بلينيوس الأكبر في رسم قديم (الموسوعة البريطانية) ثقافة و فنون إغريقي جمع المعارف القديمة وحررها المسلمون من الخرافة by admin 8 نوفمبر، 2025 written by admin 8 نوفمبر، 2025 52 بلينيوس الأكبر و”التاريخ الطبيعي”: موسوعة العالم الشاملة وعقل الطبيعة الأولى اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب في تاريخ الفكر الإنساني هناك كتب لا تكتفي بأن تنتمي إلى عصرها بل تشكل ذاكرة برسم العصور كلها. ومن بين هذه الكتب تقف موسوعة “التاريخ الطبيعي” للاتيني بلينيوس الأكبر، باعتبارها أحد أعظم مشاريع المعرفة في العالم القديم، وواحدة من أكثرها طموحاً في محاولة مبكرة بالتأكيد للإحاطة بالطبيعة والإنسان في آن واحد. لقد أراد بلينيوس، المفكر الروماني الذي عاش في القرن الميلادي الأول (بين 23 – 79 م)، أن يكتب مؤلفاً يجمع “كل ما عرف عن الكون” حتى عصره، فجاء عمله في 37 كتاباً يضم ما يمكن اعتباره أول موسوعة علمية بالمعنى الإنساني للكلمة. والمعروف أن بلينيوس ولد في منطقة كومو في إيطاليا وتلقى علومه في روما حيث برزت لديه نزعة الفضول العلمي زمن كانت الإمبراطورية الرومانية تعيش عز ازدهارها. كان عصر نيرون وفيسباسيان وتيتوس، عصر الثروة والقوة، لكنه صار أيضاً عصر الخوف من الفناء والحنين إلى فهم النظام الكوني. في هذا المناخ ازدهرت إذاً الكتابات الموسوعية التي تحاول أن تلخص العالم أو تثبته في سياق واحد. ولقد جمع بلينيوس الذي كان ضابطاً وكاتباً وإدارياً، بين عقل رجل الدولة وشغف الفيلسوف، فحول معرفته الواسعة إلى مشروع ضخم يرصد “كل ما في الطبيعة من أشياء تستحق أن تعرف”. مجمل فروع المعرفة تتوزع موسوعة “التاريخ الطبيعي” كما قلنا، على 37 كتاباً تغطي تقريباً كل فروع المعرفة التي كانت حاضرة لدى الدارسين وعموم القراء آنذاك: من الفلك والكونيات إلى الجغرافيا وعلم النبات والحيوان وعلم المعادن والطب والفنون والآداب، وصولاً حتى إلى الأساطير. ويبدأ بلينيوس على أية حال بالحديث عن الكون والآلهة والنجوم، ثم ينتقل إلى الأرض ومناخاتها، فالحيوان والنبات والمعادن والأحجار الكريمة ليختتم نصوصه بالفنون والتاريخ الإنساني. وكل مجال عنده يرتبط بالآخر، وذلك لأن المعرفة عنده وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة، والطبيعة في نظره كيان حي يتنفس ويتبدل، لكنها تظل محكومة بعقل إلهي منظم. ولم يكن هدف بلينيوس التعبير عن أي تخصص علمي دقيق بقدر ما كان يسعى إلى تجميع المعرفة في نسق شامل، ولذا يقال إن كتابه ليس علمياً بالمعنى الحديث، بل هو كتاب موسوعي بالمعنى الكلاسيكي، إنه صورة العقل القديم في سعيه إلى فهم كل شيء دفعة واحدة. ويعتمد بلينيوس في مصادره على أكثر من 1000 مصدر تعود إلى المؤلفين الإغريق والرومان، بدءاً من أرسطو وثيوفراسطوس في علوم الحيوان والنبات، وصولاً إلى المؤرخين والرحالة والأطباء المتجولين، وهو يحرص على الإشارة إلى مصادره في مقدمته مما يجعل كتابه من أوائل النصوص التي تمارس نوعاً من “النزاهة العلمية” في الإحالة والتوثيق. أسير زمنه غير أن اعتماد بلينيوس الواسع هذا على النقل يجعله في الوقت نفسه أسيراً لحدود معارف عصره، فهو يخلط أحياناً بين الواقع والأسطورة، وبين التجربة والمرويات. ومع ذلك فإن ما يميزه هو النية الموسوعية الصافية، أي الرغبة في ألا يترك شيئاً من المعرفة خارج كتابه، وهو يعبر عن هذا بقول له بات مأثوراً مع مرور الزمن: “ليس ثمة في الطبيعة ما يمكننا اعتباره ثانوي الأهمية، لأن كل ما فيها يستحق النظر والتمحيص”. والحال أن هذا ما يسهل علينا، على سبيل المثال أن نلاحظ في “التاريخ الطبيعي” تصوراً عميقاً للطبيعة