إيران بقدر ما تبدو عدوانيةً وشريــــرةً وصلت هجماتُها الأردنَّ ومصرَ هي الأخرى. طهران تعيش اليومَ صراعاً للحفاظ على نظامها ونفوذِها الإقليمي في آن واحد، وهو ما يجعلُها أكثرَ ميلاً إلى المجازفة ممَّا كانت عليه في مراحلَ ســـابقة.
الشرق الاوسط / عبد الرحمن الراشد
هذه الأيام تُستحضَرُ إلى الأذهانِ أجواءُ أغسطس (آب) 1990، عندمَا اجتاحَ نظامُ صدام حسين الكويت، وأدخلَ الخليجَ في أكبر خطرٍ شهدَه حتَّى ذاك الحين.
هل كانَ ذلكَ الغزوُ مفاجئاً؟ ربَّما من حيثُ توقيتُه، لكنَّه لم يكن مفاجئاً من حيثُ جذوره الفكرية والسياسية. فالعداءُ البعثي للأنظمةِ الملكيةِ الخليجية كانَ حاضراً في أدبيات «حزبِ البعث» وخطابِه السّياسي منذ سنواتٍ طويلة، كما أنَّ النَّزعةَ التوسعيةَ للنّظام العراقي آنذاك كانت قد ظهرت بوضوحٍ في حربه مع إيران، وفي محاولاته فرضَ نفسِه القوةَ المهيمنةَ في الخليج.
ولم يكنِ احتلالُ الكويت، وفقَ كثيرٍ من التَّقديرات آنذاك، سوى بدايةٍ لمشروع أوسع لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة بالقوة. ولهذا لم يكن من قبيلِ المصادفةِ عندما بنت دولُ الخليج مجلسَها قبل غزو الكويت بعشر سنينَ من دون إشراكِ نظام صدام فيه. فقد استشعرتِ الخطرين العراقيَّ والإيرانيَّ معاً، فأنشأت مجلسَ التَّعاون لدول الخليج العربية عام 1981، بوصفه إطاراً للتَّنسيق السياسيّ والأمنيّ والدفاعيّ في منطقة شديدة الاضطراب. ولم يُخفِ صدام حسين انزعاجَه من بناء الخليجيين رابطةً خاصةً بهم، فسعَى لاحقاً إلى إنشاء تكتلٍ عربيّ مضاد تمثَّل في مجلسِ التعاون العربي، لكنَّه لم يعمر طويلاً وانتهَى عملياً مع غزو الكويت.
على الجانب الآخر، لم تكنِ الجمهوريةُ الإسلاميةُ الإيرانية مختلفةً كثيراً في رؤيتها الإقليمية من حيث الطموح، وإنِ اختلفت الآيديولوجيا. فمنذ قيامها عام 1979، تبنَّت خطاباً ثورياً يقوم على تصدير الثورة، ووسَّعت نفوذَها عبر بناء شبكاتٍ من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدد من الدول العربية، حتى أصبحَ مشروعُها الإقليميُّ أحدَ أبرز مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط خلالَ العقودِ الأربعة الماضية.
لذلك، فإنَّ ذكرى احتلال الكويت هذا العام لا ينبغي أن تكونَ مجردَ للتذكر، بل فرصة للتدبُّر في دروس التاريخ. فما حدث في 1990 أثبت أنَّ انهيارَ دولة الكويت هدَّد فوراً أمنَ الخليج وصار خطراً إقليميّاً ودوليّاً مسَّ الاقتصادَ العالميَّ وأمنَ الطاقة. وما زالت هذه الحقيقةُ قائمةً اليوم، وربَّما أصبحت أكثرَ وضوحاً في ظلّ تعقيدات التَّبدلات الاستراتيجية الحالية.
إيران بقدر ما تبدو عدوانيةً وشريــــرةً وصلت هجماتُها الأردنَّ ومصرَ هي الأخرى. طهران تعيش اليومَ صراعاً للحفاظ على نظامها ونفوذِها الإقليمي في آن واحد، وهو ما يجعلُها أكثرَ ميلاً إلى المجازفة ممَّا كانت عليه في مراحلَ ســـابقة.
لِفهمِ المنطق الإيراني علينا أن ندركَ حساباتِها الداخلية، وهي الأهم لها.
فقبولُها بتسويةٍ تُفسَّر داخلياً على أنَّها هزيمة قد تضعف شرعية النّظام أمام مؤيديه ومعارضيه معاً، لا سيَّما بعد سنواتٍ من الضغوط الاقتصادية، والاحتجاجات الداخلية، وهزائمِها في سوريا ولبنان ومشروعها الإقليمي بشكل عام.
ولهذا، قد تسعى طهرانُ إلى تعويض خسائرها بوسائل أخرى. فبعد هزائمِها ونجاحِ إسرائيلَ في إضعاف قدراتِ «حزب الله» في لبنان، تبدو إيرانُ معنيةً بإعادة ترتيب تموضعها الإقليمي. في رأيي ستركّز إيرانُ بشكل أكبرَ على العراق واليمن، حيث تمتلكُ نفوذاً مباشراً على الميليشيات المسلحة والحوثيين، للضغط وتعويضِ ما فقدته في ساحات أخرى.
وهذا يضع دول الخليج أمام تحدٍ استراتيجيٍّ بالغ الخطورة. فالسيناريو المحتمل هنا قد لا يكون مواجهةً عسكريةً تقليديةً مباشرة، بل العودة إلى نموذج الحروبِ بالوكالة، حيث تديرُ إيرانُ الصراعَ عبر وكلائها، وتفتحُ جبهاتٍ على دول الخليج وليس إسرائيل تحت عناوينَ وشعارات مختلفة.
وفي المقابل، إذا لم تحارب أميركا اليوم إيران، ليس من الحكمة افتراض أنَّ الولايات المتحدة ستعود مستقبلاً لخوض حرب جديدة دفاعاً عن حلفائها، بالطريقة التي فعلتها عام 1991، حتى مع استمرار الشراكات الأمنية.
ومن ثم، فإنَّ الدرسَ الأهمَّ الذي ينبغي استحضارُه في ذكرى أغسطس 1990 هو أنَّ أمنَ الخليج لا يمكن أن يقومَ على افتراضاتٍ أو ضماناتٍ خارجية وحدَها، بل على بناءِ قوة عسكريةٍ ذاتية أكبر وتعزيز التَّكامل الدفاعي، وتطويرِ القاعدة الصناعيةِ والعسكرية، ورفعِ مستوى الجاهزية السياسية والاقتصادية، لمواجهة مرحلةٍ قد تكون أخطرَ وأكثرَ تعقيداً ممَّا عرفناه في العقود الماضية. الخليجُ سيكونُ بعد هذه الحرب وحيداً.
]]>
قد تكونُ إيرانُ تشهد تجاذباً في صناعة القرار بعد ما أصابَ قيادتها السابقة، وهذا يمكن فهمُه؛ لكنَّ السُّلوكَ الإيراني الذي أصابَ منشآتٍ في دول مجلس التعاون أصابَ قبل ذلك ما تسميه إيرانُ حُسنَ الجوار، وهي تسكنه في بياناتها؛ لا في سياساتها وممارساتها.
الشرق الاوسط / غسان شربل
لا يمكن اختصارُ الأزمة الحالية بأنَّها مجردُ خلاف أميركي – إيراني انزلقَ إلى مواجهة مباشرة في الآونة الأخيرة. ليس صحيحاً أنَّ القصَّةَ برمَّتها هي سوءُ تفاهم مستحكم بين طهرانَ وواشنطن. البعد الأميركي – الإيراني في الأزمة مهمٌّ وخطرٌ وحاسم، لكنَّه ليس البعدَ الوحيد.
إيران، قبل الأزمة الحالية وبعدَها، دولةٌ كبيرةٌ في الشرق الأوسط. دولةٌ صاحبة تاريخٍ عريق وموقعٍ يؤهلها للعبِ أدوار بارزة؛ خصوصاً أنَّها تمتلك مؤهلاتٍ اقتصاديةً جدية. بهذا المعنَى يمكن اعتبارُ إيران -كمَا غيرها- قدراً تاريخياً وجغرافياً لا بدَّ من العيش معه.
من حقِّ إيرانَ أن يكونَ لها دورٌ بارزٌ في هذا الشرق الأوسط المتعدد. منطقة يفترض أن تتَّسعَ للعرب والأتراك والفرس والأكراد. يُفترض أن تتَّسعَ أيضاً للسُّنة والشيعة والمسيحيين واليهود. في تاريخ المنطقة -كمَا في تاريخ أوروبا مثلاً- محطاتٌ مظلمةٌ وحروبٌ ومظالم؛ لكنَّ أمراضَ التاريخ لا تعالَج إلا بفن التَّعلمِ منها والانتقال من حلم الهيمنةِ إلى لغة التَّعايش.
تحاشَى العرب -أو بعضُهم على الأقل- على مدى سنواتٍ طويلة، الحديث عن «المشكلة الإيرانية». فضَّلوا إعطاءَ الوقتِ وقتَه، علَّه يُدخل تعديلاً على لغة إيرانَ في مخاطبة جيرانها. ثمَّ إنَّهم فضَّلوا ذلك لإبقاء الضوء مسلطاً على قناعتهم بأنَّ إسرائيلَ هي السبب الرئيسي لزعزعةِ الاستقرار في المنطقة. لم تتوقفِ السلطاتُ الإيرانية عند الموقف العربي هذا، وتعاملت معه وكأنَّه مجردُ غطاء لسياسات خفيَّة.
والحقيقة أنَّ الدولَ العربية حاولت كثيراً إبقاءَ الحوار مع إيرانَ قائماً ومفيداً، على الرغم من تحفُّظِها على سياسات إيرانَ الهجومية في الإقليم، وخصوصاً على المسرح العربي. كانَ الرئيس علي عبد الله صالح ينتقد تسليحَ الحوثيين وتدريبهم، ويتفادى تسميةَ إيرانَ لإبقاء بابِ الحوار معها مفتوحاً. وحتى حين رابطت إيرانُ داخلَ الأراضي السودانية، تفادتِ السلطاتُ المصرية مهاجمتَها وتعكير العلاقات معها. واتَّخذتِ السلطاتُ اللبنانية موقفاً مشابهاً، على الرغم من معرفتها بتدفُّقِ ضباط من «الحرس الثوري» إلى لبنان، وطبعاً من دون استئذان السلطاتِ الشرعية.
ويمكن القولُ إنَّ دولَ مجلس التعاون الخليجي بذلت -مجتمعةً ومنفردةً- محاولاتٍ متواصلةً لإقامة علاقات طبيعية مع إيران. والمقصود علاقات تعاونٍ تكون محكومةً بمبادئ القانون الدولي وقيمِ حسن الجوار. وكانَ اتفاق بكين الذي وقعته السعودية وإيران خطوةً بارزةً في هذا السياق.
