Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » براين وينتر يكتب عن: ثورة اليمين في أميركا اللاتينية

براين وينتر يكتب عن: ثورة اليمين في أميركا اللاتينية

by admin

 

القوى التي تعيد رسم ملامح المنطقة في عهد ترمب

اندبندنت عربية / براين وينتر

  • براين وينتر هو رئيس تحرير مجلة Americas Quarterly.

منذ اللحظة التي دخل فيها هو وجماعته من المتمردين الملتحين إلى هافانا عام 1959 وإلى حين وفاته لأسباب طبيعية عام 2016، كان فيدل كاسترو الزعيم الأكثر شهرة وأيقونية في أميركا اللاتينية. بزيّه العسكري المميز، وسيجاره الكوبي الرفيع من نوع كوهيبا، وخطاباته المطولة التي شهّر فيها بالعم سام، استطاع كاسترو أن يأسر مخيلة الثوار الطموحين وملايين غيرهم حول العالم. ولم يكن كاسترو مكتفياً يوماً بحكم كوبا فحسب، بل عمل بلا كلل على نشر أفكاره. وعلى مدى عقود، توسعت شبكته العالمية من الحلفاء والمعجبين لتشمل قادة متنوعين مثل سلفادور آليندي في تشيلي، وهوغو تشافيز في فنزويلا، وروبرت موغابي في زيمبابوي، وياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية.

لو علم “القائد” كاسترو أن الشخصيتين في أميركا اللاتينية اللتين تقتربان اليوم أكثر من مضاهاة مكانته العالمية تنتميان إلى اليمين الأيديولوجي، لَتلوّى في قبره. فخافيير ميلي، رئيس الأرجنتين الذي وصف نفسه بأنه “رأسمالي فوضوي” واستخدم المنشار الكهربائي رمزاً لحماسه في تقليص حجم الحكومة، ونجيب أبو كيلة، الزعيم الملتحي من جيل الألفية في السلفادور، تمكّنا من بناء قواعد جماهيرية متحمسة في الداخل والخارج. وبدلاً من الهتاف الثوري الكوبي الشهير “حتى النصر دائماً” Hasta la victoria, siempre!، أصبح شعار ميلي الليبرتاري “عاشت الحرية، اللعنة!”¡Viva la libertad, carajo يظهر الآن على قمصان في بعض الجامعات الأميركية، ويقتبسه سياسيون في أماكن بعيدة مثل إسرائيل.

ومثلما كان كاسترو إبان نفوذه، يمارس الزعيمان نفوذاً وتأثيراً أكبر بكثير من حجم بلديهما الفعلي على الساحة الدولية. فميلي كان أول رئيس دولة يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد انتخابه عام 2024، وحظي باستقبال فاخر في منتجع مارالاغو. وقد وصف ترمب ميلي بـ “الرئيس المفضل لدي”، وفي أكتوبر (تشرين الأول)، قدّم حزمة إنقاذ مالي بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين، وهي أكبر عملية إنقاذ من هذا النوع تقدّمها الولايات المتحدة لأي دولة منذ 30 عاماً. وقد أشادت زعيمة المعارضة المحافظة في المملكة المتحدة كيمي بادينوك ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وكثيرين غيرهما من اليمين الأوروبي، بنجاح ميلي في تقليص البيروقراطية الحكومية والروتين الإداري، واعتبروه نموذجاً يُحتذى به، إذ ساعد في خفض التضخم في الأرجنتين من أكثر من 200 في المئة عند تولي ميلي المنصب عام 2023 إلى نحو 30 في المئة بحلول أواخر 2025، كما جعله ذلك أشبه بـ”مرشد” لعمالقة وادي السيليكون الليبرتاريين مثل إيلون ماسك، الذي لوّح بمنشار ميلي على المسرح خلال مؤتمر للمحافظين في الولايات المتحدة في فبراير (شباط). وفي الوقت نفسه، فإن الحملة الصارمة التي شنّها أبو كيلة على العصابات جعلت منه شخصية تحظى بشعبية هائلة في أنحاء واسعة من أميركا اللاتينية وخارجها، حتى وهو يتجاهل المخاوف المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان. (فقد منح 81 في المئة من التشيليين في استطلاع عام 2024 أبو كيلة تقييماً إيجابياً، وهو أعلى من تقييم أي زعيم عالمي آخر ويتجاوز بأكثر من الضعف نسبة تأييد رئيسهم نفسه). علاوة على ذلك، لدى أبو كيلة أكثر من 11 مليون متابع على منصة تيك توك، أي أكثر من أي رئيس دولة آخر باستثناء ترمب.

إن الحماسة الثورية الحقيقية في أميركا اللاتينية اليوم، لدى قادة عازمين ليس فقط على تغيير بلدانهم، بل على تغيير المنطقة بأسرها، تتجلى بشكل أساسي في اليمين الأيديولوجي. ومع فوز قادة محافظين مؤخراً في عدة انتخابات، وترجيح كفتهم في انتخابات أخرى خلال العام المقبل، تبدو أميركا اللاتينية مهيأة لتحول جذري غير مسبوق سيغير بشكل جوهري كيفية تعامل الدول مع الجريمة المنظمة، والسياسة الاقتصادية، وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والصين، وغير ذلك. وفي عام 2025، أُعيدَ انتخاب الرئيس المحافظ للإكوادور، دانيال نوبوا، بينما حقق حزب ميلي فوزاً ساحقاً غير متوقع في الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة في الأرجنتين، ما أضفى زخماً إضافياً على أجندته. وشهدت بوليفيا نهايةً لما يقرب من 20 عاماً من الحكم الاشتراكي بانتخاب رودريغو باز بيريرا، الإصلاحي الوسطي. ويتصدر المرشحون الرئاسيون المحافظون استطلاعات الرأي في كوستاريكا وبيرو، ويقتربون من تحقيق الفوز في البرازيل وكولومبيا، في انتخابات من المقرر إجراؤها قبل نهاية عام 2026.

