ليل مدينة مسقط (سوشيل ميديا) ثقافة و فنون جوخة الحارثي تعود الى القصة في “ليل ينسى ودائعه” by admin 19 نوفمبر، 2025 written by admin 19 نوفمبر، 2025 112 الحب والحلم محوران في تجربة سردية مستعادة بعد الرواية اندبندنت عربية / سارة النمس تأتي عودة جوخة الحارثي إلى القصة، في وقت تراجعت مكانة هذا الفن في المشهد الأدبي، بسبب تفضيل الناشرين الرواية على حساب الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية، لقلة رواجها ولضعف إقبال القراء عليها. حتى سمي عصرنا “عصر الرواية”، وباتت القصة القصيرة أقل حضوراً، على رغم تفرد هذا الفن وخصوصية فنياته وإمكانية تنوعه على صعيد القراءة. أما جوخة الحارثي “في ليل ينسى ودائعه” فقد وحدت لون قصصها وإيقاعها وتيمتها، وبدت النصوص متشابهة على نحو ما في تقنياتها وفضائها العام، بلمسة شاعرية تمزج الخيال بالعاطفة والنثر بالشعر. عند قراءة نصوص جوخة الحارثي، يتجلى توظيفها فنيات القصة الحديثة وابتعادها عن ملامح القصة الكلاسيكية التي لا يزال كثر من الكتاب يعتمدونها إلى اليوم. ففي القصة الأولى بعنوان “زيارة”، تبدأ الراوية بجملة: “قررت زيارة الرجل الذي أحب”، ومنها تنطلق في سرد تفاصيل هذه الزيارة بذكرها التوقيت والوجهة من اسم الشارع وشكل البناية وهيئة الرجل الذي تحبه. تكثف جوخة الوصف الدقيق الذي يستخدم بهذا القدر عادة في الرواية أكثر منه في القصة، وتبدو قصة “زيارة” كأنها جزء من سياق أوسع، فثمة ما حدث قبله وما سيحدث بعده، كما لو أن المتلقي يبدأ الحكاية من المنتصف. وتنتهي القصة بنهاية مفتوحة على تأويلات متعددة، على غرار معظم قصص المجموعة التي تشترك في البنية السردية ذاتها: بدايات تأتي من المنتصف، مع غياب العقدة والحل والقفلة الحاسمة. بهذا تتخلى جوخة الحارثي عن الحبكة التقليدية، مركزة على وعي شخصياتها ولا وعيها، عبر الأحلام والرؤى والرموز المتعددة، إضافة إلى البعد النفسي لها وما يشمله من انفعالات عاطفية وتجارب شعورية. المجموعة القصصية (تكوين) الحب والحلم في “ليل ينسى ودائعه” تهيمن تيمة الحب على القصص، ففي كل قصة رجل ما وامرأة، وثمة حكاية حب لم تكتمل لسبب أو آخر. ولا يتضح ما إذا كانت المرأة هي نفسها التي تتكرر في القصص، أم إن البطلات متشابهات إلى حد التعبير عن ذواتهن وحكاياتهن على اختلافها. ومنذ القصة الأولى يبرز حضور السرد الأنثوي الذي يركز على علاقة المرأة بالرجل وعوالمها الداخلية في الحب، وطريقة تفاعلها مع الآخر. إلا أن هذه القصص العاطفية لا تقدم بأسلوب سطحي ومبتذل إنما تتناولها جوخة الحارثي بعمق وبسرد شاعري، وحكايات تتقاطع مع الأحلام، وبرموز تدفع القارئ إلى تتبعها وتحليلها للوصول إلى مفاتيح النص. يطغى النفس الأنثوي على السرد في مجمل المجموعة القصصية، حتى في القصص القليلة التي يرويها ساردون رجال أو راو عليم، كما في قصة “الجنة” التي سردت بضمير الغائب، أو في قصة “الهدايا في كيس الأزهار” التي رواها رجل، لكن من دون أن يمنح صوتاً مختلفاً أو تتغير نبرة السرد، فالقصص كلها كتبت بنفس واحد، ثابت، وإن اختلفت في إيقاعها أو ضمائر سردها. أما الحلم فيظهر في القصص باستمرار، ويتكرر حتى يغدو تيمة ثانية بعد تيمة الحب. تقول الكاتبة على لسان الراوية في القصة الأولى: “كنت أمشي داخل حلمي وعلى حلمي أن يمشي معي إلى منتهاه”. حتى حينما تصف البناية المقصودة في قصة “زيارة”، فهي تقدمها في الواقع الافتراضي للقصة كما لو كانت بناية شوهدت في حلم، بناية غريبة شققها الأمامية غير متصلة بالشقق الخلفية إلا برواق في طابق واحد. وفي قصة “النخالة الوردية”، تفتتح النص بفقرة مقتبسة من حلم فتقول: “كنا في البيت، نجلس متجهين نحو الباب ولكن مقابلنا بابين، وليس باب واحد، كنا ننظر باستقامة نحو البابين، وكان أمامنا منضدة