القبائل اليمنية تصعد ضد الحوثيين و”حماس” تشترط موافقة إسرائيل على اتفاق السلام قبل نزع السلاح والجيش السوداني يحقق مزيداً من الإنجازات ضد “الدعم السريع”
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقول إن الولايات المتحدة تضرب إيران “بقوة”، مؤكداً أن الحرب معها “تسير بشكل جيد”، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية والتصعيد المتبادل بين الجانبين.
ومسؤول سعودي يؤكد أن ضربات المملكة استهدفت الميليشيات الإرهابية الموالية لإيران في العراق، التي هددت أمن المملكة، وليست موجهة ضد الشعب العراقي.
الجيش السوداني يصعد غاراته ضد مواقع قوات “الدعم السريع”.
و”حماس” تقول إن تنفيذ اتفاق السلام الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب في غزة سيتوقف على وفاء إسرائيل بالتزاماتها….
لقراءة المقالة كاملة على الموقع الرسمي، انقر هنا
]]>

اندبندنت عربية / إنجي مجدي صحافية @engy_magdy10
تقف شابة في بهو فندق فاخر، تصرخ في حالة انهيار: “إنهم يأكلون الناس”. لكن سرعان ما تتدخل الشرطة لإبعادها، وبعد ذلك تختفي الشابة.
تُوضع هذه الحادثة ضمن إطار واحد مع طقوس شيطانية ومشاهد دموية لتقطيع أوصال أطفال واغتصابات، مستدعاة من عالم الإنترنت المظلم. وتزداد الصدمة حين يتبين أن المتورطين هم رؤساء سابقون للولايات المتحدة، ما يجعلها مادة خصبة للتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، وجني مزيد من الإعجابات لمروجيها، بل وأكثر من ذلك: تقديم ما يُعد “إثباتاً” لنظريات طالما اعتبرها الإعلام الأميركي مجرد مؤامرات تقف خلفها مجموعات من المهووسين أو الكارهين.
طقوس شيطانية
ومطلع الأسبوع، أفرجت وزارة العدل الأميركية عن 3 ملايين وثيقة من “ملف إبستين” المتعلق بالملياردير الأميركي جيفري إبستين الذي أدار شبكة واسعة للاتجار الجنسي بالقاصرات في جزيرته الشهيرة التي توافد عليها عشرات الأثرياء. واحدة من الوثائق المتداولة بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بمذكرة تابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي بتاريخ 28 أغسطس (آب) 2019، وهي تتناول تفاصيل بلاغ تقدم به “ضحية مزعوم” وفق وصف الوثيقة، تم دفعه لتقديم البلاغ من قبل صحافي يُعرف بالترويج للإشاعات، نظريات المؤامرة يُدعى “مايكل مور” وعميل خاص سابق لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وفق بلاغ الرجل الذي لم تُذكر تفاصيل عن عمره أو هويته، لكنه أفاد بأنه تعرّض للاغتصاب من قبل عمه الأكبر منذ أن كان عمره خمس سنوات وحتى بلوغ الـ22 سنة، وأنه التقى جيفري إبستين مرتين في نادي يخوت عندما كان عمره خمس وثماني سنوات، وأنه تعرض للاغتصاب من قبل إبستين في رحلة يخت عام 2000 ومن قبل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بعد أن تم تخديره. وأن الرئيس الحالي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا كانا ضمن الحضور خلال رحلة اليخت هذه.
ويقول الشاب إنه كان يعاني صدمة وخضع لعلاج نفسي وإنه حالياً لا يعمل ويعيش مع والدته وصديقها العاطل من العمل المصاب بالسمنة المفرطة. ويضيف إنه كان يتعاطى عقاقير مخدرة وإنه يدخن حالياً الماريجوانا.

جزء من المذكرة الوارد فيها إدعاءات الضحية المزعوم (موقع وزارة العدل الأميركية)
وفي رسالة بريدية أخرى لاحقة في اليوم نفسه، يضيف المرسل لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن الشاب شهد على اليخت رجالاً أفارقة أميركيين يمارسون الجنس مع نساء شقراوات، وأن جميعهن كن ينزفن خلال الجماع. ويضيف أن الشاب كان ضحية أيضاً لطقوس أضحية حيث تعرّضت قدماه لجرح بسيف كجزء من الطقوس، لكنها لم تترك أي ندوب. وأنه شاهد على اليخت أطفالاً مقطوعة الأوصال ومفرغة من الأمعاء وأشخاصاً يأكلون البراز بداخل هذه الأمعاء. كذلك تعرض للاغتصاب أيضاً من جورج بوش.
ومع ذلك، تذكر المذكرة الرسمية أن الضحية المزعوم “تم اصطحابه إلى مبنى مكتب التحقيقات الفيدرالي بواسطة مايكل مور، مؤسس موقع True Pundit، الذي وصفه العديد من المصادر على الإنترنت بأنه موقع إخباري مدفوع بالمؤامرات يسعى لتصوير مكتب التحقيقات الفيدرالي في صورة سلبية. وأن لدى مور سجلاً جنائياً نتيجة تحقيق أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي بتهمة انتهاك حقوق الطبع والنشر.”
وكتب المحقق أن الضحية المزعوم “لم يقدم أي دليل داعم أو شهود يمكن التواصل معهم. بدا لي عاطفياً غير متزن ولكنه لم يكن مخموراً. في الوقت الحالي، لا يُنصح بتخصيص أي موارد تحقيق إضافية بخصوص هذا الادعاء.”
صراخ شابة وصورة ممداني
هذه المذكرة هي بين مئات آلاف الوثائق التي ذُكرت فيها اتهامات لأشخاص أو نُسجت فيها ادعاءات من دون دليل على صحتها، لكنها أصبحت مادة خصبة لترويج الإشاعات ونظريات المؤامرة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أن البعض اتجهوا لتلفيق بعض الصور عبر توليدها بالذكاء الاصطناعي، ومن بينها الصورة التي تم تداولها باعتبارها لعمدة نيويورك زهران ممداني في طفولته بصحبة أمه وبيل كلينتون وإبستين. فزهران المولود عام 1991، ولم يكن رضيعاً في عام 2009.
وفي حين تم ذكر اسم ميرا ناير، والدة عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، في وثائق إبستين، بوصفها ضيفة في حفل ما بعد عرض فيلم أُقيم عام 2009 واستضافته غيسلين ماكسويل شريكة إبستين المسجونة حالياً، وحضر الحفل بيل كلينتون وجيف بيزوس، لكن لا توجد أي مزاعم بارتكاب مخالفات.
وأعادت بعض حسابات السوشيال ميديا تداول فيديو يعود إلى عام 2009 لفتاة تدعى غبرييلا ريكو جيمينيز، كانت تصرخ خارج فندق “فييستا إن” في مدينة مونتيري في المكسيك، بعد حفل خاص لعرض أزياء، “لقد أكلوا شخصاً. لم أكن على علم”. ولم يصدر أي تأكيد رسمي من السلطات المكسيكية بشأن وضع الشابة بعد تلك الليلة، ولا توجد تقارير موثوقة عن حياتها منذ ذلك الحين. لكن ظل مقطع الفيديو موضوعاً متكرراً في منتديات الإنترنت ونقاشات نظريات المؤامرة لسنوات.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر ممداني طفلا مع والدته رفقة كلينتون وإبستين (وسائل التواصل الاجتماعي)
ويؤكد الصحافيون ومدققو الحقائق الذين فحصوا المقطع على مر السنوات باستمرار إلى عدم وجود أي دليل على أنها حضرت حدثاً مرتبطاً بإبستين، وعدم وجود أدلة تدعم الادعاءات التي طرحتها في الفيديو، فضلاً عن اختلاف المكان، فحفلات إبستين كانت جميعها تُقام في جزيرة ليتل سانت جيمس في الكاريبي، بينما الفيديو المنتشر كان في المكسيك.
لكن نشر وثائق إبستين أعاد الفيديو للواجهة باعتباره دليلاً على صدقية ما يُروج من نظريات عن طقوس شيطانية تجتاح مجتمعات الأعمال والنخبة. وهو ما يعكس الكيفية التي تربط بها دوامات التضليل المعلوماتي المنتشر عبر الإنترنت بين أحداث غير مرتبطة، من خلال سرديات رقمية لا تستند إلى حقائق قابلة للتحقق.
كيف أسيء توظيف وثائق إبستين؟
التضليل المعلوماتي شمل عشرات الأسماء التي وردت في الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل. فإضافة إلى مذكرات شرطية وبلاغات وأوراق تحقيق، تتضمن الوثائق المفرج عنها رسائل بريد إلكتروني بين إبستين وأعضاء دائرته من أصدقاء ومساعدين وقادة من مجتمعات الأعمال والسياسة ممن كانوا يساعدونه في ترتيب لقاءات مع قادة آخرين لأهداف تتعلق بالأعمال، لذا وردت العديد من الأسماء التي تم اقتراحها كضيوف لقاءات أو فعاليات. ومن بين تلك الأسماء الأمين العام لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية المصري السابق أحمد أبو الغيط الذي جاء أسم ضمن بريد إلكتروني يتضمن قائمة بأسماء حضور من دول عربية وأجنبية لفعالية ما عام 2010، بينما كان المرسل يدعو جيفري إبستين للحضور وعقد لقاءات مع أولئك القادة.
وأوضح الإعلامي المصري أحمد موسى أمس الإثنين، أنه تواصل هاتفياً مع أبو الغيط، الذي نفى أي لقاء جمعه بإبستين أو أي صلة به، وأن الفعالية المشار إليها في رسالة البريد الإلكتروني الواردة ضمن الوثائق كانت تتعلق بلقاء لوزراء الخارجية العرب في الإمارات، لكنه لم يسافر آنذاك.
وكانت وزارة الداخلية الأميركية حذرت من أن الملفات المنشورة حديثاً تتضمن مجموعة واسعة من المواد غير الموثوقة، مثل ملاحظات ولقطات شاشة ومواد أخرى أُرسلت إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي عبر سنوات عديدة. وأكد المسؤولون أن بعض هذه المدخلات قد تحتوي على ادعاءات كاذبة أو مبالغ فيها أو وسائط مُصنعة أو معلومات لم يتم التحقق منها، مضيفة أن نشر هذه الوثائق جاء تنفيذاً لمتطلبات الشفافية وليس لأن محتواها قد تم التحقق من صحته أو اعتُبر موثوقاً.
وأوضح النائب العام الأميركي أن الوجود في الأرشيف لا يعني إثباتاً أو تحقيقاً أو ذنباً، مؤكداً أن أي دليل قد تم تأكيده كان سيُتابع في القنوات القانونية المناسبة.
المزيد عن: جيفري إبستين جزيرة إبستين بيل كلينتون جورج بوش زهران ممداني
]]>
كثيراً ما عرفت الولايات المتحدة الأميركية بأنها أرض الهجرة والمهاجرين، وقد شكل المهاجرون إليها من القارة الأوروبية نواة بناء هذه الأمة الجديدة، التي قامت على أطلال أصحاب الأرض الأصليين من الهنود الحمر.
تنوعت دوافع الهجرة إلى الولايات المتحدة، قبل استقلالها عام 1776، وبعده، على مر القرون. فعلى سبيل المثال، سعى الحجاج في القرن الـ19 إلى الحرية الدينية، بينما حدثت الهجرة الإيرلندية في القرن الـ19 بسبب مجاعة البطاطا، وهكذا توالت الجماعات المهاجرة من قارات الأرض كافة.
على قاعدة تمثال الحرية في نيويورك، نقشت الكلمات التي تقطع بترحيب هذه الأرض الجديدة بكل الفارين من الاضطهادات، إلى جزيرة الحرية الأميركية.
آمن كثيرون بالفعل، بأن هذه الدولة الناشئة حديثاً، هي الملاذ المؤكد لتحقيق الحلم، الذي عجزت أوروبا القديمة عن توفيره لكثيرين من مواطنيها.
استطاع المهاجرون الأوائل أن يضعوا لبنات دولة فتية، في مستعمرات اتخذت أسماء من نوعية “نيو إنغلاند”، وكأنهم بذلك كانوا يخلقون عالماً جديداً مغايراً طولاً وعرضاً، شكلاً وموضوعاً لأوطانهم السابقة.
سيقدر بعد نحو ثلاثة قرون تقريباً، أن تضحى أمة المهاجرين هذه سيدة الكوكب، عبر خليط من المهاجرين، قادوا نهضتها، صناعياً وزراعياً عسكرياً وفضائياً.
لكن اليوم تواجه أميركا سؤالاً مثيراً وخطراً في الوقت ذاته يدور من حول الهجرة والمهاجرين، الذين كانوا سبباً في رفعة شأنها، وما إذا كان الوقت قد حان لتصبح الولايات المتحدة ذات لون واحد من ألوان الطيف الديموغرافي أم لا؟

الهنود الحمر أو الأميركيون الأصليون كانوا أول ضحايا استيطان الرجل الأبيض في القارة الجديدة (الموسوعة التاريخية)
بوتقة الانصهار سردية أميركا التاريخية
يعد مصطلح “بوتقة الانصهار”، استعارة أحادية الثقافة لوصف مجتمع غير متجانس يصبح أكثر تجانساً، إذ تندمج العناصر المختلفة معاً في ثقافة مشتركة.
كانت استعارة الانصهار مستخدمة بحلول ثمانينيات القرن الـ18، أصبح مصطلح “بوتقة الانصهار” شائع الاستخدام في الولايات المتحدة بعد استخدامه كاستعارة لوصف اندماج أو مزيد من الجنسيات والثقافات والأعراق في عدد من المسرحيات التي قدمت لاحقاً على مسارح نيويورك الشهيرة.
في عام 1845، كتب رالف والدو إيمرسون، الفيلسوف والكاتب الأميركي، مشيراً إلى تطور الحضارة الأوروبية من العصور الوسطى المظلمة، في مذكراته الخاصة عن الولايات المتحدة الأميركية، معتبراً إياها نتاجاً مثالياً لفكرة “بوتقة الانصهار”، حيث مجتمع مختلف ثقافياً وعرقياً، لكنه قادر على النمو معاً وبناء الحلم.
تستمر عملية الاندماج كما في فرن الصهر، جيل واحد، بل عام واحد فقط، يحول المهاجر الإنجليزي أو الألماني أو الإيرلندي إلى أميركي.
كانت المؤسسات الموحدة والأفكار واللغة وتأثير الغالبية، كلها عوامل تقود سريعاً إلى تشابه في الملامح، ففردية المهاجر، بل وحتى سماته العرقية والدينية، تندمج في بوتقة الديمقراطية كما تندمج شظايا النحاس في بوتقة الصهر.
في عام 1893، استخدم المؤرخ الأميركي فريدريك جاكسون تيرنر، أيضاً استعارة ذوبان المهاجرين في ثقافة أميركية واحدة. في مقالته “أهمية الحدود في التاريخ الأميركي”، أشار إلى ما سماه “الجنسية المركبة”، للشعب الأميركي، مجادلاً بأن الحدود كانت بمثابة “بوتقة”، إذ “تأمرك المهاجرون، وتحرروا، واندمجوا في عرق مختلط، لا يحمل جنسية إنجليزية ولا خصائص إنجليزية”.
في كتابه السردي عن رحلاته “المشهد الأميركي” الصادر عام 1905، ناقش المؤرخ البريطاني من أصل أميركي، هنري جيمس، التمازج الثقافي في مدينة نيويورك باعتباره “اندماجاً كما لو كان عناصر مذابة في قدر ساخن هائل”.
هل جاء الوقت الذي تتغير فيه الأوضاع وتتبدل طباع المجتمع الأميركي ورؤيته لفكرة الهجرة؟
ربما يتحتم علينا قبل الجواب أن نشير إلى شأن تاريخي أكثر إثارة، وهو أن هذه الهجرة، التي تجد اليوم عنتاً شديداً من إدارة الرئيس ترمب، ورفضاً لنموها وتصاعدها، قد وجدت أمثلة مشابهة من التاريخ الأميركي، ماذا عن ذلك؟
الإيرلنيون عبروا المحيط باتجاه أميركا بسبب مجاعة البطاطا التي أصابت بلادهم وهناك ساهموا في بناء الدولة الجيدة وواجهوا عنت من سبقوهم (الموسوعة البريطانية)
حزب “لا أدري” وأول رفض للهجرة
لا تبدو توجهات الرئيس ترمب ضد المهاجرين، هي الأولى من نوعها في التاريخ الأميركي، فقد سبقتها أفكار حزب سمي “لا أدري”، وقد كان قصير العمر، ونشأ في ظل الخوف والتحيز في القرن الـ19، وأدى تعصبه تجاه المهاجرين الألمان والإيرلنديين إلى أعمال عنف في جميع أنحاء الدولة الأميركية الفتية.
لم تكن أحداث مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا أخيراً هي بداية الحركات الرافضة للأجانب، فقد ساد تيار بغيض من النزعة القومية المتطرفة عبر التاريخ الأميركي، كما يتضح من الحركات المعادية للمهاجرين التي ظهرت في تسعينيات القرن الـ18، وسبعينيات القرن الـ19، وعشرينيات القرن الـ20.
لعل أشهر حركة قومية ظهرت في العقود التي سبقت الحرب الأهلية، كانت حركة الحزب الأميركي “لا أدري”، التي طفت كانعكاس للظروف التي واجهتها الولايات المتحدة الفتية. فقد واجهت البلاد صراعاً متزايداً حول العبودية والتوسع غرباً، مما أدى إلى انقسامات داخل الحزبين السياسيين الرئيسين، الديمقراطي و”الويغ” (حزب سياسي تأسس في أميركا في منتصف القرن الـ19).
وكثيراً ما استخدمت الرسوم الكاريكاتورية المعادية للأجانب في أربعينيات وخمسينيات القرن الـ19، واستخدمت الصور النمطية العرقية لتصوير المهاجرين الإيرلنديين والألمان كتهديدات قومية للولايات المتحدة، وجرى تقديمهم على أنهم لصوص انتخابات سكارى بنوع خاص.
هل كانت الطائفية والمذهبية الدينية بعيداً من صراعات الهجرة في وقت مبكر؟
بالقطع لا، بل كانت في القلب منها. في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الـ19، استقرت أعداد متزايدة من المهاجرين، معظمهم من الإيرلنديين في الشرق، والألمان في الغرب الأوسط في الولايات المتحدة.
أدت مجاعة البطاطا الإيرلندية وعدم الاستقرار الاقتصادي في ألمانيا إلى تدفق ما يقرب من 3 ملايين شخص، كان غالبيتهم من الكاثوليك. شعر البروتستانت المولودون في الولايات المتحدة، ومعظمهم في المناطق الحضرية، بالتهديد من الوافدين الجدد في مناطق عدة. فبالنسبة إلى عدد من البروتستانت، مثلت الكنيسة الكاثوليكية الاستبداد والخضوع لقوة أجنبية.
وعلى الصعيد العملي، اشتدت المنافسة على الوظائف مع وصول العمال الجدد. ومع تصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين والكاثوليك خصوصاً، بدأت جماعات معادية للأجانب بالتشكل في المدن في أنحاء الولايات المتحدة.
هل يعني ذلك أن فكرة بوتقة الانصهار لم تكن طرحاً يوتوبياً بالمطلق في الداخل الأميركي، وأن ما جرت به المقادير من قبل يتكرر ثانية اليوم بعد نحو قرنين من رفض واضح للمهاجرين، ربما لم تهدأ وتيرته إلا بدءاً من ثلاثينيات القرن الـ20، حين كانت البلاد في حاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، لا سيما بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بنوع خاص؟

