في القصر الذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت
الشرق الاوسط / د. رشيد العناني
إذا نظرنا إلى الأشياء في منظور تاريخي، لتعذَّر الوصول إلى أحكام سهلة بالإدانة. حَدَثُ اليوم سيكون له معنى آخر بعد مائة سنة أو مائتين، وما حدث منذ مائتي عام لم يكن مفهوماً لدى معاصريه كما نفهمه اليوم. لم تكن الصورة مكتملة. لم يكن السياق الزمني المستقبلي موجوداً. نحن في أي لحظة قد نفهم كيف أدَّت اللحظات أو القرون السابقة إلى اللحظة التي نعيشها، ولكننا محرومون من أن نرى فعل لحظتنا الراهنة فيما يليها من لحظات أو أعوام أو قرون.
هكذا وجدت نفسي أفكر أثناء زيارة قمت بها إلى قصر فرساي وضياعه على أطراف باريس. هذا هو القصر الذي بناه لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر، والذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت إبان الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. هذا هو القصر الذي هاجمه «رعاع» باريس مطالبين بالخبز فتساءلت ماري أنطوانيت لماذا لا يأكلون «البريوش» (نوع راقٍ من الخبز يُصنع بالزبد). أو هكذا تقول القصة الشائعة، التي ربما اخترعت للتدليل على مدى جهل الطبقة الحاكمة بمعاناة عامة الناس. لا يحتاج أحدٌ للتدليل على ظلم الملوك آنذاك ومساوئ النظام الإقطاعي ونهب الحاكمين عبر العصور لجهد المحكومين، وليس قصر فرساي وحدائقه الشاسعة وتحفه وتماثيله ولوحاته وأثاثه هو وغيره من مئات القصور والضياع التي تملكتها الطبقة الأرستقراطية إلا برهاناً باقياً على ظلم تلك الطبقة التي عاش رعاياها حياة ضنك وجوع ومرض.

هل كان مصمم هذا المدفع واعيا بالمفارقة الصارخة- آلة الموت والكراهية تُزيّن بتمثالين يمثلان فعل الحب والحياة؟
إلا أني أنظر اليوم إلى طوابير الدخول لزيارة القصر التي تمتد إلى عدة كيلومترات يومياً على مدار العام، وأفكر في الرسوم التي يدفعها هؤلاء الزوار القادمون من أرجاء الأرض جميعاً، وأتساءل ألم تُحصّل تكاليف بناء هذا القصر قبل ثلاثمائة عام عشرات المرات من ملايين زواره، ألم تنعش السياحة الفرنسية والاقتصاد الفرنسي على مرّ الزمان منذ انتقالها إلى أيدي الشعب؟ ألا يرتزق منه اليوم عشرات آلاف الفرنسيين العاملين فيه وفي غيره من صروح عهود الظلم البائدة؟ وعلى هذا النحو أليس «رعاع» اليوم مستفيدين من الظلم الذي وقع على جدودهم من ملوك الأمس وأرستقراطييه؟ ألا يمكن القول إن لويس الرابع عشر ومن خَلَفَه كانوا يبنون بدون أن يعلموا من أجل صالح المواطن الفرنسي المستقبلي؟
لست أحاول أن أبرر عصر الإقطاع والملكية المطلقة، لكني فقط أتعجب من مسار التاريخ بين اللحظة الراهنة، وتجلياتها بعد مرور الزمن. أتعجب من مقاصد الأفعال ونتائجها بعيدة المدى. وأتساءل حين نحاكم شخصية تاريخية أو عصراً كاملاً، هل نُدخل في حيثيات الحكم النتائج غير المقصودة لأعمالهم بعد زمانهم أم ننظر إلى أعمالهم في سياقها الزمني المباشر فقط؟ ليست الإجابة على هذا السؤال بالسهلة. وأسوأ القضاة هم قضاة الأحكام السريعة ذات النظرة الجزئية الموقوتة.
وأخيراً فقد وقفت في مخدع ماري أنطوانيت ورأيت الباب السري الذي هربت منه بعد أن اجتاح «الرعاع» أسوار القصر قبل أكثر من مائتي سنة. لم تكن تعلم لحظتها أن هروبها هو هروب لحظي، وأن المقصلة ستنال عنقها في نهاية الأمر. قدَّرتُ رعبها في تلك اللحظات وتعاطفت معها وليس مع «الرعاع» في لحظة انتصارهم. وفكرت أن «الرعاع» – وأنا منهم – لا يزالون ينتهكون خصوصيتها وحرمة خدرها بعد قرنين من الزمان كل يوم. كان نصرهم باقياً وهزيمتها نهائية.
جاءت زيارتي الباريسية التالية وكأنها استمرار للأفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي. كان ذلك في المتحف العسكري أو «متحف الجيش» الفرنسي كما يُسمّى، والقائم ضمن مجمع مباني «الأنفاليد» (les invalides) في باريس، ومعنى اسمه «المعاقون»، وهو في الأصل مَشْفَى هائل أقامه لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر من أجل العناية بالمحاربين القدماء. يركز المتحف على الأسلحة من أواخر العصور الوسطى فصاعداً حتى الحربين الكبيرتين. رأيت كماً هائلاً من السيوف والخناجر والحراب والرماح والنبال والبُلط والبنادق والمدافع والخوذات والدروع للبشر وللخيل وغيرها من وسائل القتل والاحتماء من القتل مما لا أعرف اسمه ويصعُب وصفه. لشدَّ ما تفنّنا – ولا نزال – في سبل القتل.
منذ التقط قابيل ذلك الحجر التعس وهشّم به رأس أخيه – كما تقول القصص الدينية – بَنَى جنسُنا الكثيرَ على تلك الخبرة البدائية الأولى وقطع أشواطاً بعيدة في تطوير أساليب القتل الفردي والجماعي، وطوّع مهاراته اليدوية والذهنية والتقنية لتكريس هذا «الفن» التليد. الأسلحة المعروضة هي أسلحة مستعملة ذات تاريخ معلوم أو مجهول. بعضها أسلحة ملوك لكن أكثرها أسلحة محاربين عاديين. رأيت عدداً هائلاً من السيوف، بعضها محتفظ «برونقه»، ولكن البعض الآخر انطفأ بريقه وصدأ وثلُم نصله. كنت أتأمل طويلاً في سيف أو آخر حتى أكاد أرى الدم القديم يسيل منه مجدداً، وأتساءل ترى كم رأساً شجَّ؟ كم عنقاً أطار؟ كم صدراً اخترق؟ كم ظهراً فصم؟ كم ذراعاً أو ساقاً بتر في تاريخه الحربي «المجيد»؟ كم امرأة رمّل؟ وكم أماً ثكل؟ وكم طفلاً يتّم؟ ترى هل كان تقتيله في مواجهات الجيوش في ساحة الحرب فقط؟ أم أنه عرف فتح المدن وقتل النساء والأطفال والشيوخ؟ ترى كم يداً قَتلتْ بهذا السيف؟ هل أحيل للاستداع بعد مقتل صاحبه أو موته بشكل أو آخر؟ أم تُورث أباً عن جد، مسيلاً دماءً جديدة في كل جيل؟
لم أرَ في ذلك المتحف حديداً في دواليب زجاجية، وإنما خضت في دماء وأشلاء، وسمعت صراخاً ونحيباً، وشهدت ذعراً ورعباً، وبكاء وألماً، وجثثاً كثيرة، كثيرة، تنطق بقسوة الإنسان وحماقته، وكأن الموت لا يعرف كيف يدركنا في كل حال، فقضينا القرون نعلمه كيف يعجّل إلينا، وكيف يقبضنا جماعات لا أفراداً، بغير حاجة لأن ينتظر الشيخوخة أو الأمراض والأوبئة والمجاعات والفيضانات والزلازل والبراكين والأعاصير، فهناك الحروب نقدمها له، تحصيلاً دون جهد.
