مشهد من فيلم مقتبس عن رواية _العميل السري_ (موقع الفيلم) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: كونراد “يهجو” الأبطال في “عميله السري” by admin 8 يوليو، 2026 written by admin 8 يوليو، 2026 18 فيرلوك في الرواية لا يملك الحماسة الثورية ولا الإيمان العقائدي ولا حتى الكفاءة الإجرامية فهو مجرد موظف يؤدي أدواراً متناقضة من دون اقتناع اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب حتى الكاتب الإنجليزي من أصول أرستقراطية بولندية لم يتمكن من أن يخبرنا أبداً ما الذي دعاه بعد أن اشتغل طوال السنوات الأولى من القرن العشرين على إصداره عدة روايات كتبت له حكاية مجده الأدبية الكبير، لأن ينصرف فجأة إلى إنتاج روايتين “بائستين” كان يمكن أن تكون لكل منهما قيمة كبيرة في حد ذاتها لو أنها كتبت في ظروف أخرى. فنحن نعرف أن جوزف كونراد ما إن أطل القرن العشرون تباعاً وأحس أنه يقترب من الخمسين من عمره بخطوات حثيثة حتى “انتفض على نفسه” وكتب وأصدر تباعاً ما لا يقل عن أربع روايات افتتح بها القرن العشرين وأدب المغامرات الكبرى مع نبرة فكرية لكل منها تبعث حياة جديدة في دنيا ذلك النوع الشعبي من الكتابة. فهو أصدر “الشباب” في عام 1902 ليتبعها بتحفته “في قلب الظلمات” أواخر العام نفسه، ثم يتلوهما برواية “إعصار” في العام التالي 1903، فالتحفة الأخرى “نوسترومو” في عام 1904. وهكذا، خلال أربع سنوات فقط تعرف قراء كونراد على ما سوف يعتبر لاحقاً قمة مساره الأدبي، فإن أضفنا إلى ذلك الرباعي روايته “لورد جيم” التي كانت سبقتها بعامين سنجدنا أمام دهشة ما بعدها من دهشة، وأمام متن أدبي قلما قيض لأديب من هذا النمط خلال مسار طويل جداً من حياته. ومن هنا يأتي السؤال المحير والذي لا يمكننا البحث عن جواب عليه حتى لدى صاحب العلاقة نفسه: كيف إذاً ختم تلك المرحلة من حياته بروايتين، قد تكون لكل منهما قيمتها الخاصة إنما شديدة الخصوصية ولكن في انفصال تام عن تلك الممهدات؟. ونتحدث هنا طبعاً عن الروايتين الكونراديتين الموصوفتين عادة بكونهما روايتيه الأكثر سياسية مع أن من الصعب العثور على الكثير مما يبرر ذلك في أي منهما: “العميل السري” (1907)، و”تحت عيون الغرب” بعدها بأربع سنوات (1911). جوزيف كونراد (1857 – 1924) (غيتي) بعد تردد محير وهنا قبل أن نفرد حديثنا لرواية “العميل السري” – التي قد تعتبر على أية حال، من أشهر روايات كونراد، على رغم رأينا الذي يكاد يكون سلبياً فيها – قد لا يكون ثمة مفر من أن نلاحظ اتساع المسافة الزمنية المتعلقة بإنجاز كل من هاتين الروايتين وبين صدور واحدة منهما والأخرى، مما قد يشي يتباطؤ مقصود من قبل الكاتب وبتردد وبعجز عن مواصلة العمل بنفس الحماسة التي كانت تحركه في ما يتعلق بالروايات الأربع السابقة. غير أننا لن نتوقف طويلاً عند هذه الجزئية هنا، لأن ما يهمنا أكثر إنما هو التوقف بأطول ما يمكننا عند “العميل السري” التي قد لا تكون في نهاية الأمر، لا بالسوء الذي نرصده فيها ولا بالسطحية التي قد ترشح منها أول الأمر. بل ربما يكون من سماتها قدر غير متوقع من حداثة أدبية وفكرية غير محسوبة حتى من لدن الكاتب نفسه. وهذا ما سوف نحاول في ما يلي البحث عنه وإثارة الاهتمام به، ولو من خلال طرح رهط من أسئلة محيرة أكثر مما من خلال الزعم بالعثور على يقينيات مطلقة. ومن هنا سنبدأ حديثنا عن هذه الرواية بفرضية تشي بأنها رواية ساخرة بأكثر مما هي نص درامي كما قد توحي لأول وهلة. ولعل السؤال الأساسي الذي قد يكون من الأفضل الانطلاق منه هو التالي: هل يمكننا قراءة هذه الرواية بوصفها قبل أي شيء آخر، نصاً يسخر من بطله أو يشفق عليه بأكثر مما يلوح منه أول الأمر؟ والحقيقة أننا ما إن نطرح على أنفسنا هذا السؤال حتى يتبدى لنا بالغ الأهمية إذ نكتشف أنه يلامس على الفور إحدى أكثر مسائل عملية التلقي أهمية وذلك لأن الجواب المفاجئ سيكون: أجل إن الرواية نفسها تدعو إلى هذا النوع من القراءة ولو بشيء من الحذر. إحدى طبعات “العميل السري” (أمازون) “بطل غير عادي” فالحقيقة أن أدولف فيرلوك، الشخصية المحورية في “العميل السري”، لا يقدم لنا في الرواية كبطل بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه في المقابل ليس شريراً بالمعنى المطلق. إنه رجل صغير. كسول. يفتقر إلى الخيال، ويعيش على هامش السياسة على رغم اندماج حياته بها. واللافت هو أن الكاتب يحرمه حتى مما يعرف بالبطولة السلبية. فهو لا يملك حتى الحماسة الثورية ولا الإيمان العقائدي، ولا حتى الكفاءة الإجرامية. إنه مجرد موظف يؤدي أدواراً متناقضة من دون اقتناع. ومن الواضح أن أي شيء من صفات فيرلوك لا يغيب عن مبدعه بل إن هذا الأخير لا يتوقف عن السخرية من “بطله” بوسائل متنوعة. فهو يصفه ببرودة تكاد تكون مخبرية، فلا يمنحه الهالة التي اعتاد الأدب أن يمنحها عادة للجواسيس أو للثوار. وهو يجعل المؤامرة التي يطلب الرؤساء من فيرلوك الاشتغال عليها وصولاً إلى التخريب المطلوب، مؤامرة قائمة على سوء تقدير وبيروقراطية عبثية أكثر من كونها قائمة على عقل تنظيمي إجرامي ذكي. ثم إنه يحول الإرهاب نفسه إلى فعل تافه تديره شخصيات شيطانية مبتذلة. ومن هنا لم يعدم الأمر نقاداً رأوا أن الرواية تكاد تكون في جوهرها نوعاً من الهجاء لفكرة الإرهابي الرومانسي. ولكن في المقابل علينا أن نتنبه إلى أن كونراد، وفي رأي النقاد أنفسهم، لا يتعامل مع فيرلوك بازدراء. ففيرلوك هو أيضاً ضحية، ضحية لأجهزة الدولة التي تستخدمه ثم تتخلى عنه حين لا يعود مفيداً لها. وهو ضحية للوسط السياسي الذي لا يؤمن بشيء قدر إيمانه بالمناورات. لكنه قبل هذا وذلك، ضحية ضعف شخصيته وافتقاره إلى الارادة. اقرأ المزيد كونراد ومادوكس فورد… توهج الشراكة وانطفاؤها بين كونراد وفلوبير و”أحلام” الاستعماري المجهضة هشاشة الانسان ولعل المأساة الحقيقية التي تسير حياة فيرلوك ومصيره لا تقع عليه وحده، بل على أسرته كلها وأسرة زوجته ويني بشكل خاص، علماً بأن ويني هي مفتاح تلك الحكاية كلها. فكل ما يهم ويني من فيرلوك وعمله هو أن يساعد على تقويم أوضاع أخيها الضعيف والمنهك الذي تريد أن تنقله من كونه عبئاً عليها إلى أن يضحي عبئاً على فيرلوك. وبفضل هذا الانزياح المرغوب، تتحول العملية السلبية في الرواية بأسرها إلى تلك المأساة الإنسانية التي سيجد القارئ نفسه غائصاً فيها. وهنا إذ يمكن أن يشعر القارئ أن كونراد قد يمنح فيرلوك تعاطفاً لا يستأهله قد يتحمل الأمر تفسيرات أخرى: كونراد لا يشفق على فيرلوك بوصفه فرداً، بل يشفق على هشاشة الإنسان العادي فيه، الإنسان العادي عندما يجد نفسه داخل منظومات سياسية لا يفهمها ولا يسيطر عليها. ففيرلوك ليس مأساوياً لأنه نبيل سقط بل لأنه تافه. وهذه من أصعب أنواع المأسي في الأدب الحديث، ما من شأنه أن يذكرنا ليس فقط بشخصيات نعثر عليها لدى كافكا، بل أكثر من هذا بإيخمان الذي سوف نعثر عليه تحت قلم… حنة آرندت. والحال أننا إذ نصل في تفاصيل حديثنا هنا إلى هذا المستوى سيتعين علينا أن نعيد قراءة “العميل السري” من جديد من دون أن نهتم كثيراً بما إذا كان جوزيف كونراد (1757 – 1942) قد قرأ كافكا أم لم يقرأه، أو أن يكون قد مات قبل أربعين سنة من اندلاع حكاية إيخمان في القدس وكتاب حنة آرندت عنه. المزيد عن: جوزف كونراد كافكا حنة آرندت الأدب الإنجليزي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أنتوني كاثبرتسون في “اندبندنت عربية”: “السيناريو النووي” للحرب السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي next post مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: هل تفسر الفلسفة تقدم العالم وتراجعه في وقت واحد؟ You may also like في “الشرق الاوسط”: لبنان يطلق سراح فضل شاكر... 9 يوليو، 2026 متمرد برازيلي بطلا لمسرحية “جانجا زومبي” المصرية 9 يوليو، 2026 هوفيك حبشيان في “اندبندنت عربية”: هوليوود والوعي الجمعي… صناعة... 8 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: هل تفسر الفلسفة... 8 يوليو، 2026 رحيل مايك والاس… مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى... 8 يوليو، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الاوسط”: فسيفساء قصر هشام... 8 يوليو، 2026 قصص هدى حمد ترفض الحلول في مجموعة “لا... 7 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: الرواية والحلم الأميركي..... 7 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: هل كان الموسيقي... 7 يوليو، 2026 في “المجلة”: سبيلبرغ دون سبيلبرغ في “يوم الحقيقة” 7 يوليو، 2026