من التجهيز الفني للرسام نبيل نحاس في بينالي البندقية 2026 (اندنبدنت عربية) ثقافة و فنون اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية by admin 7 March، 2026 written by admin 7 March، 2026 19 عمل تجهيزي يستحضر الهوية كإرث حضاري منفتح على العالم اندبندنت عربية / مهى سلطان تتولى “الجمعية اللبنانية للفنون البصرية” تنظيم الجناح اللبناني في بينالي البندقية خلال الفترة الممتدة من التاسع من مايو (أيار) إلى الـ22 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، بإدارة المفوضة العامة والقيمة الفنية ندى غندور، وبرعاية وزارة الثقافة في لبنان. أما سينوغرافيا الجناح فهي من توقيع شارل كتانة ونيكولا فياض. في قلب الأرسنال، هذا الصرح الرمزي للفن المعاصر العالمي في البينالي، يتألف هذا التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع ثلاثة أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة إحداها بالأخرى جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوق زواره ويدعوهم إلى الانغماس فيه. هكذا يبرز لبنان في هذا السياق كنقطة تقاطع تاريخية وثقافية، تنصهر فيها الهوية مع رواسب الحضارات المتوسطية والعربية والغربية، لتغدو مادة فاعلة في صياغة خطاب بصري معاصر. الفنان نبيل نحاس أمام أحد أعماله (اندبندنت عربية) يقترح نبيل نحاس مفهوماً للهوية بوصفها كائناً حياً في تحول دائم، لا قدراً ثقافياً مغلقاً، بل أفقاً إنسانياً رحباً يتشكل من التعدد والاختلاف الخلاق. هوية مرنة، تنمو بالتداخل والتفاعل، وتنبثق من جدل مستمر بين الذات والعالم، في مواجهة كل نزعة اختزالية تسعى إلى تثبيتها أو اختصارها. في هذا السياق يحتفي نحاس بلبنان بوصفه أرض تلاق تاريخي، وملتقى طرق استثنائي شهد نشوء الحضارات وتعاقبها وتداخلها. ويمكن قراءة “تعدد بلا حدود” بوصفه استعارة بصرية لذاكرة الأرض الأم، بمكوناتها وآثارها وتردداتها التي تمتد أصداؤها إلى سيرة الفنان نفسه، ضمن مساره البحثي الذي يطوره منذ عقود، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة، ومقيماً في تخوم التجريد والتجريب، بين المادي والميتافيزيقي والشعري. يبني نحاس منظومة بصرية متعددة المرجعيات، تمزج بين حسية الفن المعاصر في الغرب، بكثافته وضخامته، وبين صفاء الأشكال الهندسية في الشرق وصوفيتها. وقد تشكلت تجربته عبر تنقلاته بين لبنان والقاهرة ونيويورك، حيث يقيم منذ عام 1973 حتى اليوم. وبعد 18 عاماً من الغياب عاد إلى لبنان عام 1993، محولاً مزرعة العائلة لتربية دود القز في عين عار (المتن الشمالي) إلى محترف يضم نتاجه وأرشيفه ومقتنياته، في بقعة ما زالت تحافظ على رونقها الطبيعي وجمالها التراثي، حيث أتيح لنا الاطلاع على أعماله قبيل شحنها إلى البندقية. ما بين التجريد الأميركي والمشربية هوية فنية (اندنبدنت عربية) ينبغي رفع النظر لرؤية العمل التجهيزي الذي يحيط بعين الزائر كالسوار، في مشهد استعراضي مدهش، فاللوحات الضخمة المعلقة جنباً إلى جنب، في تتابع على ارتفاع ثلاثة أمتار، تؤكد أن الفضاء التمثيلي فضاء مجزأ ومتقاطع ومتجاور، يكسر التوازن ويقصي النظرة الأحادية، فاتحاً المجال لقراءات عدة، حيث يندمج الماضي بالحاضر، وما قبل بما بعد. وهكذا يتكاثر الفضاء ليغدو طوبولوجياً، بالمعنى الذي يقصده موريس مرلو-بونتي في تحليله لإبصار الفضاء، حين يتحدث