والواقعُ أنَّ دولَ المنطقة تعاملت بدرجةٍ عاليةٍ من المسؤولية مع الخلاف الأميركي – الإيراني. منذ الساعات الأولى للاشتباك، جاهرت دولُ التعاون الخليجي بموقفها الدَّاعي إلى تغليب لغةِ الحوار وتكريسِ الدبلوماسية ممرّاً وحيداً إلى الحلول. ويمكن القولُ بوضوحٍ: إنَّ طهرانَ لم تُحسِن تقدير الموقفِ الخليجي؛ بل اختارت في الردِّ على الهجمات الأميركية أسلوباً استفزازياً وخطراً. اختارت توسيعَ دائرة الحرب، وبذريعةِ استهداف مواقعَ أميركيةٍ في عدد من الدول. هكذا برَّرت إيرانُ هجماتِها على دول مجلس التعاون والأردن.
ويمكن القولُ: إنَّ الدولَ الخليجية، وفي طليعتها السعودية، تدخَّلت أكثرَ من مرة لدى إدارة الرئيس دونالد ترمب لمنعِ انزلاقِ الحرب الأميركية – الإيرانية إلى فصولٍ أخطر. اتَّخذت دولُ الخليج هذا الموقفَ العاقلَ والمسؤول، على الرغم من الأضرار التي لحقت بها بفعلِ الهجماتِ الإيرانية بالصواريخ والمُسيَّرات، أو بفعل إغلاق مضيق هرمز، وهو حيوي لدول المنطقة بكل المقاييس. احتفظت دول التعاون الخليجي ببرودة أعصابِها، واكتفت بالتَّصدي للاعتداءات على أراضيها.
تَرافقَ ذلك مع معلوماتٍ تداولتْها الدوائرُ المعنية عن جهودٍ إيرانيةٍ جديدة في تسليح الحوثيين، وعن انتقالِ ضباطٍ من «الحرس الثوري» إلى العراق لإدارةِ عمليات «الفصائل الولائية». وسرعانَ ما تأكَّدت صحةُ هذه المعلومات عبرَ التَّهديدات التي أطلقَها الحوثيون، وعبرَ الصواريخ والمُسيَّرات التي أُطلقتْ من الأراضي العراقية على أهدافٍ في السعودية ودولٍ خليجية أخرى. وحتى حين اضْطُرَّتْ إلى الرَّد على التنظيمات التي استهدفتها من الأراضي العراقية، لم تغادرِ السعوديةُ موقفَها الداعيَ إلى تغليب الدبلوماسية في السعي إلى حلٍّ يوقف المواجهةَ الأميركية – الإيرانية. وفي هذا السِّياق جاءَ الاتصالُ الأخيرُ بين الرَّئيس ترمب ووليِّ العهدِ السعودي الأمير محمد بن سلمان.
كانتِ المنطقةُ تتأهَّب لأيامٍ صعبة حين أعلنَ ترمب وقفَ «ضربة الاستسلام»، متوقعاً أن تردَّ إيرانُ بإعلان احترامِ حرية الملاحة في مضيق هرمز. لكنَّ التَّجاربَ تقول إنَّ العثورَ على كلامٍ إيرانيٍّ واضحٍ وقاطعٍ مهمةٌ بالغةُ الصعوبة. دائماً تغرقُ الأجوبةُ الإيرانية في الغموض والالتباسات. لا مبالغة في القول إنَّ السلوكَ الإيرانيَّ العدوانيَّ والمتهورَ فتحَ جروحاً جديدة في العلاقات الخليجية – الإيرانية، التي لم تكن تفتقر أصلاً إلى الجروح. من اللغةِ الاستعلائية في التَّخاطب إلى لغةِ التهديد المرفَقة بالرسائل المفخخة، إلى محاولاتِ الوصاية على خياراتِ دول مستقلة، كلُّها عواملُ أحيتِ الحديثَ عن «المشكلة الإيرانية».
قد تكونُ إيرانُ تشهد تجاذباً في صناعة القرار بعد ما أصابَ قيادتها السابقة، وهذا يمكن فهمُه؛ لكنَّ السُّلوكَ الإيراني الذي أصابَ منشآتٍ في دول مجلس التعاون أصابَ قبل ذلك ما تسميه إيرانُ حُسنَ الجوار، وهي تسكنه في بياناتها؛ لا في سياساتها وممارساتها.
ليس المطلوبُ ضماداتٍ كلاميةً لجروح حسن الجوار. المطلوبُ مراجعةٌ للسياسات التي أيقظت كلَّ هواجسِ دول الخليج. المطلوبُ مغادرةُ الميلِ إلى الوصاية، ومغادرةُ اللغة الاستعلائية، ومحاورةُ الدّول المجاورة بمفرداتِ القانون الدولي، كي يمكنَ تضميدُ جروحِ مصابٍ اسمُه حُسنُ الجوار.
]]>
الأزمة الحالية تمثل اختباراً جديداً لإرادة الحكومة والشعب العراقي، وفرصة لإعادة رسم حدود العلاقة مع طهران على أسس تحفظ سيادة العراق واستقلال قراره.
اندبندنت عربية / عبد الرحمن الراشد
كم أحيت الأيام السبعون الأولى من ولاية علي فالح الزيدي كثيراً من الأمل لدى العراقيين منذ توليه رئاسة الحكومة، قبل أن تبدده طهران. كانت فترة حافلة بملاحقة رموز الفساد، وإصلاح الأجهزة الحكومية المعطلة، والسعي إلى حصر السلاح بيد الدولة عبر مطالبة الميليشيات بتسليمه، إلى جانب إطلاق خطة استثمارية وبرنامج عمل وجد ترحيباً في البيت الأبيض.
إلا أن إيران أطلقت النار على برنامج رئيس الوزراء وحوّلت العراق إلى جبهة حرب. على غرار لبنان واليمن، واستخدمت أراضيه ومواطنيه منصة لمهاجمة ست دول إقليمية، كان آخرها السعودية والأردن والقوات الأميركية. وهذه الاعتداءات على السعودية وجاراتها ليست في حقيقتها سوى عدوان إيراني على سيادة العراق وأراضيه، ومحاولة لإعداده ليصبح نسخة أخرى من لبنان واليمن.
وباستثناء الميليشيات المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، لا بد أن غالبية العراقيين تشعر بالإحباط والقلق من جرّ بلادهم إلى حرب لا تخدم مصالحها. وقد عبر عن هذا الشعور السيد مقتدى الصدر، زعيم التيار الوطني الشيعي، في بيانه الأخير، الذي قال فيه: «العراق وشعبه بحاجة إلى السلام، وكفانا حرباً استنزفت كل مقدراتنا».
لقد أكدت الأزمة ما يعرفه كثيرون منذ سنوات، وهو أن العراق يدفع ثمناً باهظاً للنفوذ الإيراني. فقد استخدمته طهران ممراً للالتفاف على العقوبات، ومغسلة لأموالها، وقناة لتهريب نفطها، ومصرفاً لتمويل نشاطاتها الإقليمية بمليارات الدولارات. كما أسهمت في زعزعة استقرار العراق وأمنه، وإضعاف اقتصاده واستثماراته، وإفشال الحكومات المتعاقبة، والإضرار بعلاقاته العربية والدولية.
واليوم نشهد مرحلة جديدة من هذا النفوذ، تتمثل في محاولة تحويل العراق إلى وكيل يخوض بالنيابة عن إيران حربها ضد الولايات المتحدة وعدد من الدول الإقليمية.
في غضون يوم واحد، بدّدت إيران ما حاول رئيس الوزراء الجديد تحقيقه من إصلاحات لفتح صفحة مختلفة في تاريخ العراق. فهي تسعى إلى تسخير البلاد لتكون جبهتها العسكرية البديلة بعد تراجع نفوذها في لبنان وغزة. كما أن استمرار الحدود المفتوحة أمام نشاط «الحرس الثوري» سيقود العراق إلى مزيد من الضعف والدمار.
إن العلاقات بين الدول لا تستقيم إلا على أساس الاحترام المتبادل، وهو ما دعا إليه السيد مقتدى الصدر في بيانه، بقوله: «لم تكن هذه الأرض المقدسة منطلقاً لقصف الجمهورية الإسلامية، فعلى الإخوة في (الحرس الثوري) عدم قصف أراضينا المستقلة المقدسة، كما على الميليشيات المنفلتة عدم إعطاء الذريعة للإخوة في دول الخليج العربي لاستهداف أرضنا المقدسة».
ويبقى السؤال؛ هل يستطيع رئيس الحكومة مقاومة النفوذ الإيراني المتغلغل؟ أمام القيادات العراقية اليوم فرصة للإصرار على رفض عسكرة الدولة ورفض «ميليشنة» المجتمع، ومنع الزجّ بالعراق في حرب إقليمية لا يريدها العراقيون، ولا ترغب فيها دول المنطقة.
في الوقت الذي لا تخفي طهران طموحاتها، بل تسعى إلى إقناع الجميع بأن العراق أصبح ساحتها وخاضعاً لنفوذها، وأن التسليم بهذه الحقيقة أمر لا مفر منه. لكن إعلان رفض هذا «الواقع» والتمسك باستقلال القرار العراقي، سيحظى بدعم شعبي ومؤسسي واسع. فقد استطاع العراق تجاوز أزمات وانقسامات خلال العقدين الماضيين، وهو قادر على إثبات ذلك مرة أخرى.
الأزمة الحالية تمثل اختباراً جديداً لإرادة الحكومة والشعب العراقي، وفرصة لإعادة رسم حدود العلاقة مع طهران على أسس تحفظ سيادة العراق واستقلال قراره.
ونحن نتفهم الموقع الجيوسياسي المعقد للعراق بين قوى إقليمية متنافسة. فطهران تطالب بغداد بعدم السماح باستخدام أراضيها ضدها، لكنها في المقابل تدير وتسلح عدداً من الميليشيات العراقية، في تحدٍ واضح لمركزية الدولة وحقّها الحصري في امتلاك السلاح. كما توجه هذه المجموعات للاعتداء على دول الجوار، بما يدفع العراق تدريجياً نحو النموذج اللبناني، وهو مسار يهدد مؤسسات الدولة ووحدتها الوطنية ويدفعها نحو الفوضى.
وخلال شهرين فقط، نجح رئيس الوزراء في بناء قدر كبير من الأمل لدى العراقيين، على اختلاف انتماءاتهم، بإمكانية استعادة الدولة وتحقيق التنمية والازدهار. كما حظي بدعم شعبي ملحوظ. وسيكون قادراً على مواصلة هذا المسار إذا تمكن من إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة، وترسيخ احتكارها الشرعي للقوة، باعتبار ذلك البوابة الرئيسية لبناء عراق مستقر ومزدهر.