في الواقع، تتكوّن أميركا اللاتينية من نحو 20 دولة ذات تواريخ وديناميات سياسية متباينة، وقد لا ينتصر اليمين في جميع الحالات في نهاية المطاف. لكن كانت هناك لحظات أخرى في التاريخ تحركت فيها المنطقة في اتجاه واحد إلى حد ما: الديكتاتوريات الرجعية التي اجتاحت معظم أنحاء المنطقة في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، عقب الثورة الكوبية، وموجة إعادة الديمقراطية الكبرى في الثمانينيات، وإصلاحات “إجماع واشنطن” المؤيدة للسوق في التسعينيات، وما يُعرف بـ”المد الوردي” الذي أوصل تشافيز وغيرَه من اليساريين إلى السلطة في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة. واليوم، يبدو أن إعادة اصطفاف إقليمية أخرى آخذة في التشكل، وتتحدى بعض أكثر الافتراضات الأساسية التي يحملها العالم الخارجي عن أميركا اللاتينية. والنتيجة المحتملة هي منطقة تنتهج في السنوات المقبلة سياسة أكثر تشدداً تجاه تهريب المخدرات وغيرها من الجرائم، وتكون أكثر ترحيباً بالاستثمار المحلي والأجنبي، وتولي اهتماماً أقل بتغير المناخ وإزالة الغابات، وتنسجم على نطاق واسع مع إدارة ترمب في أولويات مثل الأمن والهجرة والحد من نفوذ الصين في نصف الكرة الغربي. ونظراً إلى تاريخ تدخل واشنطن في أميركا اللاتينية، كان من المتوقع أن يؤدي صعود رئيس أميركي يميني قومي صارم إلى تحفيز مقاومة يسارية في المنطقة. لكن، في الوقت الراهن على الأقل، فإن قادة أميركا اللاتينية الذين يستفيدون أكثر من عودة ترمب ليسوا أولئك الذين ينددون به ويتحدّونه، بل أولئك الذين يعجبون به، ويتملقونه، بل وحتى يقتدون به.

التحوّل نحو اليمين

لا يبدو هذا التحول نحو اليمين مجرد تأرجح دوري عابر أو قصير الأمد في سياسات المنطقة، إذ تشير نظرة فاحصة على استطلاعات الرأي والاتجاهات الكامنة الأخرى إلى أن الأفكار والسياسات المحافظة تكتسب زخماً في أميركا اللاتينية. فقد أظهر استطلاع سنوي واسع النطاق، أجرته مؤسسة “لاتينو باروميترو” Latinobarómetro  الإقليمية للاستطلاعات ومقرُّها تشيلي وشمل أكثر من 19 ألف مشارك في 18 دولة، أن نسبة اللاتينيين الذين يعرّفون أنفسهم بوصفهم “يمينيين” بلغت في عام 2024 أعلى مستوياتها منذ أكثر من عشرين عاماً. 1وأظهر الاستطلاع نفسه أن أبو كيلة كان، وبفارق كبير، السياسي الأكثر شعبية في أنحاء المنطقة، بمتوسط تقييم بلغ 7.7 على مقياس من عشر نقاط؛ بينما جاء نيكولاس مادورو، الديكتاتور الاشتراكي في فنزويلا، في أدنى الترتيب بفارق واسع، إذ لم يتجاوز تقييمه 1.3.

معظم أسباب صعود اليمين لا تنبع من عوامل خارجية، بل من تغيّرات داخلية تشهدها أميركا اللاتينية نفسها. وعلى رأس هذه العوامل يأتي الإحباط الشعبي المتزايد من تفاقم الجريمة، وهي مشكلة ليست جديدة على المنطقة لكنها ازدادت سوءاً بشكل حاد في السنوات الأخيرة. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، تضاعف إنتاج الكوكايين في أميركا اللاتينية ثلاث مرات خلال العقد الماضي، ما أتاح للعصابات والكارتلات ثروةً ونفوذاً غير مسبوقين وأسهم في تصاعد غير مسبوق للعنف المرتبط بالمخدرات. فأميركا اللاتينية تمثل نحو 8 في المئة من سكان العالم، لكنها تسجل قرابة 30 في المئة من جرائم القتل فيه. وفي عدة دول تنتظر انتخابات خلال العام المقبل، من بينها البرازيل وبيرو، تُظهر استطلاعات الرأي أن الجريمة هي الأولوية الأولى لدى الناخبين – وهي قضية انتخابية طالما صبّت في مصلحة اليمين.

