Sunday, March 8, 2026
Sunday, March 8, 2026
Home » دلال البزري تكتب عن: لبنان يا قلبي يا مُخْاصِمْنِي

دلال البزري تكتب عن: لبنان يا قلبي يا مُخْاصِمْنِي

by admin

 

أنا لم أعد أحب لبنان. ولم أعد أحب أن أحبه. لم أعد قادرة على لعبة استحضار ابتسامته الأولى التي أوقعتني في غرامه. الآن أشفق عليه. ولا أحتاج أن أكون معه لأشفي شوقي إليه. هو في داخلي. أينما رحلت.

العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية

وأنا في زيارة إلى لبنان، يكلمني ابني من كندا. يسألني إن كنتُ “حنّيتُ” إليه وعدلتُ عن فكرة الهجرة النهائية. “أحسب أنكِ اشتقتِ للبنان… لا بد من ذلك. ربما تعودين إليه…”.
أنا فعلاً مشتاقة إلى لبنان. ولكن درجة الشوق لا تختلف سواء اقتربتُ منه أو ابتعدت. أنا مشتاقة إلى لبنان وأنا فيه الآن. الفرق بين الشوقَين؟ هناك في الاغتراب، يسهل عليّ رسم الصورة التي أحبها عن لبنان. البُعد يجمّله، ويعفيه من شقائه. المسافات تساعد على ذلك. تسمح بحرية الرسم والتلوين. خصوصًا أثناء العواصف الثلجية. أنسى، أتناسى العذاب، أضعه في عتمتي. وشيء ما يقول لي بأنه، أي العذاب، سيأتي يومه عندما “أنزل” إلى بيروت.
والآن، الآن يا ابني، وأنا هنا أكلمك من بيروت، يطفح ذاك الذي وضعته جانبًا. ويأخذني دوّار. لا أعرف أين أضع عيني، أذني، أنفي… لا أعرف كيف لا أنفجر… كيف لا أبكي… شعور جديد يطغى: الشفَقة. أشفق على لبنان. مثل عشيق فقد سحره، مثل طفل فقد أمه. الاثنان، العشيق والطفل، يوقظان أمومتي. أريد أن أضمه، أن أواسيه، أن أخفف عنه. لعله يبقى على قيد حياته المرّة. لا يموت. ولماذا؟ أعود إلى صوابي: ولماذا لا تتركينه يموت؟ هل يمكنك أن تفعلي شيئًا، ولو بسيطًا؟ أن تغيري مثلاً نظام الكهرباء؟ أن تنظمي سير الدراجات النارية؟ أو رفع النفايات؟ أن تجدي لها مطامر، أو تدوير أو تسْميد؟ هل تعتقدين بأن غيرك لم يطرح على نفسه أسئلة كهذه، وأكثر عمقًا منها؟
من أشجاره وينابيعه وروائحه، من بحره وسهله وجبله، من شاعرية جماله، من ذكاء جماله… لم يبق إلا “شوية هَوَيات” (قليل من النسْمات)، تتسلّل من بين مباني إسمنتية شيّدت فوق ساقية نهر. نسمات تتعثر بالمباني المهترئة قبل أوانها، تسرق نفسها من وسط دخان العادم، الذي تمتزج رائحته بالكاوتشوك المحروق والنفايات المبعثرة هنا وهناك… هل من حاجة لمتابعة الوصف؟ شيء من الحشمة ينهيني عن ذلك. ربما رغبة بستر ما تبقى من غير المفضوح. أو ربما شيء من الأمل مختبئ خلف عقلي، وبأن لا بد من “ضوء ما في نهاية النفق”… وكم أتمنى أن أكون مخطئة، مبالِغة أو متطرفة.
حسنًا. من زمان أنا عاجزة عن تغيير أي شيء. هذا ما تأخرت في فهمه، ربما كنت أقاومه. لكن الاعتراف بذلك لا يريحني. ثمة ما يثقل قلبي. بقايا نضالية ربما، أو أمومة أو روح مدنية… أو ببساطة، “وطنية” ما. فأبحث بين الناس عن معنى لشعوري هذا. والسؤال الذي يطرحه عليّ الجميع هو عن رحيلي: لماذا تركتِ؟ هل تركتِ نهائيًا؟ هل أنتِ سعيدة هناك؟