]]>
لقد ارتفع صوت عددٍ من العلماء مؤخراً في وجه إيران التي تهدد هي وأذرعها أمن السفن والملاحة البحرية. وأشاروا إلى أنها تستخدم السلاح ضد سفن الطاقة والغذاء والأسمدة فتضر بالمسلمين الآخرين، وتضر بأمن العالم، وتحرض وتدعم أذرُعها في القيام بذلك أيضاً ولو بحجة الدفاع المزعوم!
الشرق الاوسط / رضوان السيد
من جديد تزايد الاستشهاد بحديث النبي، صلى الله عليه وسلم، عن العالم باعتباره سفينةً تتهددها أخطار البحر وعواصفه. والحديث في الأصل مَثَلٌ ضربه النبي (ص) لسفينةٍ ذات طبقتين، كان الذين في الطبقة السفلى إذا أرادوا الحصول على الماء يصعدون إلى الطبقة الثانية أو العليا ورموا بدلائهم إلى الماء فلما طال عليهم الأمر قالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خَرقاً ولم نؤذِ مَنْ فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً. واستشهد النبي (ص) في نهاية مَثَله المضروب بالقرآن: {واتقوا فتنةً لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أنّ الله شديد العقاب}.
منذ نحو العقدين يستخدم علماء المؤسسات الدينية الإسلامية هذا المَثَل لضرورة تحمل عقلاء المسلمين وأقويائهم للمسؤولية فلا يَدَعون الأقلية المتطرفة العنيفة تتهدد عيشهم وأمنهم وحياة العالم وأمنه. لكنّ التأويلات التفصيلية لهذا المَثَل تعددت. فالذين يذهبون إلى أن السفينة هي تعبيرٌ عن مجتمعات المسلمين، يعتبرون التهديد داخلياً من جانب الفئة الصغيرة المتطرفة التي تريد تحطيم سلام المجتمع الإسلامي وإغراقه في بحار الفوضى والعنف. أما الذين يعتبرون تأويلياً السفينة الواحدة تعبيراً عن وحدة العالم وبالتالي وحدة مصائره، فيرون ضرورة التعاون والتضامن العالمي في مكافحة تمرد المتطرفين والمنشقين وعنفهم لكي لا يتهدد الاستقرار العالمي والعيش الإنساني.
نحن نقرأ هذا الحديث منذ الصِغَر لكني لا أذكر أنه استُعمل من جانب دُعاة المسؤولية من المسلمين في حقبة الصراع بين الجَبّارين، ولا في التسعينات من القرن الماضي عندما أُثير موضوع صِدام الحضارات واعتبار المسلمين هم الذين يقلقون من انتصار الحضارة اليهودية-المسيحية على الاتحاد السوفياتي، بإصرارهم على عدم الانضواء تحت راية الحضارة المنتصرة، بل وممارسة العنف ضدّها. وقد كان من سوء الحظ أن جاء تصديق شكوك وهواجس صمويل هنتنغتون تجاه المسلمين، في هجوم «القاعدة» على الولايات المتحدة عام 2001، ونشر موجاتٍ من العنف في سائر أنحاء العالم بما في ذلك في ديار المسلمين.
ولأنّ أحداث «القاعدة» تلتها بعد عقدٍ أحداث «داعش»، فقد كان من الطبيعي أن يكثر استعمال الحديث أو المَثَل النبوي ضد «القاعدة» و«داعش» وسائر المتطرفين حتى الذين لم يمارسوا ذاك العنف المهول، لكنهم حاولوا تبرير تصرفات العنيفين بأنهم إنما يردون بهذه الطرائق على عدوانية الغرب وهجماته مثل احتلال الأميركيين لأفغانستان والعراق! في حين اتجه باحثون غربيون إلى اعتبار تلك الوقائع «حروباً في ديار المسلمين» ناجمة عن الانقسام بين رُكّاب السفينة؛ ولذلك لا بد أن يتدخل العالم لمكافحة هذا العنف، بل ولنصرة المعتدلين على المتطرفين الذين استولوا على روح الإسلام، وحسب هذه الرؤية، نشبت الحرب العالمية على الإرهاب (الإسلامي) لأنّ المعتدلين ما استطاعوا كبح جماح دُعاة العنف ومنفذيه أو القائمين به.
أما علماء المؤسسات الدينية في الأردن ومصر والسعودية والمغرب وباكستان فقد استخدموا مَثَل السفينة بمعناه الأصلي أو كما فهموه باعتباره دعوةً لتحمل المسؤولية في مواجهة التطرف والعنف حتى لو أدّعى صُنّاعه حسن النية أو مقاومة الغُزاة أو إقامة الدولة الإسلامية! وعندما تطوَّر تأهُّل علماء المؤسسات هؤلاء فقد اتجهوا إلى مخاطبة العالم وليس المسلمين فقط من خلال حديث السفينة بدعوة المؤسسات الدينية والثقافية الأُخرى للشراكة في تحمل المسؤولية وعدم الدخول في الإسلاموفوبيا.
من الذي يتهدد أمن وسلام السفينة وسلامتها هذه الأيام؟
لقد ارتفع صوت عددٍ من العلماء مؤخراً في وجه إيران التي تهدد هي وأذرعها أمن السفن والملاحة البحرية. وأشاروا إلى أنها تستخدم السلاح ضد سفن الطاقة والغذاء والأسمدة فتضر بالمسلمين الآخرين، وتضر بأمن العالم، وتحرض وتدعم أذرُعها في القيام بذلك أيضاً ولو بحجة الدفاع المزعوم!
هل يؤثر حديث السفينة في سائر الأطراف المشاركة في العنف والهجمات على السفن المدنية؟ قد لا يبدو تأثيره الآن؛ لكنّ الوعي الديني والإنساني القائم على أنه لا ضرر ولا ضِرار، والقائم على أن «الفتنة» لا تصيب خصوم إيران فقط؛ بل تصيبها هي أيضاً- يبقى في أخلاد كل الذين يريدون الاستقرار والسلام والمشاركة في تقدم العالم وأمنه.
]]>
كان بن غفير يقترح مشروعه التوءم تماسيح لحراسة الأسرى الفلسطينيين ويقول: “ما يصلح للولايات المتحدة يصلح لإسرائيل”

العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية
منذ تولّيه الرئاسة، يبدع دونالد ترامب الأفكار الخلّاقة. حملته على المهاجرين “غير الشرعيين” واحدة من حملاته. لم تقتصر على قتل عشوائي مارسه موظّفوه في وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية (أيس) بحقّ مواطنين أميركيين “أصليين”، ولا على مطاردة المهاجرين، أو بالأحرى اصطيادهم وتسفيرهم وهم مكبّلو الأيدي والأرجل إلى بلدان غريبة، إنّما دشّن ترامب أيضاً سجن أليغاتور ألكاتراز (نوع من التماسيح الأميركية) في فلوريدا في احتفال إعلامي عبّر فيه عن بهجته بإنجازه. ولكنّ فرحته لم تدم، فحاكم فلوريدا، رون دي سانتس، أغلقه بعد أقلّ من سنة على افتتاحه.
لماذا أغلق دي سانتس هذا السجن؟ لأنّه بُني في جزيرة معزولة وسط مستنقعات محاطاً بالثعابين والتماسيح وبحيوانات أخرى مفترسة، لأنّ المركز مكتظّ بالنزلاء (لكلّ واحد متران مربَّعان على الأكثر) تأكلهم الحشرات، وبلا رعاية طبّية ولا قانونية، ولأنّ المنظّمات البيئية اشتكت من الأضرار التي يُلحقها بالطبيعة. في الأصل، مركز التماسيح الأميركية هذا سجن فيدرالي قديم “يتمتّع طبيعياً” بحراسة مشدّدة. بُني في تلك الجزيرة ليضمّ إليه أخطر المجرمين الذين يصعب على السلطات السيطرة عليهم في سجون “عادية”. لذلك عُرف باسم “التماسيح”.
والقانون الأميركي يميّز بين السجن الخاصّ بالمجرمين، المحكوم عليهم بعقوبة بأمر من المحكمة، ومراكز الاحتجاز الخاصة بالمهاجرين الذين دخلوا من دون تأشيرة دخول، أو أصحاب التأشيرات المنتهية مدّتها، أو أصحاب الهُويّة غير الواضحة، أو بانتظار حكم القاضي… وهذا القانون لا يعاقب المهاجر الذي لم يحقق الشروط، بل يُخضعه لإجراء إداري في مراكز احتجاز ليست من المفترض أن تكون سجناً. لذا، يخالف سجن التماسيح الأميركي “أليغاتور ألكاتراز” قوانين الرحمة والرأفة، ويخالف أيضاً القانون الأميركي نفسه. كما هو الحال في غالبية خطوات ترامب.
يخالف سجن التماسيح الأميركي “أليغاتور ألكاتراز” قوانين الرحمة والرأفة، ويخالف أيضاً القانون الأميركي نفسه. كما هو الحال في غالبية خطوات ترامب
وكما عهدناه، مزهوّاً بنفسه، لم يقصِّر ترامب في امتداح مشروع التماسيح هذا. قال بعد انتقادات كثيرة للمشروع: “الأمر يثير بعض الجدل، لكنّني لا أبالي بهذا إطلاقاً” أو قوله: “كما تعلمون، الثعابين سريعة، لكنّ التماسيح أسرع بكثير. سنعلّمهم كيف يفرّون من تمساح، حسناً، إذا هربوا من السجن. كيف؟ (نقول لهم) لا تركضوا في خطّ مستقيم، بل اركضوا في خطّ متعرِّج”.
هنا تنتهي قصّة ترامب وتبدأ قصّة وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، المعروف باستعراضاته الشرسة الصاخبة، وكلّها لا تبطن، وإنما تفصح عن عنف منفلت العقال تجاه الفلسطينيين؛ أكثره مشهدية قيادته لاقتحامات منتظمة للمسجد الأقصى، وتصويره الدقيق لتنكيله بشابّات وشباب أسطول غزّة، وإرغامهم على الركوع وهم مكبّلو الأيدي خلف ظهورهم، وإهانتهم وإذلالهم والتشفّي منهم، فضلاً عن تدخّله الشخصي والمباشر ضدّ السجناء الفلسطينيين وإصداره تعليمات لفرض مزيد من الظروف القاسية بسجنهم شديدة الغلظة أصلاً.