ومن العوامل الرئيسة الأخرى في صعود اليمين، انتشار المسيحية الإنجيلية في أميركا اللاتينية ذات الغالبية الكاثوليكية تقليدياً، الأمر الذي أعاد تشكيل السياسة في عدة دول، ولا سيما البرازيل، من خلال وضع قضايا الصراع الثقافي، مثل الإجهاض و”أيديولوجية النوع الاجتماعي”، في صدارة المشهد السياسي. كما أن الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية الدراماتيكية والممتدة لسنوات في فنزويلا وكوبا قد قوّضت مصداقية السياسات الاشتراكية في نظر جيل كامل من الناخبين في أنحاء أميركا اللاتينية، وأضعفت حتى شعبية بعض مرشحي اليسار المعتدل الذين يُنظر إليهم مع ذلك على أنهم جزء من التيار نفسه. وقد أدى النزوح الجماعي من هذين البلدين، ومن دول أخرى تعيش أزمات مثل هايتي ونيكاراغوا، إلى موجات هجرة داخلية غير مسبوقة في أميركا اللاتينية، ما أثار ردود فعل سلبية في دول الاستقبال مثل تشيلي وكولومبيا وبيرو – وهي ردود فعل سعى بعض المرشحين اليمينيين إلى استثمارها سياسياً.

وفي الوقت نفسه، لعبت الشهرة العالمية التي يتمتع بها ميلي وأبو كيلة دوراً مهماً أيضاً. فحتى لو لم يكن معظم الناخبين في أنحاء أميركا اللاتينية يرغبون في انتخاب نسخ مطابقة تماماً لميلي وأبو كيلة، إذ يعتبر كثيرون سياساتهما متطرفة، إلا أن مقاطع الفيديو المنتشرة على نطاق واسع، التي تظهر الرئيسين وهما يحظيان باستقبالات أشبه بنجوم الروك في البيت الأبيض وفي تجمعات مرموقة مثل الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قد أثارت الفضول وأسهمت في تغذية الإحساس بأن قادة اليمين في صعود، ليس داخل بلدانهم فحسب، بل خارجها أيضاً.

تيار المحافظين الجدد

على مدى عقود، كان سياسيّو اليمين في أميركا اللاتينية مثقلين بارتباطهم بديكتاتوريات حقبة الحرب الباردة. فمنذ ستينيات القرن العشرين وحتى ثمانينياته، أشرف ديكتاتوريون مثل أوغستو بينوشيه في تشيلي، وهوغو بانزر في بوليفيا، وإفراين ريوس مونت في غواتيمالا، على قمع واسع النطاق وعمليات قتل برعاية الدولة، وغالباً ما كانت تُبرَّر باسم محاربة الشيوعية. وبعد موجة كبرى من التحول الديمقراطي التي اجتاحت أميركا اللاتينية في الثمانينيات، سعى معظم القادة السياسيين، بمن فيهم المنتمون إلى اليمين، إلى تجنّب أي صلة بتلك الأنظمة، وكانوا في العادة مترددين في وضع قضايا الأمن والنظام العام في صلب حملاتهم الانتخابية خشية أن يُنظَر إليهم على أنهم فاشيون.

لكن فكرة أن اليمين استبدادي بطبيعته، على نحو يميزه عن غيره، لم تعد تلقى الصدى نفسه في أميركا اللاتينية اليوم، إذ إن حالات الديكتاتورية الصريحة الثلاث كلها تقع ضمن اليسار الأيديولوجي: كوبا، ونيكاراغوا، وفنزويلا. (وتُصنَّف بعض الدول الأخرى، بما في ذلك السلفادور وغواتيمالا والمكسيك، على أنها أنظمة هجينة، ليست ديمقراطية بالكامل ولا استبدادية، وفقاً للمسح العالمي السنوي حول صحة الديمقراطية الصادر عن “وحدة الاستخبارات الاقتصادية” Economist Intelligence Unit. وقد أسهم تعاقب رؤساء من يمين الوسط احترموا المؤسسات الديمقراطية، بمن فيهم ماوريسيو ماكري في الأرجنتين (2015-2019) وسيباستيان بينيرا في تشيلي (2010-2014 و2018-2022)، في تخفيف حالة عدم الثقة المستمرة تجاه القادة المحافظين. كما أن تلاشي ذكريات الحرب الباردة وازدياد الإحباط من الجريمة جعلا التحذيرات من الحكم الاستبدادي تفقد بعضاً من قوتها. ففي استطلاع “لاتينو باروميترو”، قال نحو 40 في المئة من المشاركين إنهم يفضّلون حكومة سلطوية أو لا يهمهم ما إذا كانت ديمقراطية أم لا، بزيادة تقارب عشر نقاط مئوية مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن. وأظهرت استطلاعات الرأي في أجزاء أخرى من العالم الغربي تراجعاً مشابهاً في الدعم للديمقراطية.

