المجلة / كون كوخلين
قد لا يكون ستيفن ميلر مسؤولا منتخبا، غير أن موقعه في الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، جعله في نظر كثيرين القوة الفكرية الدافعة خلف أجندة “أميركا أولا” ذات الطابع الاستقطابي الحاد.
ويتمتع ميلر، المعروف بولائه المطلق لترمب، بميزة نادرة تمثلت في خدمته في إدارتي ترمب معا. وغالبا ما يتصدر المشهد لتبرير القرارات الأكثر إثارة للجدل، متكفلا بصوغ الأسس النظرية والسياسية التي تقوم عليها خيارات الرئيس. ومنذ الأيام الأولى للعام، سارع ميلر، الذي يشغل رسميا منصب نائب كبير موظفي البيت الأبيض للسياسات، إلى الدفاع عن قرار ترمب استخدام القوة العسكرية لإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى مركز احتجاز في نيويورك لمحاكمتهما بتهم الإتجار بالمخدرات.
وقد قدّم التدخل العسكري الأميركي بوصفه السبيل الأنجع للتصدي لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، ووسيلة للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين. كما دافع بلا تحفظ عن إعلان ترمب أن واشنطن ستتولى إدارة فنزويلا مؤقتا إلى أن تستعيد البلاد استقرارها بعد عقود من سوء الحكم.
وكان أكثر مباشرة حين تولى الدفاع عن مطالبة ترمب، بأن تتولى الولايات المتحدة السيطرة على جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي، وهو طرح أثار استياء عميقا لدى حلفاء واشنطن في “حلف شمال الأطلسي”، في أوروبا وكندا.
وبعيدا عن حضوره الإعلامي في الدفاع عن قرارات البيت الأبيض، يُنظر إلى ميلر، الذي يعمل عن كثب مع سوزي وايلز، كبيرة موظفي ترمب، بوصفه المحرك الأساسي لعدد كبير من سياسات الإدارة. وتوصف مواقفه بالتشدد، حتى بالقياس إلى مقاييس الرئيس نفسه.
ويُنسب إليه أنه مهندس الحملة الصارمة ضد الهجرة، إذ دفع نحو تضييق مسارات الهجرة القانونية، وقاد التوجه لنشر عناصر وكالة الهجرة والجمارك في مدن أميركية كبرى، لفرض تطبيق صارم لقوانين الهجرة.
ويمتد نفوذه داخل الإدارة ليشمل معظم الملفات الكبرى، من الهجرة والأمن الداخلي إلى إنفاذ القانون والسياسة الخارجية والتجارة والتعليم. ويذهب منتقدوه إلى أن كثيرا من السياسات المثيرة للجدل في الولاية الثانية لترمب تُصاغ في مكتب ميلر قبل أن تُعلن من المكتب البيضاوي.
بعيدا عن حضوره الإعلامي في الدفاع عن قرارات البيت الأبيض، يُنظر إلى ميلر، الذي يعمل عن كثب مع سوزي وايلز، كبيرة موظفي ترمب، بوصفه المحرك الأساسي لعدد كبير من سياسات الإدارة
وقد أقر ترمب مرارا بأهمية الدور الذي يؤديه مستشاره، مقدما إياه في التجمعات الانتخابية بعبارة “ستيفن ميلر العظيم”. ويُعد ميلر من أكثر مستشاري ترمب قربا وثقة، ومن أطولهم بقاء في موقعه. فقد انضم إلى حملة ترمب الأولى في يناير/كانون الثاني 2016، وفي وقت غادر فيه كثير من المعينين مناصبهم خلال العام الأول من الولاية الأولى، حافظ ميلر على موقعه، ليكون من بين القلة الذين خدموا في الولايتين معا.
ويقال إن الرجلين نسجا علاقة عمل وثيقة، إذ يجتمعان يوميا برفقة كبيرة موظفي ترمب، سوزي وايلز، لمراجعة جدول الرئيس، والاطلاع على الأوامر التنفيذية المقرر توقيعها. ويعكس موقع ميلر في قلب آلية القرار ما قاله ترمب عنه، واصفا أكثر رجاله ولاء بأنه يقف “في الصدارة” بين أعضاء إدارته. وكشفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، مؤخرا أن عبارة تتردد باستمرار في المكتب البيضاوي: “أين ستيفن؟ قولوا له أن ينجز ذلك”.

أ.ف.ب / ترمب، إلى جانب (من اليسار إلى اليمين) نائب رئيس الموظفين ستيفن ميلر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغست، يتحدث إلى الصحافة عقب العمليات العسكرية الأمريكية في فنزويلا
ومن بين مهامه الرئيسة أيضا أداء دور حلقة الوصل بين البيت الأبيض والكونغرس، حيث يطلع المشرعين على خطط الرئيس، ويشرح لهم مساراتها التنفيذية.
ويقول جمهوريون إن ميلر ظل على تواصل شبه يومي مع ترمب حتى خلال السنوات الأربع، التي كان فيها خارج الحكم. غير أن نفوذه لا يرتبط بقربه من الرئيس فحسب، بل يتصل أيضا باتساع صلاحياته وتدخله في ملفات قد لا يتوقعها كثيرون، من بينها المواجهة التي تخوضها إدارة ترمب، مع قطاع التعليم العالي وجامعة “هارفارد”.
وبرز ميلر بصورة خاصة في الدفاع عن طرح الإدارة بأن الاستحواذ على غرينلاند يمثل “ضرورة” للأمن القومي الأميركي. وقال في مقابلة مع شون هانيتي على “فوكس نيوز”، مبررا مقترح ترمب للسيطرة على الجزيرة القطبية: “المجال الجديد للمنافسة الدولية سيكون المنافسة القطبية. هناك تُنفق موارد متزايدة من قبل خصومنا ومنافسينا سعيا للسيطرة على الحركة والملاحة ومسارات العبور في المنطقة القطبية”.
وأضاف أن الدنمارك “لا تستطيع الدفاع” عن غرينلاند، مشيرا إلى ضعف قدراتها العسكرية والاقتصادية، وبالتالي لا يحق لها المطالبة بالأرض. وقال: “لكي تسيطر على إقليم، عليك أن تكون قادرا على الدفاع عنه وتطويره وإعماره. وقد فشلت الدنمارك في كل هذه الاختبارات”.
“السلاح والجريمة والحرية”
نشأ ميلر في عائلة يهودية ليبرالية سياسيا في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا. ويُروى أنه اتجه إلى الفكر المحافظ بعد قراءته كتاب “السلاح والجريمة والحرية” الصادر عام 1994 لواين لابيار، أحد أبرز وجوه جماعة الضغط القوية “الرابطة الوطنية للأسلحة”.
وفي المرحلة الثانوية، كان من أشد المنتقدين لما اعتبره نزعة ليبرالية في مدرسته، وبدأ يظهر في برامج إذاعية محافظة. ثم التحق بجامعة “ديوك”، حيث درس العلوم السياسية، وكتب عمودا بعنوان “ميلر تايم” في صحيفة الجامعة “ذا كرونيكل”. وبحسب عدد من زملائه السابقين، فقد تبنى دور المستفز، وكانت مقالاته تثير انقساما حادا.
وبعد تخرجه عام 2007، اتجه إلى العمل السياسي الجمهوري، فعمل مساعدا في الكونغرس. وفي عام 2009 بدأ العمل مع السيناتور جيف سيشنز من آلاباما، المعروف بمواقفه المناهضة للهجرة. ومع الوقت أصبح رئيسا للاتصالات، ويقال إنه شجع سيشنز على تبني خطاب أكثر صداما، وكان يزوده باستمرار بنقاط الحديث.
وكانت مواقف ميلر من ملف الهجرة، تجد صدى لدى ستيف بانون، أحد أبرز وجوه موقع “برايتبارت” المحافظ، وكثيرا ما عمل الثلاثة في تنسيق وثيق لدفع رؤيتهم السياسية إلى الواجهة. ويُنسب إليهم أنهم مهدوا الأرضية الفكرية والسياسية، التي أسهمت في إيصال ترمب إلى البيت الأبيض عام 2016.
وخلال السباق الرئاسي في ذلك العام، انضم ميلر إلى حملة ترمب مستشارا للسياسات. وكان بانون ضمن فريق الحملة، فيما كان جيف سيشنز أول سيناتور يعلن تأييده لترمب. ثم تولى ميلر كتابة الخطابات، واعتلى المنصة أحيانا لتمهيد الطريق قبل ظهور ترمب في التجمعات الانتخابية. وبعد الفوز، عُيّن مستشارا أول للسياسات في الإدارة، وتصدرت صياغة سياسة الهجرة جدول أعماله. وكان من أبرز المدافعين عن سياسة فصل الأطفال عن ذويهم، ممن عبروا الحدود الأميركية المكسيكية بصورة غير قانونية، كما دعم ما عُرف بـ”حظر السفر” الذي قيّد دخول مواطني عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الولايات المتحدة.
وفي عام 2020 تزوج ميلر من كايتي وولدمن، مسؤولة الاتصالات في واشنطن التي عملت ناطقة باسم مايك بنس، نائب ترمب في ولايته الأولى. وأقيم حفل الزفاف في “فندق ترمب الدولي” في واشنطن، وحضر ترمب شخصيا ليرفع نخب العروسين. وقال في كلمته، وفق ما أوردته “فانيتي فير” من أنه “الوحيد الذي يمكنه إقامة حفل زفاف في عطلة يوم الرؤساء”.
دأب حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم، الذي يُنظر إليه على أنه مرشح محتمل لانتخابات 2028، على وصف ميلر بـ”فولدمورت” الشخصية التي تجسد الشر في روايات “هاري بوتر”
وفي العام نفسه خسر ترمب سعيه لولاية ثانية، وغادر ميلر البيت الأبيض في العام التالي. ثم أسس عام 2021 مؤسسة “أميركا أولا القانونية” وقال في بيان الإعلان عنها: “من يؤمنون بأميركا أولا يجب أن لا يترددوا في استخدام نظامنا القانوني للدفاع عن مجتمعنا وعائلاتنا من أي ممارسات غير قانونية من قبل اليسار”. ولاحقا اضطلع بدور محوري في حملة ترمب الرئاسية لعام 2024. ومن بين إطلالاته الداعمة مشاركته في تجمع بنيويورك خلال أكتوبر/تشرين الأول، حيث قال: “أميركا للأميركيين، وللأميركيين وحدهم”.
وواصل إسهامه في بلورة سياسة الهجرة، وكان من أبرز وعود ترمب الانتخابية تنفيذ عمليات ترحيل جماعية للعمال غير الموثقين. وبعد الفوز، أعلن ترمب تعيين ميلر نائبا لكبير موظفي البيت الأبيض للسياسات، إلى جانب تكليفه بمهام مستشار الأمن الداخلي، وهما منصبان لا يتطلبان موافقة مجلس الشيوخ. وتسلّم مهامه في 20 يناير/ كانون الثاني 2025.
ويعي ترمب أن بروز عائلة ميلر في الفضاء العام قد يحمل وجها مزدوجا لإدارته. فبينما يحظى خطابهم بقبول لدى الجناح اليميني المتشدد في “الحزب الجمهوري”، تتصاعد انتقادات خصوم ترمب لما يرونه تشددا مفرطا في مواقفهما.
وقد دأب حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم، الذي يُنظر إليه على أنه مرشح محتمل لانتخابات 2028، على وصف ميلر بـ”فولدمورت” الشخصية التي تجسد الشر في روايات “هاري بوتر”.
ومع ذلك، ما دام ميلر يتمتع بثقة ترمب ودعمه الصريح، فسيظل أحد أكثر رجالات الإدارة حضورا ونفوذا وتأثيرا في مسارها السياسي.
المزيد عن: ترمب الولايات المتحدة بروفايل
]]>

اندبندنت عربية / دنيز رحمة فخري صحافية @deniserf_123
منذ عام 1992، يتربع نبيه بري على رأس مجلس النواب اللبناني، في ولاية متجددة لم تشهد منافساً جدياً، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وهو للمفارقة بات رئيس مجلس النواب الذي يبقى في منصبه لأطول فترة في التاريخ.
فرئاسة مجلس النواب اللبناني، المخصصة بحسب الدستور للطائفة الشيعية، تميزت بمرحلتين واضحتين، ما قبل الطائف (1990)، إذ كان الانتخاب سنوياً، وما بعد الطائف، إذ أصبح الرئيس ينتخب لكامل الولاية النيابية (أربع سنوات).
ويشكل الرئيس بري حالة استثنائية بكونه الرئيس الوحيد للمجلس منذ نحو 33 سنة، عاصر خلالها أحداثاً تاريخية ومفصلية، وأزمات سياسية وحروباً ونزاعات واحتلالات، محافظاً على موقعه كأحد أبرز صناع القرار في لبنان.
لكن ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية فإن السؤال الذي يتردد في الأروقة السياسية، الذي يتجنب الجميع طرحه علناً: ماذا بعد بري؟ هل هناك تحضيرات جدية في صفوف حركة أمل ومع “حزب الله” لمرحلة ما بعده، أم أن الموضوع يبقى من المحظورات ما دام أن الرئيس على قيد الحياة؟ وهل يكفي أن يفوز نائب شيعي من خارج “الثنائي الشيعي” (أي “حزب الله” وحركة “أمل”) لتنتخبه الأكثرية النيابية بدلاً عن بري؟

منذ عام 1992، يتربع نبيه بري على رأس مجلس النواب اللبناني (ا ف ب)
الاستحقاق الأصعب
يبلغ الرئيس بري اليوم 88 سنة، واستمراريته في منصبه لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة معادلة معقدة تجمع بين أحادية القرار داخل الطائفة الشيعية عبر حركة “أمل” وتحالفاتها، والتفاهم الاستراتيجي مع “حزب الله”، وتخطيط دؤوب ومستمر لعدم السماح بأي خرق شيعي للثنائي داخل البرلمان، إضافة إلى العلاقات المتشعبة التي أتقن بري نسجها على مر السنوات الـ33 مع مختلف القوى اللبنانية، حتى مع الخصوم في بعض الحالات.
وقد تكون خلافته من أصعب الاستحقاقات التي سيواجهها لبنان في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن موقع رئاسة المجلس ليس مجرد منصب بروتوكولي، بل هو مفصل أساس في النظام اللبناني، وورقة ضرورية يتمسك فيها “الثنائي الشيعي” للتوازن الداخلي، كما يقول.
وقد أظهرت السنوات الماضية ولا تزال مدى تأثير هذه الورقة في الاستحقاقات والقرارات المصيرية، فالمعادلة السائدة قامت على إقفال المجلس إذا اعترض رئيسه وحليفه، وفتحه فقط إذا رضخت الأكثرية لقرار الرئيس، حتى بات قرار المجلس يختصره “الرئيس”، وفق خصومه.
التأجيل إلى أجل غير مسمى
يعتبر كثيرون أن مسألة خلافة بري تواجه عوائق جوهرية متعددة.
أولها غياب البديل الجاهز، فعلى عكس معظم المناصب السياسية، لا يوجد “ولي عهد واضح” لا داخل عائلة بري أو حركة “أمل”، لموقع رئاسة المجلس.
ناهيك بأن بري لم يعمل على تحضير خليفة محدد، مما يترك فراغاً كبيراً قد يفتح الباب لصراعات معقدة، والموضوع بحد ذاته لا يزال من المحظورات داخل البيئة المؤيدة للثنائي.
حاولنا التواصل مع أكثر من شخصية سياسية وإعلامية من داخل حركة “أمل” أو حتى مقربة منها، لكنها جميعها من دون استثناء رفضت الحديث عن هذا الجملة، “لا من قريب ولا من بعيد”.
وفي السياق تؤكد مصادر سياسية قريبة من حركة أمل لـ”اندبندنت عربية” أن موضوع الخلافة غير مطروح للنقاش، ما دام الرئيس بري على قيد الحياة.
وتذهب بعيداً في تأكيدها حتمية بقائه في رئاسة المجلس، وتقول “هناك مرشح جديد لرئاسة المجلس إذا حصلت الانتخابات النيابية في موعدها، واسم المرشح نبيه بري”. وفي السياق كان رئيس كتلة “حزب الله” النيابية النائب محمد رعد قطع الطريق على أي نقاش في شأن خلافة بري، عندما أكد في تصريحٍ إعلامي قبل خمسة أشهر الاستمرار في انتخابه “حتى في حال وفاته”.

