بيروت مرت عليها حضارات وإمبراطوريات وهزّتها الزلازل وأحرقتها الحروب ثم عادت في كل مرة إلى بناء نفسها فوق ركامها (اندبندنت عربية) منوعات بيروت التي لا تظهر فوق الأرض… مدينة أخرى تحت الأقدام by admin 14 يوليو، 2026 written by admin 14 يوليو، 2026 17 في العاصمة اللبنانية قد لا تكون الحفرة مجرد بداية لبناء جديد بل قد تفتح باباً إلى منزل عاش فيه أناس قبل 1000 عام اندبندنت عربية / فدى مكداشي صحافية @FidaMikdashi في بيروت، لا يحتاج الماضي إلى من يستدعيه. يكفي أن تنزل حفارة بضعة أمتار كي يخرج من تحت الأسفلت جدار روماني أو قبر بيزنطي أو فخارة كنعانية أو منزل بقي مطموراً منذ أن أسقطه زلزال قبل قرون. هنا، لا تُقام الأبنية فوق أرض فارغة، كل أساس جديد قد يستقر فوق أساس أقدم، وكل ورشة قد تفتح باباً إلى مدينة غابت عن العيون ولم تغادر المكان. تتغير أسماء الشوارع والسلطات والسكان، لكن الأرض تحتفظ بسجلها كاملاً، كأن بيروت لا تتخلص من تاريخها، بل تخبئه في جوفها إلى أن يحين موعد ظهوره. مدينة مرت عليها حضارات وإمبراطوريات، وهزّتها الزلازل، وأحرقتها الحروب، ثم عادت في كل مرة إلى بناء نفسها فوق ركامها. بدت كما وصفتها الشاعرة اللبنانية الراحلة ناديا تويني “مدينة ماتت ألف مرة وعادت إلى الحياة ألف مرة”. لذلك لا يروي تاريخ بيروت سيرة ازدهار متصل، بل سيرة موت وولادة، وانقطاعات تركت تحت الأرض مدناً كاملة قبل أن تبدأ فوقها حياة جديدة. لكن ماذا يوجد فعلاً تحت بيروت؟ وكيف يظهر؟ وماذا يحدث حين يعترض الماضي طريق مشروع جديد؟ (اندبندنت عربية) وبحسب الكاتب والصحافي سمير قصير في كتابه “تاريخ بيروت“، لا يمكن قراءة العاصمة بوصفها مدينة تنتمي إلى حضارة واحدة، أو تبدأ قصتها مع مرحلة محددة. فالاستيطان في موقعها يسبق الفينيقيين، في وقت أدخلها موقعها البحري باكراً في شبكات التبادل بين الساحل الكنعاني ومصر والعالم الإيجي. وعرفت لاحقاً الحكم الفارسي والهلنستي والسلوقي، قبل أن تتحول في العهد الروماني إلى مستعمرة مزدهرة ومركز للعمران والقانون والتعليم. ومع انتشار المسيحية، تبدلت خريطتها الدينية، ثم دخلت في المجال العربي الإسلامي، وتعاقب عليها الصليبيون والمماليك والعثمانيون. لم تمحُ كل مرحلة ما سبقها، بل بنت فوقه وأعادت استخدامه وتأويله، حتى أصبحت بيروت حاضرة عربية متوسطية ذات طابع متعدد. ولم يكن هذا التعاقب هادئاً، فقد قطعت الزلازل والحروب والحرائق استمرارية المدينة مراراً، ودمرت أجزاء منها وأجبرت سكانها على إعادة بنائها، بحيث أصبحت طبقات الخراب نفسها جزءاً من سجلها الأثري. لكن ماذا يوجد فعلاً تحت الأقدام في بيروت، وكيف يظهر، وماذا يحدث حين يعترض الماضي طريق مشروع جديد؟ مدينة لا تظهر دفعة واحدة تقول لور سلوم المسؤولة في المديرية العامة للآثار عن مواقع بعلبك والهرمل (شرق) الأثرية وحفريات بيروت الانقاذية إن “بيروت ليست مدينة حديثة أقيمت فوق موقع أثري واحد، بل مدينة مأهولة بصورة شبه متواصلة منذ آلاف السنين، وهذا الاستمرار هو ما يفسر تعقيد ما يكشفه الحفر، ففي الموقع نفسه قد تظهر طبقة من العصر البرونزي، تعلوها بقايا فينيقية أو هلنستية، ثم أساسات رومانية، وفوقها منشآت بيزنطية أو من العصور الوسطى، ولا تختفي المدينة القديمة تماماً، بل تبقى أجزاء منها في الأسفل، ثم تأتي مرحلة جديدة لتبني فوقها أو تعيد استخدام حجارتها”. وأوضحت سلوم أن “الحفريات في بيروت كشفت عن طبقات تمتد من عصور ما قبل التاريخ والعصر البرونزي، وصولاً إلى الفترات الفينيقية والفارسية والهلنستية والرومانية والبيزنطية، ثم العصور الوسطى والعثمانية، ولا تقتصر هذه الطبقات على الوسط التجاري، فالآثار ظهرت في الروشة والباشورة والأشرفية والجميزة والمدور وميناء الحصن ومناطق أخرى، مما يعني أن بيروت الأثرية أوسع بكثير من حدود التل القديم”. وتابعت “استمرار السكن والكثافة العمرانية يمنع إجراء حفريات واسعة في كل الأحياء، لذلك ترتبط معظم الاكتشافات الجديدة بورش البناء أو مشاريع البنى التحتية”، بمعنى آخر، لا يظهر تاريخ بيروت دائماً لأن علماء الآثار قصدوا البحث عنه، بل لأن أحداً بدأ الحفر لبناء شيء جديد. بيروت بين عامي 1898 و1914 (مكتبة الكونغرس الأميركي) أضافت سلوم “تبدأ الحكاية عادة بطريقة عادية: رخصة بناء، ورشة، ثم نزول إلى باطن الأرض، لكن إذا ظهرت حجارة غير مألوفة أو عظام أو جدران أو فخاريات، يتوقف العمل في الجزء المعني، وتدخل المديرية العامة للآثار إلى الموقع”، لافتة إلى أن “رخص البناء في بيروت تحال إلى المديرية، وعلى صاحب العقار إبلاغها قبل بدء أعمال الحفر، كما تستطيع القوى الأمنية وقف الأشغال إذا لم يكن ممثل عنها موجوداً لمتابعة الورشة”، وأشارت إلى أن “العملية تبدأ عادة بحفر تمهيدي لمعرفة طبيعة الطبقات والعمق الذي سيبلغه المشروع، فإذا كانت الأعمال سطحية، تكتفي المديرية بالمراقبة، أما إذا كان المشروع يتطلب النزول إلى أعماق كبيرة، فقد تفرض حفريات أثرية نظامية، وهنا، تتغير وظيفة الحفرة بالكامل، إذ لم تعد مخصصة للأساسات فقط، بل تصبح مساحة للتنقيب والتوثيق وقراءة التاريخ”، لافتة أيضاً إلى أنه “يشارك في هذه الأعمال مدير علمي وآثاريون ومساعدون ومتخصصون بحسب طبيعة المكتشفات، فالجدار يحتاج إلى دراسة، والعظام إلى اختصاص، والفخار إلى تحليل، والمدفن إلى قراءة مختلفة عن قراءة المبنى”. التل الذي كشف النواة الأولى أما أبرز المواقع التي أظهرت حجم ما تخفيه بيروت، فهو بحسب سلوم “التل الأثري في وسط المدينة، قرب مبنى صحيفة النهار وعلى مقربة من البحر”، وقالت سلوم إن “أعمال الحفر الواسعة التي انطلقت بعد عام 1993، بالتزامن مع إعادة إعمار الوسط التجاري، كشفت عن طبقات تعود إلى العصر البرونزي القديم والوسيط، إضافة إلى فترات لاحقة، لكن أهم ما ظهر كان نظام