تجاوز جيفري ساكس اليوم الـ70 سنة، وهو من مواليد عام 1954 (ويكيميديا) عرب وعالم جيفري ساكس… رجل العلاج بالصدمة by admin 4 سبتمبر، 2025 written by admin 4 سبتمبر، 2025 101 يرى أن أكبر مخاوف القادة السياسيين الأميركيين والأوروبيين هو أن يفقد الغرب هيمنته بعد قرون وأن فقدانها سيؤدي، بطريقة ما إلى عواقب كارثية اندبندنت عربية تجاوز ساكس اليوم الـ70 سنة، فهو من مواليد عام 1954، وعلى رغم أن مجال تخصصه الرئيس هو الاقتصاد، فإن حضوره الدولي يتجاوز جمود النظريات الاقتصادية إلى رحابة الرؤى الكونية، لا سيما في عالم يتحرك بسرعات هائلة في زمن الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، ناهيك بالرقائق الاصطناعية. ربما يبدو من الصعب تقديم جامع مانع للبروفيسور الأميركي جيفري ساكس، لا سيما أنه أحد أهم الأصوات الأميركية المعاصرة، حضوراً وإلقاءً، حتى لو قدر له الاختلاف الواسع والشاسع مع أركان إدارة الرئيس دونالد ترمب، وكذلك مع تيار “أميركا العظيمة من جديد”، عطفاً على مواقفه الحاسمة والحازمة من دولة إسرائيل. ولعل الذين يستمعون للقاءت الرجل وأولئك الذين يتابعون كتاباته يدركون كيف أنه يمثل صوتاً صارخاً في برية عالمنا المعاصر والتي تحتاج إلى مفكرين نهضويين، لا نهبويين، وفي الحق يجيء ساكس في مقدمهم. تجاوز ساكس اليوم الـ70 سنة، فهو من مواليد عام 1954، وعلى رغم أن مجال تخصصه الرئيس هو الاقتصاد، فإن حضوره الدولي يتجاوز جمود النظريات الاقتصادية إلى رحابة الرؤى الكونية، لا سيما في عالم يتحرك بسرعات هائلة في زمن الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، ناهيك بالرقائق الاصطناعية. في الأشهر الأخيرة التي تلت فوز الرئيس الأميركي ترمب بالولاية الثانية، ومع التوجهات المثيرة لسيد البيت الأبيض وآخرها، نشر قوات الحرس الوطني في العاصمة واشنطن، بدأ الجميع تواقاً داخل أميركا وخارجها للاستماع إلى البروفيسور ساكس، ورُؤاه عن أميركا والعالم، وبصورة خاصة، وانطلاقاً من مجال تخصصه الرئيس، أي الاقتصاد، عن الآثار المتوقعة لفكرة التعريفات الجمركية التي فرضها، ولا يزال يفعل الرئيس الأميركي، وقد كان آخرها ما فعله مع الهند التي تعد حليفة رئيسة للولايات المتحدة كنوع من العقوبات بسبب شرائها النفط من روسيا . من هو جيفري ساكس ومن أين لنا بداية القصة؟ يشغل ساكس في الوقت الراهن منصب مدير مركز التنمية المستدامة بجامعة “كولومبيا” ورئيس شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة (فيديو) ساكس في ميشيغان كانت البدايات نشأ ساكس في مدينة “أوك بارك” بولاية ميشيغان الأميركية، ووُلد لعائلة يهودية، تخرج في مدرسة “أوك بارك” الثانوية ومنها انتقل إلى جامعة “هارفرد” العريقة، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، وهناك أكمل دراساته للماجستير والدكتوراه في علم الاقتصاد. عبر مسيرة علمية طويلة تبدت إمكانات ساكس العلمية والفكرية، ومع ترقيه عديد من المناصب الدولية بات محط أنظار في الداخل الأميركي، وفي أوروبا، لا سيما في الفترة الفاصلة بين الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى انفراد الولايات المتحدة بمقدرات الهيمنة الأممية. يشغل ساكس في الوقت الراهن منصب مدير مركز التنمية المستدامة بجامعة “كولومبيا” ورئيس شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة. في الفترة ما بين 2001 و2008 عمل ساكس مستشاراً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة، وشغل المنصب نفسه في عهد الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون. ساكس هو المؤسس المشارك والرئيس الاستراتيجي لتحالف “وعد الألفية”، وهي منظمة غير ربحية مكرسة للقضاء على الفقر المدقع والجوع. من عام 2002 إلى عام 2006 عمل ساكس مديراً لمشروع الألفية التابع للأمم المتحدة في شأن الأهداف الإنمائية للألفية. وفي عام 2010 أصبح مفوضاً في لجنة النطاق العريضة للتنمية المستدامة التي يتمثل هدفها المعلن في تعزيز أهمية الإنترنت عريض النطاق في السياسة الدولية. كتب ساكس عديداً من الكتب وحصل على عديد من الجوائز، وقد حظيت آراؤه حول الاقتصاد وأصل “كوفيد-19” والهجوم الروسي على أوكرانيا بالاهتمام والنقد. ويمكن لنا التساؤل “هل من لحظة بعينها بدأت فيها رؤى ساكس الاقتصادية تتجلى من حول العالم؟”. أشار ساكس إلى أن هناك ثلاث علامات على أن هيمنة الدولار الأميركي على وشك الانهيار (رويترز) ساكس واقتصاد ما بعد الشيوعية في عام 1989، وفي وقت كانت فيه الشيوعية تلفظ أنفاسها الأخيرة، والستار الحديدي ينهار بعد سبعة عقود من السطوة الغاشمة، نصح ساكس حركة التضامن المناهضة للشيوعية في بولندا، وحكومة رئيس الوزراء تاديوش مازوفيتسكي، بالطريق الواجب اتباعه للخلاص من أعباء الاقتصاد الشيوعي. كتب ساكس خطة شاملة للانتقال من التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق التي أصبحت مدمجة في برنامج الإصلاح البولندي بقيادة وزير المالية ليزيك بالسيروفيتش. كان ساكس المهندس الرئيس لعملية خفض الديون البولندية وقدم المشورة في شأن التحويل السريع لكل الممتلكات والأصول من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة، وأعقب ذلك إغلاق عديد من المصانع غير التنافسية. في بولندا بدا ساكس ثابتاً على جانب التحول السريع إلى الرأسمالية. في البداية اقترح هياكل مؤسسية على الطراز الأميركي مع مديرين محترفين مسؤولين أمام عديد من المساهمين ودور اقتصادي كبير لأسواق الأسهم. لم يبشر ذلك بالخير لدى السلطات البولندية، لكنه اقترح بعد ذلك وضع كتل كبيرة من أسهم الشركات المخصخصة في أيدي البنوك الخاصة. نتيجة لذلك كان هناك بعض النقص والتضخم، لكن الأسعار في بولندا استقرت في النهاية. منحت حكومة بولندا ساكس أحد أعلى أوسمتها عام 1999، وهو وسام الصليب القائد للاستحقاق، كما حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة “كراكوف” للاقتصاد. بناءً على نجاح بولندا سعى الرئيس السوفياتي وقتذاك ميخائيل غورباتشوف وخليفته الرئيس الروسي بوريس يلتسين للحصول على نصيحته أولاً في شأن انتقال الاتحاد السوفياتي/ روسيا إلى اقتصاد السوق. وأصبحت أساليب ساكس لتحقيق الاستقرار الاقتصادي معروفة باسم “العلاج بالصدمة”، وكانت مشابهة للأساليب الناجحة المستخدمة في ألمانيا بعد الحربين العالميتين، وعلى رغم أن دوره في روسيا واجه انتقادات بسبب ذلك النوع من السياسات القائمة على العلاج بالصدمة، غير أنها ستثبت لاحقاً جدواها في دول أخرى كانت تدور من قبل في فلك الاقتصاد الشيوعي، ومن عمله في دول ما بعد الشيوعية، اتجه ساكس نحو القضايا العالمية المتعلقة بالتنمية الاقتصادية. والشاهد أنه منذ رؤية ساكس العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ظل الرجل حاضراً بقوة على صعيد التغيرات التي جرت في عالمنا المعاصر، وأخيراً بدا وكأنه يحمل رؤية جديدة لنظام دولي جديد تختلط فيه السياسة بالاقتصاد والتكنولوجيا بالبيئة، والشرق بالغرب، مما يعني أن عهداً مغايراً في تاريخ البشرية يكتب في حاضرات أيامنا. يتمنى المفكر الاقتصادي الأميركي أن يرى الصين والهند تتعاونان بصورة وثيقة في الأمم المتحدة (أ ف ب/ غيتي) عن البشرية واتجاهات مترابطة عبر مجلة “فورين بوليسي” الأميركية ذائعة الصيت، يصف ساكس المرحلة الحالية من تاريخ البشرية، بأنها غير مسبوقة، نتيجة لتلاقي ثلاثة اتجاهات مترابطة: أولاً، وهو الأهم، انتهى النظام العالمي الذي يقوده الغرب، والذي تهيمن فيه دول منطقة شمال الأطلس على العالم عسكرياً واقتصادياً ومالياً. ثانياً، ستؤدي الأزمة البيئية العالمية التي اتسمت بتغير المناخ الناجم عن أنشطة الإنسان، وتدمير التنوع البيولوجي، والتلوث الهائل للبيئة، إلى تغييرات جذرية في الاقتصاد العالمي والحوكمة. ثالثاً، سيحدث التقدم السريع في التقنيات في مجالات متعددة، الذكاء الاصطناعي والحوسبة والتكنولوجيا الحيوية والهندسة الجيولوجية، اضطراباً عميقاً في الاقتصاد والسياسة العالميين. هل تعني كلمات ساكس هذه أن حال عدم اليقين هي الثابتة الوحيدة في حاضرات أيامنا؟ وأن ما خلا ذلك متغيرات؟ وإذا كان الأمر بالفعل على هذا النحو فإن علامة الاستفهام التي تطرح ذاتها في هذا الإطار “هل المؤسسات الدولية الحاضرة التي انبثقت عن نهاية الحرب العالمية الثانية لا تزال تعد صالحة للعمل في العقد الثالث من القرن الـ21؟”. يعتقد ساكس جازماً أن المؤسسات الأممية القائمة، سواء الوطنية أو الدولية، لا ترقى إلى مستوى الحوكمة في عالمنا سريع التغير. يعود بنا ساكس إلى ما قاله عالم الأحياء التطوري الراحل الكبير إدوارد ويلسون 1929-2021 من أننا “دخلنا القرن الـ21 متعثرين بمشاعر العصر الحجري ومؤسسات العصور الوسطى وتقنيات شبه إلهية”. وكان يقصد بذلك أننا نواجه تحدياتنا اليومية بالطبيعة البشرية المعرفية والعاطفية الأساسية التي شكلها التطور البشري قبل عشرات آلاف السنين، وبمؤسسات سياسية تشكلت منذ قرون (وضع دستور الولايات المتحدة عام 1787)، وبسرعة التقدم التكنولوجي الهائلة (فكر في “شات جي بي تي” وكيف أنه أحدث العجائب). هل من حقيقة مؤكدة تواجهها بشريتنا المعاصرة؟ بحسب المفكر الأميركي لعل الحقيقة الأساسية للتغير المجتمعي العميق هي عدم اليقين، ورد الفعل الأساس عليه هو الخوف. هناك في واقع الأمر تناقض جوهري ربما يعوق مسيرة إنسانيتنا المهددة، ذلك أنه في وقت يمكن للتقدم التكنولوجي، إذا استخدم بصورة صحيحة، أن يحل مشكلات لا تحصى في التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية (مثل تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم من خلال الاتصال الرقمي) والاستدامة البيئية، مثل الانتقال السريع إلى مصادر طاقة خالية من الكربون، إلا أنه على رغم كل ذلك، فإن المزاج السائد اليوم بعيد كل البعد من التفاؤل، بخاصة في الغرب. حين يتوقف ساكس مع الغرب فإن التساؤل الذي يطرح نفسه وبقوة على موائد الحوار “كيف ينظر الرجل إلى الهيمنة التاريخية للغرب، تلك التي استمرت قرابة خمسة قرون، وهل يمكن أن تمضي من جديد إلى الأمام، أم أن الوقت قد حان لتغيير التراتبية الأممية، لا سيما حال ظهور قوى قطبية أخرى مغايرة؟”. يحسب لساكس أنه على رغم عقيدته اليهودية فإنه كان رؤية موضوعية في ما يخص القضية الفلسطينية وما يجري في غزة (رويترز) هيمنة الغرب إلى أين تمضي؟ يعتبر ساكس أن أكبر مخاوف القادة السياسيين الأميركيين والأوروبيين هو أن يفقد الغرب هيمنته بعد قرون، وأن فقدانها سيؤدي، بطريقة ما، إلى عواقب كارثية، وقد عبر رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون عن هذا الخوف الغربي صراحة في مقال نشر في أبريل (نيسان) 2024 بصحيفة “ديلي ميل” البريطانية، عندما صرح بأنه إذا خسر الغرب الحرب في أوكرانيا، فستكون تلك نهاية الهيمنة الغربية. هل هنا يكمن بالفعل الجوهر الحقيقي للحرب الأوكرانية؟ بمعنى أنها أكبر وأخطر من مجرد صراع عسكري بين موسكو وكييف؟ يرى ساكس أن المشهد الأوكراني هو بالفعل جوهر الصراع الغربي – الشرقي، عطفاً على عديد من الصراعات العالمية الأخرى. وليس خافياً أن الولايات المتحدة تسعى وحلفاؤها إلى توسيع حلف “الناتو” ليشمل أوكرانيا. وقد رفضت روسيا ذلك رفضاً قاطعاً. كانت كل من واشنطن ولندن مستعدة لخوض حرب مع روسيا في شأن توسع “الناتو” لحماية الهيمنة الغربية (وتحديداً الحق في إملاء الترتيبات الأمنية عليها)، بينما كانت روسيا مستعدة لخوض حرب لإبعاد “الناتو”. في الواقع تتفوق روسيا في ساحة روسيا في ساحة المعركة على جيش أوكرانيا، وتسليح “الناتو”. تقودنا رؤية ساكس إلى استنتاج أمر مهم، وهو أن كثيراً من مراكز القرار، ومن صناع الأفكار في العواصم الغربية، قللت بالفعل من شأن القدرات الروسية، وغالب الظن أنهم أغفلوا أو تغافلوا البعد الحضاري والروحي في تاريخ الأمة السلافية الإمبراطورية الروسية، تلك التي تحطمت على صخرتها أطماع نابليون بونابرت، وانكسرت عليها أوهام أدولف هتلر. والشاهد أن حديث تراجع الغرب، ربما يحتاج إلى قراءات مفصلة قائمة بذاتها، غير أنه بحال من الأحوال لا يمكننا تجاهل فكرتين أساسيتين في هذا السياق: أولاً: الوزن الديموغرافي للغرب الذي يطلق على أوروبا وأميركا الشمالية، بنوع خاص، مع محاولة استمالة أستراليا ونيوزيلندا، بصورة أو بأخرة إلى هذا المعسكر، في مواجهة الأوزان السكانية لثلاث قارات، آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، مع التفكير المعمق في الدور المهم للغاية الخاص بتعداد السكان في تقدم الأمم ونهضة الشعوب. ثانياً: الإمكانات الاقتصادية والنهضة التكنولوجية، والتي يبدو أنها تتحرك من قلب