عمارة يعقوبيان بطلة الرواية والفليم (سوشيل ميديا) ثقافة و فنون العمارة في السينما المصرية تعكس انحياز المخرجين by admin 14 مايو، 2026 written by admin 14 مايو، 2026 19 باحثون يرصدون ضوابط العلاقة بين الواقع والشاشة اندبندنت عربية / أريج جمال ينطلق كتاب “السينما… ليه؟ قراءة في التراث والهوية العُمرانية” (دار المرايا)، من إعداد وتحرير عمر زهران وطاهر عبدالغني، من السؤال حول الهوية العمرانية كما عكستها السينما المصرية، وما إذا كانت العلاقة في هذا الصدد هي نظر السينمائيين من قبيل لزوم ما يلزم في الصناعة السينمائية، أو كما يقولها صراحة المخرج يسري نصرالله في الحوار المنشور معه في نهاية الكتاب: “شاء المخرج أم أبى، ما إن يضع الكاميرا في الشارع حتى يسجل تفاصيل مرتبطة بشكل الشارع”. يبقى السؤال مشروعاً، ويُعيد تنبيهنا إلى أن التفكير في السينما، ليس وقفاً على صُناعها ولا نُقادها، مما يسمح بإضافة رؤى جديدة، ومساحات ملهِمة من الذاتية أو النقد الانطباعي، في التفكير حول العلاقة الأزلية بين الفن السابع والعمارة. تأمل فلسفي ينطوي الكتاب على “دعوة إلى تأمل فلسفي ومعماري، في كيف يمكن للصورة أن تحفظ، أن تُقاوِم، وأن تُعيد الإحياء”. بينما يثير طرح الموضوع أسئلة أخرى أكثر تفصيلية من نوع: هل السينما توثق الواقع؟ أم تُعيد إنتاجه من منظور سينمائي؟ لتظهَر إشكالية “الوساطة والذاتية، فالصورة تمر عبر نظرة المُصور أو المخرج، فمثلاً صورة المدينة قد تظهِر جمالها السياحي وتُخفي مظاهر الفقر، أو تركز في الدمار لتُنتج السردية السياسية”. والحال أن مسألة الذاتية تحديداً، تُذكرنا بالدور المحوري الذي لعبه يوسف شاهين مثلاً في التوثيق للإسكندرية أو للقاهرة بعدسة ذكرياته وتجربته الشخصية، ومنها فيلمه “إسكندرية… ليه؟ الذي يحتذي به عنوان هذا الكتاب. بين السينما والعمارة (دار المرايا) أما الاستخدام السياسي، والذي يثير أخيراً مزيداً من الإشكاليات مع طموح المخرجين الجدد للمُشاركة بأفلامهم في المهرجانات الدولية، فيذكرنا بعبارة الناقد السينمائي كمال رمزي: “لم تكن السينما يوماً بريئة”، أي إنها طالما انحازت إلى قضايا ووجهات نظر بعينها، ولم تكن يوماً محايدة، حتى في أشد أحوالها تسجيلية. ومع ذلك، هل ينبغي أن تتسم السينما أصلاً بالبراءة؟ وهل يمكن للفن وفي القلب منه فردانية صانعه، أن يدَّعي الحياد، وهو الذي يعيد بلورة العالم، عبر ذاتية هذا الفنان خصوصاً؟ المادي واللامادي يُفرّق الكتاب بين التراث المادي وهو العمارة التقليدية، المباني التاريخية، الشوارع القديمة، المعالم الأثرية والأسواق الشعبية، وغيرها من الرموز الحضرية، وبين التراث اللامادي من عادات وتقاليد، فنون شعبية، موسيقى، أمثال وطقوس اجتماعية ودينية، أنماط حياة يومية، وممارسات اجتماعية كحفلات الزفاف والمآتم والمناسبات العامة والخاصة. يتناول القسم الأول من الكتاب علاقة السينما بالتراث المادي، بينما يركِز القسم الثاني على توثيق السينما للتراث اللامادي ويمر على مواضيع طريفة وذكية، كموضوع “الأكل في السينما المصرية” وتبحثه ماجي حبيب، أو موضوع “الفنون الشعبية في السينما” الذي تُقدم رؤاها حوله مريم صلاح مرعي، أو البصمة التي تتركها مهرجانات السينما على المُدن التي تقام فيها، وتفحصها ميرنا ميخائيل. يستهل الباحث مُجيب الرحمن عامر القسم الأول بفصل عن “الفيلم كأرشيف