وعلى مدى العقد الماضي، عمل اليمين في أميركا اللاتينية أيضاً على دحض التصور السائد منذ زمن طويل بأنه لا يبالي بمصير الفقراء. فعقيدة النيوليبرالية الداعية إلى تقليص دور الدولة، التي أرشدت أجيالاً من القادة المحافظين، لم تُهمَل بل عُدّلت، لا سيما في أعقاب جائحة كورونا. فقد أشرفت حكومات يمينية كانت في السلطة في ذروة الجائحة على بعض أكبر عمليات التوسع في الإنفاق الاجتماعي في تاريخ أميركا اللاتينية، وحافظت منذ ذلك الحين على كثير من تلك المزايا. فعلى سبيل المثال، في تشيلي، وهي دولة كانت لعقودٍ طويلة النموذج الأبرز للنيوليبرالية التي تدعو إلى تقليص دور الدولة وتدعم اقتصاد السوق، أنفقت حكومة بينييرا المحافظة، نسبة إلى حجم الاقتصاد، أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة على برامج الإغاثة المرتبطة بالجائحة. وفي البرازيل، أشرف الرئيس جايير بولسونارو على توسّع ضخم في برنامج “بولسا فاميليا” (منحة الأسرة)، وهو برنامج لتحويلات نقدية للفقراء يحظى بسمعة عالمية، وكان قد هاجمه سابقاً بوصفه اشتراكية مضللة. بل إن بولسونارو زاد قيمة الإعانات في البرنامج بنسبة 50 في المئة في الأشهر التي سبقت حملته الفاشلة لإعادة انتخابه عام 2022. ومؤخراً، في الأرجنتين، وحتى في الوقت الذي كان فيه ميلي يلوّح بمنشاره بسعادة لتقليص برامج حكومية أخرى، ضاعف حجم التحويلات النقدية للفقراء في البلاد، وهو ما ساعد حكومته على الحفاظ على دعم شرائح واسعة من الطبقة العاملة وتجنب الاضطرابات الاجتماعية الواسعة التي أطاحت بمحاولات التقشف السابقة في الأرجنتين.

جمع من الناس يشاهد أبو كيلة وهو يُلقي خطاباً في سان سلفادور، السلفادور، يونيو (حزيران) 2025 (خوسيه كابيزاس/ رويترز)

وعلى الرغم من أن اليسار لا يزال يُنظر إليه في عموم أميركا اللاتينية على أنه أكثر سخاءً في الإنفاق الاجتماعي، فإن أفضليته في هذا المجال لم تعد كبيرة كما كانت في السابق. ومن خلال تخفيف وطأة الانتقادات التي تصف قادته بأنهم نخبويون أو معادون للديمقراطية، تمكّن اليمين من التركيز على قضايا تعزز نقاط قوته. ولم تكن أي قضية أكثر بروزاً من الأمن. فقد نمت قوة الكارتلات وغيرها من جماعات الجريمة المنظمة بشكل هائل خلال العقد الماضي، مدفوعة جزئياً بزيادة مذهلة في عائداتها من تهريب المخدرات. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بلغ إنتاج الكوكايين عالمياً ما يُقدّر بنحو 3700 طن في عام 2023، مقارنة بـ 902 طن في عام 2013. ويُنتَج معظم الكوكا في العالم، وهي المادة الخام للكوكايين، في ثلاث دول في أميركا اللاتينية هي بوليفيا وكولومبيا وبيرو، في حين تُعدّ كل دولة أخرى في المنطقة تقريباً ساحة لعمليات التهريب، وبشكل متزايد، سوقاً استهلاكية بحد ذاتها.

في الواقع، ينبع كثير من الغضب المتصاعد إزاء الجريمة في أميركا اللاتينية من التغيرات في طريقة وأماكن استهلاك الكوكايين. فالفكرة القائلة إن الكوكايين يتدفق فقط شمالاً، إلى رواد الحفلات الأثرياء في برلين ولندن ونيويورك، باتت اليوم أقل صحة مما كانت عليه في أي وقت مضى: إذ ينتشر المخدر بشكل متزايد شرقاً وغرباً وجنوباً أيضاً. وعلى الرغم من أن أميركا الشمالية لا تزال السوق الأكبر، مستأثرة بنحو 27 في المئة من الاستهلاك العالمي للكوكايين، تليها أوروبا بنسبة 24 في المئة، فإن أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي باتتا قريبتين جداً منهما الآن، بنسبة تقارب 20 في المئة من الاستهلاك العالمي، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. كما أنّ آسيا (نحو 14 في المئة من الاستهلاك العالمي) وأفريقيا (نحو 13 في المئة) تحتضنان أسواقاً تتسع بوتيرة متسارعة لهذا المخدر.

وقد أدّت الجغرافيا المتغيرة لاستهلاك الكوكايين بدورها إلى إحداث تغييرات مهمة في طرق التهريب، ولا سيما تلك المؤدية إلى ساحل المحيط الهادئ، ما حوّل دولاً كانت تنعم بالسلام نسبياً، مثل تشيلي وكوستاريكا والإكوادور، إلى ساحات قتال، مع تنافس الكارتلات على السيطرة على الموانئ البحرية وغيرها من مراكز العبور الحيوية. وبفضل وفرة الأموال غير المسبوقة، نوّعت الكارتلات أنشطتها لتشمل الابتزاز، وسرقة الشحنات، والاختطاف، والتعدين غير القانوني، وقطع الأشجار في الأمازون، وتهريب المهاجرين المتجهين إلى الولايات المتحدة.