منذ الحرب الأهلية وما بعدها يلعب بري دوراً أساسياً في الداخل اللبناني (أ ف ب)
ماذا لو فاز نائب شيعي من خارج الثنائي؟
يتصاعد الجدل حول إمكان إحداث تغيير في المشهد السياسي اللبناني من خلال الانتخابات النيابية المقبلة، إذ يطرح احتمال فوز نواب شيعة مستقلين عن الثنائي ليصبحوا مرشحين محتملين لرئاسة مجلس النواب بدعم من الأكثرية النيابية المعارضة للثنائي، التي تضم بصورة أساسية حزب “القوات اللبنانية”، ونواب مستقلين من الطوائف كافة، وحزب “الكتائب”، ونواب التغيير، وغيرهم.
غير أن مراقبين كثراً يشددون على أن مجرد كون المرشح نائباً شيعياً لا يكفي، بل تتطلب رئاسة المجلس توفر شروط أساسية تشمل شرعية طائفية مستمدة من القوى الشيعية الرئيسة، لأن أي مرشح لا يحظى بدعم القوى الشيعية الأساسية سينظر إليه كـ”مفروض من الخارج”، وسيواجه رفضاً شعبياً قد يترجم إلى أزمة سياسية ممتدة، في المؤسسات كما في الشارع.
كما تتطلب رئاسة المجلس توافقاً وطنياً واسعاً، وقبولاً من الدول المؤثرة في الساحة اللبنانية، وثقلا سياسياً يمكن المرشح من ملء الفراغ الكبير الذي سيخلفه الرئيس نبيه بري.
في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل من بديل لبري؟ وهل يمكن تصور المجلس النيابي من دونه؟
النائب السابق بطرس حرب، الذي حضر داخل المجلس النيابي كنائب طوال أربعة عقود من عام 1972 حتى 2018 وعاصر ثلاثة رؤساء للمجلس هم كامل الأسعد وحسين الحسيني ونبيه بري، يؤكد من حيث المبدأ أنه لا يوجد شخص لا يمكن استبداله، مستشهداً بالمثل الشعبي “مات النبي ولم تتعطل أمته”، ويضيف حرب أنه لا يمكن القول إنه بعد عمر طويل ووفاة الرئيس بري لن يعثر على شخص مناسب للمنصب، مشيراً إلى أن المجلس شهد في الماضي رؤساء أكفاء أداروه بكفاءة عالية.
لكن حرب في الواقع يستبعد البحث عن بديل لبري ما دام على قيد الحياة، مؤكداً أنه لن يجرؤ أحد على الترشح ضده، وأن قانون الانتخاب الحالي لا يسمح باختراق المقاعد الشيعية بأي مرشح في أية منطقة.
ويذكر بأنه طوال وجود الرئيس بري كان ولا يزال ممنوعاً على أي نائب شيعي أن يترشح ضده، وهذا ما أكده بري نفسه في مذكراته التي كتبها الصحافي نبيل هيثم وصدرت في كتاب عام 2004، إذ أشار إلى أنه في فترة سابقة حاول أحد النواب الشيعة طرح نفسه، إلا أن الرئيس بري أرسل إليه وأبلغه أن وحدة الطائفة خط أحمر، فانسحب المرشح حينها.
بناء على ذلك، يرى حرب أن البحث في البديل حالياً لا يمكن تحديده قبل نتائج الانتخابات المقبلة، المزمع إجراؤها في مايو (أيار) المقبل.
فإذا لم يترشح أحد ضد بري سيعاد انتخابه حكماً، وربما قد يعدل بري عن الترشح بسبب تقدمه في السن وعندها تتغير كل المعادلة، لكن المؤكد أن أي رئيس للمجلس لن يخرج عن إرادة “الثنائي الشيعي”، وفق حرب، الذي يمتلك القدرة على منع أي مرشح من الوصول إلى الرئاسة، حتى لو نجح في الفوز بالانتخابات وتمكن من اختراق الكتلة الشيعية الممسوكة من “أمل” و”حزب الله”.
الجواب سيكون لدى الأكثرية
يتفق الكاتب السياسي نبيل بو منصف مع حرب في استبعاد الحديث أو البحث في خلافة بري راهناً، مشيراً إلى أن المسألة ليست مطروحة لدى الثنائي حالياً، وإنما قد تبحث في الكواليس داخل حركة “أمل” وربما على المدى البعيد، لكن ليس لهذه الدورة، إذ من المتوقع أن يبقى الوضع على حاله. ويرى بو منصف أنه من المبكر الحديث عن هذه المسألة، خصوصاً إذا جرت الانتخابات النيابية في موعدها وفاز نواب الثنائي بالمقاعد الـ27، مما يعني أن المعادلة الحالية لن تتغير، لكن السؤال المطروح بحسب رأيه هو ماذا سيفعل الآخرون برئاسة بري، ومن هي الأكثرية الجديدة التي ستصل إلى مجلس النواب، وهل سترشح شخصاً آخر غير بري إذا نجحت في تأمين فوز نائب شيعي من خارج الثنائي. علماً أنه، حتى لو وصل نائب شيعي مستقل إلى البرلمان بطريقة ما، فإنه يحتاج إلى أكثرية الـ128 نائباً لانتخابه رئيساً للمجلس، وهذه الأكثرية لن تتحقق من دون موافقة “الثنائي الشيعي” أو أحدهما في الأقل.

طوال وجود الرئيس بري كان ولا يزال ممنوعاً على أي نائب شيعي أن يترشح ضده (أ ف ب)
السيناريوهات المحتملة
وعلى رغم أن حظوظ انتخاب بديل عن الرئيس بري تبقى وفق ما تقدم معدومة أو مؤجلة، فإن السؤال الذي يطرح ماذا لو اضطر الثنائي لسبب ما إلى البحث في مسألة الخلافة؟
المؤكد أن السيناريوهات المحتملة تمر كلها في عين التينة (مقر رئاسة مجلس النواب)، والضاحية (مقر “حزب الله”).
فالسيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في احتفاظ حركة “أمل” بالموقع عبر شخصية قيادية فيها بموافقة “حزب الله”، والأسماء المطروحة بصورة غير رسمية تشمل المعاون السياسي لبري النائب علي حسن خليل، ووزير المالية ياسين جابر، وغيرهم من القياديين في الحركة.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تبادل الأدوار بين حركة “أمل” و”حزب الله”، إذ ينتقل الموقع إلى شخصية من الحزب في مقابل تنازلات في مواقع أخرى سواء وزارية أم خدماتية أم حتى إدارية، بما يحفظ التوازن بين الطرفين.
لكن هذا السيناريو تعترضه عقبات أهمها استحالة التوافق الداخلي والقبول الدولي على تولي “حزب الله” رئاسة المجلس في وضعه العسكري الحالي، إلا إذا تطورت الأمور بصورة دراماتيكية داخلياً وتحول الحزب خلال السنوات القليلة المقبلة إلى حزب سياسي غير مسلح. السيناريو الثالث، وهو الأضعف احتمالاً، يقوم على طرح شخصية شيعية توافقية مقبولة من الجميع في حال تعذر التوافق الداخلي بين “أمل” و”حزب الله”، لكن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال في ظل التوازنات الحالية.
أما السيناريو الرابع فهو الأزمة المفتوحة، ففي أسوأ الحالات قد يؤدي غياب التوافق إلى أزمة دستورية تشل عمل المجلس النيابي، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استحقاقات انتخابية أو تطورات إقليمية حادة، كما حصل في أزمات سابقة عطلت المؤسسات اللبنانية لأشهر طويلة.
المزيد عن: نبيه بري البرلمان اللبناني لبنان اتفاق الطائف حركة أمل حزب الله
]]>
توفي رفعت الأسد (1937 – 2026) شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في دولة الإمارات، وفق مصدرين أكدا لـ”رويترز” ذلك، وهو المعروف لدى منتقديه بلقب “جزار حماة” بسبب سحقه انتفاضة داخل المدينة عام 1982، قبل أن يخوض محاولة فاشلة للاستيلاء على السلطة ويغادر إلى المنفى.
تدرج بالمناصب العسكرية وأسس سرايا الدفاع وقادها في مجزرة حماة التي راح ضحيتها نحو 40 ألف قتيل، خرج من سوريا بعد خلاف مع شقيقه وعاد إليها عام 2021 بعد 36 عاماً أمضاها في المنفى.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، قال مسؤولان أمنيان لبنانيان، إن رفعت الأسد عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد سافر من بيروت إلى دبي. وذكر المسؤولان، أن عدداً من أفراد عائلة الأسد سافروا إلى دبي من بيروت، بينما بقي آخرون في لبنان منذ إطاحة الأسد خلال الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024. وأضاف المسؤولان أن السلطات اللبنانية لم تتلق طلبات من الشرطة الدولية (الإنتربول) لاعتقالهم، بما في ذلك رفعت.
ملاحقات قضائية
عاد إلى دمشق من المنفى في فرنسا حيث حُكم عليه بالسجن أربعة أعوام بتهمة غسل الأموال والاختلاس، بحسب ما ذكرت صحيفة “الوطن” السورية. وكان غادر البلاد عام 1984 بعد محاولة انقلاب فاشلة ضد شقيقه حافظ، وأعلن معارضته لابن أخيه بشار بعد توليه الرئاسة عام 2000.
ودين رفعت الأسد في فرنسا بتهمة غسل أموال ضمن عصابة منظمة واختلاس أموال عامة سورية، وحُكم عليه خلال سبتمبر (أيلول) 2020 بالسجن أربعة أعوام، فضلاً عن مصادرة أصول له بقيمة 90 مليون يورو.
ونشرت “الوطن” مقالة بعنوان “منعاً لسجنه في فرنسا… الرئيس الأسد يترفع عما فعله وقاله رفعت الأسد ويسمح له بالعودة إلى سوريا”. وأوضحت أنه عاد إلى سوريا و”لن يكون له دور سياسي أو اجتماعي”.
حقق القضاء الفرنسي عام 2014 في الثروة الضخمة لرفعت الأسد، بناءً على شكوى من جمعيتي الشفافية الدولية وشيربا. وتمت مصادرة الأصول المنقولة والعقارات الفاخرة التي يحوزها، وأظهر التحقيق أن رفعت الأسد وأقاربه نقلوا أصولاً عبر شركات في بنما وليشتنشتاين ثم إلى لوكسمبورغ.

رفعت الأسد مكث منفياً في أوروبا منذ العام 1984 (رويترز)
وخلال الـ12 من مارس (آذار) 2024، أعلن المدعي العام السويسري إحالة رفعت الأسد، عم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، إلى المحكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وأوضح مكتب المدعي العام، ضمن بيان، أن رفعت الأسد “متهم بإصدار أوامر بقتل وتعذيب ومعاملة قاسية واعتقالات غير مشروعة في سوريا خلال فبراير (شباط) 1982 في إطار النزاع المسلح”، بمدينة حماة في عهد الرئيس حافظ الأسد.
أوامر قتل وتعذيب
اتهمه الادعاء السويسري “في إطار النزاع المسلح والهجوم الواسع الذي شُن ضد سكان مدينة حماة في سوريا خلال فبراير 1982، بأنه أمر بصفته قائد سرايا الدفاع وقائد العمليات في حماة، بعمليات قتل وتعذيب ومعاملة قاسية واعتقالات غير مشروعة”.
وقالت النيابة العامة إن “سرايا الدفاع” هي “على الأرجح القوات الرئيسة المسؤولة عن القمع”.
وأضافت النيابة العامة أن “في هذا السياق، وقع آلاف المدنيين ضحايا لانتهاكات مختلفة من الإعدام الفوري إلى الاحتجاز والتعذيب، في مراكز أُنشئت خصيصاُ وتحدثت عنها شهادات عدة”.
الإطاحة بأخيه
كشفت شبكة “بي بي سي” عن وثائق تقول إن بريطانيا رفضت دعم رفعت في مسعى خطط له عام 1986 للإطاحة بحكم شقيقه حافظ الأسد. ورفضت لندن آنذاك طلب رفعت الإقامة في المملكة المتحدة أو التدخل لدى دولة أخرى لمنحه جنسيتها والعيش فيها بصورة دائمة، وفقاً للوثائق.
وتكشف تلك الوثائق أن محاولات رفعت للتواصل مع بريطانيا في شأن سعيه لإسقاط نظام دمشق بدأ خلال منتصف عام 1986، أي بعد عامين من اختيار رفعت العيش في المنفى بعد فشل محاولته الانقلاب عسكرياً على النظام. أثناء هذا الوقت كانت العلاقات بين لندن ودمشق تمر بمرحلة وصفها البريطانيون بأنها حساسة.
وتتابع الوثائق الصادرة عن الخارجية البريطانية، أن الحكومة البريطانية تفاجأت خلال يوليو (تموز) 1986، بوصول رفعت إلى أراضيها حاملاً جواز سفر مغربياً، بعدما وضعت الحكومة البريطانية “نظاماً صارماً يصعب إجراءات منح السوريين تأشيرات دخول” إلى بريطانيا.
وأضافت أن رئيس إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا باتريك نيكسون علم بوجود رفعت في لندن، بعدما اتصل به عضو مجلس العموم جوليان إيميري ليتشاور معه، ليُبلغ نيكسون بطلب وزير الخارجية “بأن ينقل إلى رفعت قلق بريطانيا من الطريقة التي جاء بها إلى لندن”.

عم الرئيس السوري المخلوع (مواقع التواصل)
وأشارت إلى أن رفعت وحين وصوله إلى بريطانيا كان لا يزال، رسمياً، نائباً لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي وعضو القيادة القطرية لحزب البعث وقائد سرايا الدفاع. ونقلت الوثائق أن رفعت كان مستبعداً طلب المساعدة من الأميركيين كونه لا يملك الثقة في تفكيرهم، خصوصاً أن الأحداث الأخيرة في شأن مفاوضاتهم مع إيران (في ذلك الوقت) توحي بتأكيد وجهة النظر هذه.
وخلال سنوات المنفى التي قضاها في معظمها في فرنسا، واصل رفعت إضمار طموحات رئاسية، وعاد إلى سوريا عام 2021، قبل أن يغادرها مجدداً عام 2024 عقب الإطاحة بابن شقيقه، الرئيس بشار الأسد.
وعندما توفي حافظ الأسد عام 2000 اعترض رفعت على انتقال السلطة إلى بشار وأعلن نفسه الوريث الشرعي، في تحدٍ قيادي انتهى دون أثر يُذكر.
وتدخل من الخارج مجدداً عام 2011، مع اندلاع الثورة في سوريا، داعياً ابن شقيقه إلى التنحي سريعاً لمنع اندلاع حرب أهلية، لكنه خلال الوقت نفسه أبعد اللوم عن بشار معتبراً أن الثورة على حكمه جاءت نتيجة تراكم أخطاء.
“الرجل الثاني” في حكم “البعث”
وُلد رفعت عام 1937 داخل بلدة القرداحة في محافظة اللاذقية السورية، وهو الشقيق الأصغر للرئيس السوري السابق حافظ الأسد. تلقى تعليمه الأساس داخل قريته ثم درس العلوم السياسية في جامعة دمشق، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد منها عام 1977.
تزوج أربع مرات وكانت أولى زوجاته ابنة عمه أميرة عبدالعزيز الأسد، ثم تزوج لاحقاً لين الخير ورجا بركات وسلمى مخلوف، أخت عايدة فستق إحدى زوجات الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وله ثمانية أبناء أكبرهم دريد وثماني بنات أكبرهن تماضر.
انضم عام 1952 إلى حزب البعث ثم التحق بالجيش السوري وترقى في الرتب حتى أصبح ضابطاً كبيراً.

متهم أيضا بغسل أموال (مواقع التواصل)
ولعب دوراً بارزاً في صعود حزب البعث داخل سوريا، لا سيما بعد انقلاب عام 1963 على الرئيس ناظم القدسي الذي نفذته “اللجنة العسكرية” وكان حافظ الأسد أحد أعضائها.
ثم شارك في حرب 1967 التي اندلعت بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وكان فيها مسؤولاً عن كتيبة الدبابات في جبهة القنيطرة.
وخلال عام 1971 وبعد عام من تسلم حافظ الأسد رئاسة البلاد عقب صراع داخل حزب البعث، تشكلت “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت، وهي قوة عسكرية غير نظامية أوكلت إليها مهمة حماية السلطة الحاكمة. وعُرف رفعت خلال ذلك الوقت بكونه “الرجل الثاني” في حكم “البعث” والذراع اليمنى لشقيقه.
وبتهمة محاولة اغتياله، أعدم 15 شخصاً خلال يونيو (حزيران) 1979 في دمشق.
وأسس رفعت “الرابطة العليا للخريجين”، التي أصبحت كياناً طلابياً عسكرياً موازياً لـ”سرايا الدفاع”، وعين في ما بعد رئيساً لمكتب التعليم العالي حتى عام 1980، وذلك تزامناً مع تعيينه رئيساً للمحكمة الدستورية.
مجزرة حماة
وفي نهاية يناير (كانون الثاني) 1982 وبقيادة رفعت الأسد وقوات قوامها 20 ألف جندي، حاصرت سرايا الدفاع والفرقة الثالثة واللواء 21 واللواء 57 والاستخبارات العسكرية، مساندةً من القوات الخاصة بقيادة علي حيدر، مدينة حماة وأغلقت مداخلها وبدأت مساء الثاني من فبراير 1982 قصف المدينة من كل جوانبها.

الرئيس حافظ الأسد وشقيقه رفعت أثناء حضورهما إحدى المناسبات العسكرية (أ ف ب)
وقطعت الكهرباء والاتصالات عن المدينة، واستمرت عمليات القصف حتى الخامس من فبراير 1982، وبدأت بعدها عملية برية لاقتحام المدينة وفرض حظر التجول، وسط اشتباكات مع مقاتلي تنظيم “الإخوان المسلمين” وعمليات إنزال مظلي قامت بها قوات الجيش، واستمرت المجازر داخل المدينة وإعدام المدنيين وحرق الممتلكات حتى الـ28 من الشهر نفسه، وسُمح بالتجوال خلال الأول من مارس 1982.
وخلفت هذه الحملة العسكرية نحو 40 ألف قتيل، وُثقت أسماء نحو 10 آلاف منهم، و17 ألف مفقود وُثقت أسماء نحو 4 آلاف منهم، إضافة إلى تدمير قرابة 79 مسجداً وثلاث كنائس، وتدمير أحياء كاملة داخل المدينة (وفق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر عن المجزرة عام 2022).
وضمن مقابلة أجرتها إحدى القنوات التلفزيونية مع رفعت الأسد نُشرت خلال ديسمبر 2011، نفى مسؤوليته عن مجزرة حماة قائلاً إنها تهمة وكذبة روج لها “النظام السوري” وفق قوله، واتهم الرئيس حافظ الأسد بالمسؤولية عما جرى.
وقال “أنا لا أعرف حماة حتى الآن” (أي حتى عام 2011 حين أجريت المقابلة)، وبرر ما حدث بأنه “تطبيق للقانون الدستوري السوري الذي ينص على أن من ينتمي إلى جماعة ’الإخوان المسلمين‘ في سوريا يعدم”.
وأنكر ضمن المقابلة ذاتها وجود سرايا الدفاع وقيادته لها، واعتبر أن الأمر كله “كذبة كبيرة نُشرت ورُوِّج لها”، إلا أنه أقر بقياته للوحدة 569.
انقلاب على أخيه
مع مرور نحو عامين على مجزرة حماة، وتحديداً خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 1983 أصيب حافظ الأسد بأزمة قلبية، وعقدت القيادة القطرية لحزب البعث اجتماعاً حينها، مما دفع رفعت لوضع عدد كبير من سرايا الدفاع في الساحة الداخلية لقيادة الحزب.
وأثناء كلمته في الاجتماع طالب بطرد كل من مدير الاستخبارات العسكرية علي دوبا وقائد القوات السورية في لبنان إبراهيم صافي، وقائد القوات الخاصة علي حيدر ومدير الاستخبارات الجوية محمد خولي، وهدد -في حال الرفض- باحتلال قواته العاصمة دمشق كلها.
استعاد حافظ الأسد صحته خلال فبراير 1984، وكان أول قراراته اعتقال المساعد الأمني لرفعت الأسد العقيد سليم بركات، ثم عين حافظ أخاه نائباً له بعد عزله من سرايا الدفاع وتعيين العقيد محمد غانم بدلاً عنه.