للتراث المديني”، مُستنداً إلى اشتغال رولان بارت في كتابه “المُغامرة السيميولوجية” (1967)، وفيه يقدم الفيلسوف الفرنسي “أمثلة عن تمثيلات المدينة في الأدب ليصل إلى نتيجة جوهرية، وهي أن تعدد القراءات غير التقليدية للمدينة يساعد في استيعابها وفك رموز ما سماه كود المدينة أو شفرتها”. مما يُجيب جزئياً عن سؤال علاقة واقع المعمار بالأسلوب الفني في تصوير المدينة، الذي بدأت منه فكرة الكتاب. ويعترف مُجيب عامر بأن “الدراسات التي تناولت فك رموز المدينة عبر الصورة السينمائية تتسم بالندرة، خاصة مُقارنة بالدراسات التي تُفسر المدينة عبر الأعمال الأدبية”. عوامة “ثرثرة فوق النيل” (سوشيل ميديا) ويُعلل الباحث هذا القصور بحقيقة أن “الصورة السينمائية مرئية ومتحركة، ويصعب نقلها وتحليلها كتابياً بالموضوعية التي يتطلبها البحث العلمي”. السينما والواقع وتبرر هذه الإشارة انطلاق الباحثين من أسئلة قد لا تقبل بإجابات قطعية، بقدر ما توسّع أفق التفكير حول علاقة السينما بالواقع، وتُشدد على أهمية الكتاب بوصفه عملاً طموحاً يطرح أسئلة يمكن الاشتغال عليها بكثافة أكبر في المستقبل. تبحث منة الله الحسيني مثلاً “عجائبية وغرائبية القاهرة” في عدد من الأفلام المصرية، من بينها “البحث عن سيد مرزوق”، و”أرض الخوف” لداوود عبدالسيد، وذلك من منظور “فضاء المُمكن” لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. وفقاً له “يتألف الفضاء الاجتماعي المرتبط باستقلالية الفن من مجالات عدة، يُشبّهها بساحات اللعب، كمشابهة الأصل الإغريقي”. وهو ما يعني أن السينما يمكن أن تحوِّل التاريخ المعروف إلى ساحة للخيال، تخرج منها بخلاصات أشد شخصانية وأكثر ارتباطاً بأسئلة أبطالها الوجودية، عن وقائع التاريخ الحقيقية. اقرأ المزيد سينما مصرية “تتحدى المخاوف” على شواطئ جدة كيف أنتجت السينما مدن الواقع وخالفتها؟ وفي فصل آخر تقدم سلمى مبارك، وهي المسهمة الوحيدة المُتخصصة في السينما لا العمارة، رؤيتها للموضوع من منظور “الهوية العمرانية”، الذي ظهر في الستينيات، وسعى إلى قراءة المدينة “من خلال الوظائف الاجتماعية والرمزية للأشكال والمساحات العامة”. بحسب هذا المنظور “فإن الهوية العمرانية ليست في حالة ثابتة وموضوعية، بسبب التفاعلات اليومية بين البشر والمدينة”. إلى هذا، فهي تتغير وفقاً للزمن والتجربة الذاتية الفردية. وتبحث سلمى مبارك صورة القاهرة في قصص إبراهيم أصلان “وردية ليل”، مقارنة بصورتها في فيلم محمد خان القصير “البطيخة”. تجمع بين العملين تجربة اكتشاف المدينة عبر السير على القدمين. سياسات السينما في فصلهما المُشترك “بين المقاومة والمرونة، كيف واجهت المُجتمعات التحولات العمرانية عبر الزمن”، يتوقف عمر زهران وطاهر عبدالغني عند ما يسميانه “الحداثة الاستعمارية” في ثلاثية نجيب محفوظ السينمائية. إذ إن الشخصيات تتفاعل مع الفضاء العُمراني “الذي يتحول من الطابع التقليدي إلى الحديث، ويؤدي إلى إحداث تحول زمني سياسي في المشاهد المعمارية والعُمرانية”. وفي فيلم “ثرثرة فوق النيل” (1971) للمخرج حسين كمال والمأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، يُركزان على “العوَّامة” حسب التحليل العُمراني، “يتحول الفضاء المائي والنيل في الفيلم إلى فضاء عبور بين الحلم والواقع، بين الذاكرة والمحو. والمدينة وفق هذا المنظور، لم تعد مكاناً لإنتاج المعنى، بل