الثلاثاء, مايو 19, 2026
الثلاثاء, مايو 19, 2026
Home » “بلاغة الاستمالة” يعيد تفكيك خطاب طه حسين النقدي

“بلاغة الاستمالة” يعيد تفكيك خطاب طه حسين النقدي

by admin

 

استعادة كتاب”في الشعر الجاهلي” بعد 100عام على صدوره

اندبندنت عربية / علي عطا

ينطلق الناقد المصري محمد عبدالباسط عيد في كتابه “بلاغة الاستمالة: قراءة في “إيتوس” طه حسين” (دار العين) من افتراض مفاده أن منجز عميد الأدب العربي، وفي القلب منه كتابه الإشكالي “في الشعر الجاهلي” الذي مرت 100 عام على صدور طبعته الأولى، يتميز بأمرين يتصلان بعضهما ببعض. الأول: أنه منجز حِجاجي متنوع لرمز نهضوي، ورائد من رواد التجديد، وقد اقتضى منه ذلك الموقع أن يعيش، بشكل مستمر، في سجال مع “براديم” Paradigm التفكير التقليدي السائد بتجلياته المختلفة: مع الشعر والنقد ودعوته إلى ضرورة تجديد الهوية الجمالية، ومع قضايا: الوعي العام، وترسيخ العقلانية، وحرية البحث العلمي، وحق الكاتب في التفكير والمراجعة والمساءلة من دون وصاية من أحد.

وهذا يعني، كما يؤكد عيد في مدخل الكتاب، أن فكرة المواجهة هي جزء أساس من بنية هذا الخطاب الذي كان عليه القيام، بصورة مستمرة، بتفكيك حجج خصومه ودعاواهم، والتوسل في الوقت نفسه بمنظومة حجاجية تضمن لخطابه الجديد أن يتنزَّل منزل الاستحسان والقبول من جماهير المتلقين. والأمر الثاني هو أنه منجز أصيل، يجمل رؤية خاصة على مستويات الفكرة والمضمون والإجراء المنهجي، “فلا تنفصل الفكرة فيه عن صاحبها، ولا ينفصل فيه الإجراء المنهجي عن قدرة طه حسين على تطويع المنهج نفسه للقضايا التي يتناولها، بحيث بات المنهج، والدعوة إليه، أداة أو مرآة نتعرف فيها ومن خلالها على صورة هذا الكاتب، تلك الصورة التي لم تبتعد في كل ما كتب، عن الروح العلمية”.

الكتاب النقدي (دار العين)

وفي السياق ذاته، يؤكد عيد الحاصل على الدكتوراه في النقد الأدبي من جامعة القاهرة في تخصص بلاغة الخطاب، أنه لا نعود إلى طه حسين بقدر ما يعود إلى خطابه، مستهدفاً “وصل حاضرنا بماضينا”، عبر إعادة قراءة تراث النهضويين من زوايا مختلفة؛ “تتصل بطبيعة الحال بأسئلتنا الآنية وموقع هذا التراث منها، وما يشغلنا من هموم وما نطرحه من أفكار”. ولاحظ عيد  في خلاصة الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان “أنا الكاتب”، “تطابقاً استثنائياً” بين “الإيتوس الخطابي”، و”الإيتوس الاجتماعي”، لدى طه حسين، “إذ ارتقى طموح القراء بكاتبهم ربما بأكثر مما كان يطمح إليه، فجاء ترسيمه داخل هذا التصور أقرب إلى التكليف الطامح، منه إلى التشريف الذي يواسي ويدعم ويقاوم” ص 41.

ولأننا إزاء كاتب جسور وإشكالي، فقد يسعى إلى ترسيخ هذا “الإيتوس المهيب”، ومن ثم لم يكتف “العميد” بالتدقيق في كل ما يقوم به من قول أو فعل فحسب، وإنما أراد آفاقاً معرفية متعددة واجترح تصورات وأحلاماً وآمالاً في التربية والثقافة غير مسبوقة، في إشارة إلى كتابه “مستقبل الثقافة في مصر الذي صدرت طبعته الأولى عام 1938، متضمناً تفكيراً في التعليم على نحو جذؤي، “لا يمكن فهمه بعيداً عن فكرة القوامة التي منحه إياها القراء، على الأدب والثقافة”. ومنذ البدايات، تنوع إنتاج طه حسين ليعزز في الأذهان صورة الرائد والمصلح المنشغل بالهم العام، الذي يدرك أن الحياة قصيرة وأن عليه أن ينجز من أجل التغيير الكثير، وأن يستغل كل شكل كتابي يمكن من خلاله مخاطبة القراء والتأثير فيهم.

ويرى عيد أن وعي طه حسين بطبيعة الحِجاج والسجال، “لم يعدله عن قضاياه، ولم يعرف عنه التورط في النيْل من خصومه رغم شيوع ذلك على أقلام معاصريه فاحتفظ لنفسه بمكانة فيها من المنطق بقدر ما فيها من الشرف، وفيها من سمات الداعية بقدر ما فيها من الرغبة في التغيير والإصلاح” ص 172. ومن ثم فقد قدم لوحات متتابعة من النضال الفردي، وأيقظ بنضاله الهمم ورسَّخ في عقول القراء كيف يكون الواقع بئيساً وتكون الأحلام كبيرة ولا حدَّ لها، وبهذا كله كان تراثه، المكتوب والمسموع، درساً في استمالة قرائه منذ أن أملى أولى مقالاته مطالع القرن الماضي، وإلى اليوم.