فكرة أن اليمين بطبيعته استبدادي لم تعد تلقى الصدى نفسه في أميركا اللاتينية اليوم

وقد كانت العواقب صادمة حتى بالنسبة إلى منطقة عانت طويلاً من تهريب المخدرات والعنف. فقد انتشرت عالمياً في عام 2024 صور لأفراد عصابات مسلحين بالبنادق وهم يحتجزون صحافيين رهائن داخل محطة تلفزيونية في الإكوادور. وأصبحت مدينة دوران الساحلية في الإكوادور، التي تشهد حرب نفوذ بين كارتلات ألبانية وكولومبية ومكسيكية، أخطر مدينة في العالم وفقاً لبعض المؤشرات، بمعدل جرائم قتل سنوي يبلغ نحو 150 جريمة لكل 100 ألف نسمة، وهو معدل يقترب من المعدل المسجّل في مدينة ميديلين في كولومبيا في أوائل التسعينيات، خلال حقبة زعيم تجارة المخدرات الشهير بابلو إسكوبار. وقد أثار اغتيال ميغيل أوريبي، المرشح الرئاسي اليميني في كولومبيا، مؤخراً، مخاوف من تبدّد ما تحقق من تقدم أمني على مدى عشرين عاماً في البلاد. وأظهر استطلاع للرأي عام 2023 أن أكثر من 85 في المئة من التشيليين باتوا أحياناً يتجنبون الخروج ليلاً، في حين لا يشعر بالأمان سوى 8 في المئة. وفي كوستاريكا، المعروفة منذ زمن طويل بأنها جنة سياحية آمنة إلى حد أنها لم تحتج إلى جيش دائم، قفزت جرائم القتل بأكثر من 50 في المئة منذ عام 2020، مع تحوّل البلاد إلى إحدى أبرز نقاط العبور العالمية لشحنات الكوكايين. وحتى في الدول القليلة التي انخفضت فيها جرائم القتل في السنوات الأخيرة، مثل البرازيل، لا تزال معدلات جرائم أخرى، مثل السطو، مرتفعة.

في ظل هذه الظروف، يتضح لماذا حقق أبو كيلة وغيره من السياسيين الذين يَعدون باتباع نهج صارم وقاسٍ في مواجهة الجريمة مكاسب ملموسة. فمنذ تولي أبو كيلة السلطة عام 2019، انخفضت جرائم القتل في السلفادور بأكثر من 90 في المئة، وبحسب بعض المقاييس باتت البلاد اليوم من بين أكثر الدول أماناً في الأميركتين، مع معدل جرائم قتل يقارب ذاك المسجل في كندا. ولا يرى كثير من المراقبين في أميركا اللاتينية أن نهج أبو كيلة المتمثل في تعليق حقوق دستورية مثل الإجراءات القانونية الواجبة [ضمانات المحاكمة العادلة] وحرية التجمع، وسجن نحو اثنين في المئة من السكان البالغين في البلاد، على أنه إشكالي إلى حد كبير. وحتى في تشيلي، التي تضم بعضاً من أقوى المؤسسات الديمقراطية في المنطقة، وافق 80 في المئة من المشاركين في استطلاع حديث على أنهم سيدعمون “حالة استثناء” تُعلق بموجبها بعض الحريات المدنية من أجل مكافحة الجريمة. وبعد أن تحولت عملية للشرطة في ريو دي جانيرو في أكتوبر إلى تبادل إطلاق نار فوضوي أسفر عن أكثر من 120 قتيلاً، عبّرت منظمات المجتمع المدني البرازيلية عن صدمة شديدة واستنكار بالغ. لكن استطلاعاً للرأي أُجري بعد أيام أظهر أن غالبية سكان المدينة اعتبروا أن العملية كانت ناجحة. وكان الدعم للحملة الأمنية الصارمة قوياً بالقدر نفسه بين سكان الأحياء الفقيرة [الفافيلا] وسكان الأحياء الأكثر ثراءً. وفي جميع أنحاء المنطقة، حتى بعض القادة الذين يرفضون الإجراءات المتطرفة يستجيبون للدعوة إلى اتباع نهج أكثر صرامة في مكافحة الجريمة من خلال بناء سجون جديدة شديدة الحراسة وتكثيف حملات اعتقال زعماء العصابات.

وفي المقابل، بات السياسيون الذين يفشلون في السيطرة على الوضع الأمني يواجهون خطر خسارة مناصبهم بشكل متزايد. ففي البرازيل، تشير استطلاعات الرأي إلى أن الصورة السائدة عن ضعف الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في ملف الجريمة يشكل عقبة كبيرة أمام مسعاه لإعادة انتخابه في عام 2026. وفي المكسيك، أدى اغتيال رئيس بلدية صريح في معاداته للجريمة في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى موجة احتجاجات في الشوارع وانتقادات حادة للرئيسة كلاوديا شينباوم، التي ورغم تشددها أكثر من سلفها في مواجهة الكارتلات، فإنها تحصل من الناخبين على أدنى التقييمات في مجال الأمن مقارنة ببقية الملفات. وفي بيرو في أكتوبر، أطلق مسلحون يستقلون دراجات نارية النار على حفل موسيقي، مما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص؛ وكان هذا الهجوم الحدّ الذي لم يعد بالإمكان تجاوزه بالنسبة إلى الرئيسة البيروفية دينا بولوارتي، التي كانت نسبة تأييدها متدنية للغاية وصلت إلى أرقام أحادية بسبب مزاعم الفساد في حكومتها وتحديات أخرى. وبعد أيام من الهجوم، صوّت الكونغرس البيروفي على عزلها من منصبها (122-0)، مستنداً إلى ما وصفه بـ”الانعدام الدائم للأهلية الأخلاقية”.