وقبل وصوله إلى تماسيح ترامب، كانت أشهر مشاريعه إقرار عقوبة الإعدام للسجناء الفلسطينيين المتّهمين بأعمال “إرهابية”، وهو مشروع طرحته نائبةٌ عن حزبه، هي ليمور سون، عشية عملية طوفان الأقصى، وأقرّه الكنيست في ثلاث قراءات في الربيع المنصرم بغالبية 62 صوتاً مقابل 48، ولكنّه لم يعرف طريقه إلى التنفيذ بسبب عدم صدور أيّ حكم نهائي مطابق له، ومعارضة المحكمة الإسرائيلية العليا له، والضغوط الدولية الأممية ضدّه، فضلاً عن ضغوط مجلس الاتحاد الأوروبي، ومنظّمات دولية أخرى.
في هذه الأثناء، كانت فكرة أخرى تبصر النور في عقل بن غفير: تماسيح تشدّد الحراسة على السجون الإسرائيلية أفضل ممّا تفعله قوات الأمن المكلّفة بالمهمّة. في نهاية العام الماضي، أي عندما كانت التماسيح الأميركية تؤدّي مهمّتها في الجزيرة الفلوريدية، كان بن غفير يقترح مشروعه التوءم ويقول: “ما يصلح للولايات المتحدة يصلح لإسرائيل”. هكذا بدأ بن غفير تحرّكاته من أجل مشروعه، وبسجن “تجريبي”، هو سجن النقب في الجنوب، وبتماسيح تحتاج إلى تعديل قانوني، يحوّلها من صفة نزيلة مجمّع “حمّة غادر” إلى تماسيح ذات وظيفة، اسمها “تماسيح النيل” للتمييز بينها وبين تماسيح القارات الأخرى، ولا علاقة لمصر بها. و”حمّة غادر” موقع سياحي وأثري، فيه ينابيع حارّة، يقع في وادي اليرموك قرب الحدود مع الأردن وبالقرب من هضبة الجولان المحتلة في الشمال.
والقانون الإسرائيلي لا يسمح باستخدام تماسيح محمية “حمّة غادر” إلّا لأغراض تربوية وبحثية هادفة إلى حماية النوع. والاعتراضات جاءت على لسان نيتا دروري، وهي المستشارة القانونية لوزارة “حماية البيئة” التي كانت أهم حججها “القانونية” أنّه يجب “التحقّق ممّا إذا كانت السجون الإسرائيلية تملك الإمكانات اللازمة للعناية بالتماسيح هذه”. والوضعية “القانونية لحماية التماسيح وحراستها” تعود إلى نجاح العديد منها في الهروب من المزارع التي تؤويها، بعد “معاناتها من الإهمال”.
المهمّ أن بن غفير نجح في “إعادة تصنيف تمساح النيل قانونياً”، ليُسمح له بنقلها من “حمّة غادر” إلى مشارف سجن النقب، “بدايةً”. وهناك من يأمل أن تعمَّم التجربة على بقية السجون الإسرائيلية بفضل مساعي وزيرة البيئة الإسرائيلية عيديت سيلمان. ونحن الآن نشهد الخطوات الأولى لتنفيذ فكرة بن غفير. ماذا يمكن القول عنها؟
إسرائيل ما بعد “7 أكتوبر” (2023) أفصحت عن نفسها، ولم تعد تخفي توحّشها الصميمي
نكرّر أنفسنا إذا قلنا إنّ الوحي الترامبي المتوحّش يمتدّ أثره إلى خارج أميركا، والتماسيح ليست سوى الأكثر مشهدية من بين تعبيرات هذا الوحي، وإنّ أضرار ترامب قد تستمرّ إلى ما بعد نهاية عهده، إن حصلت هذه النهاية، وقد ترتفع أثمانها إذا لم يُحاسب ترامب عليها كما لا تُحاسب إسرائيل، والتماسيح هي النظير العصري للحيوانات المفترسة التي كانت الإمبراطوريات تفلتها على عبيدها، وإن “الحيْوَنة” الإسرائيلية لها جذور، عميقة وسطحية، أكثرها شيوعاً كلمة وزير الدفاع السابق يوآف غالانت: “نحن نحارب حيوانات بشرية”، وإنّ “الحيْوَنة”، والحقّ في إهلاك الحيوانات الفلسطينية، هي أفعال من الوحي النازي المباشر الذي كان يصف اليهود بالحشرات والفيروسات والجرذان والطفيليات، وقتلهم ودمّرهم وأفناهم، وإنّ إبادة أهل غزّة تمرّ حتى الآن مرور الكرام، وهي مستمرّة وإن بوتيرة “خفيفة”، رغم وقف إطلاق النار، بدوافع ترامبية، وإن إسرائيل ما بعد “7 أكتوبر” (2023) أفصحت عن نفسها، ولم تعد تخفي توحّشها الصميمي، فلا يمكن أن تختبئ بعد الآن خلف إصبع “ديمقراطية وحيدة في الشرق” أو “أكثر الجيوش أخلاقية” أو “دولة القانون وسط بحر من الغجر”.
نكرر أنفسنا إذا قلنا إنّ صاحب الحظّ الأكبر في الفوز في الانتخابات المقبلة في مواجهة نتنياهو وهو غادي آيزنكوت الذي لا يختلف عنه إلا في الأسلوب وفي الأولويات وفي طريقة إدارة المؤسّسات. عدا ذلك، فإنّه، مثل غالبية الإسرائيليين، مستمرّ في حربه على الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين.
نكرر أنفسنا إذا قلنا إنّنا نعير أهميةً لعدد قتلاهم، ونفعل العكس بعدد قتلانا. أنظر إلى هذه الأرقام تتكلّم عن نفسها: عملية طوفان الأقصى في “7 أكتوبر” قتلت 1200 إسرائيلي وجرحت 3400. الردّ الإسرائيلي عليها: 75000 قتيل فلسطيني و182000 جريح. والآن، في هذه اللحظة، تشتعل الضفّة ويسقط القتلى بأعداد إضافية. ولا نحسبها ولا تثير فينا… والحبل على الجرّار. كم عدد القتلى اللبنانيين ومن بعدهم السوريين؟ و”السلام” الآتي على يد رؤسائنا “الكاريزماتيين”: أحمد الشرع وجوزاف عون.
المزيد عن: إيتمار بن غفيرالسجون الإسرائيليةدونالد ترامب الأقصى
]]>
لقد خاب كلّ أمل بأن تراجع «حماس» تجربة 7 أكتوبر المُرّة، إذ آثرت التصرّف كما لو أنّ المأساة لم تحصل أصلاً، وأنّ ما يحصل عندنا هو الانتصار فحسب.
الشرق الاوسط / حازم صاغية
في إدانة الإباديّة الإسرائيليّة هناك طريقتان متعارضتان: الأولى إباديّة مضادّة، جذرها قَبَليّ وفحواها أنّنا سنعرّضـ«ـهم» للإبادة متى استطعنا، فالعين بالعين والسنّ بالسنّ. وفي انتظار ذاك اليوم العظيم، نشحذ ما نملك من نوايا إباديّة.
أمّا الثانية فضدّ الإبادة بإطلاق، كائناً من كان ضحاياها، وكائناً من كان مرتكبوها، حتّى لو كانوا من «أبناء جلدتنا»، وتالياً، هي ضدّ امتلاك نوايا إباديّة من أيّ نوع.
وللأسف فالطريقة الأولى لا تزال، رغم كلّ شيء، تحظى بقوّة تقزّم قوّة الطريقة الثانية.
لقد شهدت الأيّام العشرة الماضية حدثين يقطعان بذلك: في بيروت توفّي يابانيّ يُدعى كوزو أوكاموتو، انتمى في شبابه إلى «الجيش الأحمر اليابانيّ»، ونفّذ مع رفيقين له عمليّة إرهابيّة منسّقة مع «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، في مطار اللدّ الذي سُمّي لاحقاً مطار بن غوريون.
الراحل أوكاموتو حظي بتكريم منقطع النظير بوصفه المناضل الخارق المنحاز إلى الحقّ والعدل والمنتصر لفلسطين وشعبها. لكنّ قلّة قليلة ممّن كرّموه رووا ما فعله أوكاموتو ورفيقاه اللذان قُتلا في العمليّة، وأقلّ منهم الذين دانوا تلك الفعلة.
فحلفاؤ«نا» اليابانيّون الثلاثة وصلوا إلى المطار، في أحد أيّام 1972، كركّاب مسافرين، وهناك أخرجوا من حقائبهم قنابل يدويّة وأسلحة رشّاشة هاجموا بها، بلا تمييز، صالة المسافرين. وقد أسفر الهجوم، فضلاً عن إصابة 80 شخصاً، عن مقتل 26 آخرين أغلبهم مدنيّون، 17 منهم حُجّاج قدموا من بورتوريكو للحجّ في القدس.
ومعروف أنّ «الجبهة الشعبيّة» اعتمدت الأعمال الإرهابيّة بوصفها أداة سياسيّة وإعلاميّة للفت انتباه العالم إلى القضيّة الفلسطينيّة. بيد أنّ الأداة تلك لفتت الانتباه على نحو معاكس تماماً لما أرادته «الجبهة».
هكذا أثارت العمليّة استنكاراً واسعاً في العالم، فاستجابت «الجبهة»، بعد أشهر، بإقالة وديع حدّاد من مكتبها السياسيّ، وحدّاد أحد مؤسّسيها والمسؤول المباشر عن الإرهاب. وكان أبرز الحجج الواردة تفسيراً لقرارها أنّ أفعاله «مغامرة عسكريّة»، تُلحق ضرراً سياسيّاً بالقضيّة الفلسطينيّة، كما تؤدّي إلى عزلة دوليّة متزايدة. ولم تكتف «الجبهة» بهذا فاتّهمته بعدم التزام قرارات القيادة، والتصرّف باستقلال عنها.
وتكفي المقارنة لتبيان التدهور الذي أصاب الوعي السياسيّ لتلك «الجبهة» ولمناصري أفعالها على امتداد نصف قرن، حيث أنّ ما كان يُدان بات يُمجّد، وما كان محصوراً بتنظيم حزبيّ صار جماهيريّاً واسع الانتشار.
أمّا الحدث الثاني فأخطر وأكبر، وهو انتخاب خليل الحيّة رئيساً للمكتب السياسيّ لـ«حماس». والحيّة لم ينسَ، في كلمة ألقاها بُعيد انتخابه، إعلان أنّ «أوّل ما نؤكّده أنّنا سنسير على ذات الدرب والخطى»، واصفاً عمليّة 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بـ«الطوفان العظيم».
هذا وحفّت بالحيّة أوصاف في عدادها «التصلّب»، ومساندته قائد الحركة الراحل يحيى السنوار وخطّه، والقرب من إيران. وكان دالّا أنّ الذين استعجلوا تهنئته بالفوز كانوا «حزب الله» والحوثيّين و«جماعة الإخوان المسلمين» واسماعيل قاآني ممثّلاً طهران.