“في الشعر الجاهلي”

وهكذا تبنى “العميد” دائماً فكرة التواصل مع القاعدة الأوسع من القراء واستمالتهم والتأثير فيهم، فظل يفكر ويكتب من أجل “حاجات المجتمع”، وفي القلب منها ضرورة إنجاز وعي علمي وحضاري تتسع قاعدته وتتقاطر ثماره متنقلة من حجرات الدرس الضيقة إلى مختلف الممارسات السياسية والاجتماعية والتعليمية من وعي النخبة إلى وعي الناس.

كتاب طه حسين السجالي (الدار الاهلية)

وجاء االفصل الثاني تحت عنوان “العتبات”، ويتناول عيد فيه الدلالات العامة والخاصة التي تشير إليها أغلفة الكتب وخطاب الإهداء والمقدمات وعلاقتها بموضوع الكتاب وعلاقة الموضوع نفسه بالسياق الثقافي والاجتماعي، وما ينطوي عليه من حراك وسجال يوجه هذه الدلالات. وفي هذا الفصل يتوقف عيد عند إهداء طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي” إلى السياسي النافذ في ذلك الوقت عبدالخالق ثروت وما انطوى عليه من “استمالته” إلى صف الكتاب وصاحبه، في الأزمة التي كان يتوقع أن يثيرها، على غرار ما حدث من قبل مع كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبدالرازق.

اقرأ المزيد

أكد طه حسين في هذا الإهداء على عضوية عبدالخالق ثروت في مجلس الجامعة وما تقتضيه هذه العضوية من الدفاع عما تمثله الجامعة من قيم، على رأسها حق الأستاذ في البحث والدرس ونشر ما ينتهي إليه على الناس، من دون خوف أو وجل. كما حاول استمالته أيضاً عبر الإهداء نفسه بما أسبغه عليه من صفات مثل: “قوي الروح، ذكي القلب، بعيد النظر، الموفق في تأييد المصالح العلمية على قدر توفيقه في تأييد المصالح السياسية”. ويرى عيد أن أهم ما يميز إهداءات طه حسين عموماً، هو هذا البعد الحواري، سواء أكان الحوار مع متعيَّن أو لم يكن، وهو في هذا أو ذاك يقدم لنا صورة إيجابية عن ذات تبوح بأدق مشاعرها؛ من حزن أو خوف أو تودد إلى أقرب الناس إليه. كما أنه دائماً ما يستهدف القارئ، حتى في إهداءاته الخاصة، ولكنه لا يذكر ذلك صراحة. إنه يضع المقدمات ويدع للقارئ الوصول إلى النتائج والخلاصات بنفسه، “وحين يفعل القارئ ذلك يتمسك بها حتى لكأنها خلاصته”، ومنها مثلاً: “إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس”.

قدح ومدح

وفي الفصل الثالث الذي جاء تحت عنوان “الإيتوس، الخطاب”، يقارب عيد طبيعة الأسلوب ودوره في استمالة القارئ، وذلك داخل ما يمكن وصفه بـ”البناء التضامني للخطاب”، الذي امتازت به كتابات طه حسين، وما يتصل بذلك المفهوم من قيم كالشك والشفاهية والاختصاص السردي المميز. وهنا يلاحظ عيد أن خطاب طه حسين يتصل بشكله أو بهيئته، بقدر ما يتصل بشخصه؛ “إنه خطاب تعوَّد صاحبه أن يسطره في عقله أولاً، أن يحفظه فيه منغوماً، ثم يستعيده مرة أخرى، ولذا فهو خطاب يستلهم الصيغ الذاتية على نحو بارز، فطه حسين يمتلك قناة سمعية هي الأساس بالنسبة إليه، ثم بالإملاء يتحول المسموع إلى مكتوب، من دون أن يفقد الخصائص الشفاهية” ص 124.

وجاء الفصل الرابع والأخير تحت عنوان “قدح ومدح”، وفيه يتابع المؤلف محاولة النموذج المحافظ تقويض الإيتوس وذلك بالوقوف على المغالطات المنطقية في كتاب “تحت راية القرآن”، لمصطفى صادق الرافعي، الذي يقدح في إيمان طه حسين وفي كفاءته العلمية، صعوداً إلى ما يصفه بـ”الغايات المشبوهة” التي يبشر بها في مجمل خطابه. ويرى عيد أن غاية الرافعي لم تكن النيل من “إيتوس” طه حسين وحده، وإنما النيل من الجامعة المدنية الناشئة، باعتبارها البديل المعاصر للتعليم الديني على نحو ما كان يعرفه الأزهر. ثم يتابع محاولة تشييد الإيتوس وترسيخه من قبل النموذج الحداثي، كما تبدت في كتاب “طه حسين كما يعرفه كتاب عصره”، ويتضمن شهادات عدد من معاصريه، مثل محمود تيمور، ومحمود أمين العالم، وشكري عياد وعبدالحميد يونس.

المزيد عن: طه حسين في الشعر الجاهلي البلاغة النقد السجالات دراسة مفاهيم جديدة

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00