تحولات عميقة

لا شك في أن اليسار ما زال حياً وحاضراً بقوة ويتمتع بقدرة على المنافسة الانتخابية في معظم أنحاء المنطقة. ومن المرجح أن تلقى رسالته، المتمحورة حول التفاوت الاقتصادي، صدىً لدى الناخبين في منطقة تشهد أكبر فجوة في العالم بين الأغنياء والفقراء. كما يضم اليسار عدداً من القادة المنتخبين ديمقراطياً الذين يتمتعون بشعبية نسبية، مثل لولا، الذي سيخوض انتخابات الرئاسة البرازيلية عام 2026 ساعياً إلى ولاية رابعة (غير متتالية)، وشينباوم، التي حظيت بإعجاب دولي بفضل تعاملها الهادئ والحازم مع المفاوضات الصعبة مع ترمب بشأن التجارة والهجرة. في بعض الحالات، قد يتقدم اليمين في استطلاعات الرأي جزئياً لأن اليسار هو من يتولى السلطة حالياً، فيما يجد شاغلو المناصب صعوبات متزايدة في الفوز بالانتخابات في أميركا اللاتينية وفي معظم أنحاء العالم الديمقراطي. وبالمثل، يرى بعض المراقبين أن التحول الحالي لا علاقة له بالاعتبارات الأيديولوجية التقليدية بين اليسار واليمين، وأن الشعبويين والسياسيين غير المنتمين إلى النخب يشهدون صعوداً من مختلف الأطياف.

ولكن هناك أسباباً أخرى تدعو للتشكيك في أن تشهد أميركا اللاتينية موجة يمينية مكتملة أو شاملة. ففي كولومبيا وتشيلي، تتراوح نسبة تأييد الحكومات اليسارية بين 30 و40 في المئة، وهي نسبة ليست عالية، ولكنها ليست منخفضة لدرجة تمنع أحزابها من إمكانية تحقيق نجاح انتخابي مستقبلي. علاوة على ذلك، في كولومبيا والبرازيل، قد تؤدي كثرة المرشحين اليمينيين إلى تشتيت الأصوات، ما قد يُفضي إلى جولة انتخابية ثانية يرى فيها الرأي العام أن المرشح المحافظ متطرف للغاية، فيفوز مرشح من اليسار أو الوسط. وقد فشل نوبوا، رئيس الإكوادور، في نوفمبر في تمرير استفتاء كان سيسمح بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية في بلاده، إلى جانب إصلاحات أخرى، ما يُشير إلى أن قادة اليمين لن يتمكنوا من احتكار السلطة إلى حدّ غير محدود.

وربما من المفارقات أن أحد أكبر المخاطر التي تهدد التحول المحافظ في أميركا اللاتينية هو ترمب نفسه. فقد أولى الرئيس الأميركي اهتماماً بالغاً بالمنطقة في ولايته الثانية، ما يدل على أن بعض أولوياته الداخلية الرئيسة، مثل مكافحة تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، تتطلب انخراطاً قوياً في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن ترمب لا يحظى بشعبية كبيرة في المنطقة. فقد حصل على تقييم ضعيف نسبياً في استطلاع “لاتينو باروميترو”، إذ بلغ متوسط ​​تقييمه 4.2 فقط على مقياس من 10 نقاط، وأثارت بعض سياساته ردود فعل عنيفة تهدد بتقويض حلفائه المحافظين في المنطقة. فعلى سبيل المثال، أدى قرار ترمب بفرض بعض أعلى الرسوم الجمركية في العالم على البرازيل، ومطالبته بإسقاط التهم الجنائية الموجهة ضد بولسونارو على خلفية محاولة الانقلاب عام 2023، إلى تصاعد النزعة القومية البرازيلية، وانخفاض شعبية بولسونارو، وارتفاع نسبة تأييد لولا. وعلى نحو مماثل، فإن تعهد ترمب بـ”استعادة” قناة بنما للولايات المتحدة أضر بشعبية الرئيس البنمي خوسيه راؤول مولينو، أحد أكثر السياسيين تأييداً للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.

احتجاجات على الحكم الصادر بحق بولسونارو، برازيليا، البرازيل، نوفمبر 2025 (خورخي سيلفا / رويترز)

لكن دور واشنطن في نصف الكرة الغربي يمثل مجالاً آخر يبدو فيه المشهد السياسي متقلباً بطرق غير متوقعة. فقد اعتُبرت خطة ترمب لإنقاذ الأرجنتين عاملاً حاسماً في ضمان تحقيق حزب ميلي انتصاراً فاق التوقعات في انتخابات التجديد النصفي. وقد فوجئ كثيرون عندما أظهرت استطلاعات الرأي تأييداً واسعاً في جميع أنحاء أميركا اللاتينية للضربات العسكرية التي شنها ترمب ضد قوارب يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات وأهداف أخرى في فنزويلا. وكانت الرسالة الواضحة هي أن الغضب الشعبي المتزايد من كارتلات المخدرات في المنطقة، والرفض الشعبي الواسع النطاق لمادورو، قد تغلّبا مجدداً على المخاوف العامة الأخرى.

وإذا تحقق التحول اليميني كما تشير الاتجاهات الحالية، فقد تكون العواقب وخيمة. فآخر مرة تحركت فيها سياسات أميركا اللاتينية بنوع من التناغم، خلال الموجة اليسارية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تقدّم نموذجاً لما قد يكون ممكناً. ففي ذلك الوقت، تمكنت مجموعة من القادة ذوي التوجهات المتقاربة، بمن فيهم تشافيز، والرئيس الأرجنتيني نيستور كيرشنر، ولولا، من إفشال اتفاقية تجارية إقليمية كان قد روج لها الرئيسان الأميركيان بيل كلينتون وجورج دبليو بوش، مما أدى إلى تغيير جذري في المسار الاقتصادي للمنطقة لسنوات لاحقة. وقد نفذ رؤساء أميركا اللاتينية اليساريون سياسات اجتماعية أكثر فاعلية لضمان توزيع عادل لثمار طفرة السلع الأساسية في ذلك العقد، مما أسهم في انتشال عشرات الملايين من سكان أميركا اللاتينية من براثن الفقر، ووفر موارد أكبر للتعليم والرعاية الصحية. كما أدى الإجماع الأيديولوجي النسبي إلى تجدد الجهود المبذولة للتعاون الإقليمي، مع إنشاء اتحاد دول أميركا الجنوبية في عام 2008، وهي مجموعة سعت إلى تعزيز التجارة والتعاون الاجتماعي داخل المنطقة وتوفير منتدى لصنع القرار الإقليمي يستبعد الولايات المتحدة؛ لكنّ هذه المجموعة تفككت فعلياً في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين عندما فقدت الحكومات اليسارية السلطة واعتبر خلفاؤها أن المجموعة مفرطة في طابعها الأيديولوجي.