العالم القديم الذي وصفه عالم الجغرافيا الإنجليزي الشهير هالفورد ماكندر، الذي اعتبره أوروبا، إلى شرق الكرة الأرضية حيث آسيا الصاعدة بقوة في مدارات عالم مغاير. من هنا لا بد من أن يتقاطع الحديث عن تلك الهيمنة والحضور الأميركي على مستوى العالم، على الصعد السياسة والعسكرية والاقتصادية كافة، لا سيما في ضوء ما يتخذه الرئيس ترمب من قرارات تنفيذية منذ أن عاد للبيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) الماضي، ناهيك بتوجهات التعريفات الجمركية المثيرة للشقاق والفراق. يرى ساكس أن منظور ترمب منظور مكيافيللي قصير النظر لا يمكن أن يواكب نوازل ومستجدات البشرية في أوقاتنا الحاضرة (رويترز) ترمب المتنمر ورؤية للغطرسة الأميركية يتساءل الأميركيون في الداخل وبقية شعوب العالم “هل يسرع الرئيس ترمب بوضع نهاية للغرب الذي هيمن على العالم أوروبياً منذ القرن الـ17، وأميركياً منذ منتصف القرن الـ20، ولو بالشراكة مع أوروبا واليابان ضمن سياق المثلث الرأسمالي التاريخي المعروف؟ في مقابلة لساكس أوائل أغسطس (آب) الجاري مع صحيفة “أوبن” الهندية اعتبر ساكس أن ترمب رجل متنمر لا يهتم بالعدالة والنزاهة. بالرجوع إلى موسوعة “مدينة الله” للفيلسوف الجزائري الأصل سانت أوغستين، نجد تعبيراً شهيراً، وهو أنه “حال غياب العدالة، تضحى الإمبراطوريات ممالك للصوص”، وينذر ويحذر من أن مصير القوى العظمى هو الانهيار والانحدار من بعد غياب العدالة. المقطع المتقدم ربما هو السبب الرئيس في التساؤل الكبير الذي يطرح في العقدين الأخيرين “هل سيكون مصير الولايات المتحدة مثل مصير روما في نهايات القرن الخامس الميلادي، حين سقطت أمام قبائل الفندال؟”. في حديثه المشار إليه يعتبر ساكس أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على العالم، بما في ذلك زيادة بنسبة 25 في المئة، والتي أعلنت في السادس من أغسطس، رداً على شراء الهند النفط الروسي ليصل إجمالها إلى 50 في المئة، تقوض، بصورة واضحة، الرفاه الاقتصادي للولايات المتحدة الأميركية. هل نهاية الرفاه في أميركا، مالئة الدنيا وشاغلة الناس، هو بداية لتراجع الهيمنة الغربية التقليدية؟ بتحليل رؤى ساكس يتبين لنا أن الرجل يحاول الربط الجاد والجدي بين منظومة الأخلاق العالمية، وبين السياسات الواقعية، ويرى أن منظور ترمب هو منظور مكيافيللي قصير النظر، لا يمكن أن يواكب نوازل ومستجدات البشرية في أوقاتنا الحاضرة. ساكس، الذي عمل مستشاراً لثلاثة أمناء عامين للأمم المتحدة، يقطع بأن “ترمب يتخبط لأنه لا يتبع المسار الصحيح لإنهاء الحرب في أوكرانيا، والذي يتطلب مفاوضات ودبلوماسية حقيقية مع روسيا، بما في ذلك الاعتراف بأن توسيع حلف شمال الأطلسي كان خطأ فادحاً أشعل فتيل الحرب”. يرى ساكس أن الولايات المتحدة تستغل الهند ضد الصين، من دون أي اهتمام بالتنمية الاقتصادية الهندية، ويقول لصحيفة “أوبن”، “حذرت في وقت سابق من هذا العام من أن الولايات المتحدة لن تبقي أسواقها مفتوحة أمام الصادرات الهندية”. هل يدفع ترمب بقرارته الأحادية هذه الولايات المتحدة للعيش ضمن “الغيتو” التقليدي الشهير الخاص بالقرون الوسطى، ويفتح الباب واسعاً أمام مزيد من التكتلات الأممية، مثل “بريكس”، و”بريكس بلس”، والتي وإن بدت اليوم صاعدة بهدوء ومن دون صخب، ستبلور عالماً مغايراً عما قريب؟ في أبريل الماضي لفت ساكس إلى أمر في غاية الأهمية، وقد يكون مزعجاً في الوقت عينه لفكرة الهيمنة الغربية برأس حربة أميركية، فقد أشار إلى أن هناك ثلاث علامات على أن هيمنة الدولار الأميركي على وشك الانهيار. أولاً: على رغم أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر ناتج محلي إجمالي في العالم، من حيث القيمة الإسمية، فإن جودة نموها الاقتصادي أصبحت موضع شك متزايد. بناء على قياسات تعادل القوة الشرائية تجاوزت الصين الولايات المتحدة، مما يشير إلى أن القوة الاقتصادية الأميركية ليست قوية كما تبدو. ثانياً: يستمر تآكل الثقة العالمية بالولايات المتحدة، وقد نتج هذا من سياسات مالية غير منضبطة، اتسمت بدين وطني يتجاوز الآن 35 تريليون دولار أميركي، وإساءة استخدام النفوذ الاقتصادي عبر الاستيلاء على احتياطات النقد الأجنبي لدول أخرى، والتهديد بفرض عقوبات وحصار نظام “سويفت”. ووفقاً لساكس فإن هذه الإجراءات أدت بدلاً من ذلك إلى تسريع التحول نحو نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب. ثالثاً: في ظل التحول العالمي نحو أنظمة الدفع الرقمية ركزت الولايات المتحدة على تطوير العملات المشفرة بدلاً من العملات الورقية للبنوك المركزية. في المقابل أحرزت الصين تقدماً ملحوظاً في تطوير اليوان الرقمي. من هنا تبدو الحقيقة القادمة، والتي يمكنها أن تفكك قوة الغرب، تتضح في أنه إذا هيمنت العملات المشفرة بصورة متزايدة، وحلت محل الدولار في المعاملات الدولية، فستفقد حكومة الولايات المتحدة مزيداً من سيطرتها على النظام النقدي العالمي، وعليه يضحى الأمر الموضوعي لتراجع القدرة التنافسية الاقتصادية، وفقدان الثقة الدولية، والخطوات الخاطئة التي اتخذتها الولايات المتحدة في عهد ترمب، بنوع خاص، في الاستجابة للعصر الرقمي، مدخلاً مؤكداً لتراجع الهيمنة الغربية، وفتح دروب لنظام عالمي مغاير. هل من ملامح أو معالم لهذا النظام العالمي الجديد الذي شاغب عقل المفكر الأميركي جيفري ساكس؟ لعل ما يكسب ساكس حضوراً وألقاً عالميين هو تفكيره خارج الصندوق (ويكيميديا) ثلاثة سيناريوهات لعالم قادم مع الذكرى الـ80 لنهاية الحرب العالمية الثانية في مايو (أيار) الماضي قدم ساكس عبر مجلة “ناشيونال إنترست” الأميركية ثلاثة سيناريوهات لنظام عالمي جديد: – السيناريو الأول: يتمثل في بناء عالم متعدد الأطراف بحق. ولتحقيق ذلك، يرى أن البشرية المعاصرة في حاجة إلى نظام دولي متطور تتفق فيه القوى الكبرى على الاستثمار في سيادة القانون الدولي والحل السلمي للنزاعات. وهذا يتطلب تطوير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومؤسسات الأمم المتحدة بصورة عامة. ولعل ما يكسب ساكس حضوراً وألقاً عالميين، هو تفكيره خارج الصندوق، ذلك أنه يتمنى رؤية مقر رئيس للأمم المتحدة في الصين، للمساعدة في قيادة التحول الأخضر والرقمي عالمياً. ويتمنى المفكر الاقتصادي الأميركي أن يرى الصين والهند تتعاونان بصورة وثيقة في الأمم المتحدة، بما في ذلك نحو مقعد الهند في مجلس الأمن. كما يتمنى أن تدعم الصين الاتحاد الأفريقي ليلعب دوراً أكبر بكثير من الحوكمة العالمية. ويحلم ساكس أن يرى الصين واليابان وكوريا تنهي الانقسامات الجيوسياسية، وتشكل تحالفاً قوياً في شمال شرقي آسيا. والأهم في هذا السيناريو أن تقبل الولايات المتحدة وأوروبا الدور المتنامي للصين والهند وبقية العالم الغربي. – السيناريو الثاني: يتعلق بتراجع العالم الغربي، فيتجه نحو الحمائية، إذ تحاول الولايات المتحدة تقسيم العالم إلى معسكرات. وعنده أنه ربما تكون هذه الاستراتيجية الأميركية المرجحة، لكنه في الوقت عينه يعتقد أنها أسوأ بكثير بالنسبة إلى الولايات المتحدة وبقية العالم من السيناريو الأول، ويوصي بأن على الولايات المتحدة التخلي تماماً عن فكرة بناء معسكرات متنافسة. – السيناريو الثالث: هو أننا لا نملك نظاماً عالمياً على الإطلاق، بل فوضى متزايدة ناجمة عن تغير المناخ والحروب والصراعات الجيوسياسية. هذا السيناريو المريع احتمال حقيقي. رؤى ساكس في واقع الأمر وفاقية لا فراقية، ذلك أنه في حين يرى أن المساراًت الثلاثة المتقدمة ممكنة، إلا أنه يوصي الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بأن تأخذا نفساً عميقاً وتتنهدا وترحبا بالعالم غير الغربي في قيادة عالمية مشتركة، كما يجب على القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين والهند، أن تتفق على منع المواجهات وقطع الطريق على نشوء حروب جديدة. لساكس قراءات جيواستراتيجية مثيرة قد لا تعجب القائمين على فكرة “أميركا أولاً”، أو بمعنى أدق أميركا المسيطرة على القرن الـ21، بحسب توصيات وثيقة القرن لعام 1997 للمحافظين الجدد. عوضاً عن ذلك يوصي ساكس بأن على واشنطن أن تتخلى عن أوهام تمدد وتوسيع نطاق حلف شمال الأطلسي، وبالقدر نفسه وضع حد لاستفزاز الصين من خلال دعم تايوان وإمدادها بالسلاح، مما يمكن أن يتسبب في حدوث مواجهة عسكرية بين بكين وواشنطن، لا تلبث أن تتحول إلى مواجهة عالمية، لا إقليمية فحسب. في هذا الإطار فإن رؤية ساكس لنظام عالمي معاصر يمكن بلورتها في عبارة مفيدة تتلخص في القول “يجب على الغرب أن يكف عن التساؤل من هو رقم واحد؟”، وأن يسأل “كيف يمكن للعالم أجمع أن يعمل من أجل الصالح العام العالمي؟”. تفتح قراءة ساكس عن ذلك العالم رؤية واسعة للصين وروسيا ودول أخرى يمكن أن تدعم بحماسة مثل هذا الجهد التعاوني العالمي الذي يرتكز على الاحترام المتبادل. ما الذي يتبقى في هذا الحديث عن ساكس؟ مواجهة أيديولوجية للإبادة الإسرائيلية يحسب لساكس أنه وعلى رغم عقيدته اليهودية، فإنه كان قدم رؤية موضوعية، في ما يخص القضية الفلسطينية بصورة عامة، وما يجري في غزة بصورة خاصة. وعقب خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من على منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أوصى ساكس بأنه يتوجب على العالم، وليس على الولايات المتحدة فحسب أن تتبنى خريطة طريق لمواجهة الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة ووقفها. بدا واضحاً أن ساكس يتفهم عقلية نتنياهو، بل يجرؤ على التنديد بما يخطط له، والذي تفهمه ساكس على أنه يريد أن تكون كل الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن إسرائيلية، بالتالي القضاء على الدولة الفلسطينية بالكامل. يؤمن ساكس بأن المتطرفين الإسرائيليي العنيفين بعيدون كل البعد من الممارسات السياسية والقانون الدولي المعمول به اليوم، بنحو 2600 عام. وإسرائيل، بحسب ساكس، ملزمة ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، وليس بسفر يشوع، ووفقاً لقرار محكمة العدل الدولية الأخير، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدعمه، ويجب على إسرائيل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة. ووفقاً للقانون الدولي فإن حدود إسرائيل هي حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وليست حدود نهر الفرات حتى البحر الأبيض المتوسط. ويعتقد ساكس صادقاً أن غياب حل الدولتين هو ما يهدد إسرائيل أكثر من أي شيء آخر. وفي رؤيته يخبر بأن إسرائيل ترفض حل الدولتين زاعمة أن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة سيعرض أمنها القومي لخطر بالغ. لكن في الواقع، والعهدة على ساكس، فإن غياب حل الدولتين هو ما يجعل إسرائيل في خطر حقيقي، فاحتلالها غير الشرعي الأراضي الفلسطينية، واستمرارها في نظام الفصل العنصري ضد ملايين الفلسطينيين، وعنفها المفرط في الدفاع عن هذا النظام، كلها عوامل تعرض بقاء إسرائيل للخطر، إذ تواجه تهديدات جسيمة من العزلة الدبلوماسية العالمية والحرب الدائرة، بما في ذلك الكلف الاقتصادية والاجتماعية والمالية الباهظة للحرب. ومن جانب مهم بدوره يؤكد ساكس أن سعي إسرائيل العنيف إلى تحقيق رؤيتها المتطرفة لا يخدم أمن الولايات المتحدة أو مصالحها، والشعب الأميركي يعارض تطرف إسرائيل. ومن المرجح أن يفقد اللوبي الإسرائيلي سلطته، والمرجح أيضاً أن يتراجع كل من الشعب الأميركي والدولة الأميركية العميقة عن دعمهما غير النقدي وغير المشروط لإسرائيل. الخلاصة… جيفري ساكس مفكر أصيل في زمن منحول. المزيد عن: جيفري ساكس دونالد ترمبكوفيد-19حرب أوكرانياحكومة بولندابنيامين نتنياهوالذكاء الاصطناعي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post حماية السفارات المصرية… جدل دبلوماسي بدوافع سياسية next post الجيش اللبناني قادر على مواجهة “حزب الله”… كيف ينزع سلاحه؟ You may also like هل يصدر لبنان مذكرة توقيف بحق نعيم قاسم؟ 10 مارس، 2026 كواليس دعم روسيا لإيران في حربها مع أميركا... 10 مارس، 2026 التطورات الميدانية تقلب موازين حرب “زئير الأسد” 10 مارس، 2026 زعيم” كومله” الكردي: ترمب اتخذ قرارا شجاعا ونرحب... 10 مارس، 2026 تقرير: لبنان طلب إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل 10 مارس، 2026 الأحواز: الهوية والنفط والصراع على الأرض 10 مارس، 2026 أستراليا تمنح اللجوء لـ5 لاعبات من منتخب إيران... 10 مارس، 2026 هل يشكّل حصار أو احتلال جزيرة (خارك/ خرج)... 10 مارس، 2026 قوات “دلتا” تتأهب.. كيف سيكون شكل الهجوم البري... 10 مارس، 2026 الجيش السوري: «حزب الله» أطلق قذائف تجاه نقاط... 10 مارس، 2026