لكنّ الحيّة يعرف أنّ اعتماد «ذات الدرب والخطى» لا يحجب حقائق شديدة الإيلام عن غزّة، سبَّبها ذاك الدرب وتلك الخطى، قتلاً وتدميراً إسرائيليّين، ونزوحاً متكرّراً، وشحّاً في المساعدات وصعوباتٍ تعيق وصولها، ووقوع 70 في المئة من مساحة القطاع تحت سيطرة الدولة العبريّة، وهزال المشاريع المطروحة كحلول، والدفع الإسرائيليّ إلى تهجير الغزيّين، واستمرار أعمال القتل منذ وقف إطلاق النار وعلى رغمه. وهذا إنّما يحيل الكلام عن مقاومة في غزّة، والقول إنّ المقاومة تجعل الوصول «لفلسطين وللعودة أقرب»، دعابة سوداء لا تليق بقائد.
إلى ذلك قُتل، في هذه الغضون، معظم إخوان الحيّة في قيادة «حماس»، وانكمشت شعبيّة تنظيمه في القطاع الذي كانت تحكمه، فيما تقلّص الاهتمام الإقليميّ والعالميّ بغزّة بسبب حرب إيران التي استقطبت الاهتمام كلّه، وهذا علماً بأنّ القطاع أبقيَ خارج التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ ولم تلحظه «مذكّرة التفاهم».
وفضلاً عن انعدام أيّ توازن في القوى، يمعن نهج الحيّة في زيادة الاختلال الفلكيّ لمصلحة إسرائيل ويقدّم، مُدعَّماً بتمسّك «حماس» بسلاح لا يجدي نفعاً، حجّة لتماديها في الوحشيّة طالما أنّ مرتكبي «الطوفان» راغبون في ارتكابه مجدّداً.
وإذ يضاعف النهجُ إيّاه إرباكَ السلطة الوطنيّة وإضعافها، وهي مُربَكة وضعيفة بما يكفي، فإنّه يسدّ الطريق أمام الإفادة من تحوّلات عالميّة سبق أن تراكمت لصالح الفلسطينيّين. ذاك أنّ التحوّلات المذكورة لن تجد، والحال هذه، ما يزكّيها ويخدمها في خطاب ينكر الخطيئة ويبدي الاستعداد لارتكابها ثانيةً.
لقد خاب كلّ أمل بأن تراجع «حماس» تجربة 7 أكتوبر المُرّة، إذ آثرت التصرّف كما لو أنّ المأساة لم تحصل أصلاً، وأنّ ما يحصل عندنا هو الانتصار فحسب. ومن يفعل شيئاً كهذا لا يكون مناهضاً للإبادة، إذ يستولي عليه تصوّر للعالم بوصفه مدى مفروشاً بجماجم وعِظام، فيما يقود خطاه إنزالُ الإبادة بأعدائه ولو استدعى الأمر حرباً حتّى الفناء. وهذا الذي يرى الأمور هكذا لا يملك ما يميّزه عن نتنياهو وسموتريتش وبن غفير.
]]>
لا شيء يغير في لبنان عُرفاً ذا صفة “دستورية”، يفرض أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً ورئيس الحكومة سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً

العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية
يعترف لبنان بعدد قياسي من الطوائف. ثماني عشرة، منها الطائفة اليهودية. ولكل طائفة حقوق قانونية متساوية في الأحوال الشخصية والتعليم والأوقاف والجمعيات والأعمال الخيرية. كثيرون يشبّهون لبنان بسويسرا وبلجيكا والبوسنة والعراق وإيرلندا الشمالية. ولكن كل واحدة من هذه الدول تستوفي شرطاً، وتفتقر إلى شرطين أو ثلاثة.
ثم، انظر بعد ذلك إلى تلك الاستثنائية: لا شيء يغير في لبنان عُرفاً ذا صفة “دستورية”، يفرض أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً ورئيس الحكومة سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً. وملحق بهذا “العُرف” الأقرب الى الأبدي، قانون انتخابي، لا تتغير فيه إلا الغنائم الطائفية لصالح تعديل بسيط لمصلحة أو ذاك أو ذاك من الزعماء الطوائف، ارتفعت أسهمه إثر هذه الواقعة أو تلك.
وعلى كل حال، وكما أثبتت الوقائع، يستطيع اللبنانيون أن يتدبّروا أمرهم من دون كل أولئك الرؤساء. سواء كانوا من خارج “السرب” أو داخله. كم من السنوات مرّت من دون رؤساء، من دون الحاجة إلى خدمات “الدولة” التي يمثلون. لأن لدى الطوائف، بالقانون وبغيره، مستشفياتها، وبلدياتها، وكهرباءها، ومدارسها، وجامعاتها، وأوقافها، وأحزابها ومحاكمها للأحوال الشخصية، وإعلامها، وشبكاتها الاقتصادية ومجتمعاتها الخيرية و”المدنية” والأهلية، إلخ.
لماذا؟ لأن للدولة اللبنانية العميقة معنىً خاصاً واستثنائياً أيضاً: من القمة حيث يتربع “شريك” في السرب، وحتى القاعدة، حيث أشدهم تواضعاً، أقلهم إرثاً أو عدّة او إمكانات… التوزيع شبكي طوائفي، يعتمد قوة الحزب أو الزعيم في فرض “الموظف” هنا أو هناك. في جميع الإدارات العامة، الجيش، القضاء، الجامعة الرسمية، (غير الرسمية أصلاً تابعة لطائفة)، في الأجهزة الأمنية، وسط عمال المرافق الرسمية الحدودية… القاضي، المدير العام، الضابط، الوزير، وحتى حمّالو المطار… جميعهم يمثلون طائفته، لا دولته.
محاصصة طائفية واستغناء عن “الدولة”. وديمقراطيتنا توصف بـ”التوافقية” لحجب عنادها غير الديمقراطي وأزلية تقسيم العمل بين طوائفها “الكبرى والصغرى”. ولكن أيضاً لدينا انتخابات وتعدّدية دينية وحزبية وإعلامية وبرلمان وحكومات.
هذا كله، ونحن أكثر من كتبَ ونادى بالعلمانية من بين العرب جميعاً. أكثر من تنوّع بالكتابات العلمانية، وأكثر من تنوّع في الانتماءات الدينية لأصحابها. تفوقنا على مصر وسورية وتونس والعراق. في معظم القرن الماضي، وظّفنا تنوعنا الطائفي وحرياتنا، كتبنا ونشرنا ممنوعات علمانية، انتقدنا الطائفية وفنّدناها ودعونا إلى تبنّي المواطنة وإقامة ديمقراطية حقة ودولة حديثة وحقوق النساء، وانتقدنا أكثر من غيرنا السلطة الدينية. وتوغّلنا في الجذور التاريخية للنظام الطائفي، وفي عوائق بناء الدولة الحديثة، وتقدمنا بحلول إصلاحية أو ثورية تتجاوز هذا النظام.
لم نكتفِ بالإنتاج الفكري. أسّسنا أحزاباً علمانية تقدّمية، تفوّقت كمّاً ونوعاً وحشداً على نظيراتها العربيات. لا تنظر إليها اليوم، وقد هرمت وانكمشت
أكثر من هذا: لم نكتفِ بالإنتاج الفكري. أسّسنا أحزاباً علمانية تقدّمية، تفوّقت كمّاً ونوعاً وحشداً على نظيراتها العربيات. لا تنظر إليها اليوم، وقد هرمت وانكمشت. كان لها عصر ذهبي، وهيمنة على العقول الشابة ومنافسة قوية بينها وبين أعتى التقليديين. اليوم نذكُرها كما لو كانت أثراً بعد عين: شيوعيون، بعثيون، قوميون عرب، ناصريون، مناصرون للقضية الفلسطينية… اختفوا من المشهد. وإن حضروا، فباهتون، معتذرون عن طريقتهم القديمة المتهالكة في التفكير. والأكثر نشاطاً بينهم يخترع ما يخرجه من هذه الطريقة، باختراعه “طريقاً ثالثاً”، أو “خياراً ثالثاً”.
الغالبية العظمى من المنضوين تحت جناح هذه الأحزاب والتيارات كانوا من الشباب الشيعي. عوامل كثيرة أخرجتهم من الفقر والتهميش. أعمقها: التعليم الرسمي المجاني، إرث الرئيس فؤاد شهاب، واضع مدماك الدولة المهدورة. وهدر إرث الدولة ملازم لهدر إرث التيار العلماني والتقدمي… الذي أتاح للشباب الشيعي التحول، من الحرمان الى كتلة تتمتع بديناميكية خاصة، منفتحة على الحداثة… تمكن مثقفوها خلال عقدين (الستينيات حتى الثمانينيات) من الإنتاج الفكري حول الماركسية والقومية العربية والسوسيولوجيا والفلسفة والشعر الحديث.
مع هذا، كانت الطائفية الأقوى. كل هذا التنوع كل هذا الانفتاح، كل هذا التعدّد، كل هذه الحريات، كل هذ التمكّن المعرفي… لم يمنع انهيار لبنان الجنة. لم يمنع الشباب الشيعة من الانخراط في “بيئة” حزب الله. ومن إطفاء الأصوات المعارضة له، إلا بصفتها “شيعية”، “شيعية معارضة”… لم يمنع حزب الله من اختراق الدولة السطحية، ومن دخوله البرلمان والقضاء والأمن والإدارات العامة… ومن سيطرة شبكته الخاصة على كل الشبكات الأخرى، ومن تنصيبه مجموعات، رجال أعمال، وجوهاً إعلامية، من خلقه زعماء أبديين، صغاراً وكباراً… من وقوفه ضد انتفاضة تشرين (أكتوبر 2019)، من اتخاذه قراره المنفرد بخوض خمس حروب، فوق تلك التي أدخلته سورية دعماً لبشّار الأسد، من إغلاقه على عقول الشباب والفتيان الشيعة بمعتقدات الركض خلف هذه المعارك بانتظار المهدي، ومن تقديم الشيعة قرباناً طوعياً للموت والدمار.
حزب الله قادم من مجتمع تعدّدي ديمقراطي منفتح، بينما الحشد الشعبي قادم من نظام صدّام حسين الدموي المركزي
تنظيم شيعي آخر يلقي الضوء على التجربة الاستثنائية أيضاً لحزب الله. أقصد الحشد الشعبي العراقي، العسكري المنتمي إلى الطائفة الشيعية. الحزب قادم من مجتمع تعدّدي ديمقراطي منفتح. الحشد قادم من نظام صدّام حسين الدموي المركزي. كان من المنطقي أن يكون الحزب متعدّداً، ذا مرجعيات متعدّدة، نظراً إلى ما سبق وعرضناه عن لبنان عشية نشأته، وأن يكون “الحشد الشعبي” ذا قيادة “صدامية” واحدة… لكن لا: الحزب واحد، وقيادته واحدة عقوداً. مرجعيته إيران، وفي المقابل، الحشد ائتلاف فيه عشرات الفصائل (منظمة بدر، عصائب الحق، كتائب حزب الله، حركة النجباء، سرايا العتبات الدينية)، ومرجعيتها ليست واحدة، بل اثنتان: إيران والسيستاني. الأولى مرجعية عراقية يحمل أنصارها لقب “تيار النجف”، الذي يشدّد على سيادة الدولة العراقية. والثانية إيرانية، يحمل دعاتها اسم “تيار “المقاومة الاسلامية”، الذي يتبع الولي الفقيه الإيراني.