يواجه رفعت الأسد اتهامات في سويسرا بارتكاب جرائم حرب (أ ب)
وفي اجتماع القيادة القطرية الذي عقد خلال مارس 1984 حدد حافظ صلاحيات رفعت بصفته نائباً للرئيس للشؤون الأمنية، إضافة إلى نائبين آخرين هما محمد زهير مشارقة وعبدالحليم خدام، ولكن رفعت أمر بنشر قواته في الأماكن المطلة على العاصمة، وفي المقابل قامت القوات الخاصة بقيادة علي حيدر وقوات الحرس الجمهوري بقيادة عدنان مخلوف بالاستعداد لمواجهة رفعت في حال بدأ معركته ضد أخيه حافظ في العاصمة.
وخلال نهاية أبريل (نيسان) 1984 أدرك رفعت أن الكفة مالت لمصلحة أخيه، فوافق على شروطه، وضمت سرايا الدفاع إلى الجيش وأصبحت تشكل الفرقة الرابعة بقيادة باسل ابن حافظ الأسد، واختار رفعت منفاه بداية داخل موسكو، مع الحصول على 200 مليون دولار قُدمت له من قبل الزعيم الليبي معمر القذافي، الذي سعى لحل الإشكال بين الأخوين.
الحراك السياسي
عاد رفعت في زيارة إلى سوريا بعد وفاة والدته عام 1992 بناءً على طلبها قبل وفاتها، واستمر في منفاه بالعمل في منصب نائب الرئيس للشؤون الأمنية وعضو القيادة القطرية “نظرياً” حتى عام 1999، لحمايته من أية ملاحقات قانونية.

رفعت الأسد (أ ف ب)
وأسس رفعت عام 1999 قناة أطلق عليها اسم شبكة الأخبار العربية، وانتهجت مسار المعارضة لسياسة نظام “البعث” الحاكم، وأدارها ولداه سوار وريبال واستمرت في بثها باللغة الإنجليزية حتى عام 2009، وباللغة العربية حتى عام 2014.
وخلال عام 2018 تقدم رفعت الأسد وأولاده بطلب للحصول على الجنسية البريطانية، ورُفض بسبب قرابتهم ببشار الأسد، وقدم رفعت وعائلته طعناً بقرار محكمة الهجرة، ولكن لجنة الاستئناف رفضته.
ومع بداية الثورة السورية خلال مارس 2011، دعا رفعت ابن أخيه بشار إلى التنحي قائلاً إنه لا يمكن الاستمرار في إراقة الدماء داخل سوريا، وصرح ضمن لقاء تلفزيوني بأن وقت الحوار مع النظام انتهى، ولا بد من تغيير النظام.
واستمر رفعت في موقفه المعارض لحكم بشار حتى ظهوره خلال مايو (أيار) 2021 داخل سفارة نظام الأسد لدى باريس، وهو يدلي بصوته في “الانتخابات” الرئاسية، وبعث لاحقاً برقية تهنئة لبشار بمناسبة إعادة “انتخابه”.
المزيد عن: رفعت الأسدحافظ الأسدسورياسويسرامجزرة حماة
]]>
هناك أسماء وُلدت من رحم الحرب، وأخرى صنعت الحرب بأيديها، وأسماء لم تكن لتظهر أصلاً لولا انكسار الدولة وتحولها إلى بؤر نفوذ صغيرة.
هلال الأسد كان من النوع الثالث: رجل لم يكن جزءاً من واجهة النظام ولا من دائرته الضيقة، لكنه كان ابن العائلة؛ العائلة التي يكفي اسمها ليُقيم مملكة صغيرة في الريف ويفتح كل الأبواب التي تُغلق أمام الآخرين.
يشبه هلال المرحلة أكثر مما يشبه نفسه: مزيج من السلالة والفوضى والسلطة المنفلتة من كل ضابط. وكان موته فصلاً من فصول الحرب التي كشفت هشاشة “عصب النظام” ذاته، حتى داخل مناطقه الأكثر حصانة.
ابن العائلة
لم يكن هلال الأسد ضابطاً صعد عبر الجيش، ولم يدخل مؤسسات الدولة بالطريقة التي يدخلها الآخرون. وُلد في القرداحة، داخل واحدة من العائلات المتشعّبة التي تفرّعت من جذع الأسد القديم. والقرابة هنا لم تكن صفة اجتماعية فحسب، بل رأس مال كامل: حماية، نفوذ، كاريزما جاهزة وقدرة على تجاوز القانون.
في الساحل، كانت ثنائية “الأسد/الدولة” واضحة؛ فالدولة كانت هناك شكلاً، بينما السلطة الفعلية كانت للعائلة وشبكاتها. كان هلال واحداً من أولئك الذين يعرفون أن القانون لا يعنيهم، وأن القرابة يمكن أن تتحوّل إلى مؤسسة ظلّ لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. ومع بداية الحرب، تحوّلت هذه القرابة إلى سلطة كاملة.
الساحل
اللاذقية لم تكن ساحة قتال في السنوات الأولى؛ كانت منطقة تراقب النار من بعيد، لكنها كانت تدرك جيداً أن الشرخ الاجتماعي الداخلي عميق، وأن امتيازات العائلة الحاكمة صنعت اقتصاداً موازياً يقوم على التهريب والوساطة والعنف المنضبط داخل مجموعات صغيرة.
خرج هلال من داخل هذا العالم: رجل يرى الساحل “أرضه”، ويرى الناس “جماعته”، ويرى الدولة “اسماً فوق الجدار”. وبعد عام 2011، حين تمددت الفوضى، وجد نفسه في موقع لا يشبه أي موقع سابق؛ لم يكن مضطراً إلى التشكل، إذ كانت البيئة كلها تُعاد صياغتها على مقاسه.
الميليشيا… أكثر من سلاح
حين أنشأ النظام “الدفاع الوطني”، لم يكن الهدف بناء قوة رديفة فحسب، بل تأسيس سلطة محلية قادرة على إدارة الأرض بالنيابة عنه. كانت الميليشيا الشكل الأكثر صدقًا للصراع: بلا انضباط، بلا تراتبية وبلا التزام بالقانون.
في اللاذقية، أصبح هلال الأسد هو “القائد”؛ ليس بقرار رسمي، بل بحكم الواقع، حيث امتلاكه السلاح، ورجال الولاء، والغطاء العائلي الذي يصنع القوة قبل أن يصنع الخوف.
تحوّلت الميليشيا إلى طبقة اجتماعية جديدة في الساحل، طبقة لا تخضع للدولة، بل تقف إلى جانبها حين يناسبها، وضدها حين تعيق تحركاتها. وكان هلال أحد أبرز رموز هذه الطبقة، يمتلك القدرة على فرض الجبايات، حلّ النزاعات، إدارة التهريب، حماية التجار وتصفية الحسابات. أدوار لا يؤديها ضابط، بل يؤديها “زعيم محلي” في زمن دولة تتراجع… وقد أطلق على نفسه لقب “رئيس الساحل”.
صراعات الساحل
لم يكن الجميع في الساحل راضياً عنه. فالنظام نفسه لم يكن راضياً تماماً، لكنه كان بحاجة إليه. أما بعض العائلات العلوية التقليدية في اللاذقية فكانت تنظر إليه باعتباره “طارئًا” يملك سلطة أكبر مما يسمح به العرف الداخلي.
لم تصل الصراعات إلى انفجار كبير، لكنها ظهرت في مواقف صغيرة: احتكاكات بين عناصره وبعض الأجهزة، خلافات داخل القرداحة نفسها، ونزاعات حول النفوذ في أحياء اللاذقية.
كان هلال قوياً بما يكفي ليواجه، لكنه لم يكن قوياً بما يكفي ليحكم. كان جزءاً من المشهد، لا صانعه.
النهاية في كسب
في 23 آذار 2014، قُتل هلال الأسد على مشارف كسب، في واحدة من أكثر الجبهات حساسية بالنسبة للنظام. كانت الحدود التركية على مرمى نظر، وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب يصل الخطر إلى هذا القرب من قلب الساحل.
الرواية الرسمية قالت إنّه مات “صامداً”، لكن ما تسرّب من اللاذقية حمل الخوف أكثر مما حمل البطولة. فالسؤال الحقيقي كان: كيف يُقتل أحد أبناء العائلة على جبهة كهذه؟ وكيف استطاع الهجوم الوصول إلى هذا العمق أصلاً؟
لم يكن موت هلال حدثاً عسكرياً بقدر ما كان حدثاً سياسياً. فالأوزان في سوريا لا تُقاس بالرتب، بل بالقرابة من السلطة. وموت أحد أبناء العائلة هو رسالة بحدّ ذاته: الحرب لم تعد على الأطراف… الحرب وصلت إلى حيث لا يُفترض أن تصل.
وكشفت مصادر تحدّثت إلى “المدن”، أن خلافاً كبيراً كان قد انفجر بين هلال وبشار الأسد المخلوع، بعدما بات هلال يتصرّف كـ”رئيس فعلي للساحل”، متجاوزاً القانون والأوامر، وموسّعاً نفوذه على حساب قيادات أخرى. وتضيف المصادر أنّ هذا التمدّد أثار غضب الأسد، الذي اتّخذ ــ وفق روايتهم ــ قراراً شخصياً بالتخلّص منه عبر أحد ضبّاطه.
ما بعد القتل
فراغ في الساحل، حيث اختفى الرجل الذي جمع بين المال والسلاح والقرابة، لتبدأ مجموعات أخرى بالتنافس على المساحة التي تركها.
وبعد مقتله، أعيد توزيع القوة؛ إذ بدأت قيادات جديدة ــ بعضها أكثر ولاءً لإيران، وبعضها للأجهزة ــ بالسيطرة على “الدفاع الوطني”. وهكذا اختفت “الزعامة المحلية” لصالح “الزعامة الأمنية”.
أدرك الجميع أن العائلة ليست محصّنة، فموته كشف أن الحرب لم تعد بعيدة عن قلب النظام. لم تكن رسالة طمأنة، بل رسالة خوف. ومع نهاية حقبة الميليشيا العائلية، حاول النظام مع مرور الوقت إعادة ضبط الساحل، ساعياً إلى تقليص نفوذ العائلات “المتمردة” على المركز. وقد ساعد غياب هلال على تحقيق ذلك.
هلال الأسد… مرآة مرحلة
قصة هلال ليست قصة شخص، بل قصة دولة تفككت. لم يكن مشروعاً سياسياً، بل مشروعاً ظرفياً: ابن العائلة الذي وجد نفسه في موقع قوة مطلقة، بلا قواعد ولا ضوابط. وحين تغيّرت قواعد اللعبة، سقط في اللحظة التي تراجع فيها حضور العائلة أمام حضور الدولة العميقة.
موته لم يغيّر مسار الحرب، لكنه كشف ما هو أعمق: أن النظام الذي يبدو متماسكاً من بعيد، مليئاً بالشقوق من الداخل، وأن السلطة في سوريا لم تعد تُدار من مركز واحد، بل من مراكز متعددة… تتصادم أحياناً، وتتوافق أحياناً أخرى، وتترك فراغات قاتلة مثل ذلك الذي كان اسمه هلال الأسد.
]]>
المجلة / بادية فحص
يشغل نبيه بري منصب رئيس مجلس النواب اللبناني منذ 1992، ورئيس حركة “أمل” الفصيل الشيعي الذي أسسه السيد موسى الصدر بداية السبعينات منذ 1980.
منذ توليه منصب رئاسة الحركة، صار المنصب مرتبطا باسمه. لم يبرز مرشح حقيقي ينافسه، برغم الخلافات الكثيرة، والانشقاقات التي حدثت داخل صفوف التنظيم، وكان يُعاد انتخابه في المؤتمر العام للحركة دون خوض معركة انتخابية، وبعد توقف المؤتمر عن الانعقاد صارت إعادة انتخابه تتم في بيان مقتضب.
يحمل بري صفات وألقابا متنوعة، بتنوع الجو السياسي أو التنظيمي الذي تمر به الحركة أو بحسب مزاج جمهورها، فهو الأستاذ حين يكون الحديث عنه بصفته رئيس الحركة، وهو دولة الرئيس؛ أو دولته اختصارا، إذا كان الكلام له علاقة بمنصبه السياسي في البرلمان اللبناني، وهو النبيه حين يمتدحون “حنكته” السياسية، و”القائد” حين يقود سفينة الطائفة إلى بر الأمان.
ولد نبيه بري في “سيراليون” الأفريقية، ودرس الحقوق في الجامعة اللبنانية، واستقر بعد زواجه بابنة عمه في ولاية ميتشيغان الأميركية، شأنه شأن أهل قريته تبنين وجارتها بنت جبيل اللتين أُفرغتا بعد نكبة فلسطين، تنفيذا لمخطط استراتيجي قضى بتخفيف الثقل الديموغرافي على حدود المستعمرات الشمالية، فأوقع عائلات بأكملها في فخ الهجرة المسهلة باكرا، وكانت عائلة بري واحدة منها.

أ.ف.ب / نبيه بري ووليد جنبلاط وياسر عرفات في بيروت عام 1982
والأستاذ هو لقب المحامي في لبنان، والمفردة هي ترجمة حرفية لكلمة “maitre” الفرنسية، لكن جمهور بري لا يعترف إلا بـ”أستاذ” واحد في لبنان، والمحامي قد يكون محامي الشيطان أحيانا، بحسب المفهوم الأميركي لمقدرته على “قلب الحقائق والمعادلات”، وقدرة بري على ذلك لا نظير لها، هي نتاج خبرته كسياسي ومحامٍ وقائد ميليشيا.
“قلب المعادلات” يسمونه في لبنان “تدوير الزوايا”، وبري ضليع في ذلك، وفي إعادة تدوير شخصيات عفى عليها الزمن السياسي، إذا أراد أو إذا طُلب منه ذلك، أي معضلة عصية أعطها لبري، وسيُخرج لك منها حلا ولو كان صوتيا فقط، كما يُخرج الساحر الأرانب من القبعة.
“قلب المعادلات” يسمونه في لبنان “تدوير الزوايا”، وبري ضليع في ذلك
كان عمر الحرب الأهلية 7 سنوات تقريبا، حين استقر بري في لبنان نهائيا، عازما على قيادة الحركة، التي كانت منغمسة في الحرب كأحد مكونات “الحركة الوطنية”، أكمل بري الحرب مع الجهة التي اصطفت فيها الحركة، بعد الحرب تحول من أمير حرب؛ وهي العبارة التي يطلقها اللبنانيون على رؤساء الأحزاب التي شاركت في الاقتتال الأهلي، إلى ملك التسويات وعرابها، لم يحضر “الطائف”، لكنه قطف أو خطف جهود رئيس مجلس النواب ورئيس الحركة السابق حسين الحسيني، وصار جندي “الطائف” وحامي حدوده.
الوفاء للرفاق القدامى من شيمه، حتى لو سال بينه وبينهم الدم، معركة “العلمين” في بيروت بين الحركة و”الحزب الاشتراكي”، لم تحل دون أن يستمر “الاتفاق المعمد بالدم” بينه وبين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. “الفتنة” التي أصابت العلاقة بين السنة والشيعة، لم تمنعه من أن يحمي بهية الحريري وقت قرر “حزب الله” إسقاطها في إحدى الدورات الانتخابية. وهو يتمسك بسليمان فرنجية رئيسا للجمهورية، برغم قربه من النظام السوري الذي لا يكن له الود.

أ.ف.ب/ نبيه بري مع حسن نصرالله في البرلمان عام 2006
وهو منخرط حتى قمة رأسه في “الثنائي الشيعي” مع حليفه “حزب الله”، برغم غياب عنصر الكيمياء بين الطرفين على المستوى القيادي والشعبي، وبرغم مآسي “حرب الإخوة” التي ما زالت حية في ذاكرتيهما. كما أنه حافظ على صداقته مع السلطة الفلسطينية وقادة “منظمة التحرير” بعد خوضه نيابة عن النظام السوري ما عُرف بـ”حرب المخيمات”.
بعد الحرب انصرف بري إلى العمل السياسي، ونسج علاقات ودية في الداخل والخارج، ووقف على الحياد من كل ما تورط فيه “الحزب” من حروب ومعارك عسكرية، وصار “عميلا سريا” للنظام العربي، كما يصفه جمهور “الحزب”.
هو لم يذهب إلى التحالف مع “الحزب” مغلوبا، بل كان ذلك خطوة ذكية منه ضمنت بقاءه في رئاسة مجلس النواب، عبر حصار الحزب وابتزازه بوحدة الصف الشيعي، وبالجمهور الجاهز دوما “للفتنة” إذا مس أحدهم المنصب المطوب باسم زعيمه.
علاقته مع جمهوره
في لبنان المقسم طائفيا، يجب أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً، ورئيس الحكومة سنياً، ورئيس البرلمان نبيه بري، فلا يليق هذا المنصب بأحد غيره، كما يقول جمهوره.
نسج بري بعد توليه رئاسة الحركة، علاقة عاطفية مع جمهوره، علاقة مباشرة بلا حواجز ولا وسائط، كان فيها الطرف الأكثر تفاعلا، حتى إن شقته المتواضعة في “حي بربور” في بيروت لم تكن سكنا له بقدر ما كانت مكتبا للحركة، بابها لا يُغلق أمام الزوار، والزوار ليسوا رسميين فقط، بل غالبيتهم من عامة الناس وفقراء الطائفة والحركيين العاديين، فنجح في بناء صورة القائد “الملهم”، وعزز ذلك شخصيته الكاريزمية و”حنكته” السياسية وثقافته ولغته الميالة إلى الشعر.
جزء من شخصية بري ساهم جمهوره في صناعتها، نجد بري “الشعبي” في الأناشيد الحركية الشهيرة، في “يا قائد الله معك”، وفي “بري قرر”، وغيرهما، وهي تعكس تصورات الجمهور عنه، وليس صورته الحقيقية، ضجيج وفوضى وعشوائية في الكلام والموسيقى والألحان والحب غير المشروط.
يحمل بري صفات وألقابا متنوعة، بتنوع الجو السياسي أو التنظيمي الذي تمر به الحركة أو بحسب مزاج جمهورها
يفتخر جمهوره بأن مارسيل خليفة غنى من كلماته أغنية “يا طير الجنوب” القصيدة التي كتبها بري في رثاء بلال فحص، قائد العملية الانتحارية ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي في منتصف الثمانينات، ويستخفون بالمقابل، بأغنية “أحبائي” التي قدمتها جوليا بطرس، بعدما جمعها الشاعر غسان مطر من كلمات للأمين العام الراحل أيام حرب 2006، فبنظرهم يملك خليفة قيمة فنية وثقافية أكثر أهمية من بطرس.
لكن هذه الصورة “الأيقونية” لم تصمد طويلا. كان صعود “حزب الله” وشخصية أمينه العام الراحل حسن نصرالله، أحد الأسباب المباشرة لاختفائها، من دون إغفال أسباب أخرى تتعلق بما آلت إليه شخصية بري نفسه وبعائلته أيضا.