عن موضوع إجمالي يوجد فيه كل شيء في الوقت نفسه. تحدث لوحات نحاس صدمة بصرية بفعل تباينها الحاد عند التجاور، غير أنها تتناغم في الرؤية الكلية للتجهيز، فقد كسر الفنان مركزية العمل الفني، واتجه نحو تعدد البؤر في توزيع العناصر، متخطياً الهرمية وحلقات الوصل التقليدية، إذ تبدو كل لوحة نافذة على عالم مستقل، فيما تتشابك الأعمال بخيوط خفية، تولد سرديات متداخلة، في إحالة إلى فلسفة التشظي (جيل دولوز)، والتزامن الصوري، حيث تتقاطع الأزمنة والأمكنة في مشهد واحد شبيه بإيقاع حياتنا المعاصرة. وتنبني هذه المشهديات على توليف مركب من الرموز والعناصر والطبقات النابضة، المستحضرة لأركيولوجيا الحضارات وذاكرة الفنان البصرية، فتتجلى في مسطحات هجينة وصادمة، بزخرفها وخشونة ملامسها وتضاريسها، جامعة بين التجسيمي والهندسي والتشخيصي وخيال الهندسة الكسورية، وسرديات التمدد الكوني، والدوائر الحلزونية التي تحاكي مسارات الكواكب، كما أشكال القواقع والزهور. بوستر الرسام في بينالي البندقية (اندنبدنت عربية) جداول من الطلاء الذهبي تغمر لوحاته، يكتنفها تطاير شرائط من حبيبات البرق (الترتر) الملونة، وبحور من الطحالب اللزجة، وملامس خشنة ناتئة وأخرى ناعمة كالحرير والمخمل. حقول من أشكال شبه مرجانية، وقواقع بيضاء وزرقاوية، حوافها مغمسة بحمرة الشفق. في هذه المشهديات يأخذنا نحاس إلى ما تحت الماء، إلى فضاءات شاملة، حيث الجزء يشبه الكل (وفق مصطلح all over في التجريد الأميركي)، في مشهديات زخرفية تذكر بـ”المشربيات” في العمارة الإسلامية. ويزدحم المسطح بذاكرة تاريخية تحيل إلى جرف من طبقات الزمن، زاخر بالتمائم والمخلفات والأحافير والمتحجرات. من الأعماق إلى شواطئ مفروشة بنجمات البحر المضيئة، ننعطف نحو سجاديات متخيلة، من مشاهد توليفية مغمورة بألوان الذهب، ودوائر هذيانية، وتلافيف من حبيبات اللون والضوء. وفي “تعدد بلا حدود”، نمضي إلى حقول هندسية مدوخة من الهندسة الكسورية المتصلة بنظرية الفوضى: مكعبات ومسدسات من خيوط ضوء لامعة، شبيهة بحبات الكريستال، لا تكف من الدوران حول نفسها في ذاكرة نحاس الطفولية. ومن ثلج لبنان تنبثق شجرة أرز عاتية على خلفية زرقاء ساطعة، لا بوصفها شجرة كاملة، بل صورة مجتزأة، كشكل تجريدي، تتكلل أغصانها بالذهب وهي تصارع العواصف. أما النخيل فيتجلى كجذوع عمودية فارعة بقشورها الهندسية المثلثة، فيما تبدو أشجار الزيتون المعمرة صامدة في وجه الحرائق، شاهدة على زمن النار والدمار. يشعر الناظر لمناظر نحاس باللاثبات والاضطراب في ظل الدينامية اللولبية والتقاطعات الهندسية الحادة التي تطوق مشهدية الأشجار (لا سيما الأرز)، بتعبيرية درامية تولد إحساساً باللايقين والغرابة. من جناح الفنان (اندبندنت عربية) من الحاضر، يمضي نحاس بعيداً في قراءة المناطق النائية من الزمن. ومثل كبار المتصوفة، يقرأ النظام الكوني بوصفه بنية هندسية قائمة على اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، بما ينسحب على عالم الإنسان والكائنات. أما الشكل اللولبي، أحد أكثر الأشكال دينامية في الطبيعة، فيأتي رديفاً لمفهوم اللانهاية في الطقوس الصوفية، كما في التجريد المطلق. وفي هذا السياق، تتشعب مسارات نحاس لتعود إلى حيث البداية، بحثاً عن نشأة الأشكال من الغموض، بوصفها اندفاعاً وتصادماً وتوتراً وامتزاجاً بين قوى الزمن وأثر المكان، حضوراً متحولاً