أن يظهر “سا أوزير”، فيكشف محتوى الرسالة المطوية وينقذ سمعة المصريين، مؤكداً تفوقهم المعرفي.

ويكاد هذا المشهد يتكرر بحذافيره في سيرة الظاهر بيبرس، من خلال لغز “الهدية” التي يرسلها ملك الحبشة إلى بيبرس: شجرة من الذهب الأحمر لها ثلاثمائة وخمسة وستون فرعاً، وتحتها شخص من فضة، وأسد من ذهب يضع يده على كتفي الرجل ويغرز أنيابه في عنقه، وأسفل الشجرة حبوب كثيرة. ولم تكن هذه الهدية سوى لغز رمزي، استطاع المصريون حله أيضاً. تشير الفروع إلى عدد أقاليم بلاد الحبشة، بعدد أيام السنة، أما الرجل الذي يفترسه الأسد فيرمز إلى “أمير المؤمنين بيبرس”.

وعلى الفور، يستدعي بيبرس أرباب الصنائع ويأمرهم بصنع شجرة من الفضة بثلاثمائة وخمسة وستين فرعاً، في كل فرع ثلاثمائة وخمسة وستون عوداً، ويجعل تحتها شخصاً من حديد يرتدي ثياب ملك الحبشة، مقيداً، ويضع صورة السلطان من الفضة ممسكاً بحربة مسنونة يغرس رأسها في عين ملك الحبشة. كما توضع حبوبٌ وديوكٌ تحت الشجرة، والديوك تلتقط الحَبَّ بمناقيرها. ثم يبعث بيبرس برسالة إلى ملك الحبشة يقول فيها: “لقد فهمنا ألغاز هديتكم بحذافيرها، وقد أرسلنا إليكم هدية أعظم من هديتك. أما عساكركم فهم كالحبوب، وأبطالنا كالديوك تلتقط الحَبَّ في لمح البصر، وأما صورتك وصورتي فتمثل لقاءنا في الحرب، وحربتي ستخترق عينك وتقضي عليك”.

كتاب النيل

يكتسب هذا الصراع المصري الحبشي دلالة كبيرة فهو لم يتوقف عند حدود الأدب المصري القديم، واستمر في الحكايات والسير الشعبية بالبنية السردية نفسها. فقد تميّزت السيرة الشعبية المكتوبة في مصر بحضور الأحباش بوصفهم عدواً تاريخياً للمصريين، فعادة لا يخرج الصراع في السير الشعبية ككل عن ثلاثة أعداء رئيسيين: الفرس، والروم، والأحباش، غير أن بروز الحبشة تحديداُ بوصفها عدواُ مركزياً في أي سيرة شعبية في  يُعدّ دليلاً على تشكّلها داخل المخيال الشعبي المصري على وجه الخصوص.

ويرتبط هذا الحضور بالخوف التاريخي المتراكم من التهديدات الحبشية المتكررة بتحويل مجرى نهر النيل، وهو ما يتجلّى بوضوح في سيرة سيف بن ذي يزن، التي تجعل أحد أهداف بطلها الأساسية استعادة “كتاب النيل”، كي لا يتمكن الأحباش من تغيير مجرى النهر. وهو ما يحضر كذلك في سيرة الظاهر، لتكشف هذه السرديات عن استمرار الذاكرة السياسية والبيئية المصرية، وانتقالها من النصوص القديمة إلى الخيال الشعبي في صيغ ملحمية جديدة، حافظت على جوهر الصراع وإن اختلفت أطره وزمنه. فالمخيال الجمعي المصري أعاد إنتاج أدواته التعبيرية: اللغز، والتحدي، والتفوق المعرفي، عبر قرون طويلة دون انقطاع.

في الختام تبقى الإشارة إلى أن كتاب كتشنر يؤكد أن الهوية المصرية لم تقم على القطيعة والإلغاء، وإنما حرصت على  امتصاص وإعادة صياغة القيم والطقوس القديمة وتكيفيها مع الشكل المعاصر. بما ينسجم مع تحولات العقيدة والسياق التاريخي، دون أن يفقد صلته العميقة بجذوره الأولى. فالكتاب يعيد الاعتبار لفكرة التراكم الحضاري مفتاحاً لفهم الشخصية الثقافية المصرية.

المزيد عن: حكاية مصرية تراث الفراعنة الاحاجي نصوص أبو العلاء دانتي الماوراء الثقافة

 

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00