السيجارة إنتاج رأسمالي، إمبريالي، تفرغ جيبك من المال (Getty) ثقافة و فنون دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة (6): مرحلة المَطْهَر by admin 13 مارس، 2026 written by admin 13 مارس، 2026 20 السيجارة إنتاج رأسمالي، إمبريالي، تفرغ جيبك من المال، تضحك عليك أيضًا، تصوِّر لك الدنيا حلوة معها. السيجارة غشاشة، تأكل الطاقة، إدمان أبله، تزيد التجاعيد على الوجه، وتشوه الجمال، وتمنع من مواصلة الرقص… العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية قراري بالإقلاع عن التدخين كان سريعًا. بلا مقدمات ولا دوافع مباشرة. بلا نصائح ولا إلحاح من إصابة أو مرض. بين ليلة وضحاها، وبعد مراوغات كثيرة. ولكن تحت وطأتين معنويتين: نهاية حياة أمي، المدخنة العنيدة. كانت نهاية طويلة ومؤلمة. خمسون يومًا في المستشفى، وجسمها يتحلل، يتفسخ. وهي تتألم، عاجزة حتى عن النوم. ونحن أولادها لا نصدق بأن نهايتها بهذا البطء، بهذه الوتيرة. هي الديناميكية، المحبة للحياة حتى آخر نفس. وعيونها اللوزية العميقة، وتلك النظرة المشتاقة دائمًا إلى طفولتها. كل هذا راح وصار شوقها إلى مجرد الحياة، أو ربما مجرد الموت. صورتها هذه سكنت طويلًا في قلبي. تراودني وتختفي. تستفيق في صباح بارد، بلا أي سبب معلوم. فأقول لنفسي بأن عليّ تجنيب أولادي العذاب الذي شغل نهاية حياة أمي. ماذا أفعل لأحقق ذلك؟ ماذا بيدي، غير التدخين؟ نزل عليّ وحي مفاجئ، مثل إرادة أقوى من إرادتي، وبما لا يزيد عن الثانيتَين، رميت السيجارة. ولو لم تكن الدنيا فجرًا، والناس نيامًا، لصرخت “خلاص…!”. خلاص تدخين، ونهائيًا. وطبيب القلب المتابع لحالة أمي في تلك المستشفى، قبل دخولها الأخير إليها، كان إنسانًا بقدر ما كان شاطرًا. إنسان قبل الشطارة. أو ربما شاطر لأنه إنسان. تتصل به كلما ألمّ بها الأرق ولم تعرف أن تنام. لا تقبل بغيره حتى مجرد الفحص. حاولنا نقلها إلى المستشفى الأميركي، فأصيبت بالاكتئاب. مكثت هناك ليلة واحدة ثم عادت إلى طبيبها هذا في مستشفى المقاصد، فانشرحت وتحسنت. طبيب أمي من جيل سالف. وقد عرفت عائلتنا أطباء قدماء، ولا واحد يختلف عنه. خصوصًا الدكتور إبراهيم زويا، صديق أبي، وطبيبنا كلنا منذ عودته من باريس. والدكتور زويا جعلني أتخيل بأن الذي يقرر دراسة الطب مثل الذي يدخل في سلك الرهبان؛ يكرس حياته لعافية مرضاه، وأحيانًا لرفاههم. الطبيب عندي قديس مدني. وفي مراهقتي كنت أحلم أن أكون أنا أيضًا طبيبة. ولكن تجربتي مع “أطبائي”، خالفت توقعاتي. لم أصدق بداية. كنت أعتقد بأن سوء أدائهم يعود إلى جهلي، وقلة “تجاربي الصحية”. وباستثناء طبيبين، الغالبية من الذين صادفتهم في حياتي “الصحية”، كانوا على درجة عالية من قلة الإنسانية أو قلة الضمير. وأحيانًا من قلة الاثنين معًا. حملت هذه الصورة إلى كندا. وصرت أتخيل أيضًا آخرتي على أيدي النظام الصحي الكندي المجاني، ملك الانتظار. أطباؤه مشغولون، نادرون… وعليك أن “تساعدهم”، عبر البحث في تفاصيل مرضك، ليأخذ القرار الصحيح بشأنك… هاجس آخرة العمر نما في كندا، وأقول لنفسي بأنه مع هكذا نظام صحي، ستكون آخرتي محنة أشد من محنة أمي. ماذا تستطيعين أن تفعلي؟ أسأل نفسي. وأجيبها: الأكل الصحي، الرياضة، النشاط اليومي، التفاؤل بالحياة…. وقبل كل شيء التوقف عن التدخين. هكذا دخلت مرحلة جديدة، وتذكرت أشياء وأشياء. في الأيام الأولى، تحولت السيجارة إلى شبح نهاري. يحوم حولي، ويهمس في أذني “سيجارة…! سيجارة…!”. أتذكر صديقتي التي اضطرت إلى التوقف عن التدخين، وعاشت بقية حياتها في لوعة تشبه لوعة خسارة الحبيب. فقلت لا، لن أسمح لنفسي بهكذا عشق. عليّ أن أطرد الشبح، بالحجج التي تقنعني. وكان لدي ترسانة من الحجج. كلما هجم الشبح عليّ، أرددها: السيجارة ثعبان، خبيثة، تضحك عليك أيتها المغفلة. السيجارة إنتاج رأسمالي، إمبريالي، تفرغ جيبك من المال، تضحك عليك أيضًا، تصوِّر لك الدنيا حلوة معها. السيجارة غشاشة، تأكل الطاقة، إدمان أبله، تزيد التجاعيد على الوجه، وتشوه الجمال، وتمنع من مواصلة الرقص… ابنة خالتي المؤمنة، التي تصلي وتصوم، تكلمني في أول أيام إقلاعي. فتزودني بحجة مقدسة، أدرجها في لائحتي. تقول إن السيجارة ليست محرمة عند المسلمين، ولكنها “شيطان أخرس”؛ ساكت عن الباطل الذي يراه أمام عينيه. وأنا استلمت تلك الحجة، أعطيت للشيطان اسمه، أي “إبليس”. وعندما يحضر شبح السيجارة، أصرخ بداخلي “إبليس…! كشْ برا وبعيد…!”. كمن يدفع عن نفسه شرًا، أو يطرد عينًا حاسدة أو شؤمًا أو شرًا. الذي تغير في أول أيام هذه المعركة الصامتة هو الأحلام. كأن السيجارة كانت تخفي الأحلام خلف دخانها. من اليوم الأول، راح الدخان وحضر اللاوعي. أناس من أيام قديمة، من أيام الطفولة والمراهقة. وأيام أقل قِدَمًا. بعضهم صار في دنيا ثانية، وقصصهم أيضًا. وبعضهم الآخر انقطعتُ عنهم. وجدتُ طريقة للاتصال بهم، فكانوا في القارات الخمس، موزعين. وقصصهم لا تشبه بعضها. صارت الأحلام مثل أوقات الذكريات. أستفيق صباحًا، ولا أنساها. في البداية، أسجلها على أول ورقة أصادفها. وبعد ذلك صار لها دفترها الخاص. وأغرق في قصصها طوال النهار. وأحاول أن أتخيل مستقبل الذين لم يرحلوا عن هذه الدنيا. كيف؟ متى؟ أين؟ حاسة الشمّ التي أخذت مداها أيضًا بعد الإقلاع. قبل ذلك، إحساسي بالروائح كان قويًا. لا يرتاح أنفي عن “تحليل” هذه أو تلك من “مكوناتها”. أفرزها، أصنفها، أستمتع بها أو أتضايق منها. أما الآن، فلا يسع أنفي قدراته على الشمّ. أستطيب اللذيذ منها بكل جوارحي، بالقدر الذي أنفر من الكريه. بنوع من التطرف الذوقي الذي لم أعرفه من قبل. كما في الأحلام والشمّ، حلّت عليّ بركة النوم، والهناء، والوجه الخالي من التعب… وبأن كل يوم سيكون أفضل من الذي سبقه. لم تدم هذه الجنة أكثر من شهر ونصف الشهر. بعد ذلك اكتشفت بأنني مصابة بمرض خطير. فحضر المطْهر. ذاك المكان الذي ابتدعته الكاثوليكية بفضل الشاعر الإيطالي دانتي [*]. المطهر حيث تحوم الأرواح العالقة بين الجنة والنار. حيث يكابد المرء الذي لم تضعه سعة خطاياه في جهنم مرة واحدة. خطاياه المعقولة مثل التكبّر والحسد والغضب والمجون. تبذل فيه الأرواح جهودًا تشبه حمل الصخرة من تحت إلى فوق حيث الجنة. والمطهر هو مثل مدرسة الأرواح. تتعلم فيه كيف تكتشف عيوبها وكيف تتوسل الطهارة وكيف تساهم بالشفاء من أمراضها. تتعلم الروح من خلال النظر إلى الأشياء، من خلال التذكر والتكرار. وكلما أسرعت بالتعلم، كلما اقتربت من الجنة. جنتي أنا هي شفائي من مرضي ومن السيجارة. أن أعود وأتنفس وأركض وأرقص وأمشي… من دون حساب. من دون انقطاع الهواء عني، من دون الشعور الثقيل بأنني أذيت نفسي ولا أقدر على إصلاحها. (انتهى) 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post روبرت أ. بايب يكتب عن: هل يصب التصعيد في مصلحة إيران؟ You may also like “رسائل همنغواي”: سيرة مواربة تتوغل في أعماقه عنوة 13 مارس، 2026 أمين الزاوي يرفع “الكمامة” عن أمراض الثقافة العربية 13 مارس، 2026 “نظام المال” رواية الصدمة الغربية ازاء العولمة الاقتصادية 12 مارس، 2026 معجم أدباء اليمن يسمو فوق صراعات السياسة 12 مارس، 2026 فاروق يوسف العائد يقف على أطلال البلاد الأم 12 مارس، 2026 أميركي يكتب التاريخ “الحقيقي” للاشتراكية: الأبطال بشر أيضا! 11 مارس، 2026 عبده وازن يكتب عن: عندما يمثل العربي “الآخر”... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الكاتبة الطليعية في السرد والنقد والترجمة 11 مارس، 2026 جنون العنف في رواية بارغيس “البرتقال الآلي” وفيلم... 11 مارس، 2026 دراما “القافر”… إنسانية الفقد والهوية في قرية عمانية 11 مارس، 2026