ومندثراً في آن. كل شكل (Forme) يجسده نبيل نحاس يتمثل كـ”قوة” وطاقة، مندمجة في جدلية المكان والزمان. الفن فكر وصناعة باجتهاد كبير منذ سبعينيات القرن الماضي، أنجز نبيل نحاس أعمالاً مفصلية، عرضت في أبرز صالات العرض في نيويورك، وأبهرت النقاد لا بخبرته التقنية فحسب، بل بقلقه الفكري وثقافته الواسعة، فهو فنان استفز جمهوره بالطبيعة اللمسية لأسطح أعماله، وبرشاقة الصور غير المتوقعة، وغنى الألوان المتدفقة منها، وتؤكد تجربته أن ذروة الإبداع تتحقق حين يلتقي التفكير العميق بمهارة الصنعة. تكون وعيه الفني في بيئة عائلية مشبعة بالحرفة والجماليات، فوالده كان صانع أقمشة، ووالدته تملك متجراً للكريستال والأحفوريات، وعمه المهندس المعماري الرائد في مصر أنطون نحاس. تركت آثار مدينة جبيل الفينيقية، ومشهدية خان الخليلي والعمارة الإسلامية في القاهرة، والشكل الهندسي للهرم، أثراً عميقاً في تكوينه البصري، وعزز تنقله بين لبنان والقاهرة ونيويورك رؤيته المنفتحة على الشرق والغرب. درس الموسيقى ثم الرسم في مدرسة عينطورة، قبل أن يدفعه إعجابه بالتجريد الأميركي إلى اختيار السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث بدأ دراسته في جامعة لويزيانا، ثم نال ماجستير الفنون الجميلة من جامعة ييل عام 1973، حيث تتلمذ على آل هيلد Al Held، وتأثر بالتعبيرية التجريدية وأفكار كليمنت غرينبرغ، والتقى فنانين بارزين أمثال روبرت راوشنبرغ، ولاري بونز، وفرانك ستيلا، في مرحلة مفصلية صقلت مساره الفني. عكست أعماله الأولى ميلاً إلى التجريد الهندسي المستلهم من الزخرفة الإسلامية، التي حملت تأويلات جديدة إلى التجريد الأميركي منذ 1977. وقد اعتبر الناقد فنسنت كاتز هذا الإرث من أكثر جوانب تجربته إدهاشاً، مشيداً بطاقته الإبداعية المتدفقة. ثم اتجه نحو أسلوب الحافة الصلبة (Hard Edge)، لينتقل إلى الرسم على الأقمشة السوداء، مستحضراً علامات أحفورية ومناخات كونية كثيفة. وفي منتصف الثمانينيات، انشغل بقضايا الحجم والنسب (Scale)، مطعماً سطوحه بالذهب والأحمر، وموسعاً تجاربه مع المواد، لتشمل غبار الألماس والألمنيوم والتراب والأكريليك، مؤكداً أن المادة جسر بين الفن والحياة. عام 1991 شكل مشهد نجمات البحر على شاطئ ساوث همبتون منعطفاً حاسماً في أعماله، إذ ذكره بفكرة كانت تراوده في طفولته، وهي أن تلك النجوم هوت من السماء لتستوطن قاع البحر. بعد تجارب كثيرة تحولت النجمة الخماسية إلى موتيف مركزي في لوحاته. ومع إدخال معجون حجر الخفان وتقنيات التثبيت المتراكبة، بلغت أعماله كثافة نحتية عالية، جعلت سطح اللوحة أقرب إلى تضاريس حية، تستحضر في آن إيقاعات البحر والسماء والكون. حققت أعمال نحاس الأخيرة قفزات كبيرة ومفاجئة لا سيما بعد عودته إلى لبنان، حيث وجدت شجرة الأرز، برمزيتها العميقة، صداها المعاصر في أعماله، لا سيما بعدما أخرجها من أيقونيتها الثابتة، لتغدو رمزاً لهوية لبنانية مرنة: متجذرة في الأرض، مشرعة على الكون، معلقة بين صلابة البقاء وهشاشة التحول. المزيد عن: بينالي البندقية رسام لبناني تجهيز فني الهوية تجربة اللاحدود الإرث الحضاري 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء next post علي بردى يكتب عن: ترمب يتوعد كوبا بعد إنجاز الحرب مع إيران You may also like “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 March، 2026