أما زال لشعار تمثال الحرية في نيويورك: أيها المتعبون تعالوا إليّ” معنى؟ (موقع مدينة نيويورك)
أميركا أولاً… الشعبوية ومعاداة الهجرة
يعرف عالم السياسة الألماني جان فيرنر مولر، الذي يعتبر من أهم المنظرين لطروحات وشروحات الشعبوية، سواء كانت يسارية أم يمينية، بأنها مناهضة للتعددية، وغير ديمقراطية في جوهرها. يكتب “أرى أن الشعبوية هي تصور أخلاقي خاص للسياسة، طريقة لفهم العالم السياسي تصور شعباً نقياً أخلاقياً وموحداً تماماً”، لكن مولر يعتبر في الوقت نفسه الأمر من قبيل الوهم والتفسيرات الأخلاقية الفاسدة.
هل وقعت أميركا في براثن هذه الشعبوية، ومن ثم عادت الموجات الكارهة للمهاجرين، وشاعت في الطرقات لافتات تحمل عناوين من نوعية “ارجع بلدك”؟
المؤكد أنه مع انتخاب الرئيس ترمب في عام 2024، بدأت الولايات المتحدة، الدولة الرائدة في مجال الهجرة، تعيش تحولاً مذهلاً في نظام الهجرة الخاص بها، بما في ذلك عمليات الترحيل الجماعي ومحاولة إلغاء حق المواطنة بالولادة وحماية اللاجئين وطالبي اللجوء المنصوص عليها في القانون الدولي.
تبدو أميركا اليوم في مواجهة رؤية معمقة ومنهجية لتغيير تركيبتها السكانية والإيديولوجية، وفي مقدم تلك الرؤية وقف تدفق مزيد من المهاجرين.
اليوم وبعد مرور عام على تولي ترمب سدة البيت الأبيض، يختلف ترمب الثاني، عنه في ولايته الأولى، لا سيما أنه أتيحت له سنوات للتخطيط ووضع الاستراتيجيات منذ خسارته في انتخابات 2020 التي اعتبر أنها جرى تزويرها.
توج ترمب ذلك التخطيط بمشروع 2025، وهو عبارة عن تفويض من ألف صفحة كتبه عدد من المسؤولين السابقين في إدارته الأولى، الذي أنشأته في البداية مؤسسة التراث المحافظة ومنظمات مماثلة. يهدف مشروع 2025 إلى تفكيك الحكومة الفدرالية جذرياً. وعلى رغم تظاهر ترمب بالجهل به، فإن عدد من واضعي المشروع يعملون في إدارة ترمب الحالية.
تشمل الأوامر التنفيذية والتدابير الأولية التي يتضمنها مشروع 2025 الحد من الهجرة والسماح لوكلاء الهجرة الفيدراليين بالاعتقال في المدارس والكنائس، وإغلاق تطبيق CBP One الذي كان يسمح للمهاجرين بالدخول بصورة قانونية لطلب اللجوء، وإلغاء البرامج الإنسانية الخاصة بالمهاجرين، وتوسيع نطاق الترحيل السريع، وترحيل المهاجرين إلى خليج غوانتانامو في كوبا وبنما، وسحب جميع التمويلات الفدرالية المصنفة كمدن “ملاذ”.
والثابت أن الولايات المتحدة تأتي في مقدمة الدول التي أسهمت في إرساء النظام الديمقراطي الليبرالي الذي أعقب الحرب، الذي تضمن حماية حقوق الإنسان، مما يعني أننا الآن أمام استحقاق علامة استفهام مثيرة: هل نظام الرئيس ترمب القائم على الشعبوية النفعية، يمضي بعيداً عبر التغريدات التحريضية ضد المهاجرين، وإلقاء اللوم على التنوع الاجتماعي، مما يهدد الصالح العام؟ وربما الأكثر أهمية هو: هل يمكن للولايات المتحدة أن تذهب قدماً في المستقبل من غير مهاجرين جدد؟

أثارت تجاوزات عناصر شرطة الهجرة في مينيابوليس عاصفة من الرفض داخل أميركا (أ ب)
عن تصور أميركا من غير مهاجرين
هل يمكن أن يتصور التاريخ المعاصر الولايات المتحدة من دون مهاجرين؟
هذا هو السؤال الذي طرحه الصحافي الاستقصائي جون لوكر من وكالة “أسويشتدبرس” في الـ20 من يناير (كانون الثاني) الماضي، مشيراً إلى ما سماه أكبر حملة ترحيل في تاريخ أميركا، يمكن أن تمنع تدفق مهاجرين جدد إلى الداخل الأميركي.
وعند لوكر أنه في عام 2026، وهو العام الذي تحتفل فيه الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لاستقلالها، يعيد الرئيس ترمب تعريف البلاد، دافعاً إياها نحو نموذج مختلف تماماً عن النموذج الذي ميز تاريخها كدولة تأسست على أكتاف المهاجرين، وظلت كذلك، لكن سيد البيت الأبيض الحالي دشن عهداً جديداً لا مكان فيه للمهاجرين.
هل الأمر في حاجة إلى تفصيلات وأرقام؟
نعم ذلك كذلك، ففي عامه الأول في منصبه، فاق عدد المهاجرين المغادرين للبلاد عدد الوافدين، وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا خلال الأعوام الـ50 الماضية التي تتوفر عنها سجلات.
والثابت أنه وفقاً لبيانات جمعتها مؤسسة بروكينغز، يتراوح صافي الهجرة بين 10 آلاف و25 ألف شخص، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه حتى نهاية العام.
وإضافة إلى عمليات الترحيل الجماعي، تشير الأرقام الرسمية إلى ترحيل 605 آلاف شخص حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مع الأخذ في الاعتبار أنه من المتوقع أن تكون أرقام المرحلين أكثر من ذلك، والسبب هو حالة التشديد على الهجرة وبياناتها في ظل أوامر ترمب التنفيذية في شأن إغلاق الحدود، وإلغاء برامج اللاجئين واللجوء، عطفاً على حظر دخول مواطني بعض الدول، وتشديد أو تعليق طلبات الهجرة.
ما معنى ذلك؟
المعنى المباشر والواضح هو أن الولايات المتحدة تبتعد أكثر من الحلم الأميركي الذي كان، فهناك اليوم من المهاجرين من لا يفضلون عدم التوجه من الأصل إليها كدولة مهاجرين، وبعضهم الآخر يرى أن الرحيل الطوعي هو الحل الأنسب، مع ما يعنيه ذلك من التخلي عن الحياة التي بنوها في بلد اعتقدوا أنه سيرحب بهم.
والحقيقة أن الحملة المناهضة للمهاجرين التي انطلقت من البيت الأبيض في اليوم الأول من ولاية ترمب الثانية، قد جلبت الرعب إلى الشوارع، إذ يقوم عملاء إدارة الهجرة والجمارك ICE ودوريات الحدود، متخفين وراء الأقنعة، بمداهمات في أي مكان، تاركين وراءهم صوراً مروعة لمطارادات واعتقالات وحشية واقتحامات للمنازل وتفريق للعائلات.
هل أضحت قضية الهجرة والمهاجرين، وتراً سياساً يعزف عليه بعضهم، ويغزل عليه بعضهم الآخر، سياسات الداخل الأميركي، على رغم الخطورة الكبرى التي يمكن أن يتسبب فيها ذلك للأمن القومي الأميركي في طول البلاد وعرضها دفعة واحدة؟

مطالبات بخروج شرطة الهجرة من من الشوارع ووقف مطاردة اللاجئين (رويترز)
الهجرة وتهديد الأمن القومي الأميركي
انطلق الرئيس ترمب في مفهومه لمعاداة الهجرة، من ركيزة الأمن القومي الأميركي، وكيف أن تدفق المهاجرين يمكن أن يصيب مستقبل الولايات المتحدة في مقتل.
لكن حساب الحصاد جاء منافياً ومجافياً لحساب البيدر، لا سيما بعد أن بلغت أعمال العنف التي مارستها السلطات ذروتها بمقتل المواطنة الأميركية رينيه غود، البالغة من العمر 37 سنة، في السابع من يناير (كانون الثاني) في مينيابوليس، أحدث مدينة شن فيها ترمب أكبر حملة لمكافحة الهجرة، إذ نشر 3 آلاف عنصر، مما أثار احتجاجات واسعة النطاق، باتت تقمع بشدة من السلطات.
ثم جاء مقتل أليكس بريتي، وهو ممرض أميركي يبلغ 37 سنة، في الـ24 من يناير، على يد عملاء ICE في مدينة مينيابوليس. وتعد هذه الحادثة الثانية من نوعها خلال أقل من شهر، وقد سارعت الإدارة الفيدرالية إلى وصف بريتي بـ”إرهابي داخل” قبل استكمال التحقيقات، مما أثار اتهامات بتسييس القضية.
في هذا السياق، أشارت دوريس ميستر، مديرة معهد سياسات الهجرة، إلى أن “إدارة ترمب أعادت تعريف الهجرة، إذ انتقلت من اعتبارها ظاهرة مفيدة للبلاد إلى اعتبارها تهديداً للأمن القومي الأميركي، واختصاماً من رفاهية المواطنين الأميركيين، مع استخدام للسلطة الإدارية بصورة غير مسبوقة”.
كانت قضية الهجرة حاسمة في فوز ترمب بولاية ثانية، وقد لاقت الرواية التي تبناها الحزب الجمهوري، التي تحمل المهاجرين مسؤولية جميع مشكلات البلاد من الجريمة إلى البطالة، صدى لدى الناخبين، إلا أنه بعد مرور عام، يعتقد كثيرون أن أساليبه قد تجاوزت الحد. فبحسب استطلاع رأى أجرته وكالة “أسوشيتدبرس” ونشر نهار الجمعة الـ16 من يناير (كانون الثاني) الماضي، انخفضت نسبة تأييد بين الجمهوريين خلال العام الماضي، من 88 في المئة في مارس (آذار) إلى 76 في المئة. أما بين عامة الشعب، فلا يؤيد تعامله مع هذه قضية الهجرة سوى 38 في المئة من البالغين.
لم يكن الأمر مجرد جزء أساس من الحملة الانتخابية، بل ظل أيضاً محوراً رئيساً لإدارته، فبحسب دراسة أجراها معهد سياسات الهجرة MPI، أصدر ترمب نحو 38 أمراً تنفيذياً في شأن قوانين الهجرة، ما يمثل 17 في المئة من إجمالي 225 أمراً تنفيذياً صدرت خلال عام. وعلى رغم صعوبة تتبع جميع القرارات التنفيذية، تشير التقديرات إلى أنه أصدر أكثر من 500 قرار خلال 12 شهراً، وللمقارنة صدر 472 قراراً تنفيذياً متعلقاً بالهجرة خلال السنوات الأربع من ولايته الأولى.
ما هي أهداف ترمب الحقيقية في هذا السياق؟
الواقع أن الرجل له هدفان: الأول هو إنهاء ما يسميه “غزواً” على الحدود، والثاني هو تنفيذ أكبر عملية ترحيل في التاريخ، بهدف معلن يتمثل في طرد مليون شخص سنوياً. ومع ذلك، حتى الأرقام الرسمية، التي تفوق تلك التي أوردها عدد من الخبراء والمراقبين المستقلين، لا تزال بعيدة كل البعد من هذا الهدف، مما يثير إحباط الرئيس.
لهذا السبب، استبدل ترمب في الأشهر الأخيرة رؤساء وكالات الهجرة وعين شخصيات أكثر تشدداً، مثل غريغوري بوفينو. وحتى وقت قريب، كان بوفينو رئيساً لمكتب الجمارك وحماية الحدود في منطقة إل سنترو بولاية كاليفورنيا. وقد أدار عمليات الهجرة في شيكاغو ولوس أنجلوس وشارلوت ونيوأورليانز، والآن في مينيابوليس، مشجعاً العملاء على استخدام أساليب عنيفة ضد المتظاهرين، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل.
أميركا الكوربوراتية والاستغناء عن الهجرة
وفي سياق أزمة الهجرة والمهاجرين، يطرح تساؤل على مائدة النقاش: هل أميركا الكوربوراتورية، أي أميركا الشركات الهائلة، والمصانع التي لا تكف عن الدوران، يمكنها أن تستغني عن هؤلاء المهاجرين؟
أظهرت بيانات التعداد السكاني أن ما يقرب من واحد من كل خمسة عمال في الولايات المتحدة كان مهاجراً عام 2024، ويمثل هذا رقماً قياسياً في البيانات التي تعود لعقود مضت، بعد أن كانت النسبة أقل من 10 في المئة في عام 1994.
تعرضت عدد من تصرفات ترمب لتحديات قانونية، بما في ذلك دعوى قضائية في شأن برنامج الحماية الموقتة رفعتها نقابة عمال الخدمات الدولية SEIU.
والواقع أنه حتى لو لم ينجح البيت الأبيض في تكثيف الاعتقالات والترحيل، يقول المحللون إن حملته القمعية قد تؤثر في الاقتصاد على المدى القريب، لأنها تخيف أشخاصاً كثيرين من العمالة المهاجرة، وتدفعهم إلى الاختباء وتبطئ وصول الوافدين.
وبحسب البيانات الإحصائية، فقد تراجع نمو القوى العاملة، الذي كان يعتمد على المهاجرين بالفعل منذ يناير 2025، عندما تولى ترمب منصبه.
في هذا الصدد يحذر الخبير الاقتصادي جيوفاني بيري من جامعة كاليفورنيا في ديفيس من أن صعوبة إيجاد العمال للشركات أمر سيحد من قدرتها على النمو، مما سيؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد.
كما أن تقليص حجم القوى العاملة قد يؤدي إلى زيادة التضخم، من خلال إجبار الشركات على دفع مزيد لتوظيف الموظفين.
ويضيف البروفيسور بيري أنه إذا استمرت هذه السياسات، فقد يكون لها عواقب اقتصادية بعيدة المدى. ويشير إلى مثال اليابان، التي شهدت انكماشاً في اقتصادها نتيجة لكبح الهجرة وشيخوخة السكان.
ولعله بات من الواضح أن عمليات المداهمة غير الموثقة، قد أصبحت جزءاً من سياسة تريد حقاً تحويل الولايات المتحدة من أحد الأماكن التي يأتي إليها المهاجرون ويندمجون ويصبحون جزءاً من نجاح المجتمع إلى بلد مغلق، بدلاً من أن تكون تدفقات الهجرة محركاً للنمو، مما يعني أن الاقتصاد الأميركي مرشح لركود أكثر وبطء في النمو وتراجع في الديناميكية.
وفي قطاع بناء المنازل، أفادت الشركات في جميع أنحاء البلاد بتوقف بعض فرق العمل عن الحضور إلى العمل، مما سيؤدي إلى إبطاء البناء ورفع التكاليف في قطاع تعتبر فيه الأسعار مصدر قلق بالفعل كما يقول جيم توبين، رئيس الرابطة الوطنية لبناء المنازل، التي تمثل الشركات في هذا القطاع.
هل من قطاع صناعي بعينه في الداخل الأميركي، يمكن أن يكون صوته مسموعاً على نحو خاص في سياق قضايا الهجرة والمهاجرين، بل يمكنه تحويل مسار ترمب بصورة قسرية؟
حكماً نحن نتحدث عن المجمع الصناعي العسكري الأميركي، إذ بدأ بدوره في التململ من نقص الأيدي العاملة، وبخاصة في ظل نقص واضح في كثير من أنواع الذخيرة، تلك التي جرى استخدامها في أكثر من موقع خارج أميركا، مرة في دعم أوكرانيا لمواجهة روسيا، ومرة أخرى في إسرائيل لمواجهة صواريخ إيران الباليستية، مما جعل هناك الحاجة ملحة إلى مزيد من الإنتاج الحربي، وهذا بدوره لا يتم حصاده من غير دورات عمل وحاجة إلى العمال.
هل في المشهد فصل عنصري يخص المهاجرين؟

