ثقافة و فنون سلمى مرشاق سليم من القاهرة إلى حارة حريك وكتابان عن أديبين من “شوام مصر” رؤوف قبيسي يستعيد مقالاً عن الأديبة سلمى مرشاق سليم by admin 24 فبراير، 2026 written by admin 24 فبراير، 2026 99 مقالي الذي نشرته في “النهار” العام 2014 عن الأديبة سلمى مرشاق سليم التي توفيت أمس في بيروت عن 85 عاما النهار / رؤوف قبيسي – كاتب وصحفي لبناني 6- كانون الثاني 2014 في أواخر الخمسينات، كانت أمي تصطحبني لزيارة بيت نسيبة لنا كانت تسكن في منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية من بيروت. كان بيتها من طبقتين، تفترش جنباته أنواع مختلفة من النبات والزهر والشجر. وكان يطيب لي، وأنا طفل صغير، أن ألهو وألعب مع ابنتها في الحديقة الوارفة الظلال، التي كانت تتوسطها شجرة توت، وبركة ماء من الرخام الداكن. لا تزال صورة ذلك البيت بحديقته، وشرفاته المطلة على البساتين، ماثلة في خيالي كلوحة بهية من ذلك الزمن الجميل. كان سكان حارة حريك في تلك السنين من طوائف مختلفة، يعمرون بيوتاً تفصل بينها المراعي والحقول، وأشجار الليمون والليلك، وأشجار الكينا الضخمة التي قيل في الكتب، إن العثمانيين كانوا أول من غرسها في بيروت، وعلى أطرافها وتخومها. وكان أصحاب الحوانيت والباعة المتجولون في أحياء بيروت، إذا ما أردوا التدليل على جودة ما لديهم من الخضر، وإغراء الناس بشرائها، يقولون إنها من بساتين الغبيري وحارة حريك. لذلك يصاب المرء بالذهول، حين يرى ما كان جميلاً قد تغير. لقد تغيرت حارة حريك وتغيرت كثيراً. لم تعد ذلك المتسع من الأرض الذي كان في ما مضى من الزمن زاهراً. غابت عنها البساتين والحقول، وحلت في معظم مناطقها أبراج وعمارات، باهتة رديئة. لكن، كما النور في الديجور، لا تزال بين أحياء تلك الحارة، مطارح تحتفظ برونقها القديم، منها حديقة عامرة بالأزاهير والأشجار الباسقة، تتوسطها دار واسعة، كان أحد ساكنيها حتى العام 2000 محام قدير، سياسي مثير للجدل، اسمه محسن سليم، وتسكنها اليوم سيدة في السنة الأخيرة من عقدها الثامن، هادئة الطبع، رقيقة الملامح، زوجته الأديبة المؤدبة سلمى مرشاق سليم، مع ابنتها الكاتبة الناشرة رشا الأمير. ليست هذه الدار ومثيلاتها من البيوت، المعالم الوحيدة التي تخالف الصورة العامة في حارة حريك، وإنما أيضاً وجود أفراد يسكنون هناك منذ الخمسينات، منهم سلمى مرشاق سليم، التي لا تزال في الحارة منذ زواجها عام 1958، وتشاهد اليوم، وبعين الحسرة، كيف تبدلت الظروف، وكيف أن المكان الذي وفدت إليه من القاهرة وهي بعد صبية بروتستانتية قد تغير، وصار لوناً واحداً بعدما كان ألواناً! مهما يكن من أمر لوعة ذكرى تلك الأيام الماضية، إلا أنها لم تفل من عزم صاحبة الدار، أو تأسر روحها الطليق. صبرت وثابرت، وبدأت تقرأ وتبحث وتكتب وتتأمل. لم تجنح إلى الكسل، أو تفعل ما يفعله بعض الكتاب والكاتبات من عمرها، يلوذون بالصمت، ويلجأون إلى مساكن لا يبرحونها، يمضون الوقت في كتابة المذكرات والنثر والقصائد. ظلت سلمى مرشاق سليم تعمل كصبية فتية. لم تحل المسافات، ولا العمر المديد، بينها وبين التردد إلى الجامعة الأميركية، والجامعة اليسوعية، والمعهد الألماني للبحوث الشرقية. أمضت سنوات تختلف إلى مكتبات هذه المعاهد. تنظر في الكتب والصحف والمجلدات، تراجع وتبحث، وإذا الحصاد محصول وفير، كتابان عن أديبين مصريين من أصول لبنانية، خشيت المؤلفة، أن تدوس عجلات الزمن ذكراهما، نقولا الحداد (1872 – 1954) وابرهيم سليمان الحداد، الملقب بابرهيم المصري (1900 – 1979 عجيب لبنان، بلد تعترضه خطوب وحروب، تجور عليه الغرائز، يفتك به النسيب والغريب، يعصف به العبث والجنون والمجون، ويبقى، على الرغم من ذك كله حياً. يفاجئ الناس بما ينتجه أبناؤه، المقيمون والمغتربون، من أفكار وسطور ورسوم وألحان، كأن فيه وميضاً من إشعاع دهري، يصونه ويحفظ ما فيه من نور. هو تماماً كما الفينيق في الأسطورة، يعلو ويهبط، يموت ثم ينهض من رماده، وهو تماماً كما في صوت فيروز “بقولوا مات وما بموت… وبيرجع من حجاره يعلي بيوت”. ولدت سلمى مرشاق سليم في القاهرة، لأبوين من سوريا ولبنان، ينتميان إلى طبقة من سكان مصر كانت تعرف بالشوام. لبنانيون وسوريون، تركوا بلادهم هرباً من الحروب والقحط واليباس، وما خلفه الجراد في الأرض البور. جاؤوا للعيش في بلاد يحكمها ملوك، وسكنوا المدن الكبيرة، القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية وأسيوط. مذ كانت صغيرة وهي تتردد مع عائلتها إلى لبنان. في بيروت قابلت الشاب الوسيم محسن سليم. تحابا وتزوجا وأنجبا ولدين وفتاة، ويسكنان الدار التي لا تزال قائمة في حارة حريك، صورة رومنطيقية بالأبيض والأسود عن زمن مضى، وشاهد قديم جديد على التحدي! على رغم وجودها في لبنان منذ عشرات السنين، لا تزال سلمى مرشاق سليم، المصرية المولد، اللبنانية – السورية الجذور، تتكلم بلكنة مصرية محببة، فيها غنة من لهجة سيدات البيوت زمن القاهرة الملكية. حين علمت أنني قادم من لندن حيث أعيش، كان الشاي الإنكليزي التقليدي، ثم الهدية الرمز: أربعة كتب من منشورات “دار الجديد”، إثنان منها لوديع فلسطين، وكتابها عن نقولا الحداد، والآخر عن ابرهيم المصري. * * * لم أشأ أن يكون لقائي السيدة سلمى حواراً للنشر، ولم أرد أن أسألها عن الأسباب التي دفعتها إلى الكتابة عن الأديبين الراحلين، بوحي من اقتناعي بأنه لا بد من أن تكون بين الصفحات أجوبة عن الإسئلة كلها، إلى أن وجدت، ساعة بدأت أقرأ، أن الأمر كما توقعت. في التصدير لكتابها عن نقولا الحداد، تقول سلمى مرشاق سليم إن اهتمامها بالإنتاج الأدبي والصحافي والفكري “لمن حط الرحال في أرض الكنانة من أبناء الشام” مرجعه إلى كونها تنتسب إلى شوام مصر. أما عن سبب اختيارها ابرهيم المصري ونقولا الحداد، من قائمة أدباء مصر الشوام، فيعود إلى أنهما من “فئة المفكرين والكتاب الذين لم ينالوا التقدير المستحق. فئة المنسيين أو المغبونين، الذين عملوا بجد ونشاط، لكن الظروف لم تحالفهم، فلم يعرف قدرهم ولم ينالوا ما يستحقون من اهتمام”. ما كتبته مرشاق سليم عن الحداد والمصري، بحث أكاديمي غني بالمعلومات، وضوء يكشف الكثير عما كان مخفياً أو غير معروف من سيرة هذين الأديبين الراحلين، اللذين لم نكن نعرف عنهما إلا شيئاً ضئيلاً نُثر هنا وهناك. قد تكون الصورة غير مكتملة، لكن ليس من العدل على أي ناقد، أن يأخذ على المؤلفة ما أخذت نفسها به على أي حال، حين اعترفت بأنها لم تلم بكل شيء. حسبها، كما تقول، أنها وضعت لبنة، وتركت مهمة إنجاز البناء لسواها. يبقى الرجاء أن يدفع هذان الكتابان بعض الكتاب والمؤرخين، إلى محاولات جديدة من البحث في هجرة الشوام إلى مصر، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والدور الذي قاموا به في ميادين الأدب والصحافة والمسرح والترجمة، لأن ما كتب حتى الآن، على وفرته، يبقى ناقصاً بالقياس إلى القائمة الطويلة من الأسماء. تلك مهمة يجب ألا تترك للمصريين وحدهم، ولا للسوريين واللبنانيين وحدهم، بل يتعين على العرب جميعهم أن يشاركوا فيها، لأن “شوام مصر” لم يكتبوا بالآرامية، أو اللاتينية، بل بالعربية، وأغنوا الثقافة العربية الحديثة، وقاموا بدور لا يزال اثره واضحاً في أساليب الكتابة، وفي ما يطبع العرب في هذه الأيام من كتب، وما ينشرون من صحف. ساعة نعي هذه الحقائق، نقدّر حق التقدير ما وضعته سلمى مرشاق سليم عن “الأديب العالم نقولا الحداد” وعن “رائد القصة النفسية ابرهيم المصري”. تقول الكاتبة إن أصولها، أي كونها من شوام مصر قد حرك ميولها، لكن الأساس في ذلك، يعود في رأيي، إلى طبيعتها التى لا تعرف الخمول. ومثلما أن في الغاب خشباً يفنى بسرعة حين يحترق، فيها أيضاً ما هو صلب، يبقى مشتعلاً كجمر يضيء، قبل أن يدخل مرحلة الرماد. أعصابها من هذا النوع الأخير Raouf Kobeissi 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post WATCH : Canadians scramble to get home amid cartel violence in western Mexico next post كارولين كيسين تكتب عن: الهيمنة في مجال الطاقة على الطريقة الصينية You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة 1 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026