ويراهن كثير من المراقبين اليوم على أن تحولاً مماثلاً، ولكن هذه المرة نحو اليمين، سيؤدي إلى موجة من السياسات الأكثر ودّاً تجاه الأعمال في جميع أنحاء أميركا اللاتينية. فبعد ما يُسمى العقد الضائع، الذي شهد نمو اقتصادات المنطقة بنسبة لا تتخطى 1 في المئة سنوياً في المتوسط ​​ بين عامي 2014 و2023، وهي أبطأ وتيرة نمو بين الأسواق الناشئة الكبرى، يتعهد عديد من السياسيين باتباع نهج ميلي من خلال خفض القيود التنظيمية وتقليص حجم الحكومة. وقد وصف رافائيل لوبيز ألياغا، عمدة ليما وأحد أبرز المرشحين في انتخابات بيرو، ميلي بأنه “منقذ”. وفي كولومبيا، استعانت الصحافية اليمينية فيكي دافيلا، المرشحة للانتخابات الرئاسية لعام 2026، بأكسل كايزر، المستشار السابق لميلي، للعمل في حملتها الانتخابية. (كان شقيق كايزر، يوهانس، مرشحاً يمينياً في انتخابات تشيلي عام 2025). واستطراداً، تعهد خوسيه أنطونيو كاست، المرشح المحافظ في جولة الإعادة في الانتخابات المقررة في تشيلي في ديسمبر (كانون الأول)، بخفض الإنفاق الحكومي بمقدار 21 مليار دولار إلى جانب تقليص البيروقراطية أيضاً، وهي خطة قال إنها ستساعد تشيلي على تحقيق نمو اقتصادي سنوي بنسبة 4 في المئة، أي ضعف وتيرة النمو في السنوات الأخيرة.

قد تتخذ أميركا اللاتينية ذات التوجه اليميني موقفاً أكثر تشككاً تجاه الصين

ويشهد تاريخ أميركا اللاتينية الحديث عدداً كبيراً من إجراءات التقشف والخطط المؤيدة للاستثمار التي باءت بالفشل بسبب الاضطرابات الاجتماعية أو نقص الدعم السياسي. وقد يبالغ المستثمرون في تقدير قدرة أي سياسي على التغلب على التحديات الهيكلية المزمنة في المنطقة، مثل تدني مستويات التعليم والإنتاجية. ومع ذلك، فقد تفاعلت الأسواق المالية مع احتمال حدوث تغيير بحماس كبير، إذ ارتفع أحد المؤشرات المراقَبة عن كثب، التي ترصد أسعار الأسهم في أميركا اللاتينية، بأكثر من 30 في المئة بحلول عام 2025، في دلالة على آمال وتوقعات عالية بنمو اقتصادي أسرع وأرباح أفضل للشركات في ظل قيادة تميل إلى اليمين. ويعتقد كثيرون أنه بوجود مزيد من القادة المؤيدين للسوق في سدة الحكم، ستتمكن المنطقة من تحقيق إمكاناتها على نحو أفضل بصفتها مورّد للمعادن الحيوية، بما في ذلك الليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، فضلاً عن النفط والغاز. وفي أكتوبر، أعلن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن أي آي” OpenAI، عن خطط للاستثمار في مراكز البيانات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ومشاريع أخرى في الأرجنتين قد تصل قيمتها في النهاية إلى 25 مليار دولار، مما يُظهر الحماس الواسع في وادي السيليكون تجاه ميلي ونموذجه في السياسة الاقتصادية على وجه العموم.

واستكمالاً، قد تتخذ أميركا اللاتينية ذات التوجه اليميني موقفاً أكثر تشككاً إزاء الصين، وتميل أكثر نحو الولايات المتحدة. لقد تردد جيل سابق من القادة المحافظين في الاختيار بين القوتين العظميين. فالصين تُعد الشريك التجاري الأكبر لعدد من دول أميركا اللاتينية، بما في ذلك البرازيل وتشيلي وبيرو وأوروغواي، في حين تبقى الولايات المتحدة المستثمر الأكبر في المنطقة بفارق كبير. إلا أن إدارة ترمب صعّدت الضغط على الحلفاء للابتعاد عن بكين، لا سيما في ما يتعلق بالاستثمارات الصينية في مجالات يُنظر إليها على أنها حساسة مثل الاتصالات والبنية التحتية للموانئ. ووصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت حزمة الإنقاذ الأخيرة للأرجنتين بأنها محاولة صريحة للتصدي لتنامي النفوذ الصيني، معتبراً إياها جزءاً من “مبدأ مونرو اقتصادي” جديد، في إشارة إلى فكرة تعود إلى القرن التاسع عشر تقول إن القوى الخارجية غير مرحب بها في نصف الكرة الغربي. وتكهن بعض المراقبين بأن واشنطن ربما تكون قد أرفقت المساعدات بشروط، مثل مطالبة بوينس آيرس بتقليص أو إنهاء عقد إيجار بكين لمحطة فضائية في جنوب الأرجنتين تعتقد الولايات المتحدة أنها قد تُستخدم لأغراض عسكرية في نهاية المطاف. وعلى نطاق أوسع، يبدو أن ترمب مصمم على إيصال رسالة مفادها أنه سيكافئ الحلفاء في أميركا اللاتينية بالمساعدات ومزايا أخرى، بينما يعاقب الحكومات المعادية بالتعريفات الجمركية والعقوبات. ويبقى أن نرى ما إذا كانت موجة جديدة من القادة ستستجيب لمثل هذه الحوافز أم ستستمر في تبني موقف عدم الانحياز.