أ.ف.ب / نبيه بري مع وزير الخارجية الإيراني السابق حسين أميرعبد اللهيان في بيروت، في مايو 2024
ذلك أن جنة السلطة كما يقول بعض أنصاره أغوته، وأبعدته عن قواعده الشعبية، فبدأ انسحابه من أمام جمهوره، وصارت زياراته للجنوب تقتصر على يوم الانتخابات النيابية، أي مرة كل أربع سنوات، أما التواصل مع جمهوره فلا يحصل إلا مرة واحدة في السنة، في الاحتفال المركزي الوحيد الذي تقيمه الحركة يوم 31 أغسطس/آب في ذكرى اختفاء السيد موسى الصدر. صار (بيروتياً) لا يفارق قصر “عين التينة”، بينما تحولت “دارة مصليح” في الجنوب التي كانت ملتقى جمهوره إلى قلعة مهجورة.
يؤخذ على بري تخليه عن جمهوره، ربما بسبب فوضويته وعدم قدرته على الانضباط، وربما لأن الاندفاع العاطفي أتعبه؛ قد يمل الحبيب من عواطف المحب المجانية، ربما لأن “الثروة” تأكل “الثورة”. هذا التخلي شجع جمهور “حزب الله” على التهكم والسخرية والتنمر على جمهور “الحركة”، فأشاعوا أنهم “زعران” ولا يتقنون فعل أي شيء، لا في المقاومة، ولا في حماية العقيدة، ولا في إدارة المؤسسات، ولا في الإعلام، ولا في الفن المقاوم، ولا في تنظيم الاحتفالات ومجالس العزاء، حتى إنهم نالوا من الطاقم السياسي للحركة فقذفوا كل تهم الفساد عليه.
جنة السلطة كما يقول بعض أنصاره أغوته، وأبعدته عن قواعده الشعبية، فبدأ انسحابه من أمام جمهوره، وصارت زياراته للجنوب تقتصر على يوم الانتخابات النيابية
“ثورة 17 تشرين” اتهمته بالفساد هو وجماعته وزوجته رندة عاصي، لكن “الحزب” برأه من هذه التهم وحماه، وسماه الأمين العام “الأخ الأكبر”.
قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حاول “الحزب” بدفع من النظام السوري إزاحة بري وتعويم النائب جميل السيد، جاء الاغتيال ليرمي السيد في الحبس أربع سنوات ويثبت بري في مكانه.
بعد انقشاع هذه الغيمة، عاد “الحزب” والنظام السوري إلى حلبة المصارعة ثانية، فظهرت أسماء مثل اللواء عباس إبراهيم بقوة، عوامل كثيرة أحبطت هذا المخطط، منها “الثورة السورية”، ثم بدء الانهيار الاقتصادي في لبنان.
قبل حرب “المشاغلة”، كان الحديث أن بري في الانتخابات المقبلة لن يكون رئيسا لمجلس النواب، فهو كبير بالسن، ومرهق، ومريض. عاش الحركيون أزمة نفسية مريرة حينها، وبدا واضحا أن الحركة ستصبح ثلاث حركات، وقيل إن بري زار نصرالله وأوصاه بابنه (باسل) خليفة له، أتباع ابنه من زواجه الأول
(عبد الله) كانوا ينتظرون أيضا على الضفة الأخرى، بينما تمسك “الرعيل الأول” بموقفهم من الاثنين، كان على نصرالله أن يضبط الإيقاع، لئلا ينقسم الصف الشيعي، فبدأت خطة استيعاب عدد من كوادر الحركة وبعض جمهورها.
فجأة غاب نصرالله عن المشهد وبقي بري، وانتقلت الخطة “ب” من “حارة حريك” إلى “عين التينة”، فأضاف جمهوره إلى ألقابه الكثيرة، لقب الأمين العام.
يطلق جمهوره على هذه المحطات “لعنة بري”.

أ.ف.ب / نبيه بري يترأس جلسة للبرلمان عام 2023
مؤخرا، سلمه نائب الأمين العام نعيم قاسم “مقاليد السلطة”، وأباح له التفاوض بشأن القرارات الدولية التي كان يعارضها “الحزب”، ما لبثت هذا “العطايا” أن انسحبت من بين يديه، ذلك أن النظام العميق الإيراني لا يثق به.
زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي موفدا من قبل رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان كانت لصالحه، لكن بري لا يروق لـ”الحرس الثوري”، لذلك سارع نظيره محمد باقر قاليباف بالسفر إلى بيروت للجم هذا “الانحراف”. بري حاليا لا يتعدى كونه واجهة لحرب مشاغلة دبلوماسية، أما قرار الطائفة ففي طهران أكثر من أي وقت مضى.
المزيد عن: بروفايل لبنان تغطية خاصة
]]>
الشرق الاوسط / واشنطن: إيلي يوسف
في خطوة تمهّد لتأكيد توجه إدارة الرئيس دونالد ترمب نحو إعادة بناء سياستها في الشرق الأوسط، صوّتت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، الخميس، بالأغلبية على تأييد ترشيح جويل ريبورن لمنصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى. وحصل على تأييد 15 صوتاً مقابل 7 أصوات معارضة، ما يمهّد لإحالته على التصويت أمام الجلسة العامة لمجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون.
ويُتوقّع أن يتم التصويت النهائي خلال الأيام المقبلة، في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها تعييناً سيعزّز حضور واشنطن في ملفات المنطقة الأكثر تعقيداً، من سوريا إلى إيران ولبنان والعراق.
إشادة من مسؤولين سابقين
وفي تعليق لـ«الشرق الأوسط»، قال ديفيد شنكر، الذي شغل المنصب نفسه خلال الولاية الأولى لترمب، إن ريبورن «خيار ممتاز»، مضيفاً: «أنا أعرفه وعلى علاقة قديمة معه. يتمتع بمعرفة وخبرة عميقتين في المنطقة بوصفه ممارساً سياسياً وأكاديمياً وجندياً. لقد خدم في العديد من المناصب العليا في الحكومة الأميركية بامتياز، بما في ذلك نائبي في إدارة ترمب الأولى. ستكون معرفته الإقليمية الواسعة وخبرته في إنجاز الأمور الصعبة بمثابة مكسب حقيقي للإدارة وهي تتصارع مع القضايا الصعبة في الشرق الأوسط».

جويل ريبورن (معهد هوفر)
من جهته، رأى السياسي والإعلامي السوري – الأميركي أيمن عبد النور، أن التصويت الأخير يمثل «الخطوة ما قبل النهائية» لتسلم ريبورن منصبه الرسمي، مؤكداً أن الأخير «معروف بإلمامه الكبير بالملف السوري والمعارضة السورية السابقة والحركات الأصولية والفصائل، إضافة إلى علاقاته الممتازة مع كثير من السوريين». وأضاف عبد النور أن تعيينه «يُعدّ خياراً واعداً بالنسبة للملف السوري في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع حاجة واشنطن إلى مقاربة أكثر تماساً مع واقع الصراع».
غير أن الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي عد تعيينه تثبيتاً للشخصيات الموالية لترمب، وأن دوره في سوريا قد لا يكون كبيراً بسبب تسليم ملفها إلى المبعوث الخاص توم براك. وأضاف في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ريبورن سيدعم مؤسساتياً وسياسياً ما يقوم به براك لا أكثر، وسيلتزم بأهداف واستراتيجية الإدارة الجارية منذ بداية العام. فهو موظف عالي المستوى ينسق السياسة الأميركية مع الموفدين إلى سوريا ولبنان وفلسطين وإسرائيل وشمال أفريقيا، ومن ثمّ لن يكون صوتاً من «خارج الصندوق». ويعتقد بربندي أن أفكاره ستطرح داخلياً و«لهذا لا أتوقع أي تغيير في السياسة الأميركية في أي من الملفات».
دلالات سياسية
ويُنظر إلى تمرير الترشيح داخل اللجنة بوصفه انتصاراً لإدارة ترمب، التي تعمل على تثبيت فريقها الدبلوماسي بعد سلسلة تغييرات في المناصب العليا داخل وزارة الخارجية. ويرى مراقبون أن وجود ريبورن سيعطي دفعاً لمقاربة أكثر صرامة تجاه إيران وسوريا، مع الحفاظ على تنسيق وثيق مع حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة.
ورغم بعض التحفظات الديمقراطية على ما عُدّ«نزعة تشدد» في مواقفه، يُرجّح أن يحصل الترشيح على موافقة مجلس الشيوخ الكامل بسهولة، ليصبح ريبورن من أبرز الشخصيات التي تتولى إدارة ملف الشرق الأدنى منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض.
المزيد عن: دونالد ترمب أخبار سوريا أميركا
]]>
كان يريد أن يكون راهباً لكنه وقع في غرام السينما والإخراج

اندبندنت عربية / محمد غندور مدير المراسلين @ghandourmhamad
“نحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى التحدث والاستماع بعضنا إلى بعض، وفهم كيف نرى العالم، والسينما هي أفضل وسيلة للقيام بذلك”. جملة شهيرة قالها المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي في أحد تكريماته، تؤكد أنه دائماً يعتبر السينما وسيلة التواصل مع الآخر، و”العمل الذي نؤديه بشكل فردي، يعد جزءاً من محادثة مستمرة لا نهاية لها في نهاية المطاف”.
رجل قصير القامة، وتجاعيد وجه ناعم. يرتدي دوماً نظارات طبية تساعده على رؤية ما بعد المشهد بصورة واضحة. يبحث دوماً عن الجدلية، لا يعترف بعادات أو تقاليد، ينتقد الكنيسة ومهووس بفكرة الخطيئة والخلاص. يطارد أسئلة وجودية في أعماله، ويمتاز بحركة الكاميرا الحية والسريعة، والمونتاج المتقطع الذي يمنح مشاهده طاقة خاصة.
يعد من أكثر المخرجين وفاءً لممثليه، وعلى رغم عظمته الإخراجية، فلم ينل أوسكاره الأول إلا عام 2006 عن فيلم The Departed، بعد ترشيحات كثيرة واتهامات مزمنة له بالتجاهل من قبل الأكاديمية.
يتميز بذاكرة حديد للسينما، يحفظ أسماء المخرجين والممثلين واللقطات والحوارات، ويستطيع أن يسترجعها أمامك وكأنه يعرض فيلماً كاملاً في رأسه. لا يتحدث عن نفسه كثيراً، بل عن الأفلام التي ألهمته والأفكار التي تؤرقه.

في مهرجان كان عام 1975 (أ ف ب)
استطاع سكورسيزي في عمله أن يناغم ما بين الإبداعي والتجاري، وطرق عبر أفلامه مواضيع جريئة من قبيل الهوية وعلاقة الدين المسيحي بالأخلاق والعنف، وعرف بتعاونه مع نخبة مفضلة من الممثلين من مختلف الأجيال، مثل روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو.
ترك بصمته على هوليوود بينما تخلص في الوقت نفسه من كثير من تقاليدها ومنها ما يتعلق بالموازنة المرتفعة التي تخلى عنها مكرساً نفسه لموازنة أصغر، فهو يصنع أفلاماً تعبر عن رؤيته الخاصة، بلغت نحو 27 فيلماً روائياً.
المخرج الحائز على الأوسكار سبق أن ناقش مواضيع تتعلق بالعنف عبر شرائط سينمائية سابقة، ومنها فيلم Mean Streets، الذي يعد نظرة جريئة للحياة في الحي الإيطالي الصغير بنيويورك.
ولا يتوانى عن عرض أفكاره السياسية، إذ يرى أن النظام السياسي بالولايات المتحدة ليس إلا معادلة، أطرافها قوة العصابات ونفوذ السياسيين، وهي الأطراف التي أبادت السكان الأصليين.
استطاع سكورسيزي في عمله أن يناغم ما بين الإبداعي والتجاري، وطرق عبر أفلامه مواضيع جريئة من قبيل الهوية وعلاقة الدين المسيحي بالأخلاق والعنف، وعرف بتعاونه مع نخبة مفضلة من الممثلين من مختلف الأجيال، مثل روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو.
يعكس سكورسيزي في أفلامه انشغاله الدائم بمواضيع الهوية والذنب والخلاص، وهي تجلٍّ واضح لصراعاته الخاصة مع تراثه المزدوج، وقد تحدث بصراحة عن التحديات التي لقيها في التعامل مع توقعات مجتمعه الإيطالي الأميركي، بينما كان يسعى في الوقت نفسه إلى شق طريقه. ويتجلى توتر مارتي في بعض شخصياته، مثل ترافيس بيكل (الممثل روبرت دي نيرو) في فيلم “سائق التاكسي”، وجاك لاموتا (الممثل روبرت دي نيرو أيضاً) في فيلم “الثور الهائج”، وهما شخصيتان دخيلتان على بيئتيهما، لكنهما ناتجان عنها أيضاً.
بداياته
في عام 1968، أكمل سكورسيزي أول فيلم روائي طويل له بعنوان Who’s That Knocking at My Door? وأثناء العمل على هذا المشروع، التقى هارفي كيتل الذي سيشاركه في كثير من المشاريع المستقبلية، إضافة إلى ثيلما شونميكر التي تعاون معها لأكثر من 50 عاماً.

مع روبرت دي نيرو بفيلم سائق التاكسي (غيتي)
اكتسب سكورسيزي إعجاباً مبكراً من الناقد السينمائي روجر إيبرت، الذي وصف أفلامه في تلك الفترة بأنها “مرضية فنياً وتقنياً وتضاهي أفضل الأفلام التي تُصنع في أي مكان”.
كانت فترة سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته أياماً مزدهرة بالنسبة إلى جيل سكورسيزي من صانعي الأفلام، حين كانت دوائرهم الاجتماعية المتداخلة تجعلهم يتغذون من طاقات بعضهم بعضاً الإبداعية ويحولونها حركة أسلوبية جماعية نسميها الآن هوليوود الجديدة.
في العقود التي تلت ذلك، برز سكورسيزي ككنز وطني، فهو ليس فقط أحد أهم صانعي الأفلام الأكثر أهمية وتأثيراً في التاريخ الأميركي، بل أيضاً أحد أكثر المنتجين إنتاجاً.
تتناول مجموعة أعماله إلى حد كبير قصصاً عن التجربة الإيطالية الأميركية، والمفاهيم الكاثوليكية الرومانية عن الخطيئة والفداء، والذكورة الحديثة، والجريمة المنظمة. وقد كان له دور فعال في تطوير السينما الحديثة، حين عمّم كثيراً من تصورات السينما الحديثة مثل حركة الكاميرا الديناميكية والمونتاج السريع الإيقاع ووضع الموسيقى الشعبية في الموسيقى التصويرية. لا ينافسه في التأثير بتصويره للتجربة الأميركية – الإيطالية في مسقط رأسه مدينة نيويورك، سوى وودي آلن في توثيقه التجربة اليهودية.

برز سكورسيزي ككنز وطني (مواقع التواصل)
وقد حذا صانعو الأفلام الأصغر سناً مثل سبايك لي وجيمس غراي وحتى لينا دنهام حذوه في استخدام المدينة كمنظور للتركيز على ثقافات فرعية معينة (الثقافة الأميركية من أصل أفريقي والبولندية/الأوروبية الشرقية وثقافات جيل الألفية/المحبين على التوالي).
تتعامل أعمال سكورسيزي المبكرة بصورة كبيرة مع المفاهيم الكاثوليكية عن الفداء والذنب، إضافة إلى كيفية ارتباطها بالتجربة الأميركية – الإيطالية في نيويورك. في هذا الصدد، ربما يكون فيلم “من هذا الذي يطرق بابي” الأداة الأكثر حدة من بين أفلامه، إذ يركز على مواضيعه من خلال مونتاج مطول من الأيقونات الكاثوليكية القديمة – الكاتدرائيات وتماثيل مريم والمسيح على الصليب وشموع الصلاة وغيرها.
برز سكورسيزي ككنز وطني، فهو ليس فقط أحد أهم صانعي الأفلام الأكثر أهمية وتأثيراً في التاريخ الأميركي، بل أيضاً أحد أكثر المنتجين إنتاجاً.
تمثل حبكة الحب شكلاً نموذجياً للنموذج الكلاسيكي للرومانسية الكلاسيكية لدى سكورسيزي – رجل يحب امرأة تظهر له كرؤية من بين الحشود (عادة ما تكون شقراء ترتدي الأبيض)، وتعده بأنها ستكون خلاصه من عالم وحشي – ولكن عندما تفشل في الارتقاء إلى مستوى معاييره الصارمة وغير الواقعية في نهاية المطاف يتبدل كل شيء.

تتعامل أعمال سكورسيزي المبكرة بصورة كبيرة مع المفاهيم الكاثوليكية (أ ف ب)
تسري عقدة مادونا/العاهرة هذه في أعمال سكورسيزي – حتى إنها تظهر في فيلمه “ذئب شارع وول ستريت” (2013). إنها فكرة متجذرة بعمق في الهياكل الاجتماعية والدينية لتراث سكورسيزي الإيطالي، أما السمات المميزة الأخرى لأعمال سكورسيزي، فتصوير العنف على أنه فوضوي.
بعدما لفت المخرج الشاب الأنظار إليه في هوليوود عام 1973، أراد تسليط الضوء على جانب من الثقافة الأميركية – الإيطالية التي لم تحظَ باهتمام كبير، ألا وهو الأسرة العاملة اليومية المتواضعة.
عام 1974، أنتج الفيلم الوثائقي ITALIANAMERICAN، حين صوّر والديه في محاولة لتأريخ أبسط متع تراثه، مثل تجربة العشاء الجماعية. تدور أحداث الفيلم بالكامل داخل شقة والدي سكورسيزي في ليتل إيطاليا، حيث يظهر المخرج نفسه على الشاشة وهو يجري مقابلات عرضية مع والده تشارلز ووالدته كاثرين. ويتحدثان عن زواجهما الذي دام 40 عاماً، إضافة إلى حياتهما المبكرة كأميركيين من الجيل الأول وأبناء مهاجرين صقليين.
وأحد الأسباب التي تجعل أفلاماً مثل “غودفيلاز” و”سائق التاكسي” و”ذئب وول ستريت” تثير استياء الجمهور، إصرار المخرج على عدم إظهار الصورة الكبيرة. ما يهتم به سكورسيزي هو المنظور الفردي.
شخصياته
تدور جميع أفلامه تقريباً حول وجهة نظر فردية، ولا يرغب سكورسيزي في ترك وجهة النظر هذه من أجل العاطفة أو التصحيح السياسي. ولا تدور حول أحداث ضخمة تغيّر الحياة وترسل شخصياته في مغامرات محددة، فهو معروف في الواقع بعدم اهتمامه بالأفلام التي تعتمد على السرد الروائي، ما يريدنا أن نراه هو تأثير البيئة المتغيرة في شخصياته الثابتة.
نرى الشخصيات في أفلام سكورسيزي تُظهر عدم قدرتها على التكيف مع عالم متغير بطرق مختلفة. في فيلم “عصابات نيويورك” هناك بيل الجزار، يعتبره الجمهور من معظم الروايات الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام في ملحمة سكورسيزي هذه. يتعامل بيل مع العالم من حوله من خلال مطالبته بالبقاء على حاله، لا يريد للمدينة أن تتغير.
يتم التعامل مع التغيير في فيلم Goodfellas بطريقة مختلفة تماماً، فالشخصية الرئيسة في العمل هو رجل العصابات هنري هيل، وعلى عكس بيل الجزار فهو ليس في وضع يمكنه من إجبار بيئته على البقاء على حالها.

من أكثر أعماله إثارة للجدل “تجربة المسيح الأخيرة” (أ ف ب)
يعرض سكورسيزي ببراعة البريق والإثارة والقوة التي تأتي مع حياة العصابات. أما في فيلم “ذئب وول ستريت” فنرى أن البطل هو أحد أحقر الرجال الذين ستشاهدهم على الإطلاق، جوردان بلفور.
وتدور أحداث العمل حول فريق من سماسرة البورصة، بقيادة بلفورت، الذين يغشون ويكذبون ويخدعون في طريقهم إلى قمة وول ستريت. الفيلم مبني على قصة حقيقية، ومع ذلك لم يتم التركيز ولو لثانية واحدة من الفيلم على أي من آلاف الأشخاص الذين دمرهم بلفورت بسبب احتيالاته.
يركز سكورسيزي على نفسية شخصياته بصورة مهووسة. يريدنا أن نشكك في ما كنا نظن أننا نعرفه عن الناس في هذا العالم، ويرفض مراراً وتكراراً أن يعطينا شخصيات يمكننا أن نؤيدها أو نعارضها تماماً.
ومن أكثر أعماله إثارة للجدل “تجربة المسيح الأخيرة” (1988)، الذي صوّر فيه ويليم دافو يسوع المسيح وهو يعاني الخوف والإغراء والشك. وقد وصفه بعض ممن في الكنيسة الكاثوليكية بأنه تجديف، وتلقى سكورسيزي تهديدات بالقتل بسبب إخراجه، لكنه حظي بإشادة النقاد وحصل المخرج على ترشيح لجائزة الأوسكار.
سائق التاكسي
نال الفيلم جائزة “كان” الذهبية، ويصور شخصاً عائداً من حرب فيتنام مصاباً بمرض الهذيان. في هذا العمل يدين سكورسيزي الحرب أولاً، ثم يسلط الضوء، بصورة متقدة ومقلقة على الجانب القذر والمتعب لحياة المدينة. مرة أخرى يجري التشديد هنا على الشخصية التي جسدها روبرت دي نيرو، والتي تعكس رؤية المخرج لكآبة وعصاب المجتمع المديني.

دي نيرو في “سائق التاكسي” (كولومبيا كوبال شترستوك)
يُعد الفيلم (1976) أحد أكثر الأفلام تأثيراً في السبعينيات، الذي ولد من رحم الحرمان الوجودي العميق. كتب بول شريدر السيناريو خلال فترة مضطربة للغاية في حياته شهدت سلسلة من الحوادث المتصاعدة التي حولته إلى ما يشبه العزلة.
صاغ قصة عن سائق تاكسي يومي كدراسة للوحدة المرضية، مستلهماً ذلك من مونولوجاته الداخلية ووضعه الذي يعتبره غريباً عن نفسه. في التعاون الثاني لدي نيرو مع سكورسيزي، بعد “شوارع وضيعة” (Mean Streets) عام 1973، سيصبح “سائق التاكسي” مشروعاً تحويلياً لكلا الرجلين، إذ دفعهما إلى صدارة المشهد السينمائي المعاصر بعمل جريء لن يحدد عقداً من الزمن وحسب، بل جيلاً بأكمله.
تدور جميع أفلامه تقريباً حول وجهة نظر فردية، ولا يرغب سكورسيزي في ترك وجهة النظر هذه من أجل العاطفة أو التصحيح السياسي. ولا تدور حول أحداث ضخمة تغيّر الحياة وترسل شخصياته في مغامرات محددة، فهو معروف في الواقع بعدم اهتمامه بالأفلام التي تعتمد على السرد الروائي، ما يريدنا أن نراه هو تأثير البيئة المتغيرة في شخصياته الثابتة.
ترافيس بيكل (دي نيرو) هو جندي فيتنامي بيطري مؤرق لا يعيش حياة اجتماعية. يعمل سائقاً لسيارة أجرة في نوبة ليلية، حيث يمكنه التواصل مع نبض المدينة النابض ومزيج انتقائي من سكانها.
ينجرف بلا هدف خلال أيامه، فيأكل الوجبات السريعة ويذهب إلى المسارح الإباحية. ينقشع الضباب عندما يلتقي شابة جميلة تدعى بيتسي (سيبيل شيبرد).

بعد العرض الأول للفيلم اعتبر عدد من النقاد أن مشاهد العنف مبالغ فيها (مواقع التواصل)
يصبح مهووساً بها، ويترصدها خارج مكتب الحملة الرئاسية الذي تعمل فيه بضعة أيام قبل أن يتجرأ على طلب الخروج معها. يفشل في موعدهما الأول باصطحابها إلى مسرح إباحي، وبينما يحاول استعادة ثقتها، يصبح في الوقت ذاته متعلقاً بطفلة عاهرة تدعى آيريس (جودي فوستر).
يثبت تعاون سكورسيزي الثاني مع دي نيرو أنه حاد للغاية لدرجة أنه دموي. في دور المعتل الاجتماعي الوحيد في مركز القصة، يوجه دي نيرو إحساساً هادئاً ومكثفاً بالحكم والتعالي، مما يمنحه عنصرية كامنة صاخبة مما يجعل الشخصية غير محبوبة.
يتمكن دي نيرو من الوصول إلى قلب أعمق مخاوفنا. بعد فوزه بجائزة الأوسكار عن دوره في فيلم “العراب 2″، لم يظهر دي نيرو أية علامات للرضا عن النفس، وانغمس في التحضير لدوره، لدرجة أنه قاد سيارة أجرة في مدينة نيويورك لمدة 12 ساعة في كل مرة.
يملأ سكورسيزي مشاهده اليومية بمشاهد من متعاونين سابقين حاضرين بشحمهم ولحمهم وغائبين، ولكن تم التلميح لهم. من بين الوجوه المألوفة التي نراها هاري نورثوب في دور سائق تاكسي زميله، وستيفن برنس في دور تاجر أسلحة في السوق السوداء، وفيكتور آرغو في دور صاحب متجر عنصري، وسكورسيزي نفسه في دور الزوج القاتل الديوث.
عندما صاره عام 1976، حقق الفيلم أرقاماً جيدة في شباك التذاكر، وحظي بأكوام من المديح النقدي، بل حصد بعض الجوائز المرموقة مثل السعفة الذهبية في مهرجان “كان”. كان بلا شك أكبر نجاح لسكورسيزي حتى ذلك التاريخ. وعندما جاءت جوائز الأوسكار كُوفئ بترشيحات لجوائز أفضل فيلم وأفضل ممثل (دي نيرو) وأفضل ممثلة مساعدة (فوستر) وأفضل موسيقى أصلية.
في العقود التي تلت إصداره، استمر إرث فيلم TAXI DRIVER في النمو، إذ أصبح فيلماً مهماً ضمن أفلام سكورسيزي السينمائية. ستصبح كثير من مشاهده أيقونية في تاريخ السينما، بخاصة مشهد “هل تتحدث معي؟” الذي قلده الجميع وأمهاتهم في مرحلة أو أخرى.
وعام 1994 أدخل في السجل الوطني للأفلام لحفظه، مما يضمن خلود أول تحفة فنية حقيقية لسكورسيزي. بعد العرض الأول للفيلم اعتبر عدد من النقاد أن مشاهد العنف مبالغ فيها. وحتى يتفادى أن يصنف الفيلم بتصنيف (R)، أعاد سكورسيزي تلوين مشاهد الدماء، بحيث تظهر الدماء فيها بشكل باهت وغير واضح.

يعتبر المخرج الأميركي أن صناعة السينما في هوليوود على مشارف الانتهاء (أ ف ب)
وفي مقابلات صحافية لاحقة مع سكورسيزي، ذكر أنه مسرور بتغيير الألوان الذي جرى، وأن ذلك التغيير كان إيجابياً وأن المشاهد المعدلة أفضل من الأصلية، التي ضاعت ولم تعد موجودة.
أفلام مارفل
كثيراً ما أثار سكورسيزي الجدل حول رأيه بإنتاجات “مارفل”. وفي مقالة نشرت له في “نيويورك تايمز”، ذكر “أن كثيراً من سلاسل أفلام مارفل صُنعت من قبل أشخاص موهوبين وفنانين حقيقيين، إلا أن الأفلام ذاتها لا تروقني ولا تناسب سني، وهذه مسألة أذواق وتفضيلات شخصية، ربما لو كنت أصغر سناً لأعجبني هذا النوع من الأفلام، بل ربما كنت سأرغب في صنع فيلم بنفسي”. وأضاف “أن أفلام ’مارفل‘ ليست مثل أفلام المخرجين المستقلين الآخرين مثل ويس أندرسون، كلير دينس، سبايك لي، أو حتى بول توماس أندرسون”، موضحاً “عندما أشاهد أفلام المخرجين الذين ذكرتهم، أعلم أنني سأرى شيئاً جديداً ومختلفاً بكل تأكيد، سيأخذني إلى عالم وتجربة لم أكن أتوقعها”، أما في حال أفلام “مارفل” فالأمر يشبه تقديم الشيء نفسه مراراً وتكراراً.
ويعتبر المخرج الأميركي أن صناعة السينما في هوليوود على مشارف الانتهاء، إن لم تكن قد انتهت فعلاً، بسبب أفلام الترفيه والمؤثرات البصرية. وفي لقاء مطوّل مع مجلة GQ الأميركية، قال “لقد انتهت صناعة السينما في هوليوود”، مشيراً إلى أن الأفلام التي تعتمد على المؤثرات والخدع البصرية، شوهت الأفلام الهوليوودية التي أخرجها سابقاً مثل فيلمي “سائق التاكسي” و”شوارع الأشرار”… معتبراً أن الصناعة التي كان جزءاً من نهضتها خلال 50 عاماً قد انتهت تماماً، كما حدث في ستينيات القرن الماضي، حين انطلقت سينما الصوت والصورة بعد أعوام الأفلام الصامتة.
و”الاستوديوهات الكبرى تفضل أفلام الاستهلاك والترفيه، الأسهل تسويقاً، التي تعتمد على أجزاء متتابعة، من دون أن تهتم بالقصص والحكايات المقتبسة من الواقع أو التاريخ الأميركي الحديث، المليئة بالعبر والمشاعر”، على حد تعبيره.
وشبّه وضع هوليوود حالياً بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي من أجل كتابة وإخراج وتمثيل فيلم ضخم، فتكون النتيجة قصة مسروقة وأداء ركيك وإخراج ضعيف، والنتيجة فيلم هجين عبارة عن مجموعة من كل شيء ولا شيء أبداً.
لكن المخرج الكبير استدرك بأن كلامه لا يعني عدم وجود مخرجين كبار ومهمين وأعمال مهمة تستحق المشاهدة والجوائز، لكنها قليلة وغير قادرة على الوقوف في وجه أمواج أفلام الاستهلاك والاستسهال.

بين دي نيرو وآل باتشينو (رويترز)
وعاد بذاكرته إلى إشكال مع المنتج السينمائي هارفي وينستين، في شأن موازنة فيلم “عصابات نيويورك”، الذي أخرجه عام 2002، فأكد أنه لو تكررت معه الحادثة وإصرار المنتج على التدخل بالموازنة، لكان غادر هوليوود وانتهت رحلته فيها منذ أعوام.
وتذكر أيضاً رفضه أن تقوم شركة “وورنر براذرز” بإنتاج جزء جديد لفيلمه “الراحلون The Departed” الذي أخرجه عام 2006، وأصبح الفيلم الوحيد في مسيرته الفنية الطويلة، الذي نال عنه جائزة أوسكار أفضل إخراج.
الشكل التقليدي للسينما
في سياق متصل، دافع مخرج الروائع السينمائية عن الشكل التقليدي للسينما بينما تشهد هذه الآونة ثورة تقنية وظهور منصات مثل “نتفليكس” و”أمازون”، مما جعل مستقبل هذا الفن الذي يبلغ عمره 100 عام “غير معلوم”.
وشبّه سكورسيزي الواقع في السينما بالطعام حين يطلب بعض الناس إيصاله إلى المنزل بينما لا تزال هناك شريحة تفضل التوجه إلى المطعم، ولا تزال شريحة من رواد السينما الذين يفضلون الاستمتاع بـ”تجربة القاعة” التي توفرها السينما، لذا اعتبر أنه “ملف مهم” من أجل إنقاذ مستقبل صناعة السينما.
وعبّر سكورسيزي عن تأييده فكرة عرض الأفلام في دور السينما قبل تسويقها للعرض على شاشات التلفزيون في المنازل أو عبر منصات مثل “نتفليكس” التي مولت أحد أفلامه “الرجل الإيرلندي” إذ كرر العمل مع ثلاثة من ممثليه المفضلين وهم روبرت دي نيرو وجو بيسكي وآل باتشينو.
وأضاف سكورسيزي أن “السينما التي أنتمي إليها أو أحاول الحفاظ عليها وحمايتها تحتاج إلى أن تشاهد مع أناس”، معترفاً أنه ليس “ملماً للغاية” بالإنترنت، لكنه لا يستطيع الحكم على النموذج الجديد الذي يسود اليوم عالم السينما بخاصة المنتشر بين الشباب، وهو ما يلحظه لدى بناته. وتابع “لا نعلم إلى أين تتجه السينما ولا إلى أي شيء ستتحول صورة الحركة. كانت السينما هكذا دائماً، طوال 100 عام من العمر، ندخل الآن في حقبة جديدة قد تكون كثقب أسود لمدة 15 عاماً بسبب التقنيات”.
ويوضح سكورسيزي أن أفلاماً مثل “دنكيرك” و”الرجل الأول” و”مونلايت” أنتجت كي تُشاهد بهذه الطريقة “لجمهور ضخم، برفقة الأسرة أو الأصدقاء”، وأنه من الضروري ضمان عرضها في الصالات حتى لو كانت ممولة من قبل منصات مثل “نتفليكس” نتيجة عدم قدرة معامل التصوير التقليدية على التمويل.
سكورسيزي والمرأة
تعرض فيلم الجريمة اللامع، “الإيرلندي” (The Irishman)، الذي أخرجه سكورسيزي عام 2019، إلى انتقادات شديدة بسبب قلة الأدوار النسائية فيه، إذ اقتصر الحوار المسند لآنا باكوين على سبع كلمات.
تؤدي باكوين في الفيلم دور ابنة الشخصية الرئيسة، وهو قاتل مأجور (يؤدي دوره روبرت دي نيرو)، وهي تمثل إجمالاً ضمير الفيلم وسط بحر من انعدام الأخلاق. هي تعرف من أين يكسب والدها قوته ولهذا تحتقره. كل ذلك واضح على وجهها، لكن يبدو أن بعض المشاهدين أرادوا أن تشرح لنا بالكلام كل ما نعرفه أساساً.
بعد مواجهة أحد الصحافيين له عام 2019 بسبب ما اعتبر نقصاً في الشخصيات النسائية في أفلامه، رد سكورسيزي بتبرم “إن لم تستدع القصة وجودها فهي مضيعة لوقت الجميع”. وفسر بعض الأشخاص على الإنترنت هذا التصريح لمارتي بأنه يقول إن الشخصيات النسائية مضيعة للوقت.
وأعلن موقع “ماري سو” (The Mary Sue) المختص بالثقافة الشعبية أن سكورسيزي “يعتقد بأن الشخصيات النسائية قد تنتقص من القصة”، والموقع تواق إلى الشعور بالغضب لدرجة جعلته يتجاهل ما أضافه المخرج الذي قال “إن استدعت القصة وجود شخصية رئيسة نسائية، فلمَ لا؟”.
وثائقي
أعلنت منصة “أبل تي في” عن مسلسل وثائقي جديد من خمس حلقات عن سكورسيزي، يضم مجموعة من المشاهير من الصف الأول، على أن يحمل عنوان Mr. Scorsese، وسيكون من إخراج ريبيكا ميلر، المعروفة بمشاريع مثل She Came To Me و Personal Velocit.
في حين لم يُعلن بعد عن موعد الإصدار، ولكن لمحت Apple TV+ إلى أنه “سيُعرض قريباً”.

(غيتي)
ووفقاً لبيان صحافي، سيوثّق المسلسل الوثائقي حياة سكورسيزي ومسيرته الفنية الأسطورية من خلال حوارات مع المخرج الشهير نفسه، إضافة إلى “وصول غير مقيد” إلى أرشيفاته الخاصة و”مقابلات غير مسبوقة مع الأصدقاء والعائلة والمتعاونين الإبداعيين”.
ومن بين قائمة النجوم الذين سيتحدثون إلى المنصة لأجل السلسلة الوثائقية، شركاؤه القدامى روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو، إضافة إلى عمالقة مثل دانيال داي لويس وستيفن سبيلبرغ ومارغوت روبي وميك جاغر وروبي روبرتسون وشارون ستون وجودي فوستر وكيت بلانشيت، وغيرهم، كذلك ستشارك زوجته هيلين موريس وأطفاله وأصدقاء طفولته.
سيغطي الفيلم الوثائقي فترة طويلة من حياة سكورسيزي، بدءاً من أفلامه الطلابية أثناء دراسته في جامعة نيويورك، وحتى يومنا هذا.
سيرة
وُلد مارتن سكورسيزي في الـ17 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1942 في كوينز بنيويورك لأبوين هما تشارلز وكاثرين سكورسيزي. عمل كلا الوالدين في منطقة الملابس إضافة إلى كونهما ممثلين.