من المشاهد المتكررة لمطاردة واعتقال المهاجرين في شوارع أميركا (رويترز)
السود والملونون وحديث العنصرية
هل ما يحدث في الداخل الأميركي اليوم من مواجهة للمهاجرين، بصورة أو بأخرى، هو فصل من فصول العنصرية؟
بحسب المحلل السياسي الأميركي كريستوفر ديلتس في تصريحاته لوكالة “بلومبيرغ”، فإن أشخاصاً مثل كريستي نويم وزيرة الأمن الداخلي، يستغلون وسائل التواصل الاجتماعي بصورة استراتيجية لبث الخوف، من خلال نشر صور لمداهمات إدارة الهجرة والجمارك وعمليات الترحيل إلى معتقل غوانتانامو سيئ السمعة في كوبا.
وسط هذا المشهد الصاخب تكمن رسالة صارخة: السود والملونون غير مرحب بهم في أميركا البيضاء.
من الصعب تجاهل هذه النقطة، التي سبقت الانتخابات التي صورت الهايتيين على أنهم آكلوا الكلاب، وفي الأوامر التنفيذية التي تلغي إعادة توطين اللاجئين.
ومن بين الحقائق التي لا يمكن تغافلها أو تجاهلها، أن هذه الإدارة التي تظاهرت بتقليص تمويل برامج حماية التنوع والإنصاف والشمول، وتصويرها للأشخاص الملونين على أنهم يفتقرون إلى الجدارة، مهووسة بسياسة الهجرة تحديداً لأنها هي التي تحدد تركيبة الأمة الأميركية – من هو هنا وبأي حق – أنها الأداة المثالية لتفوق العرق الأبيض والفصل العنصري.
تثير هذه النقطة تحديداً حديث المراثي في الداخل الأميركي، ذلك أنه على رغم أن سياسات ترمب المتعلقة بالهجرة تهدف إلى أن ينظر إليها على أنها أكثر قسوة من سياسات أسلافه (وبعضها كذلك بالفعل)، إلا أنها ليست سوى أحدث تجسيد لتقليد أميركي يمتد لقرون: قوانين تهدف إلى استبعاد الاشخاص الملونين وتفضيل البيض.
ما الذي يتبقى في هذا الحديث؟
الوصول إلى نقطة مهمة للغاية، وهي أن غالبية الأميركيين لا يوافقون على سياسات الرئيس ترمب الخاصة بالهجرة، فقد كشف تقرير صدر في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) الماضي عن معهد أبحاث الدين العام PRRI عن انخفاض تأييد الأميركيين لنهج الرئيس ترمب في التعامل مع ملف الهجرة بمقدار خمس نقاط مئوية منذ مارس (آذار) 2025.
السؤال الأخطر: ماذا لو جرى استطلاع رأي جديد هذه الأيام بعد عمليتي اغتيال لمواطنين أميركيين، لا مهاجرين، في مينيابوليس، ناهيك بالاعتداء غير المبرر على كثيرين، بجانب حالة الهلع والذعر التي تعم ولاية مينيسوتا بأكملها؟
غالب الظن أن النتائج ستأتي بصورة سيئة وغير مسبوقة، مما يفتح الباب واسعاً أمام قراءات مبكرة في شأن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما صوت عضو الكونغرس الجمهوري الأشهر تيد كروز يكاد يملأ أرجاء البيت الأبيض، منذراً ومحذراً الرئيس بأن هناك أخطاراً حقيقية، يمكن أن تقود إلى فوز مؤازر للديمقراطيين بالغالبية العظمي في الشيوخ والنواب عما قريب، وساعتها سيكون قرار عزل الرئيس قاب قوسين أو أدنى.
هل هذه نهاية سردية بوتقة الانصهار، أم أن ترمب يمكن أن يعيد تغيير المسار؟
المزيد عن: أميركا والمهاجرين دونالد ترمب الهنود الحمر الهجرة الإيرلندية مجاعة البطاطا مدينة مينيابوليس الكنيسة الكاثوليكية خليج غوانتانامو إدارة الهجرة والجمارك السود والملونون
]]>

اندبندنت عربية / غاندي نجلا مترجم وصحافي سوري @GhandyNajla
ليست ملفات جيفري إبستين مجرد فضيحة جنسية متأخرة، ولا هي سلسلة أسماء صادمة تختزل في فضول جماهيري سريع الاستهلاك. ما تقدمه هذه الملفات، حين تقرأ بوصفها مادة أرشيفية لا فضائحية، هو فهم أعمق وأكثر إزعاجاً للطريقة التي يعمل بها عالم السلطة والمال حين يتحرر من أية مساءلة أخلاقية حقيقية.
فالمال والسلطة، كما توحي الوثائق، نادراً ما يكونان بعيدين من “الأعمال القذرة”، ليس لأن كل صاحب نفوذ مجرم بالضرورة، بل لأن القدرة الكامنة في النفوذ والمال تخلق بيئة تسمح بتجاوز الحدود، ثم بتطبيع هذا التجاوز، ثم بحمايته.
الخطأ الشائع في التعامل مع قضية إبستين هو اختزالها في شخص واحد: رجل منحرف، استغل فتيات، ونجا طويلاً قبل أن يسقط، لكن هذا التفسير مريح ومضلل، أكثر مما هو صحيح.
إبستين لم يكن قوياً بذاته، بل كان قوياً لأن شبكة كاملة من العلاقات، والصمت، والتواطؤ الضمني أحاطت به. والملفات لا تقدم كقائمة أسماء، بل كوثائق متفرقة من ممارسات يومية تظهر الطريقة التي تدار بها الشبكة: مراسلات، وسجلات، ومواد مرئية، ووثائق تنظيمية تمس دوائر قريبة من المال والعلاقات. ومن هذا الخليط المبعثر، وعلى رغم الحجب الواسع، تتشكل صورة منظومة عرفت كيف تخفف الأسئلة قبل أن تتحول إلى مساءلة.
في قلب الملفات تفاصيل تشغيل يومية: ترتيب زيارات، ضبط تنقلات، وتعليمات وصول؛ وروابط لم تُقطع عند محطات قانونية كان يُفترض أن تكون فاصلة؛ ومواد مصورة؛ ووثائق تشير إلى إدارة دقيقة للوقت والعلاقات. هذه ليست بقايا علاقات اجتماعية عابرة، بل “أرشيف تشغيل” يعكس كيف تُدار شبكة بأكملها، لا مجرد كيف يتصرف فرد. وفي عالم كهذا، لا تصبح الجريمة استثناءً، بل مخاطرة محسوبة.
التاريخ يخبرنا أن الفضائح الكبرى نادراً ما تكون مكتملة عند لحظة انفجارها الأولى، بل تتضح حقيقتها فقط عندما يبرد الضجيج ويبدأ العمل الجاد
نعيش في زمن نعتقد فيه أننا نعرف النخب: نراهم يومياً على الشاشات، نستمع إلى آرائهم في الديمقراطية، والمبادئ، وحقوق الإنسان، وتغير المناخ، والاستقرار العالمي، لكن ملفات إبستين تذكرنا بحقيقة قاسية، وهي أن ما نعرفه عن هذه الوجوه هو نسخة صنعت خصيصاً لتعرض أمامنا.
أما ما يجري خلف الأبواب المغلقة – في الطائرات الخاصة، والجزر المعزولة، والشبكات الاجتماعية المغلقة – فغالباً ما لا يظهر إلا عندما ينهار أحد أطراف المنظومة، أو يضحى به. والملفات لا تقول إن الجميع متورط، لكنها تقول إن الحد الفاصل بين الصورة العامة والحياة الخاصة للنخب أوسع بكثير مما نحب أن نصدق.
في قضية إبستين، لا يبدو المال مجرد وسيلة للثراء، بل وسيلة لتعليق القواعد نفسها. من يملك المال لا يشتري الصمت فقط، بل يشتري الوقت، والمحامين، والعلاقات، و “المساحات الرمادية” التي تدفن فيها الحقائق.
وهنا تصبح المشكلة بنيوية: حين تعاد صياغة الأخلاق وفق ميزان القوة، لا يعود السؤال: هل هذا خطأ؟ بل: هل يمكن احتواء تبعاته؟

الملفات لا تقدم كقائمة أسماء، بل كوثائق متفرقة من ممارسات يومية تظهر الطريقة التي تدار بها الشبكة (أ ب)

ملفات إبستين، بحجمها وطبيعتها، لا تعمل كـ”كشف نهائي”، بل كقاعدة بيانات مفتوحة، لا تتضح دلالتها إلا بالمقارنة والتقاطع وربط الخيوط عبر الزمن. قد نحتاج إلى أشهر، وربما سنوات، لاستيعاب ما تتضمنه بصورة كاملة، فحجمها وحده يفشل أية قراءة متعجلة. لكن هل نحتاج حقاً إلى انتظار اكتمال الصورة كي نفهم دلالتها؟ هذا ليس ملفاً شاذاً، بل نافذة على منظومة، وما ظهر حتى الآن قد يكون مجرد الحد الأدنى مما سيقوله جمع الخيوط لاحقاً. والأخطر أن ما يبدو اليوم صادماً قد يتضح لاحقاً أنه أقل بكثير من الواقع الكامل، حين تجمع الخيوط، وتربط الأسماء بالسياقات، ويظهر ما غاب أو أخفي أو لم يفهم بعد. فالتاريخ يخبرنا أن الفضائح الكبرى نادراً ما تكون مكتملة عند لحظة انفجارها الأولى، بل تتضح حقيقتها فقط عندما يبرد الضجيج ويبدأ العمل الجاد.
ليس غريباً أن يُستدعى فيلم ستانلي كوبريك “عيون مغلقة على اتساعها” Eyes Wide Shut كلما فتحت ملفات إبستين. الفيلم لا يتحدث عن جريمة محددة، بل عن عالم النخب حين ينغلق على نفسه: طقوس، وأسرار، وشعور مطلق بالإفلات من العقاب، ورسالة مبطنة لمن يتسلل بالخطأ إلى هذا العالم: إنه عالم نخبة لا يكتفي بالسرية، بل يفرض على من يلمحه حدوداً – ما يرى لا يقال، وما يقال له ثمن.
في الفيلم، يسمح للبطل بأن يرى، لكن لا يسمح له بالفهم أو بالتغيير. وهذا بالضبط ما تفعله ملفات إبستين اليوم: تكشف، لكنها لا تفكك النظام الذي سمح بكل ذلك.
وهنا يبرز سؤال غير مريح: كم من “إبستين” يحتوي عالم السلطة والمال؟ هل كان إبستين أول قواد يخدم النخب؟ أم مجرد واحد ممن كشف أمرهم؟ هل سقط لأنه تجاوز حدوده، أم لأنه لم يعد مفيداً، أم لأنه أصبح عبئاً على شبكة كانت تحميه؟
السؤال لا يتعلق بشخص واحد، بل بنموذج متكرر: رجال يملكون المال، والعلاقات، والقدرة على توفير “الخدمات القذرة” في مناطق لا تصل إليها الأخلاق ولا القانون بسهولة. وفي كل مرة يكشف أحدهم، يقدم بوصفه حالة فريدة، فيما تظل البنية التي أنتجته سليمة، تعمل، وتتكيف.
الفضيحة الحقيقية ليست أن بعض الأقوياء تورطوا في علاقات مشبوهة، الفضيحة أن مؤسسات فشلت في حماية الضعفاء، ونخب عرفت، أو اشتبهت، ثم فضلت الصمت، ونظاماً ما زال يعمل بالقواعد نفسها بعد كل هذا الانكشاف.
ليست قضية إبستين اختباراً لأخلاق أفراد، بل اختباراً لمدى استعدادنا لمواجهة حقيقة النظام الذي نعيش فيه: نظام ينتج مثل هذه الشخصيات، يحميها، ثم يتبرأ منها حين تنكشف. وإذا كانت ملفات إبستين قد كشفت لنا حقيقة واحدة، فهي أن السؤال لم يعد: من كان يعرف إبستين؟ بل: كم من إبستين يحتاج إليه هذا العالم قبل أن نعترف بأن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في المنظومة نفسها؟
المزيد عن: جيفري إبستين ملفات إبستين وزارة العدل الأميركية انتهاكات جنسية الشبكات الإجرامية
]]>
نور نانجي / مراسلة شؤون العائلة الملكية في المملكة المتحدة – بي بي سي
قد تتعرض سارة فيرغسون والأميرتان بياتريس ويوجينيل لمزيد من الحرج بسبب الدفعة الأخيرة من رسائل جيفري إبستين التي تمّ الكشف عنها بعد أن كانت محل جدل بسبب دفعة سبق نشرها من هذه الملفات.
فإلى جانب الصورة التي يظهر فيها الأمير أندرو السابق وهو راكع على يديه وركبتيه فوق امرأة ممددة على الأرض، فإن طليقته وبناته وردت أسماؤهن مراراً في الملفات نفسها.
الدوقة السابقة ليورك — التي كانت محلاً لجدل بسبب إبستين — ظهرت في الرسائل وهي تمتدح المُدان الراحل بجرائم جنسية، واصفةً إياه بأنه “الأخ الذي تمنيت دائماً أن يكون لديّ مثله”.
كما تكشف الرسائل عن مزيد من التفاصيل حول تعاملاتها المالية مع إبستين وطلباتها المتكررة للحصول على المال منه.
وتتطرق الرسائل أيضاً إلى ابنتيها، بما في ذلك عدة رسائل صادمة تتضمن إشارة من شخص مجهول في رسالة لإبستين إلى “عطلة يوجيني الماجنة”.
يُذكر أن هذه الرسائل تحمل تواريخ بعد إدانة إبستين عام 2008 بتهمة استغلال قاصرات في الدعارة.
لكن هذه الرسائل لا تشير إلى ارتكاب لأي مخالفات.
ونفى الأمير السابق أندرو في أكثر من مناسبة وبشدة ارتكاب أي مخالفة، وتواصلنا مع مكتبه للتعليق. كما تواصلنا مع ممثلي فيرغسون.
وفيما يلي أبرز ما كشفته الدفعة الأخيرة من الوثائق:
“أنا في خدمتك… فقط تزوجني”
تكشف عدة رسائل عن عمق العلاقة بين فيرغسون وإبستين.
وجاء في رسائل متبادلة فيما بينهما عام 2009، أن دوقة يورك آنذاك أخبرت إبستين بحماس عن فرص جديدة لعلاماتها التجارية وكتبها.
وكتبت له: “في أسبوع واحد فقط بعد غدائك، يبدو أن الطاقة قد تغيرت. ولم أتأثر يوماً بلطف صديق كما تأثرت بكلماتك أمام بناتي. شكراً لك يا جيفري لأنك الأخ الذي تمنيت دائماً أن يكون لي مثله”.
وفي العام التالي، جاءت رسالة أخرى من سارة إلى إبستين، والتي كانت محملة بالمشاعر.
وكتبت فيها: “أنت أسطورة. لا أجد الكلمات لوصف محبتي وامتناني لكرمك ولطفك. أنا في خدمتك… فقط تزوجني”.
“فيرغي يمكنها الآن أن تقول: لستُ متحرشاً”
تشير الدفعة الجديدة من الرسائل المسرّبة أيضاً إلى أن إبستين كان يريد من فيرغسون مساعدته في تلميع صورته.
ففي ذلك الوقت، كان إبستين مُتّهماً بإساءة معاملة عشرات الفتيات بين عامي 1999 و2007. وكان قد توصّل إلى صفقة ادعاء جنّبتْه اتهامات فيدرالية بالاتجار الجنسي، واكتفى بالاعتراف باتهامات أقلّ خطورة في 2008، وقضى 13 شهراً في السجن.
وتعود رسالة من هذه الرسائل، ويُعتقد أنها من إبستين إلى ثلاثة أشخاص بينهم مسؤول إعلامي، إلى مارس/ آذار 2011.
وجاء فيها: “أعتقد أن فيرغي يمكنها الآن أن تقول إنني لست متحرشا”.
وأضاف إبستين: “لقد نجحوا في خداعها وصدّقتْ روايات كاذبة”.
وترجّح رسالة إبستين أن فيرغسون يمكنها القول إنها “أُخبرت بأشياء مروعة فتصرفت على أساسها”.
ورداً على ذلك، قال المتحدث باسم إبستين مايك سيتريك إن لديهم خطة لـ”إقناع الصحف بالتوقف عن وصفك بالمتحرش وإظهار الحقيقة”، وإن أحد الأساليب هو “حمل فيرغي على التراجع”.
وفي الشهر التالي، أرسلت سارة رسالة إلى إبستين تقول فيها إنها “لم” و”لن” تصفه بتلك الكلمة، وإنها تصرفت فقط “لحماية” علامتها التجارية الشخصية.
“أحتاج إلى 20 ألف جنيه استرليني بشكل عاجل للإيجار اليوم”

في 2009، وبعد انهيار أحد مشاريعها التجارية، يبدو أن سارة فيرغسون كتبت إلى إبستين تقول: “أحتاج بشكل عاجل إلى 20 ألف جنيه استرليني للإيجار اليوم. المالك هدد باللجوء إلى الصحف إذا لم أدفع. هل لديك أي أفكار؟”.
وبدأ تبادل الرسائل التي طلبت فيها فيرغسون المال بين إبستين وديفيد ستيرن، المحامي والمفوض السابق لرابطة كرة السلة الأمريكية.
وأرسل ستيرن إلى إبستين نَصاً منسوخاً من تقرير نشرته شبكة إيه بي سي نيوز، بتاريخ الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2009 بعنوان (دوقة الديون؟ إغلاق أعمال سارة فيرغسون)، والذي تساءل عمّا إذا كانت أوضاعها المالية “في خطر”.
وردّ إبستين قائلاً: “لديكِ خائن”، وضم “يرغ” إلى سلسلة الرسائل.
وأشار إلى أن التسريب قد يكون من “مستثمرين ساخطين…أو آخرين لهم مستحقات مالية” ونصحها قائلاً: “كوني حذرة في كيفية صياغة الردود على مثل هذه الأمور”.
أجابت فيرغسون: “صحيح”، وذكرت اسم مستثمر قالت إنه “خرق سرية الاتفاق”.
وأضافت شبكة إيه بي سي نيوز الإخبارية، أن “كل هذا يتم التعامل معه عن طريق محامي”.
وفي هذه المرحلة من المحادثة، قالت إنها تحتاج المال للإيجار. ويبدو أن سلسلة الرسائل تنتهي عند هذا الحد.
وفي مواضع أخرى من الملفات، تظهر رسائل من محامين حول تسويات لسداد ديونها، ورسالة من إبستين يدّعي فيها أنه قدم لفيرغسون دعماً مالياً لمدة 15 سنة.
حياة يوجيني العاطفية في الرسائل
في عدة مواضع من الرسائل، ورد اسما الأميرتين بياتريس ويوجيني.
وفي رسالة أرسلها إبستين إلى عنوان محجوب بتاريخ 21 مارس/آذار 2010، كتب ببساطة “ny?” التي يُرجح أنها إشارة إلى نيويورك.
وجاء الردّ من عنوان محجوب أيضاً: “لستُ متأكداً بعد. ننتظر فقط عودة يوجيني من عطلة”. وتتضمن العبارة الأصلية وصفاً غير لائق، تم نقله هنا بصياغة مهنية.
ولا يقدّم الملف أي سياق إضافي لهذه المجموعة من الرسائل.
وبسبب حجب عنوان البريد الإلكتروني للمرسل، لا يمكن التأكد مما إذا كانت الرسالة قد كُتبت من قبل سارة فيرغسون أم لا.
الأميرة يوجيني هي الابنة الصغرى لفيرغسون والأمير أندرو- ماونتباتن ويندسور، وتحتل حالياً المرتبة الـ 12 في ترتيب وراثة العرش البريطاني.
والتقت بزوجها الحالي جاك بروكسبانك خلال رحلة تزلج في سويسرا عام 2010.
وفي رسالة أخرى بعد بضعة أشهر، تواصل جيفري إبستين مع سارة فيرغسون في الأول من يوليو/تموز 2010، قائلاً إنه سيكون في لندن ذلك الأسبوع، وسأل عما إذا كانت هناك فرصة لأن “يلتقي مع ابنتيها بياتريس ويوجيني — وكانتا حينها في الـ 21”.
بعد يومين، ردت فيرغسون، قائلة إن بياتريس في لندن مع أندرو، بينما “يوجي” مسافرة مع “صديق رائع”، بحسب نَصّ الرسالة.
وفي مواضع أخرى، تشير الرسائل إلى أن فيرغسون وابنتيها وإبستين تناولوا الغداء معاً.
ففي يوليو/تموز 2009، أرسل إبستين رسالة إلى عنوان البريد الإلكتروني لفيرغسون يسأل فيها: “أين أنتِ؟”.
وبعد أقل من ساعة ونصف، جاء الرد من جهة اتصال مسجلة باسم “سارة”، تقول فيه: “أنا في ميامي. ما الرقم الذي يمكنني الاتصال بك عليه الآن؟”
وأضافت أنها أقامت في “منزل فيليب ليفين مع الفتيات”، وأنها تخطط للوصول إليه في الساعة 12:30 للغداء، وتسأله إن كان ذلك مناسباً.
يرد إبستين، عارضاً “توصيلها”، لكنها ترفض العرض.
وتقول: “طلبت من فيليب أن يعطينا سيارته وسيارة احتياطية للشرطي”، مؤكدةً أنها وابنتيها سوف تحضُرن للغداء، قائلة: “أنا وبياتريس ويوجيني”.