نقطة أخرى: حزب الله مستقل عن الدولة، والحشد يتبع الدولة ويموَّل من الميزانية العامة. عكس الصفة اللبنانية المفترضة، الحزب أكثر تماسكاً وانضباطاً. فيما الحشد الشعبي ينضوي تحت جناحه مجموعات عسكرية غير منضبطة، وقيادته غير مركزية.
يمكننا الإسهاب في المقارنات والمفارقات. يمكننا مثلاً توسيع نطاق التساؤل: كيف أن الديمقراطية الأميركية، وهي الأكبر والأقوى، أتت برئيس لا يؤمن بالديمقراطية، يحسد المستبدّين، يقوم يومياً بإجراءات، ويدلي بتصريحات، ويصدر قوانين ومراسيم تناقض هذه الديمقراطية، بما يشكل خطراً عليها. يمكننا أيضاً شرح المقارنات وحلّ المفارقات بتفسيرها. ولكن، هل تحمينا هذه الممارسات الذهنية من كمائن ينصبها لنا التاريخ، إذا بقينا مطمئنين إلى توقعاتنا، إلى تراكماتنا، إلى أنساقنا أو سياقاتنا؟ فهل من جنة على هذه الأرض؟ أو نار؟ حتى لو كانت هذه الجنة لبنان؟
المزيدعن: الطائفحزب اللهالحشد الشعبي
]]>

Washington institute / روبرت ساتلوف
متوفر أيضًا باللغات:English
تبدو الرهانات كبيرة بالنسبة إلى الاتفاق الإطاري الناشئ بين إسرائيل ولبنان، في ظل استعداد الرئيس جوزيف عون للقيام بأول زيارة له إلى البيت الأبيض في 21 تموز/يوليو. ويُعد لقاء عون قائد الجيش السابق، في واشنطن مع الرئيس ترامب – وهو الأول لرئيس لبناني منذ عام 2009 – ، فرصة لكلا الزعيمين لتحديد مدى جدية الطرف الآخر واستعداده للاستثمار وتحمل المخاطر اللازمة لفصل لبنان عن الفلك الإيراني، ونزع سلاح “حزب الله”، بوصفه ذراع إيران، وتمهيد الطريق نحو السلام بين لبنان وإسرائيل.
السياق الدبلوماسي
على الرغم من تاريخ المساعدات الأمريكية الممتد خمسة وسبعين عاماً، والعلاقات العسكرية الثنائية الوثيقة، ووجود جالية لبنانية قوية في الولايات المتحدة، ظل لبنان خارج دائرة التواصل رفيع المستوى مع البيت الأبيض الى ما قبل الحرب مع إيران. وخلال الأشهر الأولى من تولي عون منصبه، لم يتواصل ترامب معه بأي شكل – لا اجتماعات، ولا مكالمات هاتفية، ولا رسائل. ولم يحظ عون سوى بلقاء واحد رفيع المستوى مع مسؤول أمريكي – هو وزير الخارجية ماركو روبيو، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي. في المقابل، عقد ترامب ثلاث اجتماعات وجهاً لوجه مع أحمد الشرع، الجهادي السابق الذي يشغل الآن منصب رئيس سوريا.
في غضون ذلك، كان مسؤولو وزارة الخارجية وضباط القيادة المركزية الأمريكية يعملون على تسهيل العملية البطيئة لتنفيذ اتفاق “وقف الأعمال العدائية” الموقع بين إسرائيل ولبنان في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وهي عملية كانت قد تعثرت بحلول وقت اندلاع الحرب مع إيران في شباط/فبراير الماضي. وبعد يومين من اندلاع تلك الحرب، أطلق “حزب الله” موجة من الصواريخ على شمال إسرائيل، فاتحاً جبهة جديدة دعماً لطهران. ورداً على ذلك، بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي – الذي كان وجوده في لبنان حتى ذلك الحين مقتصراً على خمس نقاط قرب الحدود الدولية – عملية عسكرية أوسع نطاقاً.
خلال الأشهر الثلاثة التالية، هاجم “حزب الله” التجمعات السكنية والقوات الإسرائيلية بأكثر من 7,000 صاروخ وقذيفة وطائرة مسيرة، مما أسفر عن مقتل واحد وثلاثين شخصاً وإصابة العشرات. وردت إسرائيل بإرسال آلاف الجنود عبر الحدود، وأنشأت في نهاية المطاف منطقة عازلة بعمق يتراوح بين ثمانية وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وبالإضافة إلى مهاجمة مخابئ أسلحة “حزب الله” ومنشآته في وادي البقاع وضواحي بيروت، خاضت القوات الإسرائيلية معارك لتطهير منطقة أوسع في الجنوب تمتد حتى نهر الليطاني، بل وتتجاوزه. وقد خلفت هذه العمليات عشرات القرى مدمرة، وأسفرت عن مقتل آلاف من مقاتلي “حزب الله” والمدنيين، وتشريد أكثر من مليون لبناني.
سرعان ما تحول التركيز إلى الدبلوماسية بعد إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في نيسان/أبريل، إذ توسطت واشنطن في أول لقاء مباشر وعلني بين ممثلي لبنان وإسرائيل. وشكلت هذه المبادرة خطوة غير عادية منذ البداية، لأن الحكومة اللبنانية نفسها لم تكن طرفاً في القتال. ومع ذلك، كانت بيروت تأمل، من خلال الدبلوماسية، في استعادة سلطة اتخاذ قرارات سيادية بشأن الحرب والسلام من “حزب الله” وإيران.
وفي أعقاب ذلك، أسفرت خمس جولات من المحادثات عن التوصل إلى “اتفاق إطاري” شكّل انفراجة في 26 حزيران/يونيو، وكان التدخل الشخصي لروبيو أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في تحقيقه. ويتمثل حجر الزاوية في تلك الصفقة في موافقة لبنان على نزع سلاح وتفكيك جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية – في إشارة إلى “حزب الله”- مقابل انسحاب إسرائيل تدريجياً من الأراضي اللبنانية. ومن المتوقع أن تبدأ هذه الجهود في “مناطق تجريبية” تخضع لسيطرة القوات المسلحة اللبنانية، في إطار التزام أوسع نطاقاً بالتوصل إلى سلام ثنائي كامل على المدى الطويل.
وقد زادت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، الموقعة في 17 حزيران/يونيو، من تعقيد “اتفاق الإطار”، إذ تضمنت مساراً بديلاً يمكن من خلاله لطهران وواشنطن التوصل إلى “إنهاء دائم “للقتال في لبنان، من دون أي دور لإسرائيل فيه. وقد تمسك “حزب الله” وحلفاؤه – بمن فيهم رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري – بهذا الخيار، لأن المذكرة تنص على انسحاب إسرائيلي غير مشروط، ولا تتضمن أي إشارة إلى سلام أوسع نطاقاً بين بيروت والقدس.
ومنذ ذلك الحين، التزم الرئيس ترامب الصمت بشأن أي المسارين يؤيد فعلياً: “اتفاق الإطار” أم “مذكرة التفاهم”. ورغم أنه اتصل بعون في 27 حزيران/يونيو لتهنئته على الاتفاق مع إسرائيل وتوجيه الدعوة إليه لزيارة واشنطن، فإن البيت الأبيض لم يصدر أي بيان عن محادثاتهما، كما لم يدلِ ترامب بأي تصريح علني آخر بشأن “اتفاق الإطار”.
تقييم المواقف
ومن المتوقع أن تتبدد هذه الحالة من الغموض بمجرد وصول عون إلى واشنطن. وستكون زيارته لحظة حاسمة بالنسبة إلى “اتفاق الإطار”، وفرصة لتقييم التزام كل من الزعيمين به، واختباراً لجدوى المضي في هذا المسار نحو الأمن والسلام.
ويدرك ترامب بالفعل أن عون لا يكتفي بالتصريحات، بل يعلن بوضوح استعداده لمواجهة إيران وتبني فكرة السلام مع إسرائيل في نهاية المطاف، وهو ما أكسب الرئيس الماروني – رئيس الدولة المسيحي الوحيد في الشرق الأوسط – لقاء معه. وكان الخيار الأسهل أمام عون هو الاصطفاف مع بري وترك طهران تتولى زمام الأمور في لبنان من خلال محاولة ضمان انسحاب إسرائيلي عبر محادثات بين الولايات المتحدة وإيران. لكن ذلك كان سيجعل الرئيس مجرد شخصية رمزية عاجزة في نظام سياسي يهيمن عليه “حزب الله”، وهو خيار رفضه.
في المقابل، تساور المسؤولين الأمريكيين شكوك مشروعة بشأن استعداد بيروت للوفاء بوعودها بنزع سلاح “حزب الله” وتفكيكه. فقد تبين أن الجولة الأولى من هذه الجهود – وهي إعلان القوات المسلحة اللبنانية فرض “السيطرة العملياتية” على القطاع الواقع جنوب نهر الليطاني في أواخر عام 2025 – لم تكن كافية، بعد اكتشاف أصول وبنية تحتية كبيرة تابعة لـ “حزب الله”هناك في وقت لاحق. ومنذ ذلك الحين، أكد قائد القوات المسلحة اللبنانية، الجنرال رودولف هيكل، مراراً أن “السلام الأهلي “يتقدم على أي مواجهة مع “حزب الله”، في حين تحدث عون بعبارات عامة عن أن نزع السلاح ينطوي على مكونات سياسية واقتصادية وعسكرية. ونظراً إلى أن القادة اللبنانيين وعدوا بنزع سلاح “حزب الله” وأخفقوا في ذلك مرات عديدة على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية – بدءاً من ” اتفاق الطائف” وصولاً إلى وقف إطلاق النار لعام 2024 – فإن ترامب سيرغب في أن يشرح عون ما الذي يجعل هذه المرة مختلفة، ومتى ستبدأ بيروت في “ترجمة الأقوال إلى أفعال” باستخدام جميع الوسائل ضد التنظيم، بما في ذلك القوة العسكرية.