الطفل (مواقع التواصل)
وكانا مهاجرين من جزيرة صقلية الإيطالية، مما يعني أن سكورسيزي كان من الجيل الأول من الأميركيين، ومن ثم كان في وضع أفضل من والديه لتحقيق الحلم الأميركي كما رآه مناسباً – وهو المسعى الذي سيصبح موضوعاً رئيساً في أعماله.
بعد انتقاله إلى حي ليتل إيطاليا في مانهاتن قبل فترة وجيزة من التحاقه بالمدرسة، نشأ سكورسيزي كطفل مريض – فقد منعه الربو الحاد من ممارسة الرياضة، لذا كان يذهب إلى السينما بدلاً من ذلك.
كانت أسرة سكورسيزي كاثوليكية متشددة، وكان مارتي الصغير يخطط في البداية أن يصبح كاهناً عندما يكبر. ولكن بعد حضوره عرض فيلم “بلاك نارسيسوس” (Black Narcissus) عام 1947، وجد نفسه مهووساً بالسينما بشدة. بدأ في اتباع نظام غذائي ثابت من الأفلام – معظمها من الملاحم التاريخية والواقعية الإيطالية الجديدة لإنغمار بيرغمان وفيديريكو فيلليني.

من تصوير “ذئب وول ستريت (مواقع التواصل)
وقد منحت أفلام مثل BICYCLE THIEVES (1948) وROME OPEN CITY (1945) سكورسيزي تقديراً أعمق لتراثه الإيطالي، لكن فكرة متابعة صناعة الأفلام كمهنة لم تخطر بباله حتى أصدر المخرج المستقل جون كاسافيتس فيلمه الطويل الأول الممول ذاتياً FACES عام 1959، وهو حدث مفاجئ بدد أي عذر للمخرج الطموح لعدم صناعة فيلمه أو فيلمها بشكل فعال.
وفي العام نفسه، حذا سكورسيزي حذو كاسافيتس في وصنع أول فيلم قصير له بعنوان VESUVIUS VI. وعلى غرار الملاحم التاريخية التي أحبها في صغره، دارت أحداث الفيلم في روما القديمة واستوحى أحداثه من المسلسل التلفزيوني الشهير آنذاك 77 SUNSET STRIP.
لم يكن الفيلم متاحاً للعرض العام، لكنه كان كافياً ليحصل سكورسيزي الذي كان يعاني صعوبات أكاديمية على مكان في دفعة جامعة نيويورك لعام 1964. وفي الفترة من 1960 إلى 1964 عمل سكورسيزي على الحصول على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، بينما كان يصنع فيلمين قصيرين كانا بمثابة أولى تجاربه الحقيقية في هذا الشكل الفني وساعدا في ترسيخ جمالياته.

ملصق فيلم آخر محاولة لإغواء السيد المسيح (موقع الفيلم)
جرب سكورسيزي الشاب صناعة الأفلام من خلال إخراج فيلمين قصيرين أثناء دراسته الجامعية – “ما الذي تفعله فتاة لطيفة مثلك في مكان كهذا”؟ (1963)، وفيلم “إنه ليس أنت فقط يا موري”! (1964).
ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي سيأتي في شكل فيلم قصير للطلبة بدأه في العام التالي – فيلم عن الشباب الإيطاليين المشاغبين بعنوان “أحضروا الفتيات الراقصات”. ربما لم يكن يعرف ذلك في ذلك الوقت، لكن ما كان يشرع فيه حقاً كان أول فيلم روائي طويل له – وإن كانت عملية إخراجه قد انحرفت كثيراً عن العمليات التقليدية.
عام 1967 أضاف سكورسيزي فقرة فرعية رومانسية مع الممثلة زينا بيثون إلى الفيلم القصير وغيّر العنوان إلى “أنا أول من يتصل أولاً”، وفي النهاية عُرض الفيلم في مهرجان شيكاغو السينمائي في العام التالي (وحاز على إشادة كبيرة من روجر إيبرت الشاب).
أدى ذلك إلى استحواذ موزع الأفلام الاستغلالية جوزيف برينر على الفيلم، الذي أجبر المخرج الشاب على إضافة مشهد جنسي غير مبرر (أقحم حرفياً في منتصف مشهد حواري) وإعادة تسمية الفيلم إلى “من هذا الذي يطرق بابي”.
بعد تعثر مشروع آخر، وقع رائعته “ماين ستريتز” عام 1973، في أول تعاون له مع نجمه ورفيق مسيرته روبرت دي نيرو. منذ هذا العمل الثاني تكرس اسم مارتن كمخرج واعد ضمن جيل جديد من المبدعين في هوليوود.
وتبقى محطة الإشعاع الكبيرة لمارتن سكورسيزي فيلمه الظاهرة “سائق التاكسي” (1976)، الذي حصل به على السعفة الذهبية بمهرجان “كان”، وجاء الفيلم صادماً على المستوى الفكري.
بعد فيلم “الإغراء الأخير للمسيح” الذي أثار صدمة لدى قطاعات واسعة من المسيحيين، برع سكورسيزي في تقديم باقة من أشهر أفلام العصابات والمافيا، على غرار “الأصدقاء الطيبون” (1990) مع روبرت دي نيرو وجو بيشي، و”كازينو” (1995) مع النجمة شارون ستون.
ويعد فيلم “الأصدقاء الطيبون” بالنسبة إلى بعض النقاد أعظم فيلم عصابات في تاريخ السينما، وكتب الناقد روجر إيبرت “لم ينتج أدق منه على الإطلاق حول الجريمة المنظمة”.
وفي 2002 قدم سكورسيزي ملحمة عن العنف الذي صاحب ميلاد أميركا الحديثة في ذروة الحرب الأهلية، من خلال “عصابات نيويورك” من بطولة ليوناردو دي كابريو ودانيال دي لويس. ومع دي كابريو قدم “الطيار” (2005) وكذلك “المتسللون” (2007) إلى جانب مات ديمون وجاك نيكولسون، وقد توّج عنه بأوسكار أفضل فيلم.

ليلي غلادستون ومارتن سكورسيزي في موقع تصوير فيلم قتلة زهرة القمر (استوديوهات أبل)
ومع دي كابريو أيضاً، اقتحم مارتن عوالم المصحة النفسية في “شاتر آيلاند” (2010)، كما قدم نقداً ساخراً لعالم المال والمضاربات في فيلم “ذئب وول ستريت” (2014) وجمع دي نيرو ودي كابريو مرة أخرى في ملحمة الجريمة الغربية “قتلة زهرة القمر” في 2023.
وموازاة مع مسيرته الفنية، أنشأ مارتن سكورسيزي عام 1990 مؤسسة الفيلم التي تتولى ترميم التراث السينمائي العالمي. وعربياً، استفاد من هذه المبادرة فيلم مغربي بعنوان “الحال” للمخرج أحمد المعنوني، حول ظاهرة فرقة “ناس الغيوان” الموسيقية التي أعجب بها سكورسيزي واستخدم إيقاعاتها في بعض أفلامه.
تزوج سكورسيزي خمس مرات، ولديه ثلاث بنات، أكبرهن كاثرين التي عملت في صناعة الأفلام، في المقام الأول في قسم الدعائم، وأسهمت في بعض الأعمال، منها فيلم كازينو (Casino) عام 1995، وهو من إخراج أبيها، وأيضاً ظهرت ممثلة في بعض المسلسلات.
المزيد عن: المخرج مارتن سكورسيزيروبرت دي نيروسينماالولايات المتحدةايطالياليوناردو دي كابريوالكاثوليكيةتمثيلإخراج
]]>
, وليد بدران / , بي بي سي
مع تدهور الوضع في السويداء، وهي المنطقة التي يتركز فيها الدروز بجنوب سوريا، بعد التصعيد بين قوات الحكومة السورية وعشائر بدوية من جهة وعناصر درزية من جهة أخرى، برز اسم سلطان باشا الأطرش على الساحة من جديد، فقد خرج من كتب التاريخ ليذكر الجميع بالدور الذي لعبه في تاريخ سوريا.
وتقول دائرة المعارف البريطانية إن الزعيم الدرزي سلطان الأطرش قاد في عام 1925 ثورةً ضد الحكم الفرنسي، وبعد نجاحها المحلي، انضم إليها قوميون سوريون من خارج الطائفة الدرزية، فانتشرت الثورة في جميع أنحاء المنطقة وصولاً إلى دمشق قبل إخمادها عام 1927، ويعتبر السوريون هذه الثورة أول انتفاضة وطنية في تاريخ البلاد.
الشريف حسين بن علي الذي تنازل عن عرش الحجاز وجلس نجلاه على عرشي العراق والأردن
البدايات والاحتلال الفرنسي

Getty Images / السيدة في الصورة هي زوجة ويليام سيبروك، وهو مراسل صحفي أمريكي كتب سلسلة مقالات عن الثورة ضد الفرنسيين في سوريا، وعن يمينها علي بك الأطرش، وعن يسارها مصطفى بك الأطرش، وهما شقيقا سلطان باشا، قائد الثورة ضد الفرنسيين
وُلد سلطان باشا الأطرش في 5 مارس/ آذار من عام 1891 في بلدة القريّا الواقعة جنوب سوريا، ضمن منطقة جبل الدروز (التي تُعرف اليوم بجبل العرب)، لعائلة عريقة تنتمي إلى الطائفة الدرزية، وكان والده، ذوقان الأطرش، زعيماً محلياً قاد معارك ضد العثمانيين، وأُعدم شنقاً عام 1911. وهكذا، شهدت طفولة سلطان باشا الأطرش أحداثاً سياسية مضطربة، إذ كانت سوريا تحت الحكم العثماني، وشهدت المنطقة توترات قبلية وصراعات بين الزعامات المحلية، ما أسهم في تشكيل وعيه السياسي المبكر.
وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، انضم إلى الجيش العثماني وحارب في البلقان حتى أنه حصل على لقب “باشا” من السلطات العثمانية تقديراً لخدماته.
وبعد انتهاء خدمته كانت الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارها، فعاد إلى الشام للتصدي للوجود الفرنسي والبريطاني، حيث بدأ ينشط في الاتصال بالحركات العربية، وكان سلطان الأطرش أول من رفع علم الثورة العربية على أرض الشام قبل دخول جيش الملك فيصل بن الحسين، حيث رفعه على داره في القريّا.
كما كان في طليعة الثوار الذين دخلوا دمشق سنة 1918، وقد رفع العلم العربي في ساحة المرجة فوق دار الحكومة بدمشق الأمر الذي نال على إثره لقب “باشا” في الجيش العربي من الملك فيصل تقديراً لشجاعته، وذلك بحسب موقع سلطان الأطرش دوت أورغ.
وفي مارس/ آذار من عام 1920 أُعلن عن قيام مملكة سوريا الكبرى التي حكمها فيصل بن الحسين، وقد رفضت فرنسا وبريطانيا الاعتراف بالدولة الوليدة وقرّرتا في أبريل/ نيسان من من عام 1920 خلال مؤتمر سان ريمو المنعقد في إيطاليا تقسيم البلاد إلى 4 مناطق تخضع بموجبها سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي وشرق الأردن وفلسطين للانتداب البريطاني، وإن كان لبنان ومعه الساحل السوري وكذلك فلسطين لم تدخل عسكرياً تحت حكم المملكة السورية نظراً لوجود جيوش الحلفاء فيها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
وسرعان ما انتهت المملكة السورية في 24 يوليو/ تموز من عام 1920، ففي ذلك اليوم وقعت معركة ميسلون بين الجيش العربي بقيادة يوسف العظمة، وزير الدفاع، والقوات الفرنسية. وكان سلطان الأطرش قد جهز قوات لنجدة العظمة، لكنه وصل بعد هزيمة الجيش العربي ومقتل العظمة.
وقد حاول الأطرش إقناع الملك فيصل بالتحصّن في جبل العرب لمواصلة المقاومة، لكن فيصل غادر سوريا.

Getty Images / جلس فيصل بن الحسين على عرش سوريا عدة أشهر فقط
عمل الانتداب الفرنسي على تقسيم سوريا لدويلات على أساس طائفي عام 1921 ، وتوصل الفرنسيون لمعاهدة مع زعماء الدروز قضت بإنشاء وحدة إدارية مستقلة خاصة للجبل، مقابل اعتراف الدروز بالانتداب الفرنسي، وعُيِّن سليم الأطرش حاكماً للجبل بموجب هذا الاتفاق.
ومن جانبه، عارض سلطان الأطرش بشدة فكرة إنشاء دولة درزية مستقلة، رافضاً مخططات الفرنسيين لتقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، وقد قال في هذا الإطار: “قطّعت سوريا إرباً إرباً، وحكمت حكماً استعمارياً محضاً جعل السوريين يترحمون على زمن الأتراك”، وذلك بحسب حسن أمين البعيني في كتابه “سلطان باشا الأطرش والثورة السورية الكبرى”.
وفي عام 1922، تصاعدت التوترات مع الفرنسيين بعد اعتقالهم للمقاوم اللبناني أدهم خنجر، الذي أراد أن يحتمي بدار سلطان الأطرش، فقاد سلطان معركة تل الحديد ضد القوات الفرنسية، محققاً انتصاراً وآسراً جنوداً فرنسيين، وقد وافق الفرنسيون على إطلاق سراح خنجر مقابل الأسرى، لكنهم أعدموه لاحقاً ودمروا منزل سلطان في القريا.
ورداً على ذلك، قاد الأطرش حرب عصابات ضد الفرنسيين، فكانت هذه انتفاضته الأولى التي دامت 9 أشهر خلال عام 1922 وذلك رفضاً للاستعمار وتكريساً لتقاليد العرب في حماية الضيف، فحكم عليه الفرنسيون بالإعدام، فلجأ إلى الأردن. ولما عجز الفرنسيون عن القبض عليه، أصدروا عفواً عنه وعن جماعته، فعاد إلى السويداء في 5 أبريل/ نيسان من عام 1923 حيث استُقبِلَ استقبالاً شعبياً كبيراً، وذلك بحسب مقال حفيدته ريم منصور المنشور في موقع مؤسسة الدراسات العلمية.
ولكن لم تهدأ الأوضاع بعد عودته، فبعد وفاة سليم الأطرش مسموماً في دمشق عام 1924، خالف الفرنسيون اتفاقهم السابق بتعيين درزي حاكماً للجبل، وعيّنوا الكابتن كاربييه حاكماً للجبل، الذي مارس سياسة قمعية ضد الأهالي. وفي كتاب “مذكرات الكابتن كاربييه في جبل العرب” يصف كاربييه سلطان باشا بأنه الرجل الوحيد القادر إما على تهدئة جبل العرب أو إشعاله، مشيراً إلى أن الفرنسيين اعتبروا جبل الدروز المكان الوحيد في سوريا الذي قد يفتح لهم أزمة حقيقية
الثورة السورية الكبرى
اندلعت الثورة السورية الكبرى في 21 يوليو/ تموز من عام 1925، بقيادة سلطان باشا الأطرش، كرد فعل على سياسات الانتداب الفرنسي القمعية، بما في ذلك تعيين الكابتن كاربييه حاكماً على جبل العرب.
وكان الدروز قد قدموا وثيقة في 6 يونيو/ حزيران من عام 1925 يطالبون فيها بتعيين حاكم درزي، لكن المفوض الفرنسي ساراي طرد الوفد، مما أشعل الثورة.
وفي 23 يوليو/ تموز من عام 1925 انتصر الثوار بقيادة سلطان باشا على الفرنسيين في معركة الكفر. وحول هذه المعركة، قال فلاديمير لوتسكي في كتابه “الحرب الوطنية التحررية في سوريا 1925-1927”: “في معركة الكفر قاد سلطان باشا الأطرش هجوماً خاطفاً ضد الحملة الفرنسية بقيادة الكابتن نورمان، ورغم التفوق العددي الفرنسي، نجح الأطرش وثواره، وعددهم لا يتجاوز 200، في إلحاق هزيمة ساحقة بالفرنسيين، وقُتل نورمان وعدد كبير من جنوده، وعندها أدرك الفرنسيون أن مقاومة الثوار في جبل العرب لا يُستهان بها”.
وبعد هذا النصر، تصاعد الزخم الشعبي بالتعاطف مع الثورة، وكانت معركة المزرعة في 2 أغسطس/ آب من عام 1925 حيث واجه حوالي 500 ثائر بزعامة الأطرش حملة فرنسية ضخمة قوامها 3.500 جندي، ورغم الفارق الكبير في العدد والعتاد، تمكن الثوار من تحقيق انتصار كبير وصل صداه إلى البرلمان الفرنسي.
وفي كتابه “الثورة السورية الوطنية: مذكرات الدكتور عبد الرحمن شهبندر” يقول في أعقاب معركة المزرعة في صيف عام 1925، اجتمعت مع القائد العام سلطان باشا الأطرش وعدد من الزعماء الوطنيين في جبل العرب، لبحث توسيع نطاق المقاومة وتحويلها إلى ثورة وطنية شاملة ضد الاستعمار الفرنسي”.
“وفي اجتماعنا التاريخي بعد انتصار المزرعة، تقرّر أن تُعلن الثورة في كل أنحاء سوريا. كانت القيادة العامة للثورة في يد المجاهد سلطان باشا الأطرش، وأنيط بي الشأن السياسي والدبلوماسي، وشُكلت لجان للإعلام والدعاية وتنظيم التحركات في الداخل والخارج، واتخذنا القرار بالإجماع، ولم يكن أحدنا يطلب مجداً شخصياً، بل كنا ننشد الخلاص لسوريا من الاحتلال، ولو كلفنا ذلك حياتنا”.
“ورفع سلطان باشا صوته قائلاً: لن أقبل أن تبقى الثورة حكراً على الجبل، سوريا واحدة وثورتها واحدة، إن لم يتحرك إخواننا في دمشق وحلب، فنحن من سيسير إليهم، فكان ذلك الإعلان لحظة فاصل بين مقاومة محلية وثورة وطنية”.