“فيرغي قالت إنها تستطيع ترتيب موعد على الشاي” في قصر باكنغهام
“فيرغي قالت إنها تستطيع ترتيب موعد على الشاي” في شقق قصر باكنغهام.
تكشف الرسائل الأخيرة مرة أخرى مدى وصول جيفري إبستين إلى قلب المجتمع الراقي في بريطانيا.
وغالباً ما يبدو أن فيرغسون كانت هي من تفتح له هذا الباب.
ففي الثامن من فبراير/شباط 2010، كتبت أماندا ثيرسك، السكرتيرة الخاصة للأمير أندرو آنذاك، إلى إبستين نيابةً عن فيرغسون، لدعوته إلى حفل عيد ميلاد أندرو الخمسين في وقت ٍلاحق من ذلك الشهر في قصر سانت جيمس في لندن.
وجاء في الدعوة: “سيكون الحفل ببذلات رسمية وفساتين كوكتيل، وكما تعرفني… بعض المرح الغامض، لذا أحضر هداياك، وحضورك، وروحك المرحة”.
وأُبلغ إبستين بأنه يحتاج إلى إظهار جواز سفره عند الوصول إلى القصر.
ولا يحتوي الملف على رد من إبستين. كما أُرسلت رسالة متابعة من مكتب دوق يورك تسأل عما إذا كان سيحضر، لكن لم يرد أي رد.
وفي رسالة أخرى من إبستين إلى مدير صندوق التحوط غلين دوبين عام 2009، كتب إبستين أن “فيرغي قالت إنها تستطيع ترتيب موعد على الشاي في شقق قصر باكنغهام… أو قلعة وندسور”.
وأضاف أنه ينبغي على دوبين الاتصال بها مباشرة.
إبستين لم يكن لطيفاً في حديثه عن فيرغسون
على الرغم من ولاء سارة فيرغسون له، يبدو أن إبستين لم يكن يُظهر لها أي تقدير خلف الكواليس في بعض الأحيان.
ففي رسالة إلكترونية تعود إلى سبتمبر/أيلول 2011، أرسل إبستين رابطاً لتغطية صحيفة ديلي ميل لحفل تخرج الأميرة بياتريس من الجامعة، وكتب: ” صورة لـ F من يوم الجمعة…ليست في أفضل حالاتها”.
ولا يتضمّن الملف أي رد على هذه الرسالة.
لكن مقارنة هذا التعليق بما ورد في رسائل أخرى من مديح فيرغسون المبالغ فيه لإبستين، يجعل الأمر مهيناً للغاية بالنسبة للدوقة السابقة.
ومرة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن ورود أسماء أشخاص أو صورهم في هذه الملفات لا يعني ارتكاب أي مخالفة. كثيرون ممن وردت أسماؤهم في دفعات سابقة نفوا أي علاقة خاطئة بإبستين.
وتم التواصل مع ممثلي سارة فيرغسون للتعليق.
ومع ذلك، لا شك أن سمعة عائلة يورك أصبحت ملوثة بشكل يصعب إصلاحه.
فالسيد ماونتباتن-ويندسور سيغادر قريباً مقر “رويال لودج”، بعد أن جُرد من ألقابه ومناصبه الشرفية.
أما طليقته، فسيتعين عليها أيضاً الانتقال من منزلها — رغم أنه لا يُعرف إلى أين ستذهب. وتخلت عدة جمعيات خيرية عنها بالفعل بسبب ارتباط اسمها بإبستين، مما يجعل خياراتها محدودة بعد هذه التسريبات الجديدة.
وبالنسبة للأميرتين بياتريس، 37 سنة ويوجيني، 35 سنة، فقد احتفظتا بألقابهما باعتبارهما ابنتين لابن ملك.
لكن هذه الرسائل الأخيرة ستثير مجدداً تساؤلات حول ما إذا كان بإمكانهما النأي بنفسيهما عن الفوضى التي تحيط بوالديهما.
المزيد عن: الاتجار بالبشرالولايات المتحدةالجنس
]]>

اندبندنت عربية / أحمد مصطفى صحافي متخصص في الشؤون الدولية
في وقت تركز التغطيات الإعلامية على الفضائح الجنسية لسياسيين ورجال أعمال كبار كانوا على علاقة برجل العلاقات الخاصة الأميركي المنتحر جيفري إبستين، تواجه الحكومة البريطانية أزمة أخطر تتعلق في ما يمكن وصفه بـ”انتهاكات اقتصادية” خطيرة قام بها اللورد بيتر ماندلسون صديق إبستين عندما كان وزيراً للأعمال في حكومة رئيس الوزراء “العمالي” غوردون براون الذي خلف توني بلير مع نهاية العقد الأول من هذا القرن.
ويتعرض رئيس الحكومة البريطانية “العمالية” الحالية كير ستارمر لضغوط من المعارضة بسبب اختياره ماندلسون سفيراً لدى واشنطن العام الماضي، على رغم معرفة الجميع بعلاقته مع إبستين. أما الفضيحة السياسية- الاقتصادية التي كشفت عنها وثائق قضية إبستين التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية، فتتعلق بتسريب ماندلسون معلومات اقتصادية بريطانية في غاية الحساسية لصديقه الأميركي.
وتظهر الرسائل المتبادلة إمداده إبستين عندما كان وزيراً للأعمال بمعلومات سرية لا تتعلق فقط بالاقتصاد البريطاني، لكن أيضاً بخطط أوروبية لدعم العملة الموحدة اليورو، وكلها معلومات مؤثرة في السوق إذا عُرفت قبل إعلانها رسمياً، مما يعني إمكان استفادة المتحرش الأميركي وشركائه من رجال الأعمال بمعرفتها بصورة مسبقة.
وأظهرت وثائق وزارة العدل الأميركية تلقي بيتر ماندلسون ورفيقه مبالغ مالية من جيفري إبستين، وعلى رغم عدم الربط المباشر بين تلقي تلك الأموال وكشف ماندلسون عن أسرار حكومية اطلع عليها بحكم منصبه، فإن التعليقات والتغطيات الإعلامية في بريطانيا توحي بذلك.
الكشف عن أسرار اقتصادية
حين تفجرت علاقة ماندلسون بإبستين العام الماضي، استدعته حكومة ستارمر من واشنطن مع إعفائه من منصبه سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، لكن الدفعة الأخيرة من الوثائق في قضية إبستين كشفت عن كيفية تسريب ماندلسون خططاً للحكومة البريطانية تتعلق بالسياسات الضريبية ومقترحات بيع أصول بمليارات الدولارات، وتحدثت أيضاً عن كيف سرب معلومات مسبقة عن خطط أوروبا لدعم العملة بنحو نصف تريليون يورو.
وتلقى ماندلسون من إبستين 75 ألف دولار ضمن ثلاثة تحويلات مالية، كل مرة بقيمة 25 ألف دولار، وأظهرت الوثائق أيضاً أن رفيق ماندلسون (في علاقة مثلية) رينالدو أفيلا دا سيلفا تلقى تحويلات من إبستين بآلاف الدولارات في الفترة التي كان فيها بيتر ماندلسون وزيراً للأعمال في بريطانيا بين عامي 2009 و2010، بحسب ما جاء في تقرير لصحيفة “فايننشيال تايمز”.
والأحد التاسع من مايو (أيار) عام 2010 سأل جيفري إبستين بيتر ماندلسون عما إذا كانت خطة إنقاذ اليورو بقيمة 500 مليار (590 مليار دولار) وصلت إلى مرحلة “الاكتمال تماماً”.
وخلال دقائق رد عليه ماندلسون، “سيُعلن عنها الليلة”، وصباح اليوم التالي توصلت دول الاتحاد الأوروبي إلى صفقة لوقف انهيار العملة الموحدة خشية التخلف عن سداد الديون في أعقاب الأزمة المالية العالمية.
أما الأخطر بالنسبة إلى بريطانيا وإلى حزب العمال الذي استقال منه بيتر ماندلسون بعد نشر الوثائق الأخيرة، الأسرار الحكومية التي كشف عنها لصديقه الأميركي، إذ أرسل إلى إبستين وثيقة “عالية المستوى” للحكومة البريطانية تتعلق بخطط الضرائب المستقبلية ومقترح بيع أصول بريطانية بقيمة 20 مليار جنيه استرليني (27 مليار دولار).
وكان عنوان الوثيقة “قضايا أعمال”، كتبها في الـ13 من يونيو (حزيران) عام 2009 نيك بتلر الذي كان وقتها مستشاراً خاصاً لرئيس الوزراء عندئذ غوردون براون.
ونُشرت الوثيقة السرية للحكومة البريطانية في مجموعة الوثائق الأخيرة التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية ضمن ملايين الوثائق المتعلقة بقضية إبستين.
الاستفادة بالتأثير في السوق
وكانت الوثيقة الحكومية السرية تطلب من الحكومة البريطانية دعم استثمارات القطاع الخاص في أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، من خلال حوافز وإعفاءات ضريبية.
ومن شأن معرفة تلك المعلومات قبل إقرارها رسمياً والإعلان عنها التأثير في الأسواق، ويمكن لمن تتسرب إليه الاستفادة مالياً بقوة بالمضاربة على ما سيحدث.
وبحسب الوثيقة الخاصة بحكومة “العمال” برئاسة غوردون براون، فإن “النصيحة الكبرى المتوافرة للحكومة هي تمديد فترة امتيازات رأس المال التي أُعلنت في بيان الموازنة وعلينا التفكير في زيادة امتيازات رأس المال للاستثمارات الجديدة إلى نسبة 75 في المئة (أو حتى أكثر) لما بقي من السنة الضريبية الحالية”.
ونصح بتلر براون بأن يقرر بيع أصول “بنحو 20 مليار جنيه استرليني (27 مليار دولار)” لتخفيف عبء الدين العام وتقليل كلفة الاقتراض وتوفير الأموال لاستثمارات جديدة.
وكان هناك هدف سياسي أيضاً من وراء خطة بيع الأصول البريطانية، فكما كتب بتلر، “ستساعدنا أيضاً في دخول الانتخابات بتعهد أننا لن نرفع الضرائب أكثر سواء على الشركات أو على الشريحة العليا من دافعي ضرائب الدخل خلال فترة البرلمان المقبل”.
وفي اليوم الذي قدمت فيه الوثيقة للحكومة، أرسلها بيتر ماندلسون إلى جيفري إبستين مع ملاحظة “مذكرة مهمة أُرسلت إلى رئيس الوزراء”، وجاء رد إبستين باستفسار، “ما هي الأصول التي ستباع؟”، فرد عليه ماندلسون “أظن أراضي وعقارات”.
وبعد أربعة أشهر أعلنت الحكومة البريطانية خطة بيع الأصول مستهدفة جمع 16 مليار جنيه استرليني (22 مليار دولار) منها.
وتكشف الملفات المفرج عنها أيضاً وثيقة حكومية بريطانية أخرى أُرسلت إلى إبستين، لكن اسم المرسل مطموس بالأسود، فلم يُعرف من أرسلها.
أزمة حكومة ستارمر
كذلك تطرقت الملفات إلى أن بيتر ماندلسون وجيفري إبستين ناقشا مسألة تعيين الرئيس الجديد لبنك “باركليز” البريطاني.
ففي الثالث من أغسطس (آب) عام 2012، سأل إبستين ماندلسون إذا كانت لديه “أية معلومات داخلية عمن سيكون الرئيس المقبل لبنك ’باركليز‘”، ورد عليه ماندلسون “سنحتاج إلى التكلم على الهاتف”، وفي اليوم التالي قال ماندلسون لإبستين “هل يعرف رجلك السير ديفيد ووكر؟”، ليعلن بنك “بركليز” في التاسع من أغسطس 2012 تعيين السير ديفيد ووكر رئيساً له.
وعلى رغم استقالة ماندلسون من حزب العمال الأحد الماضي، وما سبق من إقالة ستارمر له كسفير لدى واشنطن، فإن الضغوط على حكومة ستارمر تزداد.
واتهمت زعيمة حزب المحافظين المعارض حكومة ستارمر بأنها عينت ماندلسون سفيراً في واشنطن العام الماضي وهي تعلم بعلاقته بإبستين.
وقرر رئيس الوزراء كير ستارمر تشكيل لجنة تقصي حقائق للتحقيق في تسريب الوزير والسفير السابق والعضو البارز حتى قبل أيام في حزب العمال معلومات سرية حساسة، وطالب رئيس الوزراء “العمالي” السابق غوردون براون بالتحقيق في تلك التسريبات التي حدثت وقت رئاسته للحكومة.
لكن ذلك لا يبدو كافياً لوقف موجة الانتقاد لحزب العمال وحكومته، لذا أعلن ستارمر أنه يريد أن يخرج بيتر ماندلسون من مجلس اللوردات، الغرفة الأعلى في البرلمان البريطاني، ويجرده من لقب لورد.
وليس فصل أعضاء مجلس اللوردات ضمن سلطة رئيس الحكومة، على رغم أنهم غير منتخبين من الشعب، ويحتاج تدخل الحكومة إلى تعديل القانون، مما أعربت الحكومة عن أنها ليست بصدده حالياً، لكن ستارمر يريد أن يشدد المجلس من قواعد العقوبات على سوء السلوك بما يجعله يفصل ماندلسون.
من الواضح أن تردد أمواج فضائح إبستين لن يقتصر فقط على الولايات المتحدة بسياسييها ورجال أعمالها وشخصياتها البارزة، لكن صداها سيتردد بقوة في بريطانيا كذلك.
المزيد عن: جيفري أبستين جزيرة جيفري أبستين بيتر ماندلسون البيت الأبيض
]]>
الشرق الاوسط/ واشنطن: إيلي يوسف
أفرجت وزارة العدل الأميركية، الجمعة، عن أضخم دفعة حتى الآن من «ملفات جيفري إبستين»، ضمن موجة كشفٍ بدأت نهاية 2025 بموجب «قانون شفافية ملفات إبستين». الإعلان جاء على لسان نائب المدعي العام تود بلانش الذي قال إن الوزارة نشرت ما يزيد على ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق، بالإضافة إلى آلاف المقاطع المصوّرة، ومئات آلاف الصور، مؤكداً أن ذلك يمثّل نهاية الدفعات المخطط لها، و«خاتمة» المراجعة الأوسع ضمن الالتزام بالقانون الذي فُرض لإتاحة هذه الملفات للجمهور، مع تنقيحات واسعة لحماية الضحايا ولأسباب قانونية وإجرائية أخرى.

صورة تُظهر بعض ملفات إبستين في 19 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
لكن المفارقة أن الإفراج، بدل أن يطوي الملف، أعاد تعويمه سياسياً وأخلاقياً. فعلى الرغم من أن الحكومة ترى أنها قامت بما عليها (ضمن حدود التنقيح والاستثناءات)، فإن منتقدين من ناجين وناجيات، ومن مشرّعين ديمقراطيين وجمهوريين، يؤكدون أن «شفافية الكم» لا تعني «شفافية المعنى»، وأن الثغرات في الحجب والتأخير والانتقاء قد تُبقي الأسماء الأقوى في مأمن، في حين يتعرّض الضحايا لكلفة إضافية من الانكشاف.

صورة وزّعتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي تُظهر الرئيس ترمب مع جيفري إبستين وقد نشرها الديمقراطيون باللجنة في واشنطن (رويترز)
ما الذي كُشف فعلاً؟
حسب وسائل الإعلام الأميركية فإن طبيعة المواد المنشورة تضع الرأي العام أمام مأزقٍ منهجي: كثير من الوثائق ليست أحكاماً أو نتائج نهائية، بل مراسلات، وخلاصات مقابلات، وسياقات جمع معلومات، وأدلة رقمية متفرقة. وهذا يعني أن وجود اسم في بريد إلكتروني أو جدول مواعيد لا يساوي تلقائياً اتهاماً، فضلاً عن إدانة. ومع ذلك، فإن القيمة السياسية والإعلامية تكمن في أن الوثائق تكشف عن استمرار «العلاقات الطبيعية» لإبستين مع شخصيات نافذة، بعد اتهامه وإدانته في قضايا سابقة، أي بعد أن كان ينبغي أن يصبح عبئاً لا «مضيفاً» و«وسيطاً» في دوائر القوة.
ضمن العناوين الأكثر تداولاً، برز حضور الأمير أندرو في الوثائق الجديدة بوصفه أحد «الأسماء اللامعة» التي تُظهر الملفات كيف تعاملت السلطات الأميركية مع محاولة فهم شبكة العلاقات المحيطة بإبستين. وتشير تقارير إلى أن الدفعة تتضمّن مواد تتصل بمحاولات لترتيب مقابلة من قِبل السلطات الأميركية، وهو ما يُعيد تسليط الضوء على البعد الدولي للقضية، وعلى حدود قدرة واشنطن على استكمال خيوطها خارج الولاية القضائية الأميركية.