أصبحت سطحاً للغياب”. ويستدعي الباحثان سينما عطيات الأبنودي، التي كانت تستحق في الواقع فصلاً مُستقلاً، إنما يمران عليها بخفة، وكذلك ما يُسميانه “السينما البديلة” من دون أن يشرحا ما قصدا بذلك، وبلا تعمّق حقيقي في الفكرة. ومن الفصول اللافتة، إسهام شيماء سمير عاشور وإبراهيم آب إمام عن “القرافة، جنة المهمشين في السينما المصرية، وجحيم البرجوازية المأزومة”. هنا يظهر رصد سينما الثمانينيات التجارية للتحولات التي طاولت المُجتمع المصري آنذاك، لا سيما أزمة الإسكان التي دفعت بالبعض إلى الالتجاء للسكنى في بيوت الآخرة. فقط ليصطدموا مجدداً بسياسة الإدارة الداخلية لهذه المقابر، ورموز السلطة الخاصة بها في علاقاتهم بسُلطة الحكومة. ويلفت هذا الفصل إلى غياب دور المُراقِب المُحلل في السينما المصرية التجارية الحالية التي تسيطر على غالبيتها أفلام الأكشن أو الكوميديا المنفصلة عن الواقع. التعاطف والوصم وفي الفصل المعنون “جدلية سرديات التعاطف والوصم: تحولات السينما المصرية في تمثيل قضايا الإسكان والعدالة المكانية في نصف قرن”، يُركِز أحمد زعزوع على علاقة التأثير المُتبادل بين الحكومة/مُتخذي القرارات وبين صُناع الأفلام، لنتذكر مُجدداً عبارة كمال رمزي بانعدام براءة السينما. يرى زعزوع مثلاً أن صناعة السينما التجارية التقطت الخيط من تعامل الإعلام المصري مع “العشوائيات” كحاضنة للانحلال الأخلاقي والفكري، وروج صُناعها في أفلام كثيرة لا سيما خلال العقد الأول من الألفية الثانية لخطورة هذه المناطق. كما جرى في فيلم خالد يوسف “حين ميْسرة” (2007)، الذي انتهى بعد وصم الحيّ العشوائي إلى نسفه وإزالته من الوجود، كأنما هو منبع الشرور. بينما يرى الباحث أن هذه المجتمعات “تمثل امتداداً منطقياً ومرناً ومتجذراً في النسيج العمراني والاجتماعي والتقليدي لمصر، وقد تشكلت كرد فعل للسياسات العمرانية الاقتصادية التي لم تأخذ في الاعتبار الطلب المتزايد على السكن الميسور، على مر العقود السابقة”. وتأتي خاتمة الكتاب بحوار المُحرريْن مع يسري نصرالله، لتُعيد ربما وضع النقاط فوق الحروف، في ما يتعلق بأسئلة السينما التي يتناولها الكتاب. نصرالله يملك الجرأة ليقول “إن التراث في نظري، ليس الجدران ذاتها، بل الناس الذين يسكنونها، والذين لن يكونوا موجودين بعد ذلك، هُم التراث الحقيقي”. المزيد عن: السينما المصرية العمارة أفلام مخرجون كتاب الإنحياز الواقع الشاشة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عندما “فرنَسَ” هوغو وغونو عوالم شكسبير next post كالدر… السائر على الحبل المشدود بين الفن والحياة You may also like العرافة الفرنسية فينوس “تكهرب” جمهور مهرجان كان 14 مايو، 2026 كالدر… السائر على الحبل المشدود بين الفن والحياة 14 مايو، 2026 عندما “فرنَسَ” هوغو وغونو عوالم شكسبير 14 مايو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: نقوش تصويرية من قصر... 13 مايو، 2026 مهرجان كان ينطلق مثقلاً بأسئلة الحروب ومستقبل السينما 13 مايو، 2026 فخ الذاكرة ولعنة الماضي في “متحف الأخطاء” 13 مايو، 2026 معرض الرباط للكتاب “يجامل” فرنسا و”يستعين” بالمشاهير 13 مايو، 2026 بين ديغول وتشرشل… لقاء وافتراق 13 مايو، 2026 عباس بيضون…البحر من الطابق الثامن 12 مايو، 2026 رحيل عبدالرحمن أبو زهرة “الابن الأصيل” للفن المصري 12 مايو، 2026