تحصين المدينة. جدران ضخمة ومائلة، ومداخل لم تكن تُفتح بخط مستقيم، بل عبر مسار متعرج يبطئ حركة المهاجمين ويجعل اقتحام المدينة أكثر صعوبة”، معتبرة أن “هذا الاكتشاف لا يشير فقط إلى أن بيروت كانت قائمة منذ زمن بعيد، بل إنها كانت مدينة منظمة ومحصنة ومجهزة للدفاع عن نفسها، فالأسوار لا تحمي تجمعاً عابراً، بل تحمي مدينة تعرف قيمتها وتخشى على سكانها”. الفخار الذي يروي طريق البحر أحياناً، لا تكون أكثر الاكتشافات دلالة هي الأضخم، فقطعة فخار صغيرة قد تكشف عن علاقة بيروت بالعالم أكثر مما يكشفه جدار كامل. وأوضحت سلوم أن “الحفريات أظهرت لقى وفخاريات تدل إلى تبادل تجاري وثقافي بين بيروت واليونان وقبرص وسواحل آسيا ومناطق مجاورة. ومن خلال دراسة المادة وطريقة التصنيع والزخرفة، يمكن تحديد ما إذا كانت القطعة صنعت محلياً أو وصلت من الخارج، ومن هنا تبدأ أسئلة أوسع: من كان يشتري هذه القطع، إلى أي طبقة اجتماعية كان ينتمي؟ ما الذي كانت تستورده المدينة أو تنتجه؟ هكذا، لا تعود القطعة الأثرية مجرد غرض قديم، بل تتحول إلى دليل على حياة كاملة: تجارة وعلاقات بحرية وثراء واستهلاك وتفاوت اجتماعي. ويظهر من هذه اللقى أن البحر لم يكن مجرد حدود لبيروت، بل كان الطريق الذي ربطها بالعالم”. اقرأ المزيد لبنان يحذر من “خطر جدي” يهدد آثاره إثر الغارات الإسرائيلية “الدروع الزرقاء” ليست كافية لحماية آثار لبنان من “جنون” الغارات تاريخ لبنان المعماري والديمغرافي في “مزاد” سماسرة العقارات المهدمة موقع “نهر الكلب الأثري” ذاكرة لتاريخ لبنان مهرجانات لبنان: من فيروز وبعلبك إلى نجوم “التيك توك” الحمامات التي تكشف مدينة حيّة تعد الحمامات الرومانية من أبرز الشواهد على طبيعة الحياة في بيروت القديمة. ولفتت سلوم إلى أن “حجمها وزخارفها يدلان على أنها لم تكن منشأة صغيرة أو مخصصة لفئة محدودة، بل فضاء عاماً يستخدمه سكان المدينة”، مضيفة “وجود حمامات كبيرة ومزينة يكشف عن أن بيروت كانت مدينة ناشطة وغنية، وأن هذه المنشآت كانت تؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز الاستحمام”. وكانت الحمامات مكاناً للاجتماع وتبادل الأخبار وربما عقد الصفقات وبناء العلاقات، مما يعني أن ما اكتشف تحت الأرض لا يكشف عن عمران المدينة فقط، بل يكشف أيضاً عن أسلوب حياة سكانها، كما ظهرت في اتجاه ميناء الحصن بقايا ميدان لسباق الخيل. وأشارت سلوم إلى أن “وجود منشأة من هذا النوع لم يكن أمراً شائعاً في كل المدن الرومانية”، مؤكدة أن “ليس كل موقع روماني يضم ميداناً لسباق الخيل، ووجوده في بيروت مؤشر إلى مكانة المدينة وحجم نشاطها في تلك الفترة”. هكذا تخرج من باطن الأرض صورة بيروت رومانية لا تعيش على التجارة وحدها، بل تعرف الفرجة والتجمعات والحياة العامة. في كثير من المواقع أقيمت منشآت بيزنطية فوق أساسات رومانية وأعيد استخدام حجارة من مرحلة أقدم داخل بناء