النائب الديمقراطي توم ماسي والجمهورية مارجوري غرين في مؤتمر صحافي حول ملفات إبستين 18 نوفمبر 2025 (رويترز)
وفي المسار نفسه، كشفت وثائق منشورة عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، وزوجته نِلي بريئيل، أقاما عدة مرات في شقة مملوكة لإبستين في نيويورك، وفق مراسلات بريدية تتعلق بترتيبات إقامة ومواعيد سفر وتنسيق لوجيستي، بما في ذلك رسالة تشير إلى مغادرتهما المؤقتة في أثناء سفرهما إلى جامعة هارفارد، وطلب ترتيب التنظيف خلال الغياب.
وتؤكد التقارير أن باراك أقرّ بمعرفته بإبستين، لكنه نفى مراراً مشاهدته أو مشاركته في أي نشاط غير قانوني أو غير لائق.
وتكشف رسائل إلكترونية عن أن هوارد لوتنيك الذي يشغل منصب وزير التجارة نسّق في ديسمبر (كانون الأول) 2012 تفاصيل لقاء/غداء على جزيرة إبستين (ليتل سانت جيمس)، بما في ذلك ترتيبات الوصول والتوقيت ومراسلات مع مساعدة إبستين، إلى جانب تواصل من زوجته للتنسيق.
كما أظهرت الوثائق مراسلات بين إبستين ورجل الأعمال إيلون ماسك خلال 2012-2014، تتضمّن محاولات متبادلة لتنسيق لقاءات وزيارات، وتحديداً دعوة إبستين له لزيارة جزيرته في الكاريبي، ورد ماسك بما يفيد بأنه «سيحاول» ترتيب ذلك.

إحدى الضحايا خلال وقفة للمطالبة بالشفافية حول ملفات إبستين خارج مبنى الكابيتول نوفمبر الماضي (د.ب.أ)
وحسب ما نقلته تقارير صحافية استندت إلى الوثائق المنشورة، فإن الرسائل تتقاطع أيضاً مع جدل سابق، بعدما قال ماسك علناً في سبتمبر (أيلول) الماضي إن إبستين حاول إقناعه بالذهاب إلى الجزيرة وإنه «رفض». هنا لا تُحسم «واقعة الزيارة» بحد ذاتها دائماً، لكن ثِقل المادة يكمن في إبراز نمط السعي إلى علاقة اجتماعية، حتى لو لم تُترجم إلى لقاء فعلي.
ويرى محللون أن المهم هنا ليس «الإشارة إلى الأسماء» بقدر ما هو إظهار آلية عمل الشبكة: رسائل قصيرة، ونبرة ودّية، وتنسيق سفر وعشاء وخصوصية، أي أدوات الحياة اليومية للنخبة التي تتحول، في ملف من هذا النوع، إلى مادة سياسية وقضائية محتملة، وإلى دليل على «طبيعة العلاقات» حتى إن لم تُثبت وحدها جرماً.

جيفري إبستين وجيسلين ماكسويل على متن طائرة خاصة في صورة أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية بواشنطن (رويترز)
المشرّعون يرفعون السقف
في موازاة ضخامة الإفراج، برزت انتقادات حادة بشأن اتساع التنقيحات وتفاوتها، بل حتى بشأن أخطاء محتملة في حماية هوية الضحايا. تقارير صحافية تحدثت عن غضب الناجين، لأن بعض المواد المنشورة، على حد وصفهم، كشفت عن معلومات تعريفية أو سياقية عن الضحايا، في حين بقيت أسماء رجال يُشتبه بضلوعهم أو صِلتهم بالجرائم محجوبة أو غير واضحة، ما يُنتج انطباعاً بأن ميزان الحماية يميل ضد الضحايا.
وفي خطوة لافتة، وجّه النائبان، الديمقراطي رو خانا، والجمهوري توماس ماسي، وهما من رعاة قانون الإفراج، رسالة رسمية إلى تود بلانش يطلبان فيها اجتماعاً للاطلاع على النسخ غير المنقّحة من المواد، مشيرين إلى «مخاوف بشأن نطاق التنقيحات واتساقها»، ولا سيما في تقارير مقابلات الضحايا، التي قالا إن صفحات كثيرة منها خرجت «مُسوّدة بالكامل» بلا معنى رقابي أو مساءلة عامة. الرسالة تطلب أيضاً الاطلاع على وثائق بعينها: رسائل البريد الإلكتروني المستخرجة من حسابات إبستين، ومواد مقابلات الضحايا في فلوريدا ونيويورك، ومسودة لائحة اتهام ومذكرة ادعاء تعود إلى تحقيق 2007 في فلوريدا، بوصفها مفاتيح لفهم كيف انتهت تسوية «الحصانة» الشهيرة آنذاك.

صورة تجمع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وجيفري إبستين ضمن الملفات المفرج عنها من جانب وزارة العدل الأميركية (رويترز)
هذا التطور يضع وزارة العدل أمام معضلة جديدة: السماح بمراجعة غير مُنقّحة يخفف ضغط الاتهام بـ«التلاعب»، لكنه يفتح أيضاً باباً لصدام حول ما إذا كان «الكونغرس» سيحوّل ما يراه في «الغرفة الآمنة» إلى سلاح سياسي جديد، أو إلى ضغط قانوني على خطوات ادعاء قادمة.
كما ربطت تقارير بين السجال واتهامات متكررة لوزيرة العدل بام بوندي بعدم الالتزام بروح القانون، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين ما قيل إن الحكومة جمعته من صفحات «محتملة الصلة» وما أُطلق فعلياً.

رئيس لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب جيمس كوم يغادر بعد تخلّف هيلاري كلينتون عن جلسة الاستماع (أ.ف.ب)
في النهاية، ما كُشف يوم الجمعة يُقوّي يد من يقول إن إبستين لم يكن «مجرماً منفرداً»، بل كان جزءاً من بيئة نفوذ كانت تتعامل معه رغم سمعته وملفاته السابقة، لكنه في الوقت نفسه يُعطي خصوم الإفراج مادة، ليقولوا إن الدولة قد تُغرق الجمهور بالوثائق، كي تُعفي نفسها من تقديم تفسير واضح: لماذا أُبرمت التسويات؟ ومَن صمت؟ ومَن فشل في حماية الضحايا؟ وما الذي بقي خارج الضوء؟
مسؤول أميركي يستبعد توجيه اتهامات إضافية بسبب «ملفات إبستين»
واشنطن : «الشرق الأوسط»
قلل مسؤول كبير في وزارة العدل الأميركية من احتمال توجيه اتهامات جنائية إضافية ناجمة عن ملفات رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية. وقال، أمس الأحد، إن وجود «صور مروّعة» ومراسلات بريد إلكتروني مثيرة للقلق «لا يسمح لنا بالضرورة بمحاكمة شخص ما».
وقال مسؤولو الوزارة، خلال الصيف، إن مراجعة السجلات المتعلقة بإبستين لم تشكل أساساً لفتح تحقيقات جنائية جديدة.
وقال نائب المدعي العام تود بلانش إن هذا الموقف لم يتغير، حتى في الوقت الذي وجه فيه تفريغ ضخم للوثائق، منذ يوم الجمعة الماضي، اهتماماً جديداً إلى علاقات إبستين بأفراد أقوياء في جميع أنحاء العالم، وأعاد إحياء أسئلة بشأن المعرفة، إنْ وُجدت، التي كانت لدى شركاء المموّل الثري حول جرائمه.
وأكد بلانش، أمس الأحد، في برنامج «حالة الاتحاد» على شبكة «سي إن إن»: «هناك كثير من المراسلات، هناك كثير من رسائل البريد الإلكتروني، هناك كثير من الصور، هناك كثير من الصور المروّعة التي يبدو أن السيد إبستين أو الأشخاص المحيطين به التقطوها، لكن هذا لا يسمح لنا، بالضرورة، بمحاكمة شخص ما».
وأضاف بلانش أن ضحايا الاعتداء الجنسي من قِبل إبستين «يريدون التعويض الكامل»، لكن هذا «لا يعني أنه بإمكاننا اختلاق أدلة أو تلفيق قضية من العدم»، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».
وأعلنت وزارة العدل، التابعة للرئيس دونالد ترمب، يوم الجمعة، أنها ستنشر أكثر من 3 ملايين صفحة من الوثائق، وأكثر من 2000 مقطع فيديو، و180 ألف صورة، بموجب قانون يهدف إلى الكشف عن معظم المواد التي جمعتها، خلال التحقيقات المطوَّلة في قضية إبستين.
كانت تداعيات نشر الملفات سريعة، ففي المملكة المتحدة أعلن اللورد بيتر ماندلسون استقالته من حزب العمال الحاكم، أمس الأحد، عقب الكشف عن مزيد من المعلومات حول علاقته بإبستين. وقال إنه يتنحى جانباً لتجنب التسبب في «مزيد من الإحراج»، حتى مع نفيه مزاعم تلقيه مدفوعات من إبستين قبل عقدين من الزمن.
في غضون ذلك، استقال مسؤول رفيع المستوى في سلوفاكيا من منصبه بعد أن كشفت صور ورسائل بريد إلكتروني عن لقائه بإبستين، في السنوات التي تَلَت إطلاق سراحه من السجن.
واقترح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن يُدلي أندرو ماونتباتن-ويندسور، الصديق المقرَّب لإبستين منذ فترة طويلة، والمعروف سابقاً باسم الأمير أندرو، بشهادته للمحققين الأميركيين بكل ما يعرفه عن أنشطة إبستين.

أندرو ماونتباتن-ويندسور الصديق المقرب لإبستين منذ فترة طويلة والمعروف سابقاً باسم الأمير أندرو في بريطانيا (رويترز)
وتضمنت الملفات المنشورة على موقع الوزارة الإلكتروني وثائق تتعلق بصداقة إبستين مع ماونتباتن-ويندسور، بالإضافة إلى مراسلاته الإلكترونية مع ستيف بانون، مستشار ترمب السابق، وستيف تيش، الشريك المؤسس لفريق نيويورك جاينتس، وغيرهم من الشخصيات البارزة في الأوساط السياسية والتجارية والخيرية، مثل المليارديريْن بيل غيتس وإيلون ماسك.
ولطالما أثارت قضية إبستين اهتمام الرأي العام، ويعود ذلك جزئياً إلى صداقاته السابقة مع ترمب، والرئيس السابق بيل كلينتون. وقد نفى الرجلان علمهما بتورط إبستين في الاعتداء على قاصرات.
وتضمنت بعض مراسلات إبستين الإلكترونية الشخصية نقاشات صريحة مع آخرين حول ميله لدفع المال للنساء مقابل ممارسة الجنس، حتى بعد قضائه فترة في السجن بتهمة استدراج قاصر لممارسة الدعارة. وانتحر إبستين في سجن بنيويورك، في أغسطس (آب) 2019، بعد شهر من توجيه الاتهام إليه بتُهم فيدرالية تتعلق بالاتجار بالجنس.
المزيد عن: قضايا دونالد ترمب أميركا بريطانيا
]]>الشرق الاوسط /القاهرة: محمد عجم
أثارت الوثائق المتعلقة بقضية الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين تساؤلات وتفاعلاً واسعاً في مصر، عقب ورود أسماء شخصيات مصرية بارزة ضمن الوثائق التي رُفعت عنها السرية.
ونشرت وزارة العدل الأميركية، يوم الجمعة الماضي، عدداً كبيراً وجديداً من الوثائق المرتبطة بـ«إبستين»، مؤكدة أنها وفَّت بالالتزام الذي قطعته إدارة الرئيس دونالد ترمب بكشف كل ما يتصل بهذه القضيَّة ذات الارتدادات السياسية المدوّية.
وشملت التسريبات إشارة إلى وجود مراسلات منسوبة إلى خديجة الجمال، زوجة جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك، وورود اسم الناشط المصري وائل غنيم ضمن المراسلات.
وعلى الرغم من أن ورود الاسم في «وثائق إبستين» لا يعني بالضرورة الاتهام بالتورط في جرائم غير أخلاقية أو علم بأنشطة إبستين المشبوهة، فإن الحساسية السياسية المرتبطة بهذه الأسماء المصرية جعلت من الخبر مادة دسمة للتداول.
رسالة «طلب للدعم»
شغل جمال مبارك، (62 عاماً)، سابقاً منصب الأمين العام المساعد، وأمين لجنة السياسات في «الحزب الوطني الديمقراطي» (الحاكم) إبان حكم والده؛ وقد واجه مع والده وشقيقه الأكبر علاء اتهامات في قضايا عدة عقب أحداث 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر.
وتضمنت الوثائق المتداولة رسالة إلكترونية نُسبت إلى زوجته خديجة الجمال، تُوجه فيها رسالة من زوجها إلى السياسي النرويجي تاريه رود لارسن، وجاءت في سياق محاولة لطلب دعم خارجي عقب توقيف جمال مبارك بعد «ثورة 25 يناير».
وتشير الوثائق إلى أن السياسي النرويجي نقل بدوره الرسالة إلى إبستين.
وتناولت الرسالة ما وُصف بالأوضاع القاسية التي مرّت بها الأسرة آنذاك، سواء على المستويين الصحي والنفسي، إلى جانب التشكيك في الاتهامات المنسوبة إلى مبارك وولدَيه.
أما الناشط وائل غنيم (46 عاماً) فيُعدّ إحدى إيقونات «ثورة 25 يناير» 2011 في مصر، واختارته مجلة «تايم» الأميركية ضمن قائمة المائة شخصية الأكثر تأثيراً في العالم عام 2011، وبات من بعدها أحد النشطاء المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

الناشط المصري وائل غنيم (حسابه على منصة «إكس»)
وجاء ذكر اسم غنيم في الوثائق المسربة فقط من خلال دعوات إلى مناسبات اجتماعية عامة نظّمتها دوائر إبستين، دون وجود أي اتهام مباشر بالضلوع في جرائمه، ومشاركته في فعاليات تجمع رواد أعمال وقادة فكر في العالم، بعيداً عن الأنشطة التي أُدين بها إبستين لاحقاً.
صدمة واستغراب
لم يكن مرور الأسماء المصرية في «وثائق إبستين» عابراً على منصات التواصل الاجتماعي بمجرد تداول صور الوثائق، وتباينت ردود الفعل بين الصدمة والاستغراب، وبين تساؤلات عن حقيقة علاقة الأسماء الواردة بالملياردير الأميركي.
واستغل معارضو حقبة مبارك ظهور اسم نجله وزوجته للتساؤل حول علاقة أفراد الأسرة الحاكمة بالدوائر المشبوهة عالمياً، في حين انتقد آخرون سلوك الاستقواء بالخارج، وما تضمنته الرسالة من وصف بأن التوقيف والمحاكمة حدثا تحت «ضغوط غوغائية».
في المقابل، انبرى أنصار «مبارك» للدفاع عن نجله، لافتين إلى أن الرسالة كان مقصدها طلب محاكمة عادلة في ظل الأجواء الثورية عقب 2011، مؤكدين أن الرسالة لا تحمل تورطاً.
أما ظهور اسم الناشط غنيم فقد أثار نوعاً من الارتباك لا سيما بين مؤيدي «ثورة 25 يناير» ومعارضيها؛ إذ هاجمه البعض، لافتين إلى أن وجود اسمه بالوثائق يعضد اعتقاداً أن الثورة حِيكت بـ«مؤامرة خارجية». في حين حاول البعض تبرير ورود اسمه، مشيرين إلى عمله السابق في «غوغل»، مما يجعل وجوده في دوائر النخبة التقنية الأميركية أمراً طبيعياً.
الشفافية والمساءلة
الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي في مصر، محمد فتحي، قال إن تحقيق أسماء بعينها تفاعلاً واسعاً مقارنة بأسماء دولية أخرى أكثر ثقلاً ورد ذكرها في وثائق إبستين «يعود إلى المعرفة المسبقة بهم بوصفهم رموزاً مؤثرة في المجتمع أو لارتباطهم بالسلطة، وبالتالي أي تلميح إلى ارتباطهم بقضية دولية، حتى لو بشكل غير مباشر، يُعدّ خبراً صادماً أو مثيراً للفضول».
وأضاف: «كما أن السياق المرتبط بإبستين، المعروف بعلاقاته المثيرة للجدل واستغلاله القوة والثروة، جعل أي ظهور لأسماء في الوثائق محل اهتمام وتدقيق إعلامي».
واستطرد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن الجمهور يميل إلى الاهتمام بالقضايا التي تحمل «شبهات»، والأخرى التي تتعلق بالطبقة العليا وعلاقاتها الدولية، «وظهور أسماء مألوفة أعطى إحساساً بأن الموضوع أقرب للواقع، وهو ما ولَّد نقاشاً وتساؤلات حول الأسماء الواردة، مقارنة بأسماء دولية بعيدة عن السياق المحلي».
ولفت الباحث المصري إلى أن غياب الرد من جانب الشخصيات المذكورة أعطى مساحة أكبر للتكهنات والروايات المختلفة، وبالتالي أسهم في خلق مساحة أكبر للمحللين لوضع إجابات بديلة قد تكون منطقية، لكنها ليست بالضرورة حقيقية.
ويبيّن الباحث أن التفاعل على منصات التواصل لم يقتصر على الاستغراب، بل تعداه إلى نقاشات وتساؤلات حول الشفافية والمُساءلة في حياة الشخصيات العامة، خصوصاً من لهم دور سياسي أو اقتصادي.
وأضاف أن التفاعل الواسع على «السوشيال ميديا» يعكس كيف يمكن لهذه الوثائق أن تُعيد تشكيل صورة بعض الشخصيات في الرأي العام.
المزيد عن: أخبار مصر قضية إبستين مصر أميركا
]]>
المجلة / إبراهيم حميدي
بعد جولة مفاوضات مكثفة أجراها قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي في دمشق، ومواكبة أميركية، أُعلن يوم الجمعة 30 يناير/كانون الثاني، عن “اتفاق شامل” بين “قسد” والحكومة، كان بمثابة خطة تنفيذية لاتفاق 18 يناير، قضى بتثبيت وقف النار و”دمج متسلسل” لقوات “قسد” و”الإدارة الذاتية”، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي لضمان انتشار الشرطة المحلية، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد” ولواء إضافي في عين العرب (كوباني) لحلب، إضافة إلى انسحاب القوات العسكرية من “نقاط التماس”.
وحسب نص الاتفاق الذي وقع في 27 يناير وأعلن في 30 يناير، واطلعت على مضمونه “المجلة”، سيتم في اليوم الأول يوم الاثنين، دخول 15 سيارة أمن لكل من الحسكة والقامشلي، وفي اليوم التالي، استلام حقلي الرميلان والسويدية للنفط مع دمج الموظفين بوزارة الطاقة. في اليوم الثالث، سيتم تسليم مطار القامشلي الذي انسحبت روسيا منه، الى هيئة الطيران المدني، وارسال فريق من هيئة المنافذ الحدودية الى معبر سيملكا.
بعدها، سيتم الانسحاب العسكري من مدينتي الحسكة والقامشلي إلى ثكنات متفق عليها، مع انسحاب الجيش الى الشدادي بعد انتهاء عملية اخلاء عناصر “داعش”.
بعد ذلك، تنطلق عملية دمج مؤسسات الادارة الذاتية في مؤسسات الدولة وتثبيت الموظفين، ثم البدء بتشكيل فرقة عسكرية بثلاثة ألوية للحسكة ولواء في عين العرب (كوباني). وحسب قول مسؤول كردي لـ “المجلة”، هذا يعني إعادة هيكلة وتشكيل ثلاثة ألوية لتصبح فرقة تضم نحو 16 ألف مقاتل من مقاتلي “وحدات حماية الشعب” الكردية الذين كانوا ضمن “قسد” قبل خروج عدد كبير من المقاتلين العرب منها، وتشكيل لواء من نحو 6 آلاف مقاتل في عين العرب (كوباني).
ويشمل الاتفاق تعيين المناصب الرئيسة مثل محافظ الحسكة ومساعد وزير الدفاع ونائب مدير الأمن للحسكة (“قسد” ترشح ودمشق تقبل)، اذ عينت دمشق مروان العلي (مدير الأمن الجنائي سابقا) مدير للأمن في الحسكة.
وقال محمد طه أحمد مدير ادارة الشؤون العربية بالخارجية السورية، ان الاتفاق يتضمن أربع مراحل: تبدأ بالمرحلة العسكرية الأمنية، تليها مرحلة أمنية إدارية، ثم مرحلة إدارة المرافق الحيوية، وأخيرًا دمج المؤسسات المدنية في هيكل الحكومة السورية. وأكد أن كل مرحلة لها جدول زمني محدد.
ويحل الاتفاق بدل مسودات مقترحات سابقة لتشكيل ثلاث فرق ولواءين مستقلين من “قسد” ولامركزية لـ”الإدارة الذاتية”. كما نص الاتفاق الجديد، على “تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي”، والعمل على ترجمة المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير/كانون الثاني، في شأن الحقوق الكردية، ضمن مؤسسات ووثائق الدولة.
وبمجرد إعلان الاتفاق من دمشق و”قسد”، رحب به المبعوث الأميركي توم باراك الذي واكب المفاوضات منذ توقيع اتفاق 10 مارس/آذار بين الشرع وعبدي، واعتبر البيان “محطة عميقة وتاريخية في مسيرة سوريا”.
بعد لقاء الشرع مع الرئيس ترمب في البيت الأبيض يوم 10 نوفمبر وقرار سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”، أصبح انخراط توم باراك واضحا في المفاوضات بموجب تكليف من ترمب لـ”حل ملف قسد”
وخلال أقل من أسبوعين في شهر يناير، انتقلت المفاوضات من “الإدارة الذاتية” إلى ترتيبات محلية، من تعديلات الدستور السوري إلى حقوق الأكراد في مناطق محلية، ومن “المشاركة” في صوغ مستقبل سوريا إلى البحث في مستقبل الحسكة والقامشلي، ومن القضايا الكبيرة إلى التفاصيل الصغيرة. ولشرح حجم التغيير في مطالب وأهداف “قسد”، سوف أنشر في نهاية المقال، مضمون وثيقتين: الأولى، مسودة خطة لدمج “قسد” في الجيش السوري قدمت في 4 يناير. والثانية، مسودة تعديلات اقترحت “قسد” إدخالها إلى الإعلان الدستوري السوري، الذي أعلنه الرئيس أحمد الشرع في منتصف مارس/آذار الماضي.
اتفاق 10 مارس… شراء الوقت
بعد توقيع الاتفاق بين الشرع وعبدي في 10 مارس الماضي، لـدمج مؤسسات “قسد” في الدولة السورية، عُقدت سلسلة من اللقاءات العلنية والسرية لتطبيق الاتفاق، واكبت المفاوضات بين الحكومة السورية وقيادة “قسد” منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى 4 يناير/كانون الثاني 2026 وصولا إلى 30 يناير. وكانت الجولات العلنية والاتصالات السرية بين “قسد” ودمشق والسلطات التركية بحضور أميركي غالبا وفرنسي أحيانا.