Getty Images / الدفاع عن قلعة راشيا في جبل الدروز خلال الثورة السورية الكبرى عام 1925
وفي هذا الاجتماع صدر نداء رسمي إلى الشعب السوري، يدعو فيه السوريين في كل المدن للالتحاق بالثورة، والتأكيد على أن ما بدأه أبناء جبل العرب يجب أن يعمّ كامل البلاد.
وقد شكل هذا الحدث لحظة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، حيث تحوّل الحراك من ثورة محلية في جبل العرب إلى ثورة وطنية جامعة ضد الاستعمار، بقيادة سلطان باشا الأطرش.
وأظهر سلطان باشا قدرة عالية على الحشد والتنظيم العسكري، حيث شكّل كتائب مقاتلة اعتمدت على حرب العصابات، واستفاد من تضاريس الجبل في التصدي لحملات الفرنسيين، وكان لشخصيته الكاريزمية دور كبير في جذب المتطوعين من مختلف المناطق السورية، ما جعل الثورة تمثّل وحدة وطنية نادرة بين الطوائف والمذاهب والمناطق.
لكن أدى ضعف تسليح الثوار في النهاية إلى هزيمتهم، وأصدر الفرنسيون حكم إعدام بحق سلطان، مما اضطره للجوء إلى شرق الأردن وشمال الجزيرة العربية عام 1927.
وفي كتاب “أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش 1925-1927″، وهو الكتاب الذي راجعه وصححه منصور سلطان الأطرش، يوثق سلطان باشا الأطرش التحديات اللوجستية والإنسانية التي واجهتها الثورة، مشيراً إلى شح الموارد والأسلحة مقارنة بالقوات الفرنسية. ويروي كيف اعتمد الثوار على العزيمة والتضحيات، مستغلين معرفتهم بالتضاريس الجبلية لشن هجمات خاطفة، مثل معركة المسيفرة في سبتمبر/ أيلول من عام 1925، التي ألحقت خسائر فادحة بالاحتلال.
وفي عام 1929 نظم سلطان الأطرش مؤتمر الصحراء لمناقشة القضية السورية، مواصلاً التنسيق مع الوطنيين.
وقد عاد سلطان إلى سوريا في عام 1937 بعد العفو الفرنسي الذي أعقب توقيع معاهدة 1936 التي نصت على استقلال سوريا،، واستُقبل استقبال الأبطال في دمشق، حيث اصطف آلاف المواطنين لتحيته.
استمرار النضال

Facebook / تعرض سلطان باشا الأطرش خلال حكم أديب الشيشكلي في الخمسينيات من القرن العشرين لمضايقات
لم يتوقف نضال سلطان الأطرش عند الثورة السورية الكبرى، ففي عام 1945، قاد مع الأمير حسن الأطرش عمليات لطرد الفرنسيين من جبل العرب، مما جعل السويداء من أوائل المناطق المحررة، وردت فرنسا بقصف دموي استهدف دمشق والسويداء، لكن ذلك عجل بانسحابها.
وبعد الاستقلال في عام 1946، اعتبر السوريون سلطان باشا الأطرش أحد رموز النضال الوطني، لكنه لم يطمح لأي منصب حكومي أو حزبي، وفضّل الحياة الريفية البسيطة في مسقط رأسه، حيث بقي على اتصال دائم بالشأن العام من خلال زياراته إلى دمشق ولقاءاته مع المسؤولين والفعاليات الوطنية.
وفي عام 1948، دعا سلطان إلى تشكيل جيش عربي موحد لتحرير فلسطين فتطوع المئات من الدروز ولقي 80 منهم حتفهم في الحرب.
ولم يخفِ سلطان باشا مواقفه المعارضة للانقلابات العسكرية التي شهدتها سوريا، بدءاً من انقلاب حسني الزعيم عام 1949، وتعرض خلال حكم أديب الشيشكلي في الخمسينيات من القرن العشرين لمضايقات بسبب معارضته للديكتاتورية، مما دفعه للجوء إلى الأردن عام 1954.
وعاد إلى سوريا بعد سقوط الشيشكلي، مواصلاً دعمه للوحدة العربية حيث بارك الوحدة بين سوريا ومصر، ووقف ضد الانفصال عام 1961، وقد رفض سلطان عروض السلطة، مؤمنًا بمبدأ “الدين لله والوطن للجميع”، مما جعله رمزاً للزهد في السلطة.
الوفاة والإرث
توفي سلطان باشا الأطرش في 26 مارس/آذار من عام 1982 عن عمر ناهز 91 عاماً، وعمّ الحزن مختلف أنحاء سوريا، وشارك في جنازته الآلاف من المواطنين، بينهم وفود رسمية وشعبية من جميع المحافظات، في مشهد أجمع المراقبون على أنه جسّد وحدة الشعب السوري حول رموزه التاريخية.
وقد ألقى الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد نظرة الوداع على جثمان سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا مع رجال الدولة السورية.
وأصدر حافظ الأسد رسالة حداد شخصية تنعي القائد العام للثورة السورية الكبرى، وأطلق اسمه على ساحة في السويداء، كما أصدر الأسد أمراً بإنشاء صرح يخلد شهداء الثورة السورية الكبرى ويضم رفات قائدها العام في بلدة القريا مقابل دار سلطان باشا الأطرش.
ويوم تشييعه، منحه رئيس لبنان آنذاك الياس سركيس وسام الأرز اللبناني، ودشن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات نصباً تذكارياً في مدينة رام الله تحية وفاء إلى شهداء الحامية الدرزية التي أرسلها سلطان باشا الأطرش للدفاع عن فلسطين، الذين سقطوا قرب نابلس.
وهكذا، بقي سلطان باشا حياً في الذاكرة الوطنية السورية، إذ أُطلق اسمه على شوارع ومدارس وساحات في مختلف أنحاء البلاد، وأُقيم له تمثال في مدخل بلدة القريّا.،

Facebook ضريح سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا
ولا يقتصر إرث سلطان باشا الأطرش على كونه قائاً عسكرياً، بل هو رمز سياسي وثقافي ووطني جسّد تطلعات الشعب السوري في الحرية والاستقلال.
وقد كرّس حياته من أجل الدفاع عن استقلال سوريا ووحدة أراضيها، ورفض الاستعمار بكل أشكاله، فكان صوته صادقاً ومواقفه ثابتة، لا تتغير حسب المصالح أو التحالفات، وهو ما جعل ذكراه محفوظة في ضمير الأجيال السورية والعربية.
وبعد وفاته، بدأ الجيل الجديد من السوريين يتعرف على سلطان باشا الأطرش من خلال الكتب المدرسية والمناهج الوطنية، حيث حرصت وزارة التربية والتعليم على إدراج سيرته في مناهج التاريخ، وتقديمه كأحد أبرز قادة النضال ضد الاستعمار.
ويُعد سلطان باشا مثالاً على التوازن بين الخصوصية الثقافية والانتماء الوطني، إذ لم ينكر هويته الدرزية، بل عبّر عنها بفخر، لكنه في الوقت نفسه قاوم أي محاولة لفصل الجبل عن سوريا، معتبراً أن استقلال سوريا لا يكتمل إلا بوحدتها الكاملة.
وبهذا، فإن سلطان باشا الأطرش لم يكن مجرد قائد ثوري، بل كان مشروعًا وطنياً متكاملاً، يربط بين الماضي القَبَلي والحاضر الوطني، وبين الدين والوطن، وبين الكفاح العسكري والبُعد الأخلاقي، وهو ما جعل ذكراه عصية على النسيان رغم تغيّر الأنظمة والسياسات.
المزيد عن: سورياحقوق الأقلياتالتاريخالدروزسياسةقضايا الشرق الأوسطشؤون دينية
]]>

اندبندنت عربية / مصطفى الأنصاري كاتب وصحافي @mustfaalansari
في التاريخ القديم والمعاصر، هنالك العديد من الشخصيات المؤثرة لكنها عابرة ويتوقف دورها عند ظرفها الزماني والمكاني. غير أن قلة نادرة كانت الاستثناء من تلك القاعدة، فيظل أثرها السياسي أو الثقافي والعلمي ممتداً لعقود وقرون.
من هؤلاء في باب العلاقات الروسية- العربية، والسعودية منها بالأخص السياسي المخضرم التتري المسلم كريم حكيموف، الذي لم يزل حضوره طاغياً وملهماً للمستعربين الروس والدبلوماسيين المهتمين بتعميق الروابط بين موسكو والرياض، والبناء على أسسها القديمة جسوراً جديدة، يرونها أصلب ما يمكن أن تصبح عندما تقام على جذور أعمق إرثاً وثقافة ومعنى.
قد يفسر ذلك جانباً من عودة الاهتمام الروسي بـحكيموف وترميزه سياسياً وثقافياً، فيما يشبه محاولة رد الاعتبار إليه بعد تبخيس إرثه في الحقبة السوفياتية ولا سيما على يد رفاقه في الجيش الأحمر والسياسيين الأكابر أمثال ستالين المعروف ببطشه في بدايات الاتحاد الذي نشأ على أنقاض “القيصرية” بعد الثورة البلشفية عام 1917.
العودة إلى الجذور
يأتي ذلك في سياق فلسفة الرئيس بوتين، الذي جاهد على المستويات الثقافية والسياسية في إعادة روسيا إلى جذورها القيصرية والأرثوذكسية الأعراق، وتطهيرها من التوحش الشيوعي، والتغول الليبرالي الغربي، الذي تراه نخبة الحكم الحالية خطراً على الهوية الروسية برمتها، في تصور أشهر من ينظر له سوى بوتين المفكر ألكسندر دوغين، الذي يوصف على سبيل المبالغة “عقل بوتين” لشدة التلاقي بينهما في الأفكار.
في هذا السياق يأتي كتاب سفير روسيا السابق في الرياض أوليغ أوزيروف، الذي وثق فيه حياة سلفه ومحطات تجربة حكيموف في مشهد الإيرانية وعدن اليمنية، قبل أن يؤسس للعلاقة بين موسكو والرياض، يوم كان الاتحاد أول القوى العالمية في ذلك الحين المبادرة إلى الاعتراف بالدولة السعودية الوليدة عام 1926، إذ كانت السوفيات تراقب النفوذ الغربي في الجزيرة العربية وتريد منافسته ما أمكنها ذلك، وتلك مهمة مثلها كريم باقتدار باعتباره دبلوماسياً محنكاً، استطاع توظيف خصائصه الدينية واللغوية والثقافية في بناء الجسور مع العرب، قبل أن تنقلب عليه موسكو، التي هالها التأثير الذي غدا على حكيموف الشيوعي من أصدقائه الجدد، على نحو بدا أن ستالين استكثره وخشى من عواقبه الأيديولوجية في حزبه.
بين الأكواخ والقصور
وتكشف الوثائق التي اطلعت عليها “اندبندنت عربية” شهادة سفير الاتحاد السوفياتي في الجمهورية العربية اليمنية، “في في بوبوف”، واصفاً عمل حكيموف في الجزيرة العربية، قائلاً “ليس من قبيل المبالغة أنه بفضل إسهاماته الشخصية، تم إرساء أسس العلاقات بين الدولة السوفياتية الفتية والعالم العربي… وبفضل معرفته العميقة بالتاريخ والتقاليد والعادات العربية، ولباقته الاستثنائية وقدرته على جذب الناس، حظي باحترام كبير بين الشعبين اليمني والسعودي”.
وأضاف “كان يتحدث العربية بطلاقة، حتى أن العرب كانوا يُعجبون بقدرته على التعبير عن أفكاره بأسلوب عميق ومنمق وعربي. إنه لمن دواعي سروري قراءة الوثائق التي كتبها: فهي غاية في الإتقان والاحترافية، ولغته غنية ومعبرة. كان يُستقبل في القصور وأكواخ الفقراء. كان منزله يعج بالضيوف دائماً من التجار وأفراد العائلة المالكة وعامة الناس “.
لم يكن هذا رأي الروس وحدهم وإنما كذلك السعوديون الذين وثقوا أن حكيموف نجح في نسج علاقة خاصة مع مؤسس الدولة السعودية الراهنة الملك عبد العزيز الذي اشتهر بمعرفته معادن الرجال وبناء الصداقات مع مختلف الجنسيات والانتماءات، في وقت كان يضع اللمسات الأخيرة على مشروع توحيد الجزيرة العربية، في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، حين وصل حكيموف الدبلوماسي السوفياتي المسلم، وأول مبعوث رسمي من موسكو إلى المملكة الفتية.
كان حكيموف، المولود عام 1890 يجسّد في شخصه مزيجاً نادراً من الإيمان والثقافة الشرقية والولاء الثوري للبلاشفة. وهو ما مكنه من فهم المجتمع الحجازي والتواصل مع الملك المؤسس عبد العزيز بلغةٍ مشتركة من الاحترام والديبلوماسية والوعي الديني، إذ جاء وهو يعرف جيداً العربية ومطّلع على عادات المسلمين، بحسب ما يقول المؤرخون.
وصل الحجاز رسمياً عام 1924، ثم أصبح أول قنصل عام لبلاده في جدة بعد افتتاح القنصلية عام 1926. كان ستالين قد كلّفه بمهمة بناء جسور مع الملك عبد العزيز، انطلاقاً من مصالح موسكو في كسر عزلة بلادها دولياً، وفي الوقت ذاته جذب المملكة الصاعدة بعيداً من النفوذ البريطاني.

أصبح أول قنصل عام لبلاده في جدة بعد افتتاح القنصلية عام 1926 (ويكيبيديا)
ما لبث حكيموف أن أصبح شخصية مألوفة في مجلس الملك عبد العزيز، مستفيداً من أصوله الإسلامية وقدرته على التزام القيم الدينية. تطورت العلاقة إلى ما يشبه الصداقة الشخصية؛ إذ وصفه الملك مراراً بـ”الصديق الأمين”. وثّق الطرفان اتفاقيات لتسهيل شؤون الحجاج السوفيات، وفتحت جدة أبوابها للحجاج المسلمين من الجمهوريات السوفياتية.
لكن هذه الصداقة لم تشفع لحكيموف لدى ستالين. فعندما اشتد جنون الشك لدى الزعيم السوفياتي في الثلاثينيات، اتُهِم كريم بالتجسس والخيانة العظمى بعد استدعائه إلى موسكو عام 1937. وعلى رغم عدم وجود دليل حقيقي، أُعدم عام 1938، مع كثيرين من كوادر السياسة الخارجية السوفياتية في إطار ما عُرف بـ”التطهير الكبير”.
لماذا رفض اللجوء السياسي مثل طبيب البعثة؟
عندما استدعى ستالين مبعوثه في السعودية لم يكن الملك السعودي المعروف بدهائه السياسي يستبعد النهاية التي انتهى إليها صديقه، لذلك عرض عليه اللجوء السياسي في الرياض، إلا أن ثقته على ما يبدو في رفيق السلاح ستالين جعلته يلبي النداء بثقة الرجل العارف بنقاء مهمته، لكن عيون الرفيق أخبرته بما يزعجه، وفق الأكاديمي الروسي المعاصر ألكسندر ياكوفليف الذي يرجح أن التقارير التي كانت تصل إلى الكرملين تفيد بأن حكيموف تجاوز حدود التصنع الدبلوماسي في أدائه الشعائر الدينية إلى امتثاله الدين الإسلامي على وجهه الحقيقي بين السعوديين، ولا سيما عندما طلب أن يؤذن له في أداء فريضة الحج رسمياً، فكان ذلك “خطاً أحمر” لا يمكن التسامح معه في ظل المشهد الروسي يومئذ، فواجه مصير الإعدام عام 1938، الذي انتهى إليه آخرون أيضاً من ممثلي السفارة الذين طلب منهم العودة جميعاً إلى موسكو على متن باخرة أقلتهم من جدة.

حكيموف مع اعضاء البعثة الدبلوماسية في جدة عام 1924 ( من كتاب: كريم حكيموف سيرة حياة)
ما فات كريم صديق الملك استدركه الطبيب عبد الكريموف الذي تخلف عن البعثة المغادرة للديار السعودية، في قصة رواها الشاهد عليها ذلك الحين إبراهيم الحسون في مذكراته، فهو الكاتب العام لقائمقام جدة الشيخ إبراهيم بن معمر، الذي دخل عليه الطبيب في الليل فزعاً، يطلب الحماية واللجوء.
ويقول حسون في مذكراته إن بن معمّر، الحاكم الإداري السعودي لجدة، حينها، سمع كلام الطبيب بهدوء، ثم قال له “إن التقاليد العربية تحمي من هو في مثل وضعك، وأنت فوق ذلك مسلم، والحكومة السعودية ملزمة بالدفاع عنك، مهما كلّفها ذلك، أنت الآن هنا مُكرّمٌ في بيتك”، على إثر ذلك رفع بن معمر برقية إلى الملك عبد العزيز في الرياض يخبره بما جرى، فأتاه الجواب سريعاً بأن “أحسنتم في تصرّفكم، عمّدوا المذكور بتوجّه إلى مكة، وقد عمّدنا الابن فيصل (الملك فيصل لاحقاً، وكان نائب الملك على الحجاز) بإشعار السلطات الروسية بأن الطبيب المذكور لاجئ عند المملكة العربية السعودية وقد وافَقتْ على طلبه، ومنَحتهُ اللجوءَ لديها، ولذا فلا موجب لبقاء البارجة بعد الآن في الميناء، كما عمّدناه باتخاذ اللازم نحو ما يلزم بتأمين سكن المذكور في مكة، وتوفير كل ما يحتاجه”، عندما قرأها الطبيب أجهش باكياً غير مصدق.
وتروي خديجة خانم، زوجة الراحل حكيموف بعد عقود حجم العلاقة التي تربط زوجها بالقيادة السعودية بعد ذلك بعقود في حديث مع “المجلة” اللندنية في أكتوبر (تشرين الأول) 1989 عند زيارتها في موسكو، أن الملك زار زوجها كريم في منزله، معربة عن دهشتها في كون “الزعيم الذي ترتعد فرائص الرجال مهابةً له، كان عطوفاً طيب القلب، وكنا نشعر أنه يخصنا بمعاملة خاصة، ربما لأنه كان يشعر بمعاناة المسلمين السوفيات على أيدي رجال ستالين”. وتابعت أن الملك جاء مشياً، يحيط به مرافقوه، وعندما رآه حكيموف هرع إليه مرحباً. جلس الملك مع حكيموف في ديوان الضيوف، وتبادلا الحديث الودي الذي دار معظمه حول أوضاع المسلمين في الاتحاد السوفياتي وأحوال البلاد والمشاريع الاقتصادية الجديدة هناك.
وتروي خديجة أنها كانت تستمع من الغرفة المجاورة، تحاول كتم دموعها وحزنها لفقدان ابنها شامل، لكن العاطفة غلبتها فانفجرت باكية بصوت مرتفع. سأل الملك عبد العزيز بتأثر واضح: “يا حاج عبد الكريم، إنني أسمع نحيباً، فما سبب هذا النحيب؟ لعله خير إن شاء الله؟”، فأجاب مرتبكاً “إنها زوجتي يا طويل العمر، لقد وافت المنية ولدي الصغير شامل ليلة أمس بعد إصابته بالزحار” المنتشر بين الأطفال في حينه.
عندها وقف عبد العزيز على الفور، واستأذن لرؤية جثمان شامل، واقترب منه يردد: “يرحمه الله، يرحمه الله، وألهمكم الصبر والسلوان”، وأمر بإقامة عزاء رسمي للطفل وبدفنه في مكة المكرمة. تقول خديجة عن تلك اللحظة: “شعرت كم أن هذا الرجل، الذي اهتزت لمهابته صحاري الجزيرة، متواضع غاية التواضع، تواضع المؤمن القوي”.
وتضيف “لقد كان موضع ثقة جلالته وحكومته، وكان يتنقل في عرض البلاد وطولها من دون رقيب أو حسيب. كان مسلماً شديد التمسك بإسلامه، وكان مؤمناً يؤدي فرائض الله من دون انقطاع، وقد دفعه إيمانه وتعلقه بمكة المكرمة والديار المقدسة الى أداء فريضة الحج سبع مرات (ربما بصورة غير رسمية)، هذا علاوة عن أنه زار كعبة المسلمين خلال وجودنا هناك مرات عدة”.
وتسجل في شهادتها أن زوجها “لم يكن يخبئ شيئاً عن رجالات الدولة السوفياتية التي يعمل سفيراً لها، وكان ينقل تفاصيل لقاءاته مع الملك عبد العزيز إلى رؤسائه، وكان يحدثني بفرح منقطع النظير عن المشاريع الطموحة التي كان يخطط لها لتعزيز العلاقة مع الدولة التي أحبها ومع حكومة بن سعود الذي كان يكن له احتراماً شديداً وكان يدرك أن ما قام به سيكون نقطة تحول في العالمين العربي والإسلامي”.
عمق العلاقة تلك، جعل خبر إعدام كريم قاسياً عندما بلغ الملك الذي رفض لاحقاً استقبال أي مبعوث سوفياتي آخر بعد تلك الحادثة لسنوات طويلة.
مرحلة الغضب والثأر
بعد إعدام حكيموف، دخلت العلاقات السعودية- السوفياتية في فترة جمود طويلة، زادتها تعقيداً مواقف موسكو الداعمة للتيارات الشيوعية والأنظمة الجمهورية في الشرق الأوسط، بينما كانت الرياض رأس الحربة في مواجهة المد الشيوعي في المنطقة، الذي بلغ ذروته عندما قادت وواشنطن جهداً حربياً واسع النطاق ضد السوفيات في أفغانستان، شكل أحد أدوات الحرب الباردة الناجعة في التعجيل بإسقاط الاتحاد السوفياتي، الذي رأى فيه الغرب والعالم الإسلامي بقيادة السعودية خطراً أيديولوجياً، لمسوا شروره عن قرب بواسطة الجمهوريات الإسلامية الواقعة ضمن هيمنته حينئذ في ما يعرف اليوم بآسيا الوسطى.
استمرت القطيعة حتى عام 1990 أواخر عهد غورباتشوف حينما أعاد البلدان تنشيط العلاقة الدبلوماسية بينهما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وفي 1991، عُيّن أول سفير روسي رسمي لدى الرياض، وبدأت صفحة جديدة.