أحدث (اندبندنت عربية) حين بُنيت حضارة فوق أخرى كشفت الحفريات أيضاً عن أن العصور لم تتعاقب دائماً عبر هدم كامل وبداية جديدة. في كثير من المواقع، أقيمت منشآت بيزنطية فوق أساسات رومانية، وأعيد استخدام حجارة من مرحلة أقدم داخل بناء أحدث. أضافت المسؤولة في المديرية العامة للآثار أن “هذا التداخل يجعل قراءة المواقع معقدة، لأن المساحة الواحدة قد تضم آثاراً من فترات متباعدة. قد يبدأ الجدار رومانياً، ثم تظهر فوقه إضافة بيزنطية، ثم بناء لاحق من العصور الوسطى، مما يجعل بيروت شبيهة بكتاب كُتبت صفحاته فوق بعضها، الكلمات القديمة لا تختفي كلياً، لكنها تصبح جزءاً من نص جديد”. وليست كل الطبقات التي عُثر عليها نتيجة العمران، فبعض الطبقات صنعتها الكوارث. وتحدثت سلوم عن مواقع تظهر فيها آثار الزلزال المدمر الذي ضرب بيروت عام 551 ميلادية. في هذه المواقع، يمكن رؤية كيف انهارت الأبنية، ثم كيف عاد السكان في مراحل لاحقة وبنوا فوق ركامها، “نرى في بعض المواقع كيف دُمرت المنازل، ثم كيف عاد السكان في فترات لاحقة وبنوا فوق طبقات الدمار مما يعكس استمرار الحياة في المدينة على رغم الكوارث”. لم يبقَ الزلزال حدثاً مدوناً في الكتب بل صار طبقة أثرية وجدراناً منهارة ومنازل مطمورة ثم بناء جديداً فوقها، وهكذا، تكشف الأرض لحظة سقوط المدينة، ثم لحظة عودتها، فبيروت لم تكن تستمر دائماً في الشكل نفسه، كانت تنهار أحياناً، ثم تعود فوق أنقاضها بملامح جديدة. انفجار مرفأ بيروت بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) عام 2020، انتشرت أحاديث عن العثور على بيوت قديمة تحت الأبنية المتضررة. لكن سلوم أوضحت أن “وجود منازل قديمة تحت مباني المدينة الحالية ليس اكتشافاً نتج عن الانفجار، بل ظاهرة معروفة منذ بدء الحفريات الواسعة خلال تسعينيات القرن الماضي. فرق الآثار عثرت منذ أعوام على بقايا منازل في أكثر من موقع، خصوصاً من الفترة البيزنطية. صحيح أن بيروت تخفي بيوتاً أقدم تحت بيوتها الحالية، لكن هذه الظاهرة لم تُكتشف بعد انفجار المرفأ. أما الانفجار، فقد أدى في البداية إلى تراجع النشاط العمراني بسبب الأزمة الاقتصادية، وانشغال الورش بتدعيم الأبنية وترميم المتضرر منها، قبل أن تعود مشاريع البناء والحفر تدريجاً”. لكن العبارة بقيت صحيحة: في بيروت، توجد بيوت تحت البيوت. المدافن التي تروي حياة الأحياء من بين أكثر الاكتشافات حساسية، المدافن القديمة التي تظهر خلال الحفريات. ولفتت سلوم إلى أن “المديرية تعمل في مواقع بالوسط التجاري وميناء الحصن وفي اتجاه الأشرفية، حيث اكتشفت مدافن تعود إلى مراحل مختلفة، لكن المدفن لا يروي قصة الموت وحده. فمن خلال الرفات وطريقة الدفن والفخاريات والحلي والأدوات، يمكن معرفة مستوى الشخص الاجتماعي، وربما صلاته العائلية، وما إذا كانت مجموعة من القبور تعود إلى عائلة واحدة أو جماعة محددة”، موضحة أن “أهمية العثور على خاتم، مثلاً، لا تكمن في جماله، بل في الأسئلة التي يثيرها: لمن كان، وما الذي يكشفه عن مكانة صاحبه، وهل كان مصنوعاً محلياً أم مستورداً؟”. بهذا المعنى، لا يحفظ المدفن جسداً فقط، بل يحفظ صورة المجتمع الذي عاش حوله. من يقرر مصير المكتشفات؟ حين يظهر أثر في ورشة بناء، لا تكون البلدية صاحبة القرار النهائي. من هنا، أكد رئيس مصلحة الهندسة في بلدية بيروت المهندس جهاد يعقوب أن “الأشغال تتوقف في الجزء المعني فور ظهور أي مؤشر أثري، وتبلّغ المديرية العامة للآثار لإجراء الكشف الفني، ويتولى خبراء الآثار تقييم الموقع وتحديد أهميته، ثم يصدر القرار: إما الحفاظ على المكتشفات، أو تعديل تصميم المشروع، أو استكمال العمل وفق شروط تمنع الإضرار بها”، مشدداً على أن “البلدية تنفذ قرارات المديرية ووزارة الثقافة، ويقتصر دورها على التنظيم والرقابة”، وقال أيضاً “تعاقب الحضارات على بيروت أدى إلى تراكم شوارع وأبنية ومدافن وآبار ومنشآت تعود إلى عصور مختلفة، مما يجعل عدداً كبيراً من مناطق العاصمة حساساً من الناحية الأثرية”. وأوضح يعقوب أن “بلدية بيروت أصدرت آلاف رخص البناء خلال الأعوام الماضية، لكن عدد المشاريع التي استدعت وقفاً كاملاً أو تعديلاً جوهرياً بسبب اكتشافات أثرية بقي محدوداً مقارنة بإجمالي الرخص، ولا يعني ذلك أن الآثار نادرة، بل إن طريقة التعامل معها تختلف من موقع إلى آخر. قد تحفظ المكتشفات في مكانها، وقد تدمج داخل البناء، وقد يوثق الموقع قبل استكمال الأشغال، أو يفرض تعديل في التصميم. مناطق مثل وسط بيروت والأحياء التاريخية ومحيطها تعد أكثر حساسية، لذلك قد تخضع لإجراءات إضافية أو مراقبة أثرية منذ بدء الحفر”. حين يبقى الأثر داخل المبنى لا ينتهي مصير كل اكتشاف بنقله إلى مخزن أو متحف. وأوضحت سلوم أن “بعض المكتشفات دُمج داخل أبنية حديثة، بحيث يمكن للزائر مشاهدته عند دخول المبنى”، معتبرة أن “هذه الطريقة تساعد على إبقاء الأثر حاضراً في الحياة اليومية للمدينة، بدلاً من عزله عن الناس”. وتحدثت عن “مشروع لإنشاء متحف قرب التل الأثري في وسط بيروت، كان مقرراً بتمويل كويتي، قبل أن يتوقف بفعل الظروف التي مرّ بها لبنان منذ عام 2020، ويضم المشروع متحفاً من ثلاث طبقات تقريباً، إلى جانب مساحة أثرية مفتوحة، بما يسمح بعرض تاريخ بيروت داخل مبنى وفي الموقع نفسه، لكن المشروع بقي معلقاً، مثل كثير من مشاريع المدينة التي تنتظر التمويل والاستقرار”. ورجح يعقوب، من ناحيته، أن “ما اكتشف حتى اليوم لا يمثل سوى جزء من الإرث المدفون تحت بيروت. فالمدينة الحديثة تمنع الوصول إلى مساحات واسعة من ماضيها، وما يظهر يرتبط غالباً بالمصادفة العمرانية: مشروع بناء، موقف سيارات، تمديدات، أو حفرة أساس. وقد يكون تحت الأحياء التي لم تُحفر بعد أن يغير فهم تاريخ المدينة بالكامل”. لذلك دعا يعقوب إلى “تحديث قواعد البيانات