سانا/ أ ف ب / الرئيس أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي لدى توقيع اتفاق 10 مارس/اذار في دمشق
مرت هذه المفاوضات بجولات متقلبة. لحظات دافئة وهبات ساخنة. دعوات طعام وإلغاء لدعوات غداء كانت مقررة. جلسات طويلة وانسحابات مفاجئة. استخدام ألقاب رسمية أو التخاطب دون ألقاب. رعاية أميركية وغضب أميركي. حضور بارّاك الجلسات وانسحابه من بعضها، كما حصل في يوليو/تموز عندما “اضطر” باراك للقاء عبدي في العاصمة الاردنية لاضطراره للانسحاب من جلسة سابقة عقدت في دمشق.
كل ذلك كان تجليات لجوهر الخلاف: “قسد” تريد “المشاركة في صوغ مستقبل سوريا، ودمشق ترفض التشاركية والمحاصصة وتقترح الاندماج في الدولة الجديدة وفق أولويات القيادة الجديدة”، حسب توصيف مسؤول واكب المفاوضات في جميع مراحلها. ويضيف: “قسد تقول طالما أن دمشق تقول إن من يحرر يقرر، فنحن حررنا وساهمنا في التحرير ويجب أن نساهم في القرار. أما دمشق، فترى أن قيادة قنديل (حزب العمال الكردستاني) خطفت قرار (قسد)، و(قسد) خطفت قرار الأكراد وهي كانت حليفة لنظام الأسد في السنوات السابقة ولديها نحو 7 آلاف من عناصر النظام السابق. ومع سقوط النظام وقيام دولة بعلاقات عربية ودولية، فإن مبرر وجود (قسد) انتهى”.
واقع الحال، منذ 8 ديسمبر 2024، كانت الحكومة تراهن على الوقت، و”قسد” كانت تراهن على الوقت. دمشق ترى أن الوقت لصالحها. فالحكم الجديد فك العزلة عن البلاد ورفع العقوبات وبنى علاقات دولية متنوعة تشمل أميركا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وإقليمية مع دول وازنة تشمل السعودية وتركيا وقطر والأردن ومصر. كما راهن الحكم الجديد على العلاقة المميزة مع الرئيس دونالد ترمب والقيادتين السعودية والتركية، وأن أميركا ستتخلى عن “قسد” مع تثبيت الحكم السوري الجديد والانضمام إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”، أي توجه سوريا غربا.
“قسد”، من جهتها، كانت تراهن على الوقت أيضا. راهنت على أن يفشل الحكم السوري وراهنت على تحالفات مع مكونات سورية تشمل الدروز والعلويين والمسيحيين وبعض السنّة واقتتال بين الفصائل السورية. وراهنت أيضا على المحاسبة على الانتهاكات والمشاكل الاقتصادية. كما راهنت على تحالفات إقليمية تشمل إسرائيل، إضافة إلى التزام أميركي من وزارة الحرب (الدفاع سابقا) الأميركية والوحدات الخاصة. لم تخف قيادة “قسد” ذلك، فاستضافت مؤتمرا لـ”المكونات السورية”، وتحدث بعض مسؤوليها علنا عن تواصل مع تل أبيب.
رهانات خاطئة… وحسم عسكري
التحول في علاقة الشرع مع الخارج حصل في مايو/أيار، عندما استضافت الرياض لقاء بينه وبين الرئيس ترمب. انتقلت العلاقة بين واشنطن ودمشق من الانخراط الشرطي الى الأبواب المفتوحة. بلغت العلاقة ذروتها في يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني عندما استقبل ترمب الشرع في البيت الأبيض، وقرار سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”. حسب قول مسؤول: “في هذا اللقاء وعد ترمب الشرع بحل ثلاث قضايا عالقة قبل نهاية 2025: اندماج قسد وكلف باراك بالملف، الغاء قانون قيصر، والعمل مع نتنياهو لتوقيع اتفاق أمني”. وزاد المسؤول: “بعدها أصبح انخراط ادارة ترمب أوضح. انتهى قانون قيصر، وتكثف العمل لحل عقدة قسد وحل عقدة الانسحاب في مفاوضات سوريا واسرائيل”.

سانا/أ ف ب / الرئيس السوري احمد الشرع يصافح نظيره الاميركي دونالد ترمب في البيت الابيض في 10 نوفمبر
بعد لقاء ترمب-الشرع في البيت الأبيض، أصبح انخراط توم باراك واضحا في المفاوضات بموجب تكليف من ترمب. بات يحضر جلسات التفاوض ويقوم فريقه، خصوصا زهرة بل، بنقل الأوراق بين الطرفين. وتلبية لطلب “قسد” بالانتقال من التفاوض الشفوي إلى تبادل الأوراق. بعث عبدي ورقة لتصور “قسد” حول الاندماج في الجيش، يقوم على بقائها مستقلة بثلاث فرق ولواءين. وفي ديسمبر/كانون الأول رد وزير الدفاع اللواء مرهف بوقصرة برسالة خطية حملها دبلوماسي أميركي في 7 ديسمبر، كانت أولى الوثائق الرسمية السورية، فاعتبرها الأميركيون اختراقا كبيرا. وعاد عبدي وبعث ردا خطيا يوم 20 ديسمبر. وعقدت لقاءات موازية بين مدنيين وإداريين لبحث اندماج المؤسسات الأخرى.
بدءا من 6 يناير بدأ المشهد الميداني بالانقلاب. انهيار قوات “قسد” وانسحاب المكون العربي منها في المدن العربية وسرعة تقدم الجيش السوري، كان مفاجأة كبرى
وفي وسط “المفاوضات الخطية” وصل وفد تركي رفيع ضم وزيري الخارجية هاكان فيدان والدفاع يشار غولر ورئيس جهاز الاستخبارات العامة إبراهيم كالن إلى دمشق في 22 ديسمبر. وحسب قول دبلوماسي، فإن موقف أنقرة هو ضد قيام كيان كردي وضد اندماج “قسد” ككتلة وأنه لابد من نزع سلاحها ويجب خروج جميع مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” من سوريا.
مع نهاية 2025، حصلت تغيرات في المشهد الاقليمي والدولي. ترمب قامت بعملية خاطفة ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادرور. جهود وتحالفات اقليمية وعربية جديدة لدعم الدولة المركزية واحتكار السلاح ورفض الميليشات والانفصال في اليمن والسودان والصومال.
استؤنفت الاتصالات بين دمشق و “قسد”. اللقاء الحاسم كان يوم 4 يناير ، حيث بحث عبدي بحضور وفده، في لقائه مع وزيري الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف بوقصرة ومسؤولين آخرين في “خريطة طريق” مبنية على الأوراق المتبادلة، تضمنت تشكيل ثلاث فرق ولواءين (وحدات المرأة ومكافحة الإرهاب) من “قسد” وعلاقتها مع الجيش، إضافة إلى مناصب مثل “نائب” وزير الدفاع وتعديلات دستورية، ضمن خطة محكمة ينتهي تنفيذها أول أغسطس/آب 2026.
هذا اللقاء، بعد بداية تفاوضية تناولت الخريطة، انهار في نصفه الثاني. واتهمت دمشق “قسد” بالمماطلة والتسويف وشراء الوقت وعدم تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار وخرق اتفاق أول أبريل/نيسان الخاص بأحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في حلب. وقيل إن تقديرا في دمشق، مفاده أن نافذة الدبلوماسية أغلقت لأنها لم تُستغل، وأنه لا بد من الرد على الخروق و”عدم السماح بترك حلب، عاصمة البلاد الاقتصادية، رهينة لصواريخ قسد”.

أ.ف.ب / الزعيم السياسي الكردي مسعود بارزاني (الثاني من اليسار) يجلس إلى جانب قائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي (يسار)، خلال لقائهما مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا في أربيل
وفي 5 يناير عُقدت في باريس جلسة مفاوضات سورية-إسرائيلية بوساطة أميركية بناء على رغبة ترمب وتفاهمه مع نتنياهو في لقائهما في 29 ديسمبر، أسفرت عن تفاهم بتشكيل خلية أمنية لمنع الصدام، حسب بيان أميركي.
ومع بداية 2026 كان الرياح تسير لصالح دمشق ويسير الوقت ضد رهانات “قسد”. فقد نجح الشرع وثبّت حكمه، وفتحت دمشق الأقنية السرية مع “العشائر العربية” لتتخلى عن “قسد” (70 في المئة من نحو 70-100 ألف مقاتل)، وإسرائيل منخرطة في مفاوضات مع دمشق، وأميركا فضلت تحالفها مع دمشق وانضم الرئيس الشرع يوم 10 نوفمبر 2025 إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”.
كما حصل في نهاية 2024 عندما قرأ الشرع المشهد السوري والإقليمي والدولي وبدأ هجومه على حلب يوم 27 نوفمبر 2024 لـ”ردع العدوان” فوصل إلى دمشق بعد 11 يوما، فقد قرأ المشهد السوري والإقليمي والدولي وبدأ يوم 6 يناير 2026 بـ “عملية جراحية” لتأمين أحياء حلب فوصلت قواته إلى الحسكة بعد 14 يوما.
تقدمت قوات الجيش السوري إلى شرق حلب وتخوم نهر الفرات فانتفضت “العشائر العربية” في المدن ذات الغالبية العربية ضد “قسد” فخسرت نصف مقاتليها. وكما حصل بعد انطلاق “ردع العدوان”، كانت جميع مؤسسات الحكومة تواكب العملية العسكرية: إدارات الحكومة، جمعيات، إعلام، إضافة إلى مرسوم رئاسي من الشرع يقر حقوق الأكراد في سوريا، ومقابلة إعلامية تفصيلية تشرح موقفه من المفاوضات مع “قسد” والتمييز بينها وبين الأكراد.
“لن نطلق رصاصة واحدة لأجلكم”
بدءا من 6 يناير بدأ المشهد الميداني بالانقلاب. انهيار قوات “قسد” وانسحاب المكون العربي منها في المدن العربية وسرعة تقدم الجيش السوري، كان مفاجأة كبرى. حصل لقاء على عجل في أربيل ضم المبعوث الأميركي توم باراك والزعيم مسعود بارزاني يوم 17 يناير، كان المطروح على الطاولة وثيقة من 12 نقطة تتضمن تنازلات كبيرة وسقف جديد والقبول بتغيير الوضع العسكري الميداني.
أصدر توم باراك بيانا أوضح رؤية إدارة ترمب لملف “قسد”، وأكد أن أعظم فرصة متاحة أمام الأكراد هي “الاندماج الكامل” في الدولة الجديدة، وأن مبررات الشراكة الأميركية مع “قسد” لمكافحة “داعش” قد “انتهت صلاحيتها”
فوجئ عبدي وإلهام أحمد، اللذان كانا يراهنان على تدخل إسرائيلي وحماية أميركية، بكلمات توم باراك الذي قال إن واشنطن لن تقبل بـ”مواجهة إسرائيلية-تركية” في شمال شرقي سوريا لأجل “قسد”، بل قال بوضوح ما مفاده إن أميركا “لن تطلق رصاصة واحدة لأجلكم”. في هذا اللقاء وضع عبدي خرائطه على الطاولة وحدد المناطق ذات الغالبية الكردية كـ “خط أحمر”، قائلا إن قواته انسحبت إليها و”سيدافع عنها”.
في اجتماع أربيل وافق عبدي شفويا على الورقة الجديدة وطلب بعض التعديلات، خصوصا ما يتعلق بـ”المناطق ذات الغالبية الكردية”.
بعدها زار مظلوم عبدي دمشق والتقى الشرع، فكان لقاء حادا انتهى دون اتفاق. دمشق رفضت إعطاء مظلوم مهلة خمسة أيام لتنفيذ الاتفاق وتسليم سجون “داعش” (900 في سجن الأقطان، و120 في سجن الشدادي، و20 ألفا من عوائل “داعش” في مخيم الهول وآلاف في سجن الحسكة) وتقديم مرشحين للمناصب.
أرادت دمشق من مظلوم إعلان حل “قسد” انسجاما مع قرارات “يوم النصر” في 29 يناير 2025 التي تضمنت حل جميع المؤسسات المدنية والعسكرية والسياسية التي كانت سائدة قبل سقوط النظام. بمعنى آخر، أن تعود مناطق شمال شرقي سوريا إلى العلاقة مع الدولة كما فعلت إدلب التي كانت تحت ادارة “هيئة تحرير الشام”، فانصهرت بالدولة بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024. وقد رفض مظلوم عبدي وقال إنه قدم أقصى ما يمكن تقديمه وهو التراجع إلى المناطق ذات الغلبية الكردية، واعتبرها “خطا أحمر”.
جراء فشل اجتماع الشرع وعبدي احتدمت المعارك في شرق الفرات ووصل الجيش السوري إلى تخوم الحسكة وتقدمت باتجاه الحدود لقطع خطوط الامداد. وعلى وقع المعارك انسحب الجيش الروسي من مطار القامشلي. وتكثفت اتصالات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) مع الأطراف لضمان نقل سجناء “داعش” من شمال شرقي سوريا، بينهم 7 آلاف خُطط لنقلهم إلى العراق.