ومن جانبه، يتطلع عون إلى معرفة ما إذا كان البيت الأبيض سيشكل سنداً موثوقاً له في مواجهة الضغوط التي يمارسها حلفاء إيران داخل لبنان، الذين يسعون إلى إجهاض الاتفاق الإطاري باسم “الإجماع الوطني”. ومن الناحية العملية، سيرغب عون في معرفة ما إذا كان ترامب سيستثمر موارد كبيرة في تطوير قدرات القوات المسلحة اللبنانية، وتنظيم الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان، والضغط على إسرائيل لتسهيل مهمته من خلال عمليات انسحاب تدريجية. كما يتوجه عون إلى اللقاء وهو يستحضر شبحاً تاريخياً، إذ يحرص على تجنب أن يصبح نسخةً حديثةً من أمين الجميل، الرئيس الذي شهدت ولايته توقيع اتفاق السلام المؤرخ 17 أيار/مايو 1983 مع إسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة، قبل أن ينهار بعد عشرة أشهر تحت الضغط السوري. ومن المرجح أنه يتساءل أيضاً عن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في ضوء استعداد إدارة ترامب للتفاوض على مذكرة تفاهم مع إيران دون إشراك القدس أو نيل موافقتها. وفي جميع هذه القضايا، سيرغب عون في الحصول على تطمينات.
ما يمكن توقعه
الظروف مواتية لنجاح الاجتماع، فقد أصبحت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في حالة من الارتباك، مما يحرم منتقدي الاتفاق بين إسرائيل ولبنان من بدائل سهلة. ونظراً لرفض عون خضوع لبنان لسيطرة طهران، لم يتحول البلد تلقائياً إلى ساحة قتال رئيسية عندما استؤنف القتال بين الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي. وعوضاً عن ذلك، مهدت بيروت والقدس الطريق لاجتماع البيت الأبيض من خلال جولة من المحادثات الفنية “المثمرة والإيجابية“، التي عُقدت في روما هذا الأسبوع، تمهيداً لإطلاق منطقتين تجريبيتين تخضعان لسيطرة القوات المسلحة اللبنانية، وفقاً لما ينص عليه الاتفاق الإطاري. أما على المستوى الشخصي، فمن المرجح أن ينسجم ترامب مع عون، باعتباره وطنياً لبنانياً خاض غمار المعارك وأرهقته الحروب، واتخذ موقفاً قوياً ضد طموحات إيران الإقليمية دفاعاً عن الشرف الوطني وسعياً إلى السلام، وهو النموذج من القادة الوطنيين الذين يعجب بهم ترامب.
لكن كلا الرئيسين يبحثان عن أكثر من مجرد حفاوة الاستقبال. فمن الناحية العملياتية، يحتاج عون إلى التزامات دعم أمريكية ملموسة تتجاوز الترحيب الشخصي والتأييد القوي للاتفاق الإطاري. وقد تشمل هذه الالتزامات ما يلي:
قد يساعد هذا الدعم الأمريكي الواضح في إقناع عون بأن ترامب ملتزم بدعمه وبدعم استراتيجية المحادثات المباشرة مع إسرائيل. وعلاوة على ذلك، قد يسهم في حل معضلة إظهار الفوائد القصيرة المدى للاتفاق الإطاري في وقت تنشغل فيه إسرائيل بانتخاباتها المحلية المقبلة، وهو ما سيجعل الحكومة الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى رفض أي اقتراح – حتى لو جاء من ترامب – يقضى بإعادة انتشار قوات إسرائيلية على نطاق واسع خارج المناطق التجريبية.
لكن في مقابل حزمة الحوافز هذه، سيرغب ترامب بالتأكيد في سماع أدلة إضافية على جدية عون. وقد يشمل ذلك تفاصيل محددة عن خطته لنزع سلاح “حزب الله” وتفكيكه؛ ووعوداً بإبعاد ضباط القوات المسلحة اللبنانية الذين ثبت تواطؤهم مع “حزب الله”، ولا سيما داخل الاستخبارات العسكرية؛ والتزاماً بتعليق القوانين الصارمة التي تحظر أي اتصال مدني بين اللبنانيين والإسرائيليين. والأهم من ذلك كله، سيحتاج عون إلى إعادة التأكيد على أن السلام مع إسرائيل هو هدفه الاستراتيجي؛ فكلما أبرز التزامه بالسلام، كان ترامب، على الأرجح، أكثر استعداداً لمنحه الوقت والحيز والدعم.
وأخيراً، سيمنح لقاء البيت الأبيض عون أيضاً فرصة لوضع حد نهائي لفكرة خطيرة يبدو أنها استحوذت على اهتمام ترامب، وهي تمكين سوريا من إرسال قوات إلى لبنان بحجة سحق “حزب الله”. ويدرك عون جيداً أن أي تدخل عسكري سوري من شأنه أن يحيي ذكريات الفظائع التي ارتُكبت خلال سيطرة نظام الأسد المطلقة على بلاده، مما سيؤدي إلى تأجيج الانقسامات الطائفية وتعزيز الدعم الشعبي لـ”حزب الله”. وعلى الرغم من أن الشرع نفسه استبعد هذه الفكرة، فإن ترامب لا يزال يكررها. ونأمل أن يقدم عون حجة مقنعة تؤكد التزامه بتفكيك “حزب الله”، بحيث يتخلى ترامب نهائياً عن الخيار السوري.
]]>

washingtoninstitute / فرزين نديمي
متوفر أيضًا باللغات:English
بعد أسبوع من انهيار مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، تسارعت وتيرة الأعمال العدائية العسكرية من جديد. فحتى في خضم مراسم جنازة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، شنت إيران هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على سفن تستخدم الممر العماني في الجزء الجنوبي من مضيق هرمز، في خطوة عقابية ضد مسقط بعد رفضها الاستجابة لمطالب النظام بتحويل الممر المائي الدولي إلى مصدر دخل. وردت الولايات المتحدة بشن ضربات جديدة على مرافق المراقبة الساحلية الإيرانية، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للسفن، ومنشآت الطائرات المسيّرة، ومراكز القيادة والاتصالات، والقوارب الصغيرة التابعة لـ”الحرس الثوري الإيراني” ، والموانئ ذات الاستخدام المزدوج. ثم رد النظام الإيراني بضربات استهدفت القواعد التي تستضيف أفراداً أمريكيين، إضافة إلى المرافق اللوجستية والبنية التحتية في الكويت، والبحرين، والأردن، وعمان، وإقليم كردستان العراق، وقطر. واختتمت هذه الجولة بإعادة فرض الحصار البحري الأمريكي الكامل على إيران في 13 تموز/يوليو، وإلغاء الترخيص العام العاشر (GLX)، الذي علّق العقوبات المفروضة على صناعة النفط التابعة للنظام بشكل مؤقت .
وتوحي أحدث تصريحات إدارة ترامب وعملياتها العسكرية بأن تصعيداً إضافياً قد يكون وشيكاً. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تحقق أي عمليات أمريكية أو مشتركة مع الحلفاء نجاحاً استراتيجياً ما لم تتضمن خططاً أكثر تماسكاً واتساعاً لاستهداف الأصول العسكرية الإيرانية وشبكات التوريد التي تمكن طهران من مواصلة تهديد حركة الملاحة التجارية والأهداف الإقليمية الأخرى.
الوضع الراهن
دخل الصراع بالفعل مرحلةً أكثر خطورةً من الاستنزاف المستمر منذ تعثر مذكرة التفاهم. فمن ناحية، تعمل الولايات المتحدة على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية تدريجياً، ولا سيما قدرتها على نشر قواعد الصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة، التي تمثل أكبر تهديد للملاحة البحرية. وهذا هو النهج العملياتي الأساسي الذي اعتمدته السلطات الأمريكية – رغم أن بعض المراقبين رأوا أن وتيرة عمليات واشنطن تبدو أقرب إلى ردود فعل، إذ جاءت الضربات الأخيرة، على ما يبدو، رداً على هجمات إيرانية، في إطار دورة “العين بالعين” التي تمنح النظام حرية اختيار التوقيت والأهداف.
ومن ناحية أخرى، تشن إيران حملةً مدروسةً لمعادلة القوة، تركز على فرض تكاليف أكبر على مراكز القيادة والرادار والمنشآت اللوجستية الأمريكية في أنحاء المنطقة. ومن المرجح أن تحظى هذه الجهود بدعم استخباراتي وتقني من جانب روسيا والصين، إذ تشير التقييمات الغربية إلى تحسن دقة الاستهداف الإيراني. وتهدف طهران إلى رفع تكلفة الوجود الأمريكي، دون إشعال حرب أوسع نطاقاً من شأنها إعادة إسرائيل إلى القتال المباشر.
وقد انعكس هذا التصعيد سريعاً على قطاعي الطاقة والتجارة. فعلى سبيل المثال، تشير بيانات الشحن المختلفة إلى انخفاض إضافي في حركة المرور، المحدودة أصلاً، عبر مضيق هرمز، كما تحتفظ قطر بكميات أكبر من الغاز الطبيعي المسال في مخازن عائمة. وفي الوقت نفسه، عاد شركاء إيران من الحوثيين في اليمن إلى التصعيد، بإعلانهم حصاراً على الموانئ السعودية عبر ممر بحري استراتيجي آخر، هو مضيق باب المندب، واستهداف ناقلة نفط سعودية واحدة على الأقل. ورداً على ذلك، بدأت السفن المتجهة إلى منشآت المملكة على البحر الأحمر بتغيير مساراتها.
ويُبرز ذلك بوضوح مخاطر نهج طهران وفعاليته الجزئية. فحملتها تنتهك القانون الدولي، وتضر بصادرات إيران نفسها، وتثير ردود فعل سلبية من عُمان ودول الخليج، وقد تنتهي بإشعال جولة جديدة من الأعمال العدائية الواسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، تحقق إيران أيضاً نتائج ملموسة؛ إذ أثارت اضطرابات في السياسة الداخلية الأمريكية بعد مقتل أمريكيين وإجبار واشنطن على الرد على هجماتها؛ وأرهقت القدرات اللوجستية الأمريكية بإجبارها على نقل بعض أصولها الإقليمية إلى مواقع أبعد؛ وفرضت تكاليف على شركاء الولايات المتحدة في الخليج؛ وحصلت على مليارات الدولارات من تخفيف العقوبات خلال الفترة القصيرة التي استمرت فيها مذكرة التفاهم؛ وأبقت إسرائيل خارج الصراع – ولو مؤقتاً – وواصلت تعقيد حرية الملاحة. وما لم تضع إدارة ترامب وتعلن استراتيجية مضادة واضحة، مدعومة بترتيبات تحالف قوية، بما في ذلك مع إسرائيل، فمن المرجح أن تواصل طهران هذا النهج الاستنزافي، بالتوازي مع إعادة بناء قدراتها التي تضررت جراء الحرب – وهو أمر أثبتت مراراً قدرتها على القيام به، حتى تحت الضغط.