ميلي في تجمع سياسي في روزاريو، الأرجنتين، أكتوبر 2025 (كريستينا سيلي/ رويترز)

ابتداءً من تسعينيات القرن العشرين، تعرّف جيل من قادة اليسار على بعضهم البعض شخصياً في فعاليات مثل منتدى ساو باولو، وهو مؤتمر للجماعات اليسارية أسسه حزب العمال البرازيلي، مما أسهم في تنسيق جهودهم الإقليمية في السنوات اللاحقة. واليوم، يعمل عدد من المنتمين إلى اليمين الجديد في أميركا اللاتينية على بناء علاقات وثيقة، بما في ذلك من خلال فعاليات مثل مؤتمر العمل السياسي للمحافظين، الذي انطلق في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن العشرين وامتد إلى المنطقة في السنوات الأخيرة. ومن بين الضيوف ميلي، وأبو كيلة، وأفراد من عائلة بولسونارو، إضافة إلى كاست من تشيلي. ويعرب بعض المتفائلين في المنطقة عن أملهم في أن تؤدي هذه الروابط الاجتماعية إلى مزيد من التنسيق في قضايا مثل التجارة والبنية التحتية ومكافحة الجريمة المنظمة.

أخيراً، قد يُفضي هذا التحوّل إلى تغييرات جذرية في مجموعة واسعة من القضايا الأخرى أيضاً. فمن المرجّح أن تُصبح أميركا اللاتينية، ذات التوجهات المحافظة، أقل اهتماماً بتغيّر المناخ أو بإزالة الغابات في الأمازون، لا سيما إذا عاد اليمين إلى السلطة في البرازيل. وقد يسعى بعض قادة اليمين أيضاً إلى إغلاق حدود بلدانهم أمام مزيد من الهجرة؛ فقد اقترح كاست بناء حاجز حدودي على الطراز الأميركي وترحيل المهاجرين غير الشرعيين من هايتي وفنزويلا وغيرهما. كما قد تكتسب قضايا اجتماعية مثل الإجهاض أهمية أكبر في السياسة الوطنية، نظراً لارتفاع نسبة الناخبين المسيحيين الإنجيليين في البرازيل وعدة دول أخرى في المنطقة. وفي إشارة محتملة إلى ما قد يحمله المستقبل، أسهم ميلي في يوليو (تموز) في تدشين أكبر كنيسة إنجيلية في الأرجنتين، تتسع لعشرة آلاف شخص. وفي خطابه للمؤمنين، اقتبس من الكتاب المقدس وماكس فيبر والاقتصادي المحافظ توماس سويل، شارحاً كيف أثّرت “القيم اليهودية المسيحية” في سياسات حكومته.

في الواقع، تُعدّ أميركا اللاتينية اليوم منطقةً لا يختلف فيها مضمون ونبرة بعض الأحداث السياسية عمّا يمكن أن نراه في تكساس أو نبراسكا؛ حيث يُشيد قادة التيارات السياسية الرئيسة بالانضباط المالي وحملات الشرطة الصارمة؛ وحيث يبدو أن مطالب العدالة الاجتماعية قد تراجعت، على الأقل في الوقت الراهن، ليحلّ محلها الخطاب العدائي ضد إرهابيي المخدرات والديكتاتوريين الاشتراكيين. وإذا تمكن الجيل الحالي من القادة اليمينيين من الوصول إلى السلطة ثم الحفاظ عليها، فإنهم يعتقدون أن بإمكانهم بناء أميركا لاتينية تتخلص من سمعتها العالمية السيئة المرتبطة بالجريمة والنمو الاقتصادي الراكد، وتتعاون بشكل أوثق مع الحكومات ذات التوجهات المماثلة في الولايات المتحدة وأوروبا، وتصبح في نهاية المطاف آمنة ومزدهرة، بحيث يرغب مواطنوها في البقاء بدلاً من البحث عن حياة أفضل في مكان آخر. وقد لا يكون ذلك ثورة بالمعنى الذي استخدمه كاسترو ذات يوم، لكنه سيكون تغييراً جذرياً.

مترجم عن “فورين أفيرز” يناير (كانون الثاني) /فبراير (شباط) 2026، نُشر في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2025

المزيد عن: التيار اليميني النفوذ الأميركي أميركا اللاتينية السلفادور الأرجنتين فيدل كاسترو نيكولاس مادورو نجيب أبو كيلة انهيار الاشتراكية فورين أفيرز

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00