الأثرية، وتعزيز التعاون بين البلدية والمديرية العامة للآثار، واستخدام تقنيات حديثة للمسح والتوثيق”، فالمشكلة “ليست فقط في حماية ما ظهر، بل في معرفة ما قد يظهر قبل وصول الجرافات إليه”. حين يصبح العقار أقوى من الذاكرة لا يقتصر الخطر على الآثار الموجودة تحت الأرض، بل يمتد إلى الأبنية التراثية القائمة فوقها. أضافت سلوم “بعض شركات التطوير العقاري ينظر إلى المبنى التراثي الصغير بوصفه مساحة ضائعة يمكن أن يقوم مكانها برج أعلى وأكثر ربحاً”، مشيرة إلى أن “مبنى من ثلاث طبقات قد يُعامل كفرصة لبناء 10 طوابق، مما يجعل حمايته تحدياً صعباً”، ورأت أن “الحل لا يكمن دائماً في منع أي تعديل، بل في الحفاظ على الواجهات والعناصر الأساسية، مع إعادة تأهيل المساحات الداخلية بما يسمح باستمرار استخدام المبنى، فحماية التراث لا تعني تجميد بيروت، لكنها تعني ألا يصبح التطور ذريعة لمحوها”. مدينة تحفر مستقبلها فتعثر على ماضيها في بيروت، لا تكون الحفرة مجرد بداية لبناء جديد، بل قد تكون باباً إلى منزل عاش فيه أناس قبل 1000 عام، أو إلى مدفن يكشف عن طبقة اجتماعية كاملة، أو إلى جدار حمل مدينة في مواجهة الغزاة، أو إلى ركام تركه زلزال ثم تحول إلى أساس لحياة جديدة. لهذا، لا يكمن السؤال في ما إذا كانت بيروت ستواصل البناء، بل في الطريقة التي ستبني بها. فالمدينة تحتاج إلى أن تتطور، لكنها تحتاج أيضاً إلى ألا تخسر ما يجعلها مختلفة عن أي مدينة أخرى: قدرتها على حمل تاريخ طويل في مساحة صغيرة. واختصرت سلوم التحدي بعبارة واضحة “المطلوب ألا يتحول العمران الجديد إلى وسيلة لمحو المدينة القديمة”. المزيد عن: بيروت لبنان تاريخ بيروت العصر البرونزي العصر الفينيقي العصر الفارسي العصر الهلنستي العصر الروماني العصر البيزنطي العصر العثماني الزلازل الحمامات الرومانية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post جاسر أبو موسى في “اندبندنت عربية”: نهاية “حماس” next post CITYnews halifax : Former Manitoba MP charged after 439 firearms, antique cannon seized by police You may also like آدم وايت في “اندبندنت عربية”: مادونا تتصالح أخيرا... 13 يوليو، 2026 كلفة زفاف تايلور سويفت الضخم في نيويورك “من... 13 يوليو، 2026 لغز المعمرين… سر العمر الطويل لدى سكان المناطق... 7 يوليو، 2026 الحكم على الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني بالسجن وغرامة... 2 يوليو، 2026 الأميرة ديانا: الإرث الذي يجمع كيت وميغان ويفرقهما 2 يوليو، 2026 فلسفة يابانية ترى الجمال في الأشياء الناقصة 30 يونيو، 2026 قصة أول رئيسة جمهورية في التاريخ 29 يونيو، 2026 عاشوراء عند الشيعة: ما قصة كربلاء ولماذا يحيون... 26 يونيو، 2026 تزايد عالمي في أعداد الأشخاص المعرضين لإجهاد حراري 24 يونيو، 2026 سيرة وردة الجزائرية كما كتبها ابنها بالفرنسية 22 يونيو، 2026