إعادة البناء العسكري حتى تحت النيران
تعتمد العديد من أخطر القدرات الإيرانية على شبكة واسعة من أنشطة المشتريات العسكرية ذات الاستخدام المزدوج، داخل البلاد وخارجها، والتي استمر معظمها طوال فترة الحرب، وخلال التفاوض على مذكرة التفاهم، وكذلك في المرحلة التي أعقبت انهيارها. وعلى الرغم من أن الضربات العسكرية، والحصار البحري، والعقوبات تسهم بدرجات متفاوتة في الحد من هذه الأنشطة، فقد أثبتت شبكة النظام، المؤلفة من الشركات الواجهة، والقنوات التجارية ذات الاستخدام المزدوج، والأسواق الرمادية، وورش العمل الصناعية، قدرتها على التكيف والصمود.
والجدير بالذكر أن قسماً كبيراً من العائدات التي أتاحها اتفاق ” الترخيص العام العاشر” صُرف بالفعل. ووفقاً لبيانات منصة “تانكر تراكرز” (TankerTrackers.com) لتتبع ناقلات النفط، صُدّر نحو 80 مليون برميل من النفط الخام الإيراني، بقيمة تجاوزت 6 مليارات دولار، خلال الستة والعشرين يوماً التي أعقبت الإعلان عن مذكرة التفاهم، من بينها نحو 35 مليون برميل سُحبت من مخازن عائمة. ومن شبه المؤكد أن جزءاً من هذه الإيرادات وُجه لتمويل إعادة بناء القدرات العسكرية.
وفي الوقت الحالي، يبدو أن طهران تعطي الأولوية للأنظمة غير المتكافئة الأقل كلفة والأسرع انتشاراً، والتي يمكن إنتاجها في ورش عمل متفرقة ذات استخدام مزدوج أو في مجمعات أنفاق محصنة، إلى جانب بعض جهود إعادة البناء في مواقع أكثر وضوحاً. وتشمل هذه الأنظمة طائرات “شاهد” المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، والطائرات المسيرة العاملة بتقنية منظور الشخص الأول( (FPVs، وصواريخ “358” المضادة للطائرات، وأنظمة الملاحة وتنسيق الأسراب التي تستخدم التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي للعمل في البيئات التي يتعذر فيها استخدام النظام العالمي للملاحة عبر الأقمار الصناعية. وبناءً على ذلك، من المرجح أن تركز أنشطة المشتريات الخارجية للنظام على مكونات توجيه الصواريخ وأنظمة الدفع، وأنظمة الملاحة بالقصور الذاتي، والأدوات الآلية المتخصصة، ومحركات الطائرات المسيّرة، والمواد المركبة عالية الجودة، وصمامات الألغام، ومعدات الملاحة تحت الماء، ومعالجات التشغيل الذاتي، وغيرها من رقائق الذكاء الاصطناعي. ويجري بالفعل تمرير جزء كبير من هذه الأنشطة عبر مصادر تجارية وشبكات السوق الرمادية التي تكيفت مع العقوبات والهجمات. ونظراً لإعادة فرض الحصار البحري الأمريكي، فمن المتوقع أن يعتمد النظام بشكل أكبر على المسارات الجوية والبرية للحصول على هذه الواردات أو إيصالها إلى شركائه..

لقطة شاشة من مقطع فيديو نشره حساب @mhmiranusa على منصة X/تويتر، ويُزعم أنه يُظهر مستودعاً إيرانياً يتم فيه تجميع هياكل الطائرات المسيرة من طراز “شاهد-136”.
تمنح طهران أولويةً للأنظمة المذكورة أعلاه لأنها تحقق تأثيرات تكتيكية كبيرة مقابل تكلفة منخفضة للوحدة، كما يسهل نقلها عبر مسارح العمليات – وهو نمط أكدته المضبوطات الأخيرة في سوريا واليمن، التي شملت الطائرات المسيرة العاملة بتقنية منظور الشخص الأول (FPVs) حديثة الإنتاج، وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ “358” المتجولة، كانت في طريقها إلى الميليشيات الشريكة. وتشير التقارير أيضاً إلى أن روسيا بدأت، في آذار/مارس، بتسليم نسختها الخاصة من طراز “شاهد-136″، المسماة “جيران-2″، إلى إيران، وهي تتضمن تعديلات قتالية اختُبرت ميدانياً في أوكرانيا.
أما في ما يتعلق بالصواريخ، فقد كانت إيران تمتلك، قبل الحرب، ترسانةً كبيرة من الأنظمة الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وتدعي أنها واصلت إنتاجها على نطاق واسع. وتشير التقديرات إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية دمّرت نحو نصف منشآت الإنتاج، ومواقع التخزين، والمخزونات الجاهزة، لكن الأصول الموزعة والمحصنة للنظام حالت دون تدميرها بالكامل. وعلاوةً على ذلك، من المرجح أن تُمكّن الإيرادات الأولية من برنامج ” الترخيص العام العاشر”، طهران من تسريع إعادة بناء هذه الصواريخ، وإدخال تحسينات محدودة عليها، وإنتاج المزيد من أدوات الحرمان البحري منخفضة التكلفة، مثل الألغام والسفن غير المأهولة.
وفي الوقت الحالي، لا يُتوقع أن ينشر النظام، في وقت قريب، صواريخ باليستية جديدة متوسطة المدى (أي بمدى يتراوح بين 3,000 و5,500 كيلومتر)، أو أنظمة أكثر تقدماً تفوق سرعة الصوت. وإذا استمر الضغط الأمريكي، فمن المرجح أن يعرقل إنتاج مثل هذه الأنظمة لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات تقريباً، مما سيجبر طهران على الاعتماد على ترسانتها الحالية. وبالمثل، فإن الجهود الرامية إلى إعادة بناء قوتها الجوية التقليدية وأسطولها من السفن السطحية الكبيرة متأخرة بدرجة أكبر. ومع ذلك، فقد أثبتت الصواريخ قصيرة المدى، والطائرات المسيّرة، والأنظمة الأخرى، أنها أكثر من قادرة على الإبقاء على حالة الأزمة في الخليج ما دام النظام يرغب في ذلك، كما يواصل “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني دعم شركائه من الميليشيات الأجنبية، حتى في ظل ميزانيات محدودة، بالاعتماد على المخزونات الحالية.
أما في ما يتعلق بالبرنامج النووي، فليس من الواضح ما إذا كانت طهران ستسعى إلى تكثيف جهودها لتسليحه في أي وقت قريب، نظراً لمخاطر التصعيد وصعوبة إخفاء هذه الأنشطة. ورغم أن التقييم الكامل لهذا التهديد يستدعي تحليلاً منفصلاً، فسيتعين على المسؤولين الأمريكيين مواصلة مراقبة التهديدات طويلة الأمد الناشئة على هذه الجبهة، أثناء صياغة خططهم للتصدي للتهديدات الأكثر إلحاحاً. ويبرز في هذا السياق أن التجارب الأخيرة على الصواريخ متوسطة المدى تُظهر استمرار التقدم في قدرات إيصال الأسلحة النووية بعيدة المدى نظرياً، في حين يمكن إعادة بناء عناصر أخرى من البرنامج داخل المجمع شديد التحصين في جبل “بيكاكس”.
ومن الجدير بالذكر وجود تطور مشجع واحد وسط هذه السلسلة الطويلة من المخاوف؛ إذ إن الضرر التراكمي الذي أحدثته أشهر من الضربات التي شنتها قوات التحالف جعل طهران، على الأرجح، أكثر اعتماداً على المشتريات الأجنبية، وأكثر عرضة للضغوط الخارجية. ويمثل ذلك نقطة ضعف يمكن – بل ينبغي – لواشنطن استغلالها.
مقومات استراتيجية أمريكية مضادة فعالة
ما لم تكن العمليات الأمريكية الحالية تمثل مقدمة لحملة مخططة بعناية ذات أهداف واضحة وفعالة، فمن المرجح أن تتمكن إيران من تحمل الضغط الإضافي، دون العودة إلى مفاوضات حقيقية تنطوي على التخلي عن قدرتها على تهديد مضيق هرمز. وبناء على ذلك، سيتعين على إدارة ترامب رفع التكاليف السياسية والعملياتية لمحاولات النظام القسرية، إلى مستوى يدفع طهران إلى التخلي عن تلك الورقة. ومن غير المرجح أن تحقق التهديدات باتخاذ إجراءات عسكرية أشد ضد البنية التحتية الإيرانية هذا الهدف – على الأقل ليس بمفردها، ولا من دون إثارة احتمال تكبد الولايات المتحدة وحلفائها، إلى جانب الاقتصاد العالمي، تكاليف ومخاطر كبيرة. وأياً كان الإجراء العسكري و/أو الدبلوماسي الذي ستختاره الإدارة في الأيام والأسابيع المقبلة، فسيتعين عليها إدراج التدابير التالية ضمن استراتيجيتها إذا كانت تأمل في تحقيق أهدافها:
وعند تنفيذ هذه التدابير في إطار استراتيجية أكثر تماسكاً، ينبغي للمسؤولين الأمريكيين التركيز على الهدف الأهم بعد أشهر من الأزمة والذي يتضمن رفع تكلفة الهجمات الإيرانية على القوات الأمريكية والملاحة الدولية إلى الحد الذي يدفع العناصر الأكثر براغماتية في طهران إلى الاقتناع بأن السيطرة الأحادية على مضيق هرمز لم تعد خياراً قابلاً للتطبيق. وإذا اختارت إدارة ترامب إعادة فتح المفاوضات – سواء بعد حملة عسكرية أخرى أو بدلاً منها – فيجب عليها التأكد من أن أي اتفاقات مستقبلية لوقف إطلاق النار تتضمن لغة أوضح، وقيوداً قابلةً للتحقق، وتوفر حوافز تدفع النظام إلى إعادة تقييم استراتيجي، بدلاً من تمكينه من الاستعداد لجولته التالية من الإكراه.
]]>
لا يزال الغزو البري الشامل خياراً بالغ التعقيد، فيما تتركز التقديرات على عمليات محدودة بأهداف عسكرية محددة
المجلة / جون هالتوانغر
مع احتدام الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تتزايد المخاوف من أن تكون عملية برية قد أصبحت تلوح في الأفق، في ظل عجز الضربات الجوية الأميركية المتواصلة عن كسر إرادة طهران.
ورفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب استبعاد احتمال نشر قوات برية، فيما تواصل الحرب، التي باتت تدور إلى حد بعيد حول السيطرة على مضيق هرمز، إلحاق أضرار جسيمة بأسواق الطاقة العالمية، وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة أرسلت مزيدا من العسكريين إلى المنطقة، بينهم عناصر من قوات العمليات الخاصة ومسعفون عسكريون، لتوسيع نطاق الخيارات المتاحة أمام ترمب….
لقراءة المقالة كاملة على الموقع الرسمي، انقر هنا
]]>