صغيرة فيها مفتاحان”. والمفتاح في هذا النص، يذكرنا بمفاتيح جوخة الحارثي عموماً، ويحيل إلى المفتاح المرسوم كوشم على ساعد بطلة غلاف المجموعة القصصية. وفي قصة “الخركوشي وبدع أخرى”، تبدأ الحكاية بجملة: “بدأ كل شيء حين أصبحت مسؤولاً عن منامات شخص آخر”. يحكي الراوي هنا عن علاقته بحبيبته المهووسة بأحلامها وتفسيرها، والمهتمة بعلم الفلك والنبوءات، فيقول عنها: “هكذا بدأت تحاسبني على مناماتها” ويضيف، “عدلت عن تعزيز أوهامها، التي لم تكن تراها أوهاماً بطبيعة الحال، كانت مؤمنة بها كما آمنت كذلك بالفلك وتأثيرات الأبراج، والحدس وتناسخ الأرواح”. على هذا النحو، تبدو قصص جوخة الحارثي كأنها أحلام مروية، كما لو أنها رأتها فعلاً أثناء نومها واستيقظت لتكتبها بتفاصيلها وتركت لنا مهمة التفسير والتأويل. “قنديل للمرأة الأخرى” في القصة الأخيرة التي تحمل عنوان “قنديل للمرأة الأخرى”، تكتب جوخة الحارثي عن امرأة تتزوج في الـ36 زواجاً تقليدياً من رجل أرمل يكبرها 20 سنة، ولا يزال رغم زواجه الثاني يحتفظ بغرفته الأخرى التي كان يقيم فيها مع زوجته المتوفاة، وبثيابها وعطورها وأغراضها، مما يثير في البداية حساسية لدى العروس الجديدة ويولد شعوراً بالغيرة، قبل أن يتحول إلى هوس بطيفها وحضورها الذي صنعه الغياب. تقول الراوية: “روعني أنه لم يتخلص من ثيابها” وتتساءل: “ألا يتمتع بالحساسية الكافية ليدرك أن متعلقات المرأة الميتة تجرح المرأة الحية؟”. تعاني العروس الجديدة الإهمال العاطفي وضعف التواصل الجسدي بينها وبين زوجها، الذي يلبي رغباته بطريقة آلية، وتصف اهتمامها بجسدها وجمالها وتوقها لسماع الإطراء والمغازلات من زوجها. إلا أنه لا يقابلها سوى بالفتور واللامبالاة، ولا يأتي جسدها إلا كأداة إشباع، فتصفه بقولها، “لم يكن متعجلاً، لكنه لم يعن بأي تفاصيل، كان غائباً في ذاته، ذائباً داخلها”. وتضيف لاحقاً حين تصارحه مباشرة: “آمل في المزيد… المزيد من ماذا؟ من الأحضان؟”. هذا البرود لا يؤثر في تعطشها للعاطفة وحسب، بل يهز ثقتها بنفسها أيضاً، إذ تقول: “وقفت أمام المرآة وشككت في كل شيء، لعل وجهي ليس جميلاً كما كانت أمي تظن، لعل شعري ليس ناعماً، لعل قوامي ليس ممشوقاً…”. في هذه القصة تعرض جوخة الحارثي نموذجاً لامرأة تمتلك قدراً واضحاً من الوعي بجمالها ووجودها وأنوثتها، وتدرك جيداً حاجاتها الجسدية والعاطفية. وهذا ما يزيد من حيرتها وحزنها وهي في مواجهة زوج تشاركه الحياة والسرير، من غير أن يجمع بينهما أي تواصل فكري، عاطفي أو روحي، ولا حتى تواصل جسدي ينسجم مع وعيها ومشاعرها. وتبدو هذه القصة مختلفة عن بقية القصص، فهي أكثر سردية وأقل شعرية ورمزية من القصص السابقة، ومع ذلك تتسم بجرأة وشجاعة في الكشف عن وعي الأنثى بجسدها ورغباتها. ويأتي هذا النص خارجاً نسبياً عن المألوف من حيث جرأته، بالعودة إلى موطن الكاتبة، سلطنة عمان كبيئة محافظة تنتمي إليها، التي تتجنب عادة نقاش كل ما يخص الجسد والرغبة. من خلال هذه المجموعة القصصية، تقدم جوخة الحارثي تجربة سردية مختلفة تعبر من خلالها عن مشروعها الأدبي، وخطها الخاص في كتابة نصوصها. المزيد عن: جوخة الحارثيروائية عمانيةقصص قصيرةالحبالحلمالليلالسردفن القصة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post المصطفى حاكا يبحث في التاريخ المنسي لمدينة آسفي next post رودولف هيكل أول ضحايا الغضب الأميركي على لبنان You may also like كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 “مفجر البارثينون” رواية يونانية تفكك قداسة الماضي 16 مارس، 2026 تولستوي ينصر الإنسان ضد آلة الحرب في “حاجي... 16 مارس، 2026 ماهلر حذف ثلث مغناته “أنشودة النحيب” ثم ندم 16 مارس، 2026 يورغن هابرماس رائد النظرية النقدية في زمن الاضطراب 16 مارس، 2026