أ.ف.ب جنود سوريون يعتلون دبابة أثناء سيطرتهم على مواقع “قسد” بعد انسحابها من مسكنة، شمالي سوريا، في 17 يناير 2026
في 18 يناير، أعلنت الرئاسة السورية، من جهتها، اتفاقا مع “قسد”، استنادا إلى الورقة التي بحثت في أربيل، ونص الاتفاق على بنود كثيرة بينها “وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات”، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل فوراً، ودمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، ودمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل “فردي” بعد إجراء التدقيق الأمني، والتزام “قسد” بإخراج كل قيادات وعناصر “حزب العمال الكردستاني” غير السوريين خارج حدود سوريا.
توم باراك: مبررات الشراكة مع “قسد” انتهت
في 20 يناير أصدر توم باراك بيانا أوضح رؤية إدارة ترمب لملف “قسد”، وأكد أن أعظم فرصة متاحة أمام الأكراد هي “الاندماج الكامل” في الدولة الجديدة، وأن مبررات الشراكة الأميركية مع “قسد” لمكافحة “داعش” قد “انتهت صلاحيتها” بعد قيام حكومة مركزية معترف بها، راغبة وقادرة على تولي المسؤوليات الأمنية، وأصبحت عضوا بالتحالف الدولي ضد “داعش”.
الأهم في هذا الموقف أنه رسم حدود المستقبل بوضوح. لا مصلحة أميركية في وجود عسكري طويل الأمد، ولا دعم للانفصال أو الفيدرالية، بل تركيز على تيسير اندماج “قسد”، وتسليم سجون “داعش” والمخيمات والمنشآت الحيوية إلى دمشق. بهذا المعنى، لم يعد الرهان على الغموض الأميركي ممكنا، لأن السقف السياسي بات معلنا وصريحا.
رحب كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولندن بالاتفاق، مؤكدين دعم تنفيذه
وفي 22 يناير، اجتمع مظلوم مع نيجيرفان بارزاني وتوم باراك في أربيل للبحث في تنفيذ اتفاق 18 ينار. قدم عبدي مقترحات لباراك كي ينقلها إلى الحكومة السورية، بينها مرشحه لتسلم منصبي “مساعد” (بدل نائب) وزير الدفاع السوري، ومحافظ الحسكة، وتشكيل فرقة وثلاثة ألوية (بدل ثلاث فرق)، وتمديد وقف النار في شمال شرقي سوريا، مع عناصر تفصيلية أخرى. ثم زار عبدي دمشق كي يبحث تفاصيل تنفيذ اتفاق 18 يناير، خصوصا ما يتعلق بترتيبات الوضع في المناطق ذات الغالبية الكردية واندماج “قسد” في الجيش السوري “فرادى”.
ومع انتهاء مهلة تنفيذ اتفاق 18 يناير، في 24 يناير، تكثفت الاتصالات لتمديد وقف النار. البعض اقترح شهرا وآخرون اقترحوا أسبوعا، فكان الحل الوسط تمديد الاتفاق لأسبوعين لإعطاء فرصة لتنفيذ بنوده.
في هذه الظروف، عاد الكونغرس الى العمل وتحركت جماعات الضغط الموالية للأكراد، وتحركت في البيت الأبيض ضد توم باراك وضد تقدم الجيش الى المناطق الكردية والحدود.
في 26 يناير، زار مظلوم وإلهام أحمد دمشق، واحتدمت الوساطات. اتصل الرئيس ترمب بالرئيس الشرع في اليوم نفسه، حيث جرى التأكيد على التزام وقف النار والعمل على ترتيبات تنفيذ الاتفاق. ميدانيا، كان الجيش السوري قد التف على “قسد” وقطع خطوط الإمداد في المناطق ذات الغالبية الكردية، فاستنفرت اتصالات عدة باتجاه واشنطن ولوح السيناتور لينسي غراهام بالتحرك لفرض “قانون حماية الأكراد”.

رويترز / جندي من قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة خارج مقر اجتماع بين قادة “قوات سوريا الديمقراطية” والقادة العسكريين الأميركيين، في دير حافر بسوريا. 16 يناير 2026
في 27 يناير، على وقع التقدم الميداني نحو “مناطق كردية” وضغوطات في واشنطن، اتصل الرئيس ترمب بالرئيس الشرع بهدف حثه على تثبت وقف النار ووقف العمليات. الشرع قدم “مفاجأة سارة” وأبلغ ترمب بان اتفاقا حصل مع عبدي بما يتضمن وقف النار ووحدة سوريا ومنع عودة “داعش”. عليه، أعلن ترمب ان اتصاله كان “رائعا” مع الشرع.
أعطى اتصال ترمب جرعة إضافية للمفاوضات لأيام تناولت تفاصيل التفاصيل بمواكبة أميركية وفرنسية وتركية. وفي 30 يناير، أعلن عن “اتفاق شامل” بين الحكومة و”قسد” لعملية “دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين”. ويشمل “انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي”، اللتين لا تزالان في عهدة “قسد”. ووضع الاتفاق حدّا لآمال الأكراد بالحفاظ على إدارتهم الذاتية.
ونصّ على تشكيل فرقة عسكرية تضمّ ثلاثة ألوية من “قسد” ضمن الجيش السوري في شمال شرق البلاد، إضافة إلى تشكيل لواء آخر لقوات عين العرب (كوباني) التي تحظى بمكانة خاصة لدى أكراد سوريا، ضمن فرقة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في حلب شمال سوريا. وأكّدت بنود الاتفاق “دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين”.
ووصف المبعوث الأميركي الاتفاق بأنه “منعطف تاريخي”، قائلا: “من خلال تيسير الدمج المرحلي للهياكل العسكرية والأمنية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة الموحدة، مع ضمان إتاحة الفرصة لممثلي (قسد) في المناصب العليا للإسهام الفاعل، يؤكد الاتفاق مبدأ أن قوة سوريا تنبع من احتضان التنوع والاستجابة للتطلعات المشروعة لجميع أبنائها”. وزاد: “بالنسبة للشعب الكردي… إن التطبيق الأخير للمرسوم الرئاسي رقم 13- الذي أعاد الجنسية السورية الكاملة لمن تأثروا سابقًا بإقصاءات تاريخية، واعترف باللغة الكردية لغةً وطنية إلى جانب العربية، وأتاح تعليمها في المناطق المعنية، وكرّس ضمانات الحماية من التمييز- يشكّل خطوة تحوّلية نحو المساواة والانتماء. وتعالج هذه الإجراءات مظالم طويلة الأمد، وتؤكد المكانة الأصيلة للأكراد ضمن الأمة السورية، وتفتح آفاق مشاركتهم الكاملة في صياغة مستقبل آمن ومزدهر وشامل”. ورحب كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولندن، بالاتفاق، مؤكدين دعم تنفيذه.
اتفق الطرفان على أن تقوم “قسد” بدمج ثلاث فرق عسكرية كاملة ولواءين متخصصين (لواء النساء ولواء مكافحة الإرهاب) ضمن وزارة الدفاع، بحيث تستمد هذه الوحدات أوامرها وصلاحيات عملها ورواتبها ودعمها المالي من الوزارة
لإظهار حجم التغيير في القضايا التفاوضية، أضع هنا مسودة ورقة تفاوضية في شأن اندماج “قسد” في الجيش، حصلت عليها “المجلة”، تعود إلى 4 يناير.
دمج الفرق والتشكيلات العسكرية
اتفق الطرفان على أن تقوم “قسد” بدمج ثلاث فرق عسكرية كاملة ولواءين متخصصين (لواء النساء ولواء مكافحة الإرهاب) ضمن وزارة الدفاع، بحيث تستمد هذه الوحدات أوامرها وصلاحيات عملها ورواتبها ودعمها المالي من الوزارة. كما يلتزم جميع أفراد الوحدات التابعة لـ”قسد” بتقديم بياناتهم الشخصية الكاملة إلى وزارة الدفاع لإجراء التدقيق الأمني وإدراجهم رسميا ضمن القوات المسلحة السورية.
وشملت الخطوات التنفيذية المراحل الآتية:
1- نائب وزير الدفاع
“قسد”: في 15 يناير 2026، ستقدم “قسد” اسم مرشحها لمنصب نائب وزير الدفاع مع كامل معلوماته الشخصية والسيرة الذاتية الخاصة به.
وزارة الدفاع: في 1 فبراير/شباط 2026، ستعلن وزارة الدفاع والحكومة السورية رسميا الموافقة على مرشح “قسد” لهذا المنصب بعد استكمال إجراءات التدقيق الأمني.
2- إجراءات تدقيق القادة:
“قسد”: في 15 يناير 2026، ستقدم “قسد” أسماء المرشحين ومعلوماتهم الشخصية الكاملة لإجراء التدقيق الأمني على المرشحين للمناصب التالية: قادة الفرق، نواب قادة الفرق، وقادة الألوية لتلك الفرق واللواءين المتخصصين.
وزارة الدفاع: في 1 فبراير 2026، ستستكمل وزارة الدفاع إجراءات التدقيق الأمني لجميع قادة الفرق ونوابهم وقادة الألوية، ليتم ضمهم رسميا إلى وزارة الدفاع. وفي هذه المرحلة، سيتم إصدار بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع للأعضاء الذين تم تدقيقهم والموافقة عليهم. وسيتم إبلاغ “قسد” بأسماء المرشحين الذين لم تتم الموافقة على ضمهم مع توضيح المبررات، وستبدأ إجراءات استئناف القرار أو سيتم تقديم مرشح جديد. وإذا لم تُصدر وزارة الدفاع إعلانا بحلول 1 فبراير بشأن الموافقة على القادة المرشحين، فسيُعتبر هؤلاء المرشحون مقبولين.
بحلول 31 يوليو 2026، سيكون قد تم استكمال تدقيق جميع فرق وألوية “قسد”، وسيكون جميع الأفراد قد حصلوا على بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع
الطرفان: في 1 فبراير 2026، وبمجرد الاعتراف الرسمي بقادة الفرق والألوية المتخصصة كأعضاء في وزارة الدفاع، ستلتزم الفرق والألوية المعنية بالأوامر والمعايير التي يحددها وزير الدفاع. وسترفع وحدات “قسد” العلم الرسمي للجمهورية العربية السورية.
“قسد”: في 1 فبراير 2026، ستتوقف وحدات “قسد” عن القيام بأي نشاط عسكري لا يتوافق مع أوامر وزير الدفاع، ولن تقوم هذه الوحدات وأفرادها بتنفيذ أي عمليات عسكرية أو استعدادات أو أنشطة غير مصرّح بها، وخاصة تلك الموجّهة ضد مكونات الجمهورية العربية السورية أو تركيا.
3- تدقيق الأفراد والإدماج النهائي:
“قسد”: ابتداءً من 15 يناير 2026، ومرة أخرى في 1 و15 فبراير 2026، ستقدم “قسد” قائمة تتضمن 2000 اسم مع بياناتهم الشخصية الكاملة إلى وزارة الدفاع لإجراء التدقيق الأمني وإدراجهم رسميا ضمن القوات المسلحة السورية. واعتبارا من 1 مارس 2026، ستقدم “قسد” 5000 اسم مع بياناتهم الكاملة للتدقيق الأمني. ومن ذلك التاريخ فصاعدًا، ستقوم “قسد” بتقديم 5000 اسم مع بياناتهم الكاملة إلى وزارة الدفاع في اليوم الأول واليوم الخامس عشر من كل شهر حتى يتم تقديم كافة أفراد الفرق والألوية المتخصصة.
وزارة الدفاع: اعتبارا من 1 مارس 2026، وفي اليوم الأول من كل شهر بعد ذلك، ستزوّد وزارة الدفاع “قسد” بقائمة الأفراد الذين تمت الموافقة عليهم بعد تدقيقهم الأمني، ليتم إصدار بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع مهلة 30 يوما لتدقيق وإقرار القائمة المقدمة قبل شهرين؛ فعلى سبيل المثال: في 1 مارس 2026، سيكون لدى وزارة الدفاع رد على جميع الأسماء التي قدّمتها “قسد” في شهر يناير. وفي 1 أبريل 2026، سيكون لدى الوزارة رد على جميع الأسماء التي قدّمتها “قسد” في شهر فبراير.
الطرفان: بحلول 31 يوليو 2026، سيكون قد تم استكمال تدقيق جميع فرق وألوية “قسد”، وسيكون جميع الأفراد قد حصلوا على بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع.
الطرفان: في 1 أغسطس 2026، يُصار إلى تغيير التسميات والأرقام الرسمية لفرق وألوية “قسد” لتتوافق مع نظام الترقيم والتسميات المعتمد لفرق وألوية الجيش العربي السوري، وذلك وفق سياسات ومعايير وزارة الدفاع.
كما تضمنت خريطة الطريق تفاصيل مشابهة لدمج “حرس الحدود”، وإجراءات لوقف حفر الأنفاق وبناء السواتر الترابية.
وقّع الرئيس الشرع أمام عدسة الكاميرا مرسوما يضمن حقوق “أهلنا الكرد” وخصوصياتهم لتكون مصانة بنص القانون. وتنص المادة الأولى من المرسوم على أن “المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب”
مسودة مقترحات دستورية لـ”حقوق الأكراد”… ومرسوم من الشرع
كما ننشر فقرات من وثيقة قدمتها “قسد” بشأن التعديلات في الإعلان الدستوري. دمشق لم تتسلم رسميا هذه الوثيقة، حيث كان الموقف أن تعديل الإعلان الدستوري يتطلب تشكيل مجلس الشعب وقرارات رئاسية.
أهم التعديلات التي يمكن أن نركز عليها في الإعلان الدستوري:
1- تسمية المكونات العرقية للشعب السوري واللغة الرسمية للدولة.
2- ذكر موضوع تعدد مستويات الحكم/اللامركزية
3- برلمان بغرفتين
4- في الديباجة: يجب الإشارة إلى مكونات الشعب السوري وتسمية المكونات العرقية على الأقل مرة واحدة في المقدمة، والإشارة إلى أن التنظيم الإداري في المرحلة الانتقالية سيكون على أساس تعدد مستويات الحكم أو اللامركزية كبديل.
5- في باب الأحكام العامة: تعديل اسم الجمهورية. واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وتعتبر اللغتان الكردية والسريانية هما اللغتان الرسميتان في مجتمعاتهما المستقلة إلى جانب العربية. أو بصياغة أخرى اللغات العربية والكردية والسريانية هي اللغات الرسمية للدولة.
رويترز
يرفعون العلم السوري فوق تمثال محطم لمقاتلة من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الطبقة شمال شرقي سوريا في 18 يناير/ كانون الثاني 2026
6- إضافة مادة لباب الأحكام العامة: الكرد شعب أصيل ويعيش على أرضه التاريخية، ويضمن الدستور حقوقه الاجتماعية والسياسية والثقافية في إطار وحدة الدولة السورية. أو الشعب السوري مكوَّن من قوميات متعددة، العرب والكرد والسريان والآشوريين والتركمان، ويضمن الدستور هذا التنوع في إطار وحدة الدولة السورية.
7- في باب نظام الحكم في المرحلة الانتقالية: السلطة التشريعية: يتولى مجلس الشعب ومجلس المحافظات السلطة التشريعية. وإضافة مادة جديدة حول مهام الغرفة الثانية للبرلمان، ونصها: “يضمن مجلس المحافظات مشاركة المناطق اللامركزية في السلطة التشريعية وإدارة الدولة”.
في 16 يناير، وقّع الرئيس الشرع أمام عدسة الكاميرا مرسوما يضمن حقوق “أهلنا الكرد” وخصوصياتهم لتكون مصانة بنص القانون. وتنص المادة الأولى من المرسوم على أن “المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب”. كما فتح باب العودة الآمنة والمشاركة الكاملة في “بناء وطن واحد يتسع لجميع أبنائه”. ودعا الأكراد إلى عدم تصديق “روايات الفتنة”، مخاطبا إياهم بالقول: “ومن يمسكم بسوء فهو خصيمنا”.
وأصدرت وزارتا الداخلية والتعليم تعليمات تنفيذية إزاء تعليم اللغة الكردية في المدارس ومنح الجنسية لعشرات آلاف الأكراد مكتومي القيد. وتريد قيادة “قسد” حاليا التفاوض مع دمشق لإدخال هذا المرسوم في الإعلان الدستوري.
“اتفاق 30 يناير” ليس الأول، بل سبق وأن وُقّعت اتفاقات كثيرة بين دمشق و”قسد”، تعكس الوقائع الميدانية. هل سيكون مصير هذا الاتفاق التنفيذ وتثبيت وقف النار؟ أم إنه اتفاق آخر لشراء الوقت؟
* تم تحديث المقال مساء السبت 31 يناير/كانون الثاني 2026
المزيد عن: سوريا قسد الأكراد ترمب سوريا الجديدة
]]>
لندن – “المجلة”
تقاس في “المنتدى الاقتصادي العالمي” في دافوس سنويا، الاتجاهات العالمية بميزان القوى والمصالح، وهذه السنة أطل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، من على منبر المنتدى، بخطاب يتجاوز لغة المجاملة الدولية إلى مواجهة مباشرة مع واقع عالم يتفكك.
قدم كارني تشخيصا جريئا لتحول النظام الدولي، معلنا نهاية “الخيال المريح” للنظام القائم على القواعد، وبداية عصر قاس تحكمه تنافسات القوى العظمى، ويتحول فيه التكامل الاقتصادي إلى أداة ضغط.
لم يكتف كارني بوصف التصدع، بل طرح رؤية بديلة لدور القوى المتوسطة، وفي مقدمها كندا، قوامها “الواقعية القائمة على القيم”، عبر بناء سيادة فعلية، وقوة داخلية تستند إلى القيم والمصالح معا، مع نسج تحالفات مرنة عابرة للمؤسسات التقليدية. خطاب يؤسس لرؤية كندية جديدة، يجمع بين النقد الصريح، والدعوة إلى الصدق السياسي في زمن اللايقين العالمي، ورسم ملامح مسار ثالث في عالم يتجه نحو الانقسامات.
تنشر “المجلة” النص الكامل للخطاب، الذي قدمه كارني باللغتين الفرنسية والإنكليزية، ويعرض ملامح الدور الذي تسعى كندا إلى الاضطلاع به كقوة متوسطة، متوقفا عند جملة من القضايا الدولية والخيارات الاستراتيجية التي تطرحها التحولات المتسارعة في المشهد العالمي.
وهنا النص الحرفي لخطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني:
كل يوم نتذكر بأننا نعيش في عصر تنافس القوى العظمى، وبأن النظام الدولي القائم على القواعد يتلاشى، وبأن القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يجب عليه أن يعانيه
إنه لمن دواعي سروري، ومن واجبي أيضا، أن أكون معكم الليلة في هذه اللحظة المفصلية التي تمر بها كندا والعالم. سأتحدث اليوم عن تصدع في النظام العالمي، ونهاية لقصة خيالية ممتعة، وبداية لواقع قاس، حيث لا تخضع الجغرافيا السياسية بين القوى العظمى لأي قيود.
من جهة أخرى، أود أن أخبركم أن الدول الأخرى، وخاصة القوى المتوسطة مثل كندا، ليست عاجزة. فلديها القدرة على بناء نظام جديد يجسد قيمنا، مثل احترام حقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، والتضامن، والسيادة، والسلامة الإقليمية لمختلف الدول. إن قوة من هم أقل قوة، تبدأ بالصدق.
كل يوم نتذكر بأننا نعيش في عصر تنافس القوى العظمى، وبأن النظام الدولي القائم على القواعد يتلاشى، وبأن القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يجب عليه أن يعانيه.
كيف استطاع النظام الشيوعي الاستمرار؟
يقدم هذا القول المأثور لثوسيديدس، على أنه أمر حتمي، إذ يعيد المنطق الطبيعي للعلاقات الدولية فرض نفسه. وأمام هذا المنطق، ثمة ميل قوي لدى الدول إلى التوافق من أجل التعايش السلمي، والتكيف، وتجنب المشاكل، والأمل في أن الامتثال سيضمن لها الأمان.
حسنا، لن يفعل ذلك. إذن، ما هي خياراتنا؟
في عام 1978، كتب المنشق التشيكي فاتسلاف هافيل، الذي أصبح رئيسا لاحقا، مقالا بعنوان “قوة من لا قوة لهم”، وطرح فيه سؤالا بسيطا: كيف استطاع النظام الشيوعي الاستمرار؟
وبدأت إجابته بقصة بائع للخضر. كل صباح، يضع صاحب المتجر هذا لافتة في نافذته كتب عليها: “يا عمال العالم اتحدوا”. هو لا يؤمن بذلك، ولا أحد يؤمن به أيضا، لكنه يضع اللافتة على أي حال لتجنب المشاكل، ولإظهار الامتثال، وللتعايش. ولأن كل بائع في كل شارع يفعل الأمر نفسه، يستمر النظام – ليس من خلال العنف وحده، بل من خلال مشاركة الناس العاديين في طقوس يعرفون في قرارة أنفسهم أنها زائفة.
كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئيا، وأن الأقوى سيستثني نفسه في الوقت المناسب، وأن قواعد التجارة كانت تطبق بشكل غير متكافئ
أطلق هافيل على هذا، وصف “العيش داخل كذبة”. لا تأتي قوة النظام من حقيقته، بل من رغبة الجميع في التصرف كما لو كان حقيقيا، وهشاشته تنبع من المصدر نفسه. فعندما يتوقف ولو شخص واحد عن التمثيل، عندما يزيل بائع الخضر لافتته، يبدأ الوهم في التصدع.
أيها الأصدقاء، لقد حان الوقت للشركات والدول لإنزال لافتاتها.

