من فيلم "بيني وبينك بيروت" لديما الجندي (1993) ثقافة و فنون بلال خبيز يكتب عن : كنت أعيش وكان يحيا by admin 28 December، 2025 written by admin 28 December، 2025 105 كان ميتاً، وكل تذكر له لم يكن سوى رثاء. لكنه وهو ميت كان أكثر حرارة منا نحن الساعين إلى مقارعة همومنا ومصاعبنا. لم أكتب عنه طوال هذا الزمن. ذلك أنني لم أكن أريده أن يموت. وهذا أمر يفضح مدى انتهازيتي. أريده حياً لعله يضفي على عيشي المشروط بعضاً من الحرية، بعضاً من الأمل. بلال خبيز/ المدن الالكترونية – بيروت هناك نسخة من فادي أبو خليل عرفتها جيداً. في سنواتي الأولى ببيروت المختلطة، كان فادي رفيقي شبه الوحيد. الآخرون، كانوا أعزاء طبعاً، لكنني كنت منتظماً معهم في نقاش، جعل علاقاتنا مبنية في أصلها على الحجج. إذا استثنيت منهم إسكندر حبش الذي رحل منذ أسابيع، وكان بين جميع أقراني وأبناء جيلي الوحيد الذي يجمع الصفتين. صفة التسكع من دون هدف لاكتشاف معنى الحياة، وصفة النقاش الحار الذي يوهمنا أننا قادرون على صنع معنى مغاير للحياة. مع فادي أبو خليل كنت أجوب شوارع بيروت وجوارها من دون هدف. نخرج، ليلاً أو نهاراً، متجاورين في سيارة أحدنا، ونقطع مسافات لا حصر لها، فقط لنتأكد أننا لسنا واقفين في أمكنتنا، كركاب مترو. لم يكن النقاش حاضراً بيننا. كنا على نحو ما نؤجله، ونتواطأ على نتائجه. هو يكتب شعراً يريده فضيحة لأشعارنا، بما فيها أشعاري أنا شخصياً، وأنا أتهجى نقداً، لا يفعل سوى فضح نفسي وفضح أصدقائي. على أي حال، لم يبق في وجداني من هذا الشعر وهذا النقد شيئاً. وفي هذا ربما أجاور فادي أبو خليل وسيرته. لقد كنا نخوض معركة جانبية. معركة لم يكن النصر فيها يعني سوى أنك بت وحيداً، وليس ثمة في ما تقوله أو تعلنه ما يعني أحداً سواك. هل خضنا جميعاً التجربة نفسها؟ يوسف بزي، هل أنت وحيد أيضاً؟ تلك الرحلات والجلسات، في شققنا بقيت في الذاكرة، هي أصلب عوداً من النقاشات التي خضتها. اليوم لا أذكر فحوى اعتراضي أو موافقتي على شعر أحدهم أو روايته، لكنني أذكر مقاعد الشقة وطاولة السفرة التي كنا، أنا وفادي، نقضي حولها أوقاتاً فارغة من كل شيء إلا من جوهر الحياة. قبل أن أترك بيروت منذ نحو عقدين، التقيت فادي في بيت أهله. حاول كثيراً أن يستعيد ما سبق، حدثني عن أفلام ومسلسلات، حدثني عن عالم يحاول اكتشافه. لكنه تجنب أن يحدثني عن الكتابة والكتب. ربما كان يخاف أن أغريه مرة أخرى، كما أغريته من قبل ليصبح “منتجاً” بالمعنى الذي يفترضه الآخرون. بيني وبينه كان ثمة فاصل زمني يومذاك. أنا مستسلم تماماً لشروط العيش وهو مستسلم للحياة تماماً. وفي هذا التفريق ما يميز الحياة عن العيش. كنت أعيش وكان يحيا. هذا الخيار، خياري، لم يكن خلاصاً بل ثمناً لا يُحتمل. لا أقول إنني حسدته، ولا أقول إنني لمته. كان واضحاً لي أن ما ذهب إليه ليس قراراً يمكن تبريره. فمادة التبرير هي اللغة وحججها هي التي تبرر خياراتنا. على عكسه كنت أستطيع أن أبرر خياراتي، لأن التبرير في هذا المجال هو اعتراف بأنني أفتقد الشجاعة اللازمة لأثور على شروط العيش. فادي خرج على شروط العيش وعاد على أهله. هذا موت، ودليله أن الكثيرين كتبوا عن غيابه. كما لو أن من كتبوا كانوا يريدون القول: لقد تركنا وحيدين في هذا البحر الهائج، وها هو لا ينظر إلى سفينتنا المترنحة حتى. ثم، ما هو الموت، أليس عودة إلى الأهل؟ هؤلاء الذين يحتضنونك مولوداً وحياً وميتاً. الذين يتذكرونك لكنهم لا يتحدثون عنك. الذين يحسبون حساباً لكل التفاصيل الصغيرة التي تترك أثرها في أمكنتهم: فلنترك قليلاً من الجبنة التي يشتهيها في المبردة. فلنبق ضوء الممر مضاء لعله يستفيق من نومه ويريد أن يقضي حاجة ما. كان ميتاً، وكل تذكر له لم يكن سوى رثاء. لكنه وهو ميت كان أكثر حرارة منا نحن الساعين إلى مقارعة همومنا ومصاعبنا. لم أكتب عنه طوال هذا الزمن. ذلك أنني لم أكن أريده أن يموت. وهذا أمر يفضح مدى انتهازيتي. أريده حياً لعله يضفي على عيشي المشروط بعضاً من الحرية، بعضاً من الأمل. والأمل الذي أعنيه ليس أملاً بتحسن الأوضاع والركون إلى الراحة المادية، بل هو الأمل بأن أكون شجاعاً بما يكفي لأدرك أن الحياة شيء وشروط عيشها شيء آخر، ويجدر بي أن اختار الحياة لا شروط عيشها. على أي حال، لم يكن هذا الخيار متاحاً لي حقيقة. أنا الذي خرجت من كنف الأهل ومضيت بعيداً. بعيداً جداً، بحيث لم يعد هناك ما يمكنني فعله لجعل حياتي موتاً، كما فعل فادي. كان استسلامي لشروط العيش نهائياً. لم يكن لدي خيار. لكنني في قرارتي كنت أمني النفس بأن أعود، وأن أموت كموت فادي ولو لزمن قصير. اليوم، لم يعد فادي قادراً على تزيين الموت لنا. لقد مات حقاً، ولم يعد نعاسه بين الأهل قادراً على إثارة حسدنا. هذه المرة انتصرت شروط العيش على الحياة. لقد مات من كان حياً. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post تركيا تحتجز عناصر إخوانية “خططوا لاقتحام” القنصلية المصرية next post لا عطلة لِسوق عيد الميلاد في مونتريال You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026