حكيموف بالزي العربي ( من كتاب: كريم حكيموف سيرة حياة)
لكن المؤرخ السعودي الراحل عبد الرحمن الشبيلي لحظ أن التواصل لم ينقطع بالكلية، على رغم التضاد السياسي بين الدولتين، بسبب النزعة الشيوعية والاضطرابات العالمية، إلا أن “السوفيات لم يتدخلوا في الشؤون الدينية للمملكة، وظل الاهتمام الأكاديمي الروسي بالإسلام حاضراً”. ووثق في بحث له عن تاريخ علاقات البلدين، اطلعت عليه “اندبندنت عربية” أنه حتى الثلاثينيات من القرن العشرين، “واصلت روسيا تزويد السعودية بالحبوب والسيارات (مثل موسكوفيتش)، لكن الحرب العالمية الثانية والانكماش العالمي أوقف هذا التواصل، فانخفض عدد الحجاج الروس بشكل كبير”.
وعلى رغم منافسات القوى الكبرى، وخصوصاً بريطانيا التي حاولت إضعاف الصلات، رأى الشبيلي أن الروابط الدينية والثقافية ظلت بين شعوب روسيا المسلمة وبلاد الحرمين شاهدة على عمق العلاقة. ومع تحسن العلاقات السياسية في العقود الأخيرة، أعيد إحياء هذا الإرث الطويل من الروابط الروحية والثقافية، في سياق جديد يجمع بين الذاكرة التاريخية والتعاون الحديث.
عودة إرث حكيموف
منذ بداية القرن الحادي والعشرين، أخذت العلاقات منحى جديداً يقوم على المصالح الاقتصادية والسياسية، بعيداً من الأيديولوجيا. زار الملك سلمان موسكو عام 2017 في زيارة تاريخية وُصفت بأنها “غير مسبوقة” باعتباره أول ملك سعودي يزور روسيا، وتبادل الطرفان التوقيع على عدد من الاتفاقيات المهمة في مجالات الطاقة والتقنية والثقافة. كذلك زار الرئيس فلاديمير بوتين الرياض في 2019، مؤكداً على مكانة المملكة كأكبر شريك اقتصادي وسياسي لموسكو في المنطقة.
وفي السنوات الأخيرة، زاد التنسيق بينهما في إطار “أوبك+” للحفاظ على استقرار أسواق النفط، كما نسّقتا المواقف في عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
اليوم، ومع احتفال البلدين بمرور 100 عام على أول اتصال رسمي بين الملك عبد العزيز والاتحاد السوفياتي، يظل اسم كريم حكيموف رمزاً لبداية تلك القصة: قصة جسور بُنيت بين عاصمتين من عالمين مختلفين، تقاطعت مصالحهما أحياناً وتباينت أحياناً أخرى، لكنها حافظت على خيط من التواصل.
تُحيي روسيا والسعودية ذكرى حكيموف باعتباره “الشهيد الدبلوماسي” الذي مثّل الروح الإنسانية المشتركة قبل أن يسحقه القمع الستاليني. وفي الوثائق المتداولة، لا تزال صوره ومراسلاته مع الملك عبد العزيز شاهداً على لحظة تاريخية حين التقت مكة بالكرملين على يد رجلٍ تتري مسلم، فهم الإسلام وأتقن السياسة، لكن عجز عن النجاة من آلة القمع التي عرفت بها تلك الحقبة.
التاريخ يعيد نفسه
لكن الروح التي أراد ستالين الخلاص منها نهضت مجدداً، وعادت لتأثيرها الأول من جديد، وهو ما يقر به كاتب سيرة كريم الدبلوماسي أوزيروف، الذي أكد أن “روح حكيموف حية الآن وقوية”، على هامش زيارته للرياض بين وفد روسي كان من بين مهامه التعريف بـ”نادي حكيموف” الذي بات صلة وصل ثقافية بين موسكو والبلدان العربية ووسط آسيا على خطى الراحل الذي أعيد إليه اعتباره، بعد أن بات أحد عناوين التبادل الثقافي والسياسي.
ويعتبر النادي “من خلال الاسم وبرنامج عمله وأعضائه ينقلون روح حكيموف؛ روح الصداقة والعلاقات الودية بين البلدين، روح العلاقات بين المسلمين الروس والمسلمين في المملكة العربية السعودية، ونعتقد أن هذه الروح الآن حية وتعطي لنا قوة وقدرة أن نتقدم للأمام”.
وأبدى البروفيسور فيتالي نعومكين، الحاصل على جائزة الدولة الروسية، لدى تقديمه كتاب سيرة حكيموف أسفه لأن إعادة الاعتبار إليه جاء بعد عقود من مقتله، منوهاً إلى أنه “بعد سنوات طويلة من النسيان استعاد التقدير الذي يستحق من الدولة… فهو موضع فخر من شعب باشكيرستان (فيدرالية داخل روسيا) الذي ينتمي إليه من حيث القومية وكذلك شعب تتارستان الذي يعتبره أيضاً أحد أبنائه”.
أما على الصعيد السياسي فيرى المحلل الروسي رسلان سليمانوف أن روسيا اليوم على رغم استثمارها في نطاق الدراسات العربية، وعمل العديد من المتخصصين فيها، إلا أنها لم تستطع إعادة إنتاج من “يضاهي كريم حكيموف في مكانته، إذ كان يتحدث عدة لغات شرقية، وجمع بين كونه عالماً ومستشرقاً بارعاً ودبلوماسياً متميزاً، وضع أسس علاقات الاتحاد السوفياتي مع العالم العربي عموماً ومع المملكة خصوصاً”، مشيراً في حديثه مع “اندبندنت عربية” إلى أن مستوى التخصص والخبرة الذي كان يتمتع به حكيموف لا يُرى اليوم في روسيا!
ويعتقد أن الراحل أُعيد إليه الاعتبار رسمياً منذ عام 1956، بعد وفاة ستالين، في إطار عملية تطهير البلاد من إرث الستالينية، وإنصاف الضحايا الذين تعرضوا للقمع، “أما اليوم فيُنظر إلى كريم باحترام كبير في روسيا، باعتباره واحداً من أبرز المستشرقين والدبلوماسيين السوفيات، ورمزاً للدبلوماسية الروسية في الشرق الأوسط”. موضحاً أن روسيا تحتفي بذكراه عبر مؤتمرات متخصصة تُعقد بشكل دوري لتخليد إرثه، إذ يُعتبر “مرجعاً وقدوة وسلطة لا جدال فيها لكل من يعمل في ميدان العلاقات الروسية- العربية”.
المزيد عن: العلاقات السعودية الروسيةروسياالسعوديةستالينكريم حكيموفانهيار الاتحاد السوفياتي
]]>
“بيان مذل فُرض علينا”، بهذه الكلمات وصف الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، بياناً سابقاً صدر باسمه صباح الثلاثاء كان قد عبّر فيه عن ترحيبه بـ”تدخل” الحكومة السورية في السويداء.
واتهم الهجري السلطات السورية بـ “نكث العهد والوعد” عبر “استمرار القصف العشوائي للمدنيين العزّل.”
وجاءت تصريحاته بعد التصعيد في محافظة السويداء، إثر اشتباكات دامية بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية، خلفت نحو 100 قتيل، حيث قال الهجري إن الدروز “يتعرضون لحرب إبادة شاملة”.
من فنزويلا إلى مشيخة العقل
في هذا السياق، يبرز اسم الشيخ الهجري كأحد أبرز الأصوات المعارضة للحكومة في الجنوب السوري، فمن هو هذا الشيخ وكيف تطورت مواقفه خلال السنوات الأخيرة؟ وإلى أي مدى تعكس مواقفه الراهنة المزاج العام للطائفة الدرزية في السويداء؟
وُلد الشيخ حكمت الهجري في فنزويلا عام 1965، حيث كان والده يعمل هناك، ثم عاد إلى سوريا ليكمل تعليمه في السويداء، قبل أن يلتحق بكلية الحقوق في جامعة دمشق ويتخرج منها عام 1990.
نشأ الهجري في بيئة دينية محافظة وتدرّج في سلم المرجعيات الدينية حتى خلف شقيقه أحمد في رئاسة مشيخة العقل عام 2012 بعد وفاته في حادث سير غامض.
انقلاب على دمشق
تميّز الهجري في بداياته بموقفه المتحفظ تجاه نظام الأسد، لكن مع مرور الوقت، بدأ الهجري يبتعد تدريجياً عن تأييد النظام، خاصة بعد تعرضه لما قال إنه “إهانة لفظية” من قبل ضابط أمني عام 2021 خلال اتصال هاتفي، مما فجّر موجة احتجاجات في السويداء ورسم نقطة تحوّل في علاقته بالنظام السابق.
وفي مقابلة أجرتها بي بي سي مع الزعيم الدرزي في يناير/ كانون الثاني، عبّر الشيخ حكمت الهجري عن موقف “منفتح” تجاه المرحلة الجديدة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد. قال إنه قبِل بالتغيير بهدوء، وأبدى استعدادا للتعاون مع الحكومة الجديدة لتأمين انتقال سلمي، مشدداً على أن “الإيجابيات تفوق السلبيات رغم بعض التحفظات”.
كما دعا إلى تشاركية حقيقية بين السوريين وصياغة دستور جديد، وتشكيل حكومة وجيش وطني يمثل الجميع، معلنًا استعداد الدروز للاندماج في الجيش السوري على أسس وطنية، وشدد على أهمية وحدة سورية جامعة ورفض منطق الأغلبية والأقلية.
لكن منذ ذلك الحين، تغيّر موقفه تجاه الحكومة الحالية بشكل كلي، وذلك بعد المواجهات الدامية التي بدأت في ريف دمشق وتحديداً في جرمانا وأشرفية صحنايا، والتي أوقعت عشرات القتلى من المدنيين ورجال الأمن المسلحين. حمّل الهجري الحكومة مسؤولية ما جرى، ودعا إلى توفير حماية دولية لأبناء الطائفة، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً.
تصعيد غير مسبوق ومطالب بتدويل الأزمة
وفي مارس/ آذار الماضي، وصف الشيخ حكمت الهجري مشروع الدستور السوري الجديد بأنه “غير منطقي”، داعياً إلى إعادة صياغته على أسس ديمقراطية تضمن التشاركية الحقيقية. وفي بيان رسمي، انتقد إدارة المرحلة الحالية التي “تتم بطريقة أحادية الجانب من دون مشاركة حقيقية من مختلف مكونات الشعب”.
وعن الأحداث الدامية في الساحل السوري، وصفها الهجري بأنها “مجازر بحق الأبرياء تُعيد إلى الأذهان فظائع تنظيم داعش”. وأضاف: “عندما سُئل عن المسؤول، قيل إنها أعمال فردية، لكننا نؤكد أن فصائلكم تُمثّلكم، وأنتم تتحملون المسؤولية كاملة”.
واستمرت لهجة الشيخ حكمت الهجري في التصعيد ضد الحكومة السورية، خاصة بعد الاشتباكات التي اندلعت في منطقتي جرمانا وصحنايا ذات الغالبية الدرزية، حيث صعّد من نبرته في بيان دعا فيه المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل، قائلاً: “لسنا بحاجة لأقوال بل لأفعال”، ومؤكداً أن أبناء الطائفة الدرزية “ليسوا دعاة انفصال، بل يطالبون بمشاركة حقيقية في بناء دولة فيدرالية ديمقراطية تصون كرامة السوريين وتضمن أمنهم”.
وأضاف أن فقدان الثقة بالحكومة بات كاملاً، قائلاً إنها “تقتل شعبها عبر ميليشيات تكفيرية تابعة لها”، وشدد على أن ما يحدث هو “قتل ممنهج وموثق”، يستدعي “تدخلاً دولياً عاجلاً” لحماية المدنيين ووقف فوري للانتهاكات.
وفي مقابلة أجرتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في شهر أيار/مايو الماضي، عبّر الشيخ حكمت الهجري، عن موقف لافت تجاه إسرائيل، مخالفًا بذلك المواقف التقليدية التي تبنتها الحكومات السورية المتعاقبة. قال الهجري: “إسرائيل ليست العدو”، مشيرا إلى أن ما عاشه السوريون لعقود من شعارات معاداة إسرائيل لم يكن يخدم مصلحة الشعب. وأضاف: “عشنا تحت هذه الشعارات لعقود. في سوريا، يجب أن نهتم فقط بالقضية السورية.”
الكاتب والباحث السوري جمال الشوفي، قال في حديث مع بي بي سي، إن دعوة الشيخ حكمت الهجري للتدخل الدولي جاءت “دون تمحيص سياسي كافٍ، وافتقرت إلى قراءة دقيقة لتعقيدات المشهد السوري”، واصفاً التصريحات بأنها “غير موفقة”.

Getty Images
انقسام داخلي
وأوضح الكاتب الشوفي أن تدويل القضية السورية أمر بالغ الصعوبة، بغض النظر عن الجهة المطالبة به، مشيراً إلى أن “التجربة السورية منذ عام 2012 وحتى اليوم أظهرت بوضوح أن المجتمع الدولي ليس في وارد تدويل الأزمة، نظراً لتضارب المصالح الدولية حول سوريا، والاتفاق الضمني على الإبقاء على الوضع الراهن.”
وأضاف الشوفي أن موقف الطائفة الدرزية من الحكومة الحالية ليس موحداً، بل يتّسم بالتباين، إذ تميل بعض الأصوات إلى ضرورة التهدئة ووقف الخطاب التحريضي ضد أبناء السويداء، في حين تتبنى أطراف أخرى مواقف أكثر حدة، لكن القاسم المشترك بينها هو القلق من الانفلات الأمني والرغبة في تجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد.
تصريحات القيادي الدرزي الشيخ حكمت الهجري لا تعكس بالضرورة موقف باقي القيادات الدينية في الطائفة. فقد أكد الشيخان حمود الحناوي ويوسف الجربوع، في بيان صدر عنهما مؤخراً باسم “مشيخة عقل طائفة المسلمين الموحدين الدروز، ومرجعيات ووجهاء وعموم أبناء الطائفة”، على “ضرورة التمسك بالوحدة الوطنية ونبذ الفتنة”، وذلك في أعقاب الاشتباكات المسلحة التي وقعت جنوب دمشق. وشددا في بيانهما على أن أبناء الطائفة يشكّلون “جزءاً لا يتجزأ من الوطن السوري الموحّد”، رافضين أي دعوات للتقسيم أو الانفصال.
وفي هذا السياق، يرى الباحث السوري إسماعيل أبو عساف أن التناقضات في المشهد الديني الدرزي “ليست ناتجة عن خلافات جوهرية داخلية بقدر ما هي نتيجة تراكمات غذّاها النظام السابق بهدف فرض السيطرة وإضعاف استقلالية القرار الديني”.
ويشير إلى أن التناحرات بين القيادات “ليست جديدة، بل تظهر في بيئات معينة وتختفي في أخرى بحسب الظروف، وهي لا تعكس بالضرورة موقفًا وطنيا جامعا.” ويحمّل أبو عساف المسؤولية الأساسية في ما يجري للمسؤولين، موضحاً أن “الدولة التي تخلّت عن دورها في بناء مؤسساتها وتركت الحاجات الوطنية تتقاذفها المصالح الضيقة، هي السبب في تأجيج المواقف”.
المزيد عن: إسرائيلسورياالدروزالأزمة السوريةبشار الأسد
]]>