أ. ف. ب. / صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس، يناير 2026. وكان ترمب قد حذر كندا من أنه سيفرض تعريفة جمركية بنسبة 100 في المئة في حال إبرامها اتفاقية تجارية مع الصين
لعقود من الزمن، ازدهرت دول مثل كندا في ظل ما أسميناه النظام الدولي القائم على القواعد. انضممنا إلى مؤسساته، وأشدنا بمبادئه، واستفدنا من قدرته على التنبؤ. وبفضل ذلك، تمكنا من اتباع سياسات خارجية قائمة على القيم تحت حمايته. كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئيا، وأن الأقوى سيستثني نفسه في الوقت المناسب، وأن قواعد التجارة كانت تطبق بشكل غير متكافئ. وكنا نعلم أن القانون الدولي يطبق بصرامة متفاوتة تبعا لهوية المتهم أو الضحية.
كان هذا الخيال مفيدا، وقد ساعدت الهيمنة الأميركية، على وجه الخصوص، في توفير المنافع العامة، وفتح الممرات البحرية، وتأمين نظام مالي مستقر، وأمن جماعي، ودعم أطر حل للنزاعات.
لذا، وضعنا اللافتة في النافذة. شاركنا في الطقوس، وتجنبنا إلى حد كبير الإشارة إلى الفجوات بين الخطاب والواقع.
لم يعد هذا الاتفاق ساريا.
دعوني أكون صريحا. نحن في خضم قطيعة، وليس مجرد مرحلة انتقالية.
لا يمكنك “العيش داخل كذبة” المنفعة المتبادلة من خلال التكامل، عندما يصبح التكامل هو مصدر تبعيتك
على مدى العقدين المنصرمين، كشفت سلسلة من الأزمات في مجالات التمويل والصحة والطاقة والجغرافيا السياسية عن أخطار التكامل العالمي المفرط. ولكن في الآونة الأخيرة، بدأت القوى العظمى في استخدام التكامل الاقتصادي كأسلحة، والتعريفات الجمركية كوسيلة ضغط، والبنية التحتية المالية كأداة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها.
لا يمكنك “العيش داخل كذبة” المنفعة المتبادلة من خلال التكامل، عندما يصبح التكامل هو مصدر تبعيتك.
اضمحلال المؤسسات الدولية
لقد تضاءل دور المؤسسات المتعددة الأطراف التي اعتمدت عليها القوى المتوسطة – منظمة التجارة العالمية، والأمم المتحدة، ومؤتمر الأطراف – التي تشكل بنية حل المشكلات الجماعية، بشكل كبير.
ونتيجة لذلك، توصل العديد من الدول إلى الاستنتاجات ذاتها، وهي ضرورة تطوير استقلالية استراتيجية أكبر في مجالات الطاقة والغذاء والمعادن الحيوية، وفي التمويل وسلاسل التوريد. وهذا الدافع مفهوم. فالدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها أو تأمين وقودها أو الدفاع عن نفسها، لديها خيارات قليلة. عندما لا تعود القواعد تحميك، يجب عليك حماية نفسك.

.أ.ف.ب
ولكن دعونا نكون واضحين في شأن ما سيؤول إليه هذا الأمر. عالم من الحصون سيكون أكثر فقرا، وأكثر هشاشة، وأقل استدامة.
وهناك حقيقة أخرى: إذا تخلت القوى العظمى حتى عن التظاهر بالقواعد والقيم من أجل السعي غير المقيد وراء قوتها ومصالحها، فإن المكاسب من هذه النزعة النفعية سيكون من الصعب تكرارها. لا يمكن القوى المهيمنة أن تستمر في تحويل علاقاتها إلى مكاسب مادية باستمرار.
سيلجأ الحلفاء إلى التنويع للتحوط ضد عدم اليقين. سيشترون التأمين، ويزيدون الخيارات من أجل إعادة بناء السيادة – السيادة التي كانت متجذرة ذات يوم في القواعد، ولكنها ستترسخ بشكل متزايد في القدرة على الصمود أمام الضغوط.
منذ أن تولت حكومتي مهامها، خفضنا الضرائب وأزلنا كل الحواجز الفيديرالية أمام التجارة بين المقاطعات، ونحن في صدد تسريع استثمارات بقيمة تريليون دولار في الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية، وممرات تجارية جديدة
الموجودون في هذه القاعة، يعرفون أن هذا ما يسمى بـ”إدارة الأخطار” الكلاسيكية. وإدارة الأخطار لها ثمن، ولكن تكلفة الاستقلال الاستراتيجي والسيادة يمكن أيضا تقاسمها. إن الاستثمارات الجماعية في المرونة أقل تكلفة من بناء الجميع لقلاعهم الخاصة. والمعايير المشتركة تقلل التشرذم. والتكاملات مكسب.
السؤال الذي يطرح نفسه على القوى المتوسطة مثل كندا ليس ما إذا كان ينبغي التكيف مع الواقع الجديد – فهذا أمر حتمي. السؤال هو ما إذا كنا سنتكيف ببساطة من طريق بناء جدران أعلى، أو ما إذا كان في إمكاننا القيام بشيء أكثر طموحا.
جغرافيا التحالفات والازدهار والأمن
لقد كانت كندا من بين أول من استجاب لنداء الإنذار، مما دفعنا إلى تغيير موقفنا الاستراتيجي بشكل جذري.

رويترز
يدرك الكنديون أن افتراضاتنا القديمة المريحة بأن جغرافيتنا وعضوياتنا في التحالفات تمنحنا الازدهار والأمن تلقائيا – هذا الافتراض لم يعد صالحا. يرتكز نهجنا الجديد على ما أسماه ألكسندر ستوب، رئيس فنلندا، بـ”الواقعية القائمة على القيم”. أو بعبارة أخرى، نهدف إلى أن نكون مبدئيين وعمليين في آن واحد. مبدئيين في التزامنا القيم الأساس، والسيادة، والسلامة الإقليمية، وحظر استخدام القوة إلا بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة، واحترام حقوق الإنسان، وعمليين في الاعتراف بأن التقدم غالبا ما يكون تدريجيا، وبأن المصالح تتباين، وبأن ليس كل شريك سيشاركنا جميع قيمنا. لذا، نحن ننخرط بشكل واسع واستراتيجي وبوعي كامل. نحن نتعامل مع العالم كما هو بالفعل، ولا ننتظر عالما نتمنى وجوده.
القوة والقيم
نحن نضبط علاقاتنا بحيث يعكس عمقها قيمنا، ونعطي الأولوية للانخراط الواسع لتعظيم نفوذنا، نظرا لتقلبات النظام العالمي، والأخطار التي ينطوي عليها ذلك، وأهمية ما سيأتي لاحقا.
لم نعد نعتمد فقط على قوة قيمنا، بل أيضا على قيمة قوتنا.
نحن نبني هذه القوة في الداخل. منذ أن تولت حكومتي مهامها، خفضنا الضرائب على الدخل، وعلى الأرباح الرأسمالية واستثمارات الأعمال. أزلنا جميع الحواجز الفيديرالية أمام التجارة بين المقاطعات، ونحن في صدد تسريع استثمارات بقيمة تريليون دولار في الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية، وممرات تجارية جديدة، وأبعد من ذلك.
ونحن في صدد مضاعفة إنفاقنا الدفاعي في حلول نهاية هذا العقد، ونقوم بذلك بطرق تبني صناعاتنا المحلية.
في ما يتعلق بالتجارة المتعددة الأطراف، نحن نقود الجهود لبناء جسر بين الشراكة عبر المحيط الهادئ والاتحاد الأوروبي، مما سيوجد كتلة تجارية جديدة تضم 1,5 مليار نسمة
ونحن نتوسع بسرعة في التنوع في الخارج. وقد أبرمنا شراكة استراتيجية شاملة مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الانضمام إلى “SAFE” (ترتيبات المشتريات الدفاعية الأوروبية).
وقعنا 12 اتفاقية تجارية وأمنية أخرى في أربع قارات خلال الأشهر الستة الماضية. وفي الأيام القليلة الماضية، أبرمنا شراكات استراتيجية جديدة مع الصين وقطر. ونحن نتفاوض على اتفاقات تجارة حرة مع الهند، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وتايلاند، والفيليبين، وميركوسور.
للمساعدة في حل المشكلات العالمية، نحن نتبع “الهندسة المتغيرة”. بعبارة أخرى، تحالفات مختلفة لقضايا مختلفة بناء على القيم والمصالح.

رويترز /. رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيسة المكسيك كلوديا شينباوم، والرئيس دونالد ترمب، خلال عرض لفرقة “فيليغ بيبول” أثناء مراسم قرعة كأس العالم لكرة القدم، 5 ديسمبر 2025
فبالنسبة لأوكرانيا، نحن عضو أساس في “تحالف الراغبين”، ومن أكبر المساهمين من حيث نصيب الفرد في دفاعها وأمنها. وفي ما يتعلق بالسيادة في القطب الشمالي، نقف بحزم مع غرينلاند والدنمارك، وندعم تماما حقهما الفريد في تقرير مستقبل غرينلاند. التزامنا المادة الخامسة من حلف “الناتو” لا يتزعزع.
حلف “الناتو” والشراكات والمعادن
لذا نحن نعمل مع حلفائنا في “الناتو” (بما في ذلك دول الشمال والبلطيق الثماني)، لتعزيز أمن الجناحين الشمالي والغربي للحلف، بما في ذلك من خلال استثمارات كندا غير المسبوقة في الرادارات البعيدة المدى، وفي الغواصات، والطائرات، والقوات البرية. تعارض كندا بشدة فرض التعريفات الجمركية على غرينلاند، وتدعو إلى محادثات مركزة لتحقيق الأهداف المشتركة في الأمن والازدهار في القطب الشمالي.
وفي ما يتعلق بالتجارة المتعددة الأطراف، نحن نقود الجهود لبناء جسر بين الشراكة عبر المحيط الهادئ والاتحاد الأوروبي، مما سيوجد كتلة تجارية جديدة تضم 1,5 مليار نسمة.
وفي مجال المعادن الحيوية، نحن في صدد تشكيل “أندية المشترين” المرتكزة في مجموعة السبع، حتى يتمكن العالم من تنويع مصادره بعيدا من الإمدادات المركزة. وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، نحن نتعاون مع الديمقراطيات ذات التوجهات المماثلة لضمان أننا لن نضطر في النهاية للاختيار بين القوى المهيمنة والشركات التكنولوجية العملاقة (Hyper-scalers).
يجب على القوى المتوسطة أن تعمل معا، لأننا إذا لم نكن الى طاولة المفاوضات، فسنكون على قائمة الطعام
هذه ليست تعددية أطراف ساذجة، ولا هي اعتماد على مؤسساتهم. بل هي بناء تحالفات ناجحة – قضية بقضية، مع شركاء يتشاركون أرضية مشتركة كافية للعمل معا. وفي بعض الحالات، سيكون هؤلاء هم الغالبية العظمى من الدول. إن ما نقوم به هو إنشاء شبكة كثيفة من الروابط عبر التجارة والاستثمار والثقافة، التي يمكننا الاعتماد عليها لمواجهة التحديات والفرص المستقبلية.
يجب على القوى المتوسطة أن تعمل معا، لأننا إذا لم نكن الى طاولة المفاوضات، فسنكون على قائمة الطعام.
لكنني أقول أيضا إن القوى العظمى يمكنها تحمل تكلفة المضي بمفردها في الوقت الحالي. فلديها حجم السوق، والقدرة العسكرية، والنفوذ لإملاء الشروط. أما القوى المتوسطة فلا تملك ذلك. ولكن عندما نتفاوض ثنائيا فقط مع قوة مهيمنة، فإننا نتفاوض من موقع ضعف. نحن نقبل بما يعرض علينا، ونتنافس بعضنا مع بعض لنكون الأكثر تكيفا.
هذه ليست سيادة. إنها “تمثيل” للسيادة مع قبول التبعية.
تنافس القوى العظمى والخيارات
في عالم يسوده تنافس القوى العظمى، أمام الدول التي تقع في المنتصف خياران: التنافس بعضها مع بعض لنيل الحظوة، أو الاتحاد لخلق مسار ثالث مؤثر.
لا ينبغي أن نسمح لصعود القوة الصلبة بأن يعمينا عن حقيقة أن قوة الشرعية والنزاهة والقواعد ستظل قوية، إذا اخترنا ممارستها معا – وهذا يعيدني إلى هافيل. ماذا يعني للقوى المتوسطة أن تعيش الحقيقة؟

أ. ف. ب. / منازل مغطاة بالثلوج على منحدر تلّ في نوك في غرينلاند، 20 يناير 2026
أولاً، يعني تسمية الواقع بمسمياته. كفوا عن التذرع بالنظام الدولي القائم على القواعد وكأنه لا يزال يعمل كما يعلن عنه. سموا النظام باسمه الحقيقي: فترة من التنافس المتزايد بين القوى العظمى، حيث تسعى القوى الأكثر نفوذا وراء مصالحها، مستخدمة التكامل الاقتصادي كأداة للإكراه.
يعني العمل باتساق، وتطبيق المعايير نفسها على الحلفاء والمنافسين. عندما تنتقد القوى المتوسطة الترهيب الاقتصادي من اتجاه معين، لكنها تلتزم الصمت عندما يأتي من اتجاه آخر، فإننا بذلك نبقي اللافتة معلقة.
ويعني بناء ما ندعي الإيمان به. بدلا من انتظار استعادة النظام القديم، يجب إنشاء مؤسسات واتفاقيات تعمل كما هو موضح.
كندا تمتلك ما يريده العالم. نحن قوة عظمى في مجال الطاقة. نحن نمتلك احتياطيات هائلة من المعادن الحيوية. لدينا السكان الأكثر تعليما في العالم. صناديق التقاعد لدينا هي من بين أكبر المستثمرين وأكثرهم تطورا في العالم
ويعني تقليل وسائل الضغط التي تمكن من الإكراه. ينبغي أن يكون بناء اقتصاد محلي قوي أولوية دائمة لكل حكومة. والتنويع دوليا ليس مجرد حكمة اقتصادية، بل هو أساس مادي لسياسة خارجية نزيهة، لأن الدول تكتسب الحق في اتخاذ مواقف مبدئية من خلال تقليل تعرضها لرد انتقامي.
كندا تمتلك ما يريده العالم. نحن قوة عظمى في مجال الطاقة. نحن نمتلك احتياطيات هائلة من المعادن الحيوية. لدينا السكان الأكثر تعليما في العالم. صناديق التقاعد لدينا هي من بين أكبر المستثمرين وأكثرهم تطورا في العالم. بعبارة أخرى، لدينا رأس المال، والموهبة… ولدينا أيضا حكومة تتمتع بقدرة مالية هائلة للعمل بحسم.
ولدينا القيم التي يطمح إليها الكثيرون غيرنا.
ما هو المسار الذي تختاره كندا؟
كندا مجتمع تعددي ناجح. ساحتنا العامة صاخبة ومتنوعة وحرة. ولا يزال الكنديون ملتزمين الاستدامة.
نحن شريك مستقر وموثوق به في عالم ليس كذلك على الإطلاق. شريك يبني ويقدر العلاقات على المدى الطويل.
ولدينا شيء آخر. لدينا إدراك لما يحدث وتصميم على التصرف وفقا لذلك.
نحن نفهم أن هذا التصدع يتطلب أكثر من مجرد التكيف. إنه يتطلب الصدق في شأن العالم كما هو.
سنقوم بإزالة اللافتة من النافذة.
النظام القديم لن يعود. ولا ينبغي لنا أن نحزن عليه. الحنين إلى الماضي ليس استراتيجيا.
لكننا نؤمن أنه من رحم هذا الكسر، يمكننا بناء شيء أكبر، وأفضل، وأقوى، وأكثر عدلا.
هذه هي مهمة القوى المتوسطة، الدول التي لديها الكثير لتخسره من عالم الحصون والكثير لتكسبه من التعاون الصادق.
الأقوياء لديهم قوتهم. ولكن نحن لدينا شيء أيضا، لدينا القدرة على التوقف عن التظاهر، وتسمية الواقع، وبناء قوتنا في الداخل والعمل معا.
هذا هو مسار كندا. نحن نختاره بوضوح وثقة، وهو طريق مفتوح على مصراعيه لأي دولة مستعدة لخوضه معنا.
المزيد عن: دافوس مارك كارني النظام العالمي كندا الولايات المتحدة
]]>