بوصفها كائناً له عقل وترتيب وليس مجرد مجموع من الظواهر، فالحقيقة عند بلينيوس ليست معنى جامداً، بل كيان يتحدث بلغة الرموز. من هنا لم يكن هدفه وصف الظواهر فحسب، بل قراءة المعنى الذي تومئ هي إليه، فهو في حديثه عن الحجارة الكريمة مثلاً، لا يكتفي بذكر خصائصها الفيزيائية، بل يربطها بالفضائل الأخلاقية أو الطاقات الروحية التي يعتقد أنها تتضمنها. وهكذا نرى كيف يختلط العلم بالميتافيزيقا في فكر بلينيوس، على نحو يعكس روح العصر القديم الذي لم يكن يعرف، بعد، الفصل بين الملاحظة العلمية والتأمل الفلسفي. لوحة تمثل وفاة بلينيوس الأكبر، قرب بركان فيزوف عند فورانه، وأدى اقترابه منه إلى اختناقه (الموسوعة البريطانية) حضور لألف عام لقد ظل كتاب بلينيوس لأكثر من 1000 عام المرجع الأساس في ما يتعلق بالطبيعة والطب والنبات على رغم الكم الهائل من الخرافات التي تملأه حتى في ما يتعلق بالطبيعة والطب والنبات والمعادن. وهو في العصور الوسطى كان يقرأ في الأديرة والمدارس بوصفه المصدر الأول والأشمل للمعرفة، ومع عصر النهضة عاد الاهتمام به من جديد، إذ اعتبر النموذج الأول للفكرة الموسوعية نفسها تلك التي ستبلغ ذروتها لاحقاً مع موسوعة ديرو ودالمبير الفرنسية، في القرن الـ18، وحتى العلماء المحدثون – مثل كبلر وغاليليو – عرفوا كيف ينظرون إلى بلينيوس بكل احترام وإن انتقدوه لخلطه العلم بالأسطورة، فهو على رغم بدائية معلوماته، وضع الأساس لفكرة أن المعرفة يمكن جمعها وتصنيفها ونقلها، أي لفكرة “العلم بوصفه موسوعة”. حاضر عندنا بالمواربة وبقي أن نشير أخيراً إلى أن كتاب “التاريخ الطبيعي” هذا لم يصل أبداً إلى العالم الإسلامي بترجمة كاملة، لكن أثره تسلل إلى الثقافة العربية من طريق القنوات اليونانية التي غذت حركة الترجمة في العصر العباسي، فقد كان بلينيوس أحد أهم مصادر المعرفة الطبيعية عند العلماء الإغريق الذين ترجمت أعمالهم إلى العربية ولا سيما أرسطو وثيوفراطوس وغالينوس الذين اقتبسوا منه أو نقلوا عنه أخبار المعادن والنباتات والعقاقير. وهكذا دخلت أفكاره إلى التصور الإسلامي للطبيعة بصورة غير مباشرة، وضمن ما يمكن تسميته “تراث الطبيعة القديم” الذي أعاد المسلمون صياغته بلغة جديدة عقلية وتجريبية. ففي كتب الجاحظ وابن سينا والبيروني وابن البيطار يمكن تلمس صدى أسلوب بلينيوس في الجمع بين الوصف العلمي والملاحظة الأدبية، وفي النظرة الموضوعية التي ترى الكون نظاماً من العلاقات لا مجرد قائمة من الكيانات، غير أن العلماء المسلمين تجاوزوه منهجياً فاستبدلوا بالنقل الملاحظة والتجربة، وقرروا تحرير دراسة الطبيعة من الخرافة التي رأينا كيف أن موسوعته لا تخلو منها. ومع ذلك يبقى “التاريخ الطبيعي” رمزاً مبكراً لفكرة جمع العلوم في كتاب ضخم واحد وهو ما وجد صداه العميق في موسوعات إخوان الصفا وكتابات علماء الأندلس، وبهذا المعنى يمكن اعتبار بلينيوس وإن من بعيد، أحد الأسلاف الروحيين للموسوعيين الكبار في الحضارة الإسلامية. المزيد عن: بلينيوس الأكبرالمعارف القديمةالإمبراطورية الرومانيةعصر نيرونغاليليوالتاريخ الطبيعيالعصر العباسيحركة الترجمة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “بيت الديناميت”… رؤية سينمائية لنهاية العالم next post لوران موفينيه يخطف “غونكور” برواية تفتح باب الذكريات You may also like السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة 10 مارس، 2026 فاطمة أيديمير تروي دراما الاغتراب في أوروبا 10 مارس، 2026 أدورنو يحتج على تشييء الفنون وابتذالية الفكر الاحتجاجي 10 مارس، 2026 “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026