في أولى الأيام كنت أجيب بما يدور في رأسي تمامًا. أي أن لبنان خربان وبأنني لا أستطيع العيش فيه. ولم أنتبه إلا بعد ثالث أو رابع حديث، بأن جوابي يسيء إلى السائلين. كأنني أقول لهم “تبًا لكم لتقبلوا بالعيش في هذه الزبالة!”.
ففهمت أنني أكنّ تجاه اللبنانيين الشعور نفسه بالشفقة. ولكن مع تعديل بسيط. اللبنانيون يختلفون عن لبنان بأنهم كائنات حية، ذات وعي وضمير. وبالتالي يتحملون قسطًا من مسؤوليتهم عن انهيار بلادهم. وهذا ما يضعني معهم بصفتي واحدة منهم. أي أنني أنا أيضًا مسؤولة عن الانهيار. وعندما أذهب بالتفكير أبعد من ذلك، أفهم بأن العجز هو جامعنا المشترك. نحن منقسمون بين عاجزين عن وقف الانهيار، وبين مستفيدين من هذا الانهيار. ولا حاجة للقول بأن الفئة الأخيرة هذه تفعل كل ما بوسعها للبرهان بأن لبنان “بخير”، بفضل “القدرة الخارقة لدى اللبنانيين على التكيّف”. والكلمة المأثورة لكل لبناني أمام مصيبة: “تعوّدنا!” (اعتدْنا!). وهذه واحدة من أهم طقوس “التكيّف”.
انظروا إلى المهرجانات وحفلات المطربين، إلى انتخاب ملكة جمال لبنان، إلى “بيروت باي نايت”، المراقص، إلى المطاعم، إلى المنتجعات البحرية، إلى أناقة السيدة الأولى، إلى كبار مصممي الأزياء ومصفّفي الشعر… وسوف يكون بين أيديكم فكرة مغايرة عن لبنان. واللبنانيون طبعًا، ينفخون بصدورهم “نحن شعب متكيّف…!”. كما كان الصينيون يرفعون “الكتاب الأحمر”، أو الليبيون “الكتاب الأخضر”. فعل إيمان، فعل بقاء. فعل اعتزاز بالنفس. والإيمان والبقاء والنفس، خليط سحري يحييه فعل “التكيّف”: أي الرضى عن هذا العيش الشقي. كيف ألومهم؟ وتعاستهم تنفجر لولا هذا “التكيف”؟ جنونهم ربما، أو صحتهم؟ وطبعًا سوف يقال بأنهم انفجروا من زمان، ثم انهاروا، ثم لاذوا في “التكيّف”… وإلى ما هنالك.
هذا الوصف للبنان لا يستسيغه زواره الموسميون من المهاجرين. يقولون بأن زيارتهم لبنان كانت كل شيء غير ذلك. فلبنانهم أخضر كريم جميل مضياف… وأنا لا أستغرب وجهة نظرهم. فما أن يطأوا “أرض الوطن”، حتى يجدوا الأحباء المرّحبين، وموائد ومشاوير، وبحر وجبل، ومطاعم وسهرات، وعرائس بالانتظار… أي أنهم في إقامتهم الميمونة هذه، داروا حول حلقة مغلقة محمية وميسورة مبتهجة بهم، والقيمون عليها أخذوا إجازة من “التكيّف”.
تلك “الحلقة الضيقة”، تجدها في فئة أخرى، لدى المقيمين أيضًا. يختار هؤلاء مكانًا للعيش، مسوّر، منفصل. مكان مطمئن نظيف جميل. يغنيه عن عادات “التكيّف” الميؤوس منها، والتي تبعدهم عن أنفسهم. قرية أو منتجع أو أبناء حي “نموذجي”… ينصحونني بـ”النزول وبالبقاء” في هكذا مكان لدى زيارتي المقبلة إلى لبنان. “إن أردتِ أن تحبّي لبنان”، يضيفون.
وأنا لم أعد أحب لبنان. ولم أعد أحب أن أحبه. لم أعد قادرة على لعبة استحضار ابتسامته الأولى التي أوقعتني في غرامه. الآن أشفق عليه. ولا أحتاج أن أكون معه لأشفي شوقي إليه. هو في داخلي. أينما رحلت.

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00