جاءت زيارتي لباريس وكأنها استمرار للأفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي
ومن المفارقات التي يلاحظها المتأمل في متحف الأسلحة أن تفنن الإنسان في صنع أدوات القتل كان يعكس الفروق الطبقية الواضحة في تركيبة المجتمعات عبر العصور، التي لم تستثنِ أدوات القتل من مظاهر التمييز بين الثري والفقير، بين النبيل وابن العامّة، فالناس لا تتساوى في القتل وأدواته كما أنها لا تتساوى في أي أمر آخر. ومن هنا نجد السيوف والخناجر والغدّارات ذات المقابض الذهبية أو العاجية والمطعمة بأنواع الجواهر الكريمة، فالنبيل الثري لا بد أن يتأنق في القتل وأدواته كما يتأنق في طعامه ولباسه وسائر أشيائه، أما الفقير ابن الطبقات الدنيا، فيكفيه نصل من الحديد المسنون يؤدي الغرض. ومن المفارقات أيضاً التي لاحظتها أن صنّاع الموت وأدواته كانوا في تفننهم في تزيين بعض الأسلحة لا يقتصرون على الأسلحة الشخصية وإنما رأيت أيضاً مدافع هائلة الحجم مما يزن أطناناً ويعمل عليه فريق كامل من الجنود لتحريكه وتشغيله وقد زيَّنت – عند نهاية الماسورة في الموضع الذي أعتقد أن الجنود يدفعون منه المدفع عند تحريكه – بتمثالين لرجل وامرأة متعانقين يتبادلان قبلة. ترى هل كان مصمم هذا المدفع واعياً بالمفارقة الصارخة: آلة الموت والكراهية تُزيّن بتمثالين يمثلان فعل الحب والحياة؟ ترى هل أراد أن يُلهي الجنود عن حقيقة الموت الذي يصبّونه على الآخرين والذي ربما ينزل عليهم أيضاً من حيث لا يحتسبون؟ أم أنه أراد أن يذكرهم بالمسرّات التي تنتظرهم إن نجحوا في «القتل» كما يجب؟
جولة التأمل في تاريخ العنف هذه انتهت بمقعد أقل ما يُوصف به بأنه غير مريح ليس فقط كمقعد وإنما أيضاً بالتاريخ الدموي الكامن فيه! هو من معروضات «مركز جورج بومبيدو» في باريس ومن صنع نحّات موزامبيقي معاصر اسمه جونسالو مابوندا. المقعد المعدني مركّب من قطع سلاح جمعها مابوندا من مخلّفات الحرب الأهلية في بلده التي دامت 15 عاماً (1977 – 1992). قطعُ سلاحٍ أدى مهمته. قتل ويتّم ورمّل. قطّع الأوصال. نثر الأشلاء. اخترق الأدمغة والصدور والظهور. ثم انتهى «خُردَة» في يد فنّان ركّبَ من قطعه هذه المعروضة الفريدة ضمن صالة مخصصة لمخلفات الحرب وآثارها على الناس. عاش جنسنا البشري عبر العصور، قافزاً من حرب إلى حرب. فكأن هذا الكرسي المدجج بالسلاح، هذا الكرسي الذي كله سلاح، كأنه يرمز للإنسان الذي أنفق عصور بدائيته وحضارته وحتى اليوم «جالساً على برميل بارود». إلا أن الكرسي المعروض خالٍ. لا أحد يجلس عليه. فهل هو نبوءة بفناء الإنسان بحماقته، فلا يبقى بعده إلا مخلفات سلاحه وحروبه؟
]]>
يحضر في مجسّمين متوازنين

الشرق الاوسط / محمود الزيباوي
كشفت أعمال المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأولى من القرن العشرين عن أطلال عدة ومنشآت عمرانية مدنية تعود إلى العصر الأموي. تتوزّع هذه المنشآت على نواحٍ متعدّدة من بوادي بلاد الشام، وتشكّل سلسلة من الأبنية تتميز في الدرجة الأولى بمعاييرها الهندسية المتطوّرة. تحوّل العدد الأكبر من هذه الأطلال إلى خرائب فقدت حللها الزينية، غير أن البعض منها حافظ على نقوش فنية جمعت بين أطرزة متوارثة في قوالب مبتكرة، تشهد لفن أموي مدني له أساليبه الخاصة. في هذا الميدان، يبرز بناء يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف باسم قصر هشام، نسبة إلى عاشر خلفاء بني أمية الذي قام بتشييده، كما يؤكّد البحّاثة. خرجت من هذا الموقع الأثري مجموعة هائلة من القطع النحتية، منها قطعة بدت فريدة من نوعها، تمثّل شاباً أمرد، يوصف بالبهلوان.
نُقلت حلل خربة المفجر عند اكتشافها إلى متحف أنشئ خصوصاً لها في القدس الشرقية، وافتتح هذا المتحف في عام 1938، وحمل اسم «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوّل إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، وباتت حلل قصر هشام النحتية من محفوظاته، ومنها البهلوان الذي يحضر في مجسّمين متوازنين، يبلغ طول كل منهما نحو متر وعشرين سنتيمتراً. يشكّل هذان المجسّمان عمودين لقنطرة تعلوها كما يبدو قبّة ضاع أثرها. تعود هذه القنطرة إلى ركن يُعرف بديوان الخليفة، وقد وصلت على شكل كتل مهشّمة ومبعثرة، تمّ جمعها بتأنّ، قبل إعادة نصبها في المتحف، ضمن زاوية تحتلّ ركناً أساسياً من أركان هذا المتحف. تُزيّن واجهة هذه القطعة حلة زينية ثريّة بالتفاصيل، تعتمد على تقنية الجص المنقوش التي شاعت بشكل واسع في العصر الأموي، وقوامها شريطان مقوّسان، يعلوهما شريط أفقي مستقيم.
تعتمد زينة هذه الشرائط على شبكة من الزخارف، تستمد تقاسيمها من العناصر النباتية المحوّرة. يمتد الشريط المقوّس الأول بين سلسلتين من الخواتم الدائرية المرصوصة، وتزيّنه سلسلة من أوراق نبتة الأقنثا، في صياغة تقليدية محكمة. يستقر الشريط الأفقي الثاني فوق هذا الشريط، وتزينه أغصان لولبية دائرية مورقة تأخذ شكل كرمة زخرفية. تؤلّف هذه الأغصان سلسلة من الخانات الدائرية، تجمع بشكل متوازن بين أوراق الكرمة المنبسطة، وعناقيد العنب المتدلية. تحضر هذه الورقة في خانة تقابلها خانة تحلّ فيها عناقيد تأخذ شكل أكواز من الحبات المرصوصة، في تأليف يجرّد العناصر التصويرية من ثقلها الطبيعي. يعلو هذين الشريطين شريط أفقي عريض تزيّنه سلسلة من أوراق الأقنثا المتموّجة.
يشكّل هذا الشريط العريض مساحة تستقرّ من فوقها سلسلة من المجسّمات الحيوانية. تحضر أربعة مجسّمات فقدت العديد من مكوّناتها، غير أن واحداً منها حافظ على رأسه بشكل كامل. يتّضح أن الحيوانات الحاضرة في هذه الكتل المنحوتة تنتمي إلى فصيلة واحدة، وتمثّل وعولاً تجلس أرضاً، رافعة رأسها نحو الأعلى. تتشابه هذه الوعول بشكل كبير، مع اختلاف بسيط في الوضعيّة، وتتميّز كلّها بأسلوبها الكلاسيكي، كما يشهد تجسيم مفاصل البدن المتقن، وبروز الرأس بملامحه الجليّة التي تحاكي النموذج الحي.
يحدّ هذه الواجهة من كل جهة شاب أمرد، يقف في وضعيّة المواجهة، رافعاً ذراعيه المبسوطتين نحو الأعلى، وكأنه يحمل الشريط الممتدّ أفقيّاً في أعلى هذه القنطرة المزخرفة. في الواقع، يشكّل هذان الشابان عمودين لهذا البناء، وفقاً لطراز متوارث شاع في أقاليم متباعدة من العالم القديم. في حركة غير مألوفة، يقف كل شاب على ساق، ويرفع الساق الأخرى نحو الأعلى، ومن هنا جاء تشبيهه بالبهلوان، وبات هذا التشبيه اسماً له. ملامح الوجه واحدة، وهي الملامح التي تتكرّر في نقوش موقع خربة المفجر، وتشكّل نموذجاً واحداً جامعاً، يظهر في القامات الآدمية المتعدّدة، بشقيها الذكوري والأنثوي. الوجه كتلة مستديرة كبيرة، تتميّز بخديها المكتنزين. العينان لوزيتان ضخمتان شاخصتان، يتوسّط كلاً منهما بؤبؤ كبير. يعلو هاتين العينين حاجبان عريضان، مقوّسان ومتصلان. تنساب كتلة الأنف البارز من وسط هذين الحاجبين، ويظهر تجويف المنخار في أسفلها. الثغر صغير، ويتكوّن من شفتين مطبقتين ترسمان ابتسامة خجولة تسكب على الوجه طابعاً لطيفاً.
الصدر عارٍ، غير أن مفاصله مسطّحة ومحوّرة، تبعاً لطراز يعود إلى العالم الساساني. اليدان منبسطتان، ويُزيّن كلاً منهما سوار عريض يلتف حول المقبض. تكشف هاتان اليدان عن أصابعهما، وتبدو مرصوصة ومتجانسة، وفقاً للطراز المعتمد. اللباس بسيط للغاية، ويقتصر على مئزر ذي ثنايا أفقية، يعلوه حزام ينعقد حول الخصر، يتدلّى طرفه في الوسط. يحجب هذا اللباس الحوض، ويكشف عن فخذين ممتلئتين ومكتنزتين. تشكّل هذه الخصوصية عنصراً من عناصر الجمالية التصويرية الأموية؛ إذ تظهر في العديد من القطع النحتية، كما في العديد من الرسوم الجدارية. تأخذ القامتان المجسمتان شكل منحوتتين ثُبتّت كلّ منهما فوق مساحة ذات تكوين مثّلث، تتشكّل أطرافها بين الشريط الأفقي والشريطين المقوّسين. تزيّن هذه المساحة شبكة زخرفية تعتمد على الزينة النباتية بشكل خاص، وتشكّل الكرمة التي تمتد بدواليها في كل اتجاه العنصر الأساسي لهذه الزينة.
في الخلاصة، تجمع هذه الواجهة في شبكات نقوشها بين مختلف الأساليب التي أعاد الفن الأموي قولبتها، وتتميّز بحضور مجسّمين آدميين يقفان عند طرفيها في وضعيّة حيّة غير مألوفة. يحضر العنصر الحيواني في أعلى هذه الواجهة، وقوامه صورة الوعل التي اعتُمدت بشكل واسع في هذا الحقل، كما تؤكّد العديد من الشواهد الأثرية التي خرجت من خربة المفجر، كما من مواقع أموية أخرى معاصرة له.
]]>
ستة أشهر احتفالية باريسية تلقي الأضواء على الحقائق والخرافات حول فاتنة الاسكندرية ملكة مصر

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب
من المؤكد أنه لن يفوت كثر أن يخبرونا في الأزمان المقبلة أن تاريخ معهد العالم العربي الباريسي الذي بات يربو الآن على ثلث قرن، لم يعرف نجاحاً يعادل النجاح الذي حققته العروض التي امتدت في قاعاته طوال الشهور الستة الأخيرة من العام الفائت 2025، حيث كرست تلك القاعات لعرض الكثير من الأمور والحكايات والتحف التي تستعيد ذكرى واحدة من تينك المرأتين العظيمتين اللتين شكلت كل منهما على طريقتها، وفي مجالها الخاص، جزءاً أساسياً من تاريخ مدينة الاسكندرية؛ إحداهما بوصفها عالمة ومفكرة، بل واحدة من الفيلسوفات النادرات في تاريخ الفلسفة العالمية، هيباتيا؛ والثانية بوصفها واحدة من أكثر الملكات شهرة في تاريخ البشرية.
وطبعاً، في انتظار عودة ما ربما تكون قريبة للاهتمام بفيلسوفة مكتبة الاسكندرية، شهيدة الفكر والتحرر الفكري الخلاّق، كان على عروض معهد العالم العربي طوال الأشهر الستة التي نشير إليها، أن تهتم بالسيدة الكبيرة الأخرى، كليوباترا، التي كانت شهيدة بدورها، إنما هذه المرة شهيدة الحب وصراعات السلطة وتصادم الحضارات في زمن متأخر عن زمن هيباتيا، لكنه عرف كيف يمهد للأزمنة التي نعيشها، ويرفد المبدعين، في أنحاء العالم كافة بمواضيع وحكايات نعرف أنها في معظمها بنيت على أساطير، فكانت العروض الباريسية مناسبة للعودة إلى العديد من الحقائق وإلى صدقية التاريخ الذي نعرف أن الفن قد حرفه إنما بصورة أبدعت للبشرية روايات وأوبرات وأغنيات ولوحات، ثم في القرن العشرين أفلاماً يرقى بعضها إلى مصاف التحف، وإلى السينما النسوية البديعة. وهي أمور نستعرضها في هذه المقالات التي ننشر هنا أولها، والتي نقدم فيها ما يشبه الجردة لما أضافته العروض الأخيرة لحكاية كليوباترا وحكايتنا مع كليوباترا.
ونبدأ هنا بالطبع من تساؤل أساسي، طرح في ثنايا المعرض حول: أين الحقيقة؟ وأين الخيال؟ في أسطورة تلك الملكة التي غناها محمد عبد الوهاب بين آخرين، كما لم تغن امرأة أخرى في زمنه وزمنهم.

ملصق المعرض الباريسي (موقع معهد العالم العربي)
“خزعبلات” بلوتارخ
على رغم الغنى والتنوع الكبير اللذين هيمنا على المعرض الباريسي كان واضحاً أن سؤال الحقيقة والخيال، كان السؤال الأساسي المطروح في المناسبة، وهو طرح جعل المؤرخ اللاتيني بلوتارخ، والصفحات التي كرسها لكليوباترا في مؤلفه العمدة “السير”، على المحك؛ إذ من المعروف أن بلوتارخ، وعلى رغم مئات بل ألوف النصوص والنتاجات الأخرى، إبداعية كانت أم تاريخية، التي تناولت حكاية كليوباترا، كان هو، المعتمد الأساسي في تناقل حكاية تلك الملكة المصرية. وبالتالي كان السؤال الأساسي المطروح: كم كانت حصة الواقع التاريخي وحصة المخيلة الابتكارية، في ما كتبه بلوتارخ عن كليوباترا، فاستعاده المؤرخون والمبدعون من بعده، ولا يزالون يفعلون حتى الآن، إنما بشكل يجعل لكل واحد منهم بل لكل واحد من متلقيهم حتى، كليوباتراه الخاصة به؟
والحال أن الذي لا بد أن نسارع إلى قوله هنا هو أن حصة المخيلة كانت أضعاف حصة الواقع التاريخي، ومنذ ما دونها بلوتارخ بالتحديد. وهو أمر يصل بنا إلى حدود القول إن كليوباترا التي نعرفها اليوم، إنما كانت أولاً وأخيراً من اختراع ذلك المؤرخ اللاتيني الذي، مع ذلك، ليس ثمة في كتابه قسم خاص بها، بل صفحات و”خبريات” موزعة على الفصول المكرسة للكبار الذين عايشوها أو أغرموا بها أو حاربوها، وعلى رأسهم بالطبع أنطونيو وقيصر ومن حكم وقاتل ومارس شتى أنواع الموبقات والمآثر في زمنهما، وصولاً إلى تلك اللحظة التي شهدت موت كليوباترا بالسم الذي حضرته بنفسها، في لعبة خيمياء مصرية عبرت التاريخ ناشرة لعنة الحكم ولعنات الغرام ولعنة أن تكون الملكة امرأة، وأكثر من ذلك امرأة ذات طموح في ذلك الزمن، وربما في الأزمان كافة.
معلومات أساسية
من هنا إذاً، يمكننا أن نؤكد اليوم أن الأساسي الذي نعرفه عن كليوباترا، كما عرفه التاريخ من قبلنا، إنما أتى من كتاب بلوتارخ وعنوانه الأصلي “سير متوازية”. وفيه كما نوهنا، اختلطت الحقائق القليلة بالخرافات المتراكمة، وذلك بالتحديد لأن المؤرخين الحقيقيين لا تتوافر لهم أية معلومات موثقة حول الموضوع. فالمدونات حول كليوباترا قليلة جداً، بل إن من بينها ما قد ينفي وجودها أصلاً. أما الفقرات المتداولة عنها فمتجزئة وتفتقر إلى أي يقين. ما يعني، كما جاء في ثنايا مطبوعات المعرض الباريسي، أنها وفي معظم تفاصيلها إنما كتبت في أزمنة لاحقة متأخرة عن زمن الملكة نفسها، وبعد عقود بل قرون ربما، من موتها، وهو ما لا يضمن لا عمق معرفتها بالحقائق التاريخية ولا عمق موضوعيتها. وهو ما ينطبق بالطبع حتى على ما نجده في “سير” بلوتارخ.
ومن هنا، حتى إذا كان في إمكان المؤرخين، بل حتى المبدعين، أن يرجعوا إلى مؤلفات سويتون في كتابه “حياة 12 قيصراً” أو إبيان في كتابه “الحرب الأهلية” فإن الأمر سيبدو شيقاً لكنه غير مؤكد في أية صفحة من الصفحات.
والقول هذا ينطبق على ما يحكيه كاشيوس في تاريخه الروماني الذي كتب بعد قرنين من موت الملكة وغلبت عليه الفصاحة من دون أن تكون للواقع التاريخي حصة مقنعة فيه.
وفي المقابل، حتى ولو وجدنا لدى معاصرين لكليوباترا، ذكراً له سنجدهم كما حال شيرون، يصارحوننا بأنهم أصلاً كانوا يمقتونها، أو يسخرون من تاريخها كما يفعل فلافيوس جوزيف!
والحال أن كل هذا يذكرنا به كتاب الدراسات والصفحات التي صدرت لمناسبة المعرض الباريسي، ولكن ليعيدونا إلى بلوتارخ بوصفه الوحيد، ليس الذي يجب اعتماده، بل الذي لن نجد من نعتمده سواه.
اقرأ المزيد
الأسئلة الحائرة
ولعل ما يمكن التوقف عنده إذ نجاري تلك الاستعادة هنا، حتى وإن كنا لا ننوي اعتمادها، هو تلك الأسئلة السبعة التي انطرحت في نهاية الأمر، من خلال زحام المعرض وفي صخب القاعات والزوار والسجالات. الأسئلة التي يمكنها، حتى من دون أن نعثر على إجابات شافية لها، أن تشكل في تراكمها خلال هذه المناسبة الفريدة من نوعها، نوعاً من إعادة نظر يبدو البحث عن إجابات لها لعبة مستحبة ويمكن لمن يشاء، هنا، أن ينقب عن تفاصيلها لدى بلوتارخ إنما من دون أن يصدقها كوقائع تاريخية، بل كخلفية للكيفية التي تكونت بها تلك “الأسطورة”، التي بات من عادتنا منذ الأزمنة العميقة أن نتعامل معها بالنسبة إلى الحكاية المتعلقة بملكة أدهشتنا دائماً، نحن الذين نعرف أننا حين ندهش أمام شيء ما، سيكون من غير المفيد البحث عن حقيقته.
ولعل أول هذه الأسئلة ذلك المتعلق بما إذا كان ثمة حقاً أخوات لكليوباترا عرفهن التاريخ؟ أما الثاني فيتعلق بالنهاية التي اختارتها لنفسها: هل كان صحيحاً أن الاهتمام بالسموم وتركيبها كان جزءاً من هواياتها ومن تركيبها الذهني؟ ثم، وفي مجال فلسفة الحكم هل تمثلت كليوباترا حقاً يا ترى بسير كبيرات الملكات الفرعونيات في مصر من سابقاتها، من مثيلات نفرتيتي وحتشبسوت؟ وهل تراها في معركة اكتيوما الحاسمة، قد غدرت بأنطوني حقاً؟ ثم ماذا عن أبنائها وما الذي غدا عليه مصيرهم؟ وبالنسبة إليها هي نفسها، هل تراها انتحرت في نهاية الأمر حقاً أم أن حكاية الانتحار جزء من الأسطورة لا أكثر؟ وأخيراً: أين تراها دفنت؟ ولماذا لم يعرف التاريخ قبراً لها؟ وهي الأسئلة التي سنعود إليها غداً، إنما انطلاقاً من الحدث الباريسي بالطبع.
المزيد عن: معهد العالم العربي في باريس الملكة كليوباترا المؤرخ اللاتيني بلوتارخ الاسكندرية اقرأها واسمعها
]]>
الثورة القاتلة والآكلة أبناءها بين الكومونة الفرنسية والبلشفية والخمينية

اندبندنت عربية / أنطوان أبو زيد
يعود الكاتب حازم صاغية في كتابه الجديد “في مديح الثورات وهجائها” إلى ثلاثة جذور، بل مفاصل أساسية في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، أرخت بظلالها القاتمة والوردية، على مجمل التحولات السياسية في العالم الغربي، والعالم الشرقي، ومنها بلداننا العربية؛ وهي الثورات الكبرى الثلاث: الثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، والثورة الإيرانية. على أن الكاتب، ومن خلال عنوان الكتاب، يلزم نفسه البحث في جوانب هذه الثورات الإيجابية (مديح)، والسلبية (هجاء)، منتهياً بخلاصات تخص القراء العرب المفترضين.
على أن الأبحاث الثلاثة التي يجري عرضها، ها هنا، تختص بميزة عن الدراسات التاريخية التقليدية، وهي اعتماد الكاتب فيها المقاربة المتعددة الأبعاد؛ البعد التاريخي، والفكري، والاجتماعي، والاقتصادي-السياسي. إذ يدأب فيها الكاتب على ملامسة القيَم المتغيرة، في البيئة المعنية بالثورة، وما لازمتها من تحولات على أصعدة عديدة، تطاول انعكاساتها الجماعات والأفراد.
الثورة اثنتان

كتاب الثورات الثلاث (دار رياض الريس)
وفي ما يشبه الإشكالية المطروحة في كل عمل بحثي، افترض الكاتب صاغية أن كلاً من الثورات الثلاث مرت بمرحلتين اثنتين، بل بثورتين؛ الأولى تكون “مركزية” ويحكمها الواقع، وتبدو “احتجاجاً على سياسات اقتصادية أو تعليمية” أو سياسات عادية (ص:25). أما المرحلة الثانية فيتغلب فيها “الفكراني” وتناط القيادة بأشخاص عاشقين للسلطة” (ص:25)، يكلفون بقمع كل من يخالفهم الرأي، أو يهدد سلطانهم، وبغض النظر عن أعداد هؤلاء، أو عن تسمية الصيغ السياسية أو الحقوقية التي يتم فيها قمع الخصوم المفترضين، مثل الثورة الثقافية التي أطلقها ماو تسي تونغ، وجر فيها ملايين الصينيين من الطبقة البورجوازية إلى العمل العقابي، وحملات المنفى إلى سيبيريا والأعمال الشاقة التي قام بها ستالين والدفع بالملايين من أبناء الطبقة البورجوازية والمثقفين إلى الموت، والمعاناة، مرضاً وجوعاً، واغتيالاً.
الثورة الفرنسية
يقول الكاتب صاغية، في استعراضه الموجز للحدث المفصلي، في التاريخ السياسي الحديث، وعنيتُ به الثورة الفرنسية، ومحفزاته الفكرية، أنه كان ثمة اتجاهان فكريان مختلفان في تكوين الثورة الفرنسية، بل متصارعين أحياناً؛ بينجان-جاك روسو مبتدع فكرة الرأي العام، أو الإرادة الشعبية مصدراً للسلطات، وبين فكرة لوك وفولتير الداعية إلى حرية الفرد واعتبار السلطة الديمقراطية مصدراً للسلطات، بعيداً من الغوغائية، وقد أضيف إلى هذا الحافز الفكري عوامل اقتصادية ضاغطة أهمها الانهيار الاقتصادي أواخر القرن الـ18.
ومن يتتبع مسار الأحداث في الثورة الفرنسية، على ما قام به الباحث صاغية، يجد أن الأفعال العنفية لم تكن تلازم الاندفاعة الثورية الأولى، بعد استلام السلطة، واحتجاز الملك لويس الـ16 وعائلته وحاشيته. ولئن شهدت الاندفاعة الأولى حركة وعي متعاظمة لدى النبلاء والأرستقراطية الفرنسية بوجوب التنازل عن بعض امتيازاتهم المادية والمعنوية، فإن الاندفاعة الثورية الثانية، برئاسة روبسبيير المشبع بفكر روسو الشعبوي الاستبدادي، عجلت بالقضاء على الملك وأبنائه. ولم يسلم من شر هذه الإعدامات كل من اشتُبه بكونه مؤيداً للملكية، حتى تجاوزت أعداد القتلى إعداماً 17 ألفاً، عدا المحكومين والسجناء الذين تجاوزوا 10 آلاف.

إطلالة لينين في لوحة (متحف موسكو التاريخي)
ولما كانت الثورة الفرنسية، شأن كل سلطة انقلابية عنيفة، لا تستند إلى قواعد أخلاقية أو قانونية ثابتة، فقد انتهى روبسييير على المقصلة، وهذه المرة على يد الجيرونديين، زملائه في الثورة!
وإن صح أن الثورة الفرنسية حققت بعض المطالب المهمة للطبقات الشعبية المهمشة، وأقامت الحد بين السلطة والدين (الكاثوليكي) وألغت امتيازات السلطة الكنسية، فإنها أسهمت في إضفاء الطابع العسكري على السلطة، بوجود 700 ألف مجند في صفوف جيش الجمهورية، أمكن لها (الثورة الفرنسية) من الانتصار على الغزاة الخارجيين، أعني بهم القوات النمسوية والبروسية. وبهذا انتقلت الثورة الفرنسية من حقبة شبه ليبرالية (1789-1791)، إلى حقبة استبدادية (1791-1794). وظل الوضع المتقلب، بعد روبسيير، سيد الموقف، والحروب الخارجية جارية مع البلدان المجاورة، والفساد مسيطراً، إلى أن قام نابليون بانقلابه العتيد، وتولى السلطة وأرسى دعائم ديكتاتوريته وحروبه.
الثورة الروسية
يستهل الكاتب صاغية كلامه على الثورة الروسية باعتبار أن الشعب الروسي، لدى تكونه الحديث أمة متراصة أواخر القرن الـ18، وإمبراطورية مترامية الأطراف، على حدود أوروبا الشرقية، كان دائم السعي إلى تحديث أنظمته السياسية على غرار النموذج الغربي الذي كان ماثلاً أمامه. فكانت أوائل الإصلاحات مع بطرس الأكبر أواخر القرن الـ17، وأوائل الـ18، استأنفتها كاترين العظمى في أواسط القرن الـ18، بعد أن استقدمت إليها المفكر التنويري والموسوعي دنيس ديدرو، وعينته مسؤولاً عن مكتبتها.
وكان الإلحاحُ على الإصلاحات في روسيا باديا، على امتداد الحقبات السياسية في روسيا، وصولاً إلى ألكسندر الثاني، وتوليه الحكم منذ عام 1855؛ وقد عمل هذا الأخير على تحديث المحاكم والشرطة والنظام التعليمي، وأصدر قراره الكبير في إلغاء القنانة وتحرير الأقنان (الفلاحين العاملين لدى الإقطاع والخاضعين لسلطانه). وعلى هذا فقد جعل المثقفون الروس في رأس أولوياتهم الإصلاحات، وإنهاء الدولة الأوتوقراطية القيصرية، وإحلال الجمهورية بديلاً لها. ومن أجل ذلك، تقدم عديد من الأحزاب والتجمعات الحزبية بأفكار، مثل جعل الفلاحين قادة للبلاد، أو إحلال إرادة الشعب بديلاً من إرادة الحكام. وكانت أسرة لينين نفسها عانت من إعدام شقيقه الأكبر ألكسندر، القيادي في حزب “إرادة الشعب” تبعاً لمسؤوليته في محاولة اغتيال القيصر ألكسندر الثالث عام 1887.

مشهد من الثورة الخمينية (أ ف ب)
ومن ثم انتقلت الحركات السياسية من الإطار النقابي البحت، أو من الفكر التنويري لأواخر القرن الـ19، إلى الإطار الماركسي، بعد ترجمة أعمال كارل ماركس إلى الروسية وتلقف أعماله من قبل القيمين على الحراك السياسي، وقادة النضالات المطلبية في المصانع والنقابات الفلاحية والأحزاب السرية. عندئذ أخذ دور الأيديولوجيا يتعاظم مع نشوء حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي عام 1903.
“إنجازات” الشيوعية وفظائعها
لم تكتف السلطات في الحكومة البلشفية بفصل الدين عن الدولة، وإنما عمدت إلى محاربة رجال الدين، والمؤمنين، فأعدمت الآلاف منهم، وأممت أملاك الكنيسة الأرثوذكسية، وأنشأت “الإدارة العليا للتنوير السياسي” مهمتها مكافحة الدين والأفكار الرجعية. ومن ثم تركز اهتمام قادة الحزب الشيوعي على تحقيق مركزية القرار؛ فعمدت الأخيرة إلى حملات تطهير وإعدامات طاولت كثيرين ممن تميزوا عن الحزب بيساريتهم، من تروتسكي نزولاً إلى أقدم محارب في الجيش السوفياتي.
هذا ولم نتحدث عن كلفة الحرب العالمية الأولى، 7 ملايين روسي، يضاف إليهم ما يقارب الـ700 ألف في الحرب الأهلية، وقد تخللتهما المجاعة بملايينها الثلاثة. هذا وقد حلت بديلاً عن الإيمان بالكنيسة، عبادة الزعماء، لينين وبعده ستالين، واعتبارهما بمكانة المكرمين، في ما يعاكس الإلحاد الذي ناضلت الشيوعية من أجل تحقيقه. وليس هذا فحسب، وإنما يُحسب للشيوعية أيضاً “إنجازها” تطهير جسم المثقفين من “الانتهازيين والبطالين” أمثال كبار الشعراء المعارضين للقمع الدموي؛ فمات الشاعر ماندلستام في المعتقل، وكذا عشرات، بل مئات من الكتاب والفنانين، والعلماء، بأدنى حجج المعارضة.
الثورة الإيرانية
ولدى بلوغه إلى الثورة الثالثة والأخيرة في كتابه، يبسط الكاتب صاغية موجزه التاريخي المكثف لما قبل الثورة الإيرانية، في عام 1979، ولما بعدها، مشيراً إلى الدوافع التي أملت مواقف كل من المساهمين في هذه الثورة، والمعارضين لها من نظام الشاه. ففي الفصل الثالث بعنوان “ثورة إيران…أو ثورة الاحتقان التاريخي”، يعمد الكاتب صاغية إلى تبيان كيف أن عوامل عديدة، منها العامل الديني لدى الشعب الإيراني، ذي الغالبية العظمى من سكانه 95 في المئة شيعة الإثنا عشرية منذ القرن الـ15، تقابلها الأقلية على المذهبين السني والصوفي، ومن بقي من الطوائف يتوزعون بين البهائية، والزردشتية، والمسيحية، واليهود، أدت إلى القضاء على نظام الشاه ذي الامتداد الفارسي لـ2500 عام خلت.
وإن شئنا تلخيص هذه الإحاطة، يقول الكاتب عنها إنها أكثر الثورات الحاصلة في الربع الأخير من القرن الـ20 “معاداة للتنوير”. لماذا؟ لأن الحاكم، في حينه، أي الشاه محمد رضا بهلوي ، الذي، وإن راكم العديد من الإصلاحات الدستورية، وضاعف المؤسسات التعليمية، وأدخل البلاد في عصر الصناعات الحديثة واستغلال الموارد النفطية، فإنه راكم عداوات وأخطاء قاتلة حيال الأغلبية (الشيعية) والأحزاب القومية، في الخمسينيات والستينيات، واستعدى غلاة رجال الدين بإبعادهم عن البلاد، اعتقالاً ونفياً.
وكان من بين هؤلاء الخميني الذي أفلح، من منفاه الفرنسي، في تحريك الشارع الإيراني المعارض، سواء من الأحزاب الدينية أو الأحزاب اليسارية، وصولاً إلى إسقاط الشاه ونفيه إلى مصر، لحظة دخول الخميني طهران، واحتشاد 9 ملايين مشارك في عاشوراء الحسين بن علي، “أكثر مما حشدته الثورتان الفرنسية والروسية في مناسباتهما الجماهيرية” (ص:239).
اقرأ المزيد
ولكن الأهم في تلك الثورة لم يحدث لدى تسلم الخميني السلطة، وإنهاء الحكم الفارسي الذي دام 2500 عام، وإنما بعد ذلك بسنوات قليلة. إذ اتضح، مع مرور الزمن، أن نظام الخميني كان أساسه دينياً، وأن موقع “الولي الفقيه” أو المرشد الأعلى كان هو صاحب القرار الأهم في الدولة الإسلامية الإيرانية، وليس رئيس الجمهورية، ولا المجلس التشريعي (البرلمان)، ولا مجلس صيانة الدستور، ولا مجلس الخبراء وهم جلهم من رجال الدين، ممن أنيط بهم الحفاظ على أولوية الدين في شؤون الحكم والقوانين والأنظمة المرعية الإجراء.
وكان من الطبيعي أن يتصدى الخميني لكل محاولات السياسيين الإقلال من البُعد الديني في الحياة السياسية الإيرانية؛ فأبعد رؤساء حكومات (شهبور بختيار، والمهدي بازركان) وطُرد حزب توده، وأغلبية فدائيي خلق وغيرهم. وزُج في السجون الآلاف الباقون المعارضون، في مقابل إنشاء الخميني الحرس الثوري الإيراني، رافداً للجيش، بل حافظاً للثورة الإسلامية وأكثر أمانة لها من سائر الأنظمة الأمنية.
اختلاط الدروس
في الصفحتين الأخيرتين من الكتاب، ينبه الكاتب القراء من الثقة المفرطة بالانتفاضات والانقلابات العسكرية في عالمنا العربي، وتسميتها ثورات، يقيناً منها أنها سوف تحسن حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وستحقق التقدم والعدالة والمساواة التي لطالما طمحت إلى تحققها. ومن أجلى الدروس التي يطرحها الكتاب أنه يحسن بالشعوب أن تعتمد خير السبل الديمقراطية لتحقيق طموحاتها في التغيير والتقدم والتحديث، وأن أثمان تلك السبل هي أقل بما لا يقاس من أثمان الثورات في بلداننا، التي غالباً ما تتحول إلى فتن قاتلة وماحقة. والأمثلة لا تحتاج إلى بينات.
المزيد عن: الثورات العالمية كتاب الكومونة الفرنسية الثورة البولشيفية الثورة الخمينية القتل الإلغاء التاريخ الفظائع
]]>
لم يترك قصائد فقط بل مشروعاً شعرياً
الشرق الاوسط / د. جاسم حسين الخالدي
بعد 100 عام على ميلاد عبد الوهاب البياتي (1926 – 1999)، ما زال اسمه حاضراً في المشهد الشعري العربي بوصفه أحد أبرز الأصوات، التي أسهمت في تشكيل الحداثة الشعرية. ولم تكن أهمية البياتي في أنه واحد من رواد قصيدة التفعيلة فحسب، بل في أنه شاعر صاحب مشروع، سعى إلى أن يجعل القصيدة فضاءً واسعاً للأسئلة الكبرى: الحرية، والمنفى، والإنسان، والتاريخ، والحلم.
كانت معرفتي بالبياتي مبكرة؛ ففي مدرسة طينية بإحدى قرى العراق وقع بين يديَّ أحد دواوينه، وكان ذلك اللقاء الأول مع عالم الشعر الحديث. لم أكن أملك يومها أدوات القراءة النقدية، لكنني أدركت أنني أمام لغة مختلفة، وأن القصيدة يمكن أن تكون أكثر من تعبير عن العاطفة أو وصف للحياة اليومية؛ بل يمكن أن تكون رؤيةً للعالم.
ومع اتساع القراءة في سنوات الدراسة، ازداد حضور البياتي إلى جانب شعراء الحداثة العراقية الكبار: السياب، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري. ثم تحولت القراءة من علاقة إعجاب أولى إلى محاولة لفهم تجربة شعرية ظلت تتغير عبر العقود، وتبحث عن أشكال جديدة للتعبير.
لقد كان البياتي أحد الشعراء الذين نقلوا القصيدة العربية من حدود التجربة الفردية الضيقة إلى فضاء أرحب، تتداخل فيه الذات بالتاريخ، والحلم بالواقع، والأسطورة بالحاضر. ولم يكن استدعاؤه للشخصيات التاريخية والصوفية مجرد زخرف ثقافي، بل كان وسيلة فنية للتعبير عن قلق الإنسان وأسئلته الوجودية.
ومن أهم سمات تجربته توظيف القناع الشعري؛ إذ لم يكن الشاعر يكتفي بالبوح المباشر، بل يستحضر أصواتاً أخرى من التاريخ والتراث ليعبّر من خلالها عن صراعاته الداخلية ورؤيته للعالم. وهنا يتحول القناع من وسيلة للاختفاء إلى وسيلة أعمق لاكتشاف الذات، وقد التفت الناقد فاضل ثامر إلى ذلك منذ عقود طويلة، وعدَّه رائد قصيدة القناع، مقدماً إياه على كثير من شعراء جيله.
ولم تكن هذه الرؤية الشعرية ثمرة الموهبة وحدها، بل استندت إلى ثقافة واسعة تشكلت من قراءات متعمقة في التراث العربي والإنساني. فقد وجد في المتنبي مثال الشاعر الطامح إلى تجاوز عصره، وفي أبي العلاء المعري عمق السؤال الفلسفي، وفي الحلاج أفق التجربة الصوفية التي ستغدو أحد أهم منابع رموزه الشعرية، كما انفتح على الشعر العالمي الحديث، ولا سيما لوركا، وماياكوفسكي، ونيرودا. ولم تكن هذه القراءات مجرد مؤثرات خارجية، بل انصهرت في تجربته لتنتج لغة شعرية ذات هوية خاصة، تجمع بين التراث والحداثة، وبين الهم العراقي والأسئلة الإنسانية الكبرى، وهو ما انعكس بوضوح على الموضوعات التي شغلت شعره ومسارات تطوره الفني.
كما ظل المنفى محوراً أساسياً في شعر البياتي. فلم يكن الرحيل عنده انتقالاً من مكان إلى آخر، بل أصبح حالة وجودية. فالمدن التي عاش فيها لم تكن مجرد جغرافيا، وإنما فضاءات للبحث عن وطن أوسع، وعن حرية تتجاوز حدود السياسة والمكان. ولم تقتصر تجربة البياتي على التجديد الفني، بل اتسعت موضوعاتها لتلامس قضايا الإنسان الكبرى. فقد انشغل بالحرية والعدالة والمنفى والاغتراب، وجعل من الشعر وسيلة لمساءلة الواقع واستشراف المستقبل. وتتجلى هذه الرؤية في دواوين مثل «أباريق مهشمة»، حيث يعلو صوت الاحتجاج على القهر والانكسار، و«المجد للأطفال والزيتون» التي تنحاز إلى الإنسان البسيط وقيم المقاومة والسلام، ثم تبلغ ذروة نضجها في «بستان عائشة»، حيث تتراجع المباشرة الآيديولوجية لتحل محلها لغة أكثر صفاءً ورمزية، يتوازن فيها الفكر مع الشعر، والرؤية مع الجمال.

ولا يمكن الحديث عن الحداثة الشعرية العراقية من دون الوقوف عند العلاقة بين البياتي والسياب. فكل منهما كان ركناً من أركان التحول الشعري، غير أن لكل منهما خصوصيته. فإذا منح السياب القصيدة الحديثة بعدها الغنائي والدرامي، فإن البياتي منحها بعدها الرؤيوي والفكري، وربطها بتجارب الإنسان الكبرى وأسئلته الممتدة. ولم يقتصر حضور البياتي على النص الشعري، بل امتد إلى فضاء النقد، حيث ظل مشروعه موضع مراجعة وحوار، الأمر الذي جعل اسمه حاضراً كلما أُثير الحديث عن ريادة الشعر الحديث ومآلاته.
ولعل من اللافت في تجربة البياتي الشعرية أنها كلما خفت حضورها في التداول الثقافي، عاد اسمه ليتصدر النقاش النقدي؛ فإما أن يبرز صوت يؤكد مكانته بوصفه أحد أبرز مؤسسي الحداثة الشعرية العربية، أو يذهب إلى التقليل من شأن تجربته، فتتجدد السجالات حول منجزه، ويعود محبوه ونقاده إلى إعادة قراءة شعره والدفاع عن مواقفه أو مساءلتها. ولعل هذه القدرة على استثارة الحوار، حتى بعد عقود من رحيله، هي في ذاتها دليل على أن البياتي ما زال شاعراً حياً في الذاكرة النقدية، وأن تجربته لم تتحول إلى أثر تاريخي جامد.
وقد أثارت الندوة التي أقامتها مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون بمناسبة مئوية البياتي نقاشاً مهماً حول تجربته. وبينما انصرف بعض الحديث إلى شخصيته الإنسانية وعلاقاته بالأدباء، تناولت بعض المداخلات منجزه الشعري وموقعه في حركة الشعر العربي الحديث.
وكان السؤال الأكثر إثارة للجدل هو: ماذا بقي من البياتي بعد أكثر من ربع قرن على رحيله؟ وهو سؤال مشروع نقدياً، لكنه يحتاج إلى النظر في طبيعة حضور الشاعر لا في حجم تداوله فقط. فالشعراء الكبار لا تُقاس قيمتهم بانتشار قصائدهم في لحظة معينة، بل بما أحدثوه من تغيير في مسار الشعر.
ومن هذه الزاوية يصعب تجاوز تجربة البياتي؛ فقد كان حاضراً في الدراسات النقدية العربية، واشتغل على شعره عدد من النقاد، كما بقيت تجربته موضوعاً للبحث والقراءة. وقد يكون تراجع الاهتمام الأكاديمي به في السنوات الأخيرة مرتبطاً بتحولات الذائقة والبحث، لا بانتهاء أثره الشعري. غير أن الإقرار بهذه المكانة لا يعني النظر إلى تجربته بوصفها تجربة مكتملة لا يطولها النقد، فالمشروعات الشعرية الكبرى تظل مفتوحة على المراجعة، وتستمد حيويتها من تعدد القراءات واختلافها.
ومع ذلك، فإن القراءة المنصفة لا تعني إنكار جوانب الضعف في تجربته. فقد تأثرت بعض مراحله بالخطاب الآيديولوجي المباشر، وأثقل الموقف السياسي أحياناً البناء الشعري. لكن ذلك لا يحجب اللحظات الفنية الكبرى في شعره، ولا يقلل من قيمة دواوينه التي أسهمت في تأسيس الحساسية الشعرية الحديثة. ويبقى ديوان «بستان عائشة» من أبرز محطات تجربته؛ إذ استطاع فيه أن يحقق قدراً كبيراً من التوازن بين الفكر والشعر، والرؤية والجمال، فابتعد النص عن المباشرة واقترب من جوهر الشعر، حيث تصبح الفكرة صورة، والموقف إحساساً، والتجربة الإنسانية لغة نابضة. إن البياتي لا يحتاج اليوم إلى دفاع متحمس، فالشعراء الحقيقيون تحميهم أعمالهم لا المقالات التي تُكتب عنهم. وما زال شعره قادراً على إثارة الحوار، وهذه القدرة على استدعاء القراءة بعد عقود من الرحيل هي إحدى علامات الشاعر الكبير.
لقد تغيرت الأزمنة، وتبدلت الأذواق، لكن عبد الوهاب البياتي بقي جزءاً من الذاكرة الشعرية العربية؛ لأنه لم يترك قصائد فقط، بل ترك مشروعاً شعرياً أسهم في إعادة تشكيل صورة القصيدة الحديثة، وسيظل حاضراً كلما عاد القراء إلى الأسئلة التي حملها شعره.
]]>
مائة عام على ميلاد صاحب «أنشودة المطر»
الشرق الاوسط / د. محسن جاسم الموسوي
رافقني في رحلتي الطويلة منذ منتصف الستينات قرطاس بالٍ، ربطت صفحاته وغلافه الورقي الأخضر المتهرئ بخيط. وعثرت عليه، وأنا أدون ملاحظاتي عن الظاهرة الشعرية في أجزاء، يظهر أولها عن «دار الشروق» هذا العام. واستغربت أن يكون رفيقي في رحلتي بين البلدان هذا القرطاس المتآكل. كانت مجموعة ملاحظات دوّنتها في منتصف الستينات على هامش ديوانه «أنشودة المطر» الذي ظهر في عام 1960، وكانت القصيدة التي منحت عنوانها للديوان قد ظهرت في مجلة الآداب «يونيو 1954». كنت حينذاك وأنا عاكف على تلك الملاحظات محرراً للصفحات الأدبية الفقيرة نسبياً في جريدة «أبناء النور» الأسبوعية بعهدة رئيس تحريرها سمير علي الدليمي، الذي زاملني في كلية التربية «دار المعلمين العالية من قبل». كانت الجريدة التي تصدر عن جمعية المكفوفين قد أقامت الذكرى السنوية الأولى لرحيل السياب «ديسمبر 1965» في قاعة الشعب. وعدا ما قدّمه محمود العبطة المحامي، وعبد الجبار البصري، ليس هناك ما يعطي السياب حقّه. كان كتاب الدكتور إحسان عباس عنه قد ظهر عام 1969.
وكان الكتاب بمثابة الدراسة المثلى والإحاطة الجلّى لتعالق شعر السياب وحياته.

بدر شاكر السياب
ولم أشعر بالاكتفاء، وبقي حضور السياب مؤرقاً، شاهده ذلك القرطاس الذي أتهيب من تقليب صفحاته، حتى التساؤل في معنى حضوره. وبرغم ظهور كتابي سنة 2006 بعنوان «الشعر العربي: جادات القدامة والحداثة» عن دار روتلج البريطانية – الأميركية، الذي ترجمته دار توبقال بعنوان «مسارات القصيدة الحديثة»، لم أشعر أنه استوفى حقه. كانت قصيدة محمود درويش «أتذكر السياب…» هي الأكثر إيحاءً بما كان يؤرقني ويراوغني على مرّ العقود.
كان درويش قد وضعها في ديوانه «لا تعتذر عما فعلت». والقصيدة على قصرها تمسك بالهوية التي كابد السياب ليمسك بها في غربته: «ليس سوى العراق». ومفتاح القصيدة هذا يقود إلى نسيج القصيدة السيابية التي لا ترتوي وتنضج من دون «الفضاء السومري»، حيث جيكور وبويب، وشناشيل ابنة الجلبي، وكل ما يمتزج عند السياب موسيقى ولوناً وصورة وجذلاً يختلط فيه حزن البحارة، وبكاء الأطفال، وشباك وفيقة. وهذا النسيج ما كان له أن يبقى نابضاً وحيّاً لولا غربته ومنفاه. يقول درويش مخاطباً شاعره:
أتذكر السياب، في هذا الفضاء السومريّ
تغلبت أنثى على عقم السديم
وأورثتنا الأرض والمنفى معاً
وتأتي القصيدة بما يربك الحاضرة الشعرية العربية، فهي «لازمة» درويش التي يعلنها مرة ليخفيها مرات، لأنه يرى أن هذا العذاب، واللون واختلاط الحواس، وتداخل الصور وحركتها وغزارة إيحاءاتها الشعورية تتوالد في أحسن القصائد السيابية كعراقية منبتها لا يكون إلا في أرض سومر:
أتذكر السياب. إن الشعر يولد في العراق
فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي!
وعمق قصائد السياب الأثيرة يغيب عندما يكون النقد رهاناً آيديولوجياً، لأن هذه القصائد، كما يختزلها درويش، تقول: «إن الشعر تجربة ومنفى». لا تجد فيه قرارك ومستقرك، ومنفاك. وكل قصيدة تولد في صاحبها منفى يتجدد باستمرار، لأن «جيشان» العواطف التي تخيل الرومانسيون يسر ظهورها شعراً سيرورة دائمة.

تمثال السياب في البصرة
وغاب ذلك عن نقاد ودارسين أرادوا الإحاطة بالسياب. ومنهم من بحث في حضور تي إس إليوت في شعره. وأهمل آخرون شغفه بلوركا وخلطه الشعري للأحاسيس. لكن هذه لا تعني كثيراً من دون «شعرية السياب»، أي تلك الموهبة والحساسية الشديدة إزاء جيكور وبساتين أبي الخصيب. كانت مهادات القصيدة السيابية هناك، ولأنها كذلك مهّدت لما سيدركه الرسامون والنحاتون العراقيون كجواد سليم من لزوم الانشداد إلى تلك التربة الحاضنة.
ومن المتداول حضور إليوت شعراً ونقداً في المشهد الخمسيني، وتوالي الترجمات لقصائده، ولا سيما «الأرض الخراب» و«الرباعيات». ولم تغب مقالاته، ولا سيما «التراث والموهبة الفردية» عن السياب ومجايليه. لكن هذه تعمل محفزات لتأكيد أمر وإغفال آخر. وهي تكثر صوراً عند البياتي مثلاً، حتى إني وجدته الأكثر أخذاً من تي إس إليوت في دواوينه اللاحقة.
كانت الأستاذة «تري دي يانغ – DeYoung» قد قدمت ترجمة ودراسة لقصيدة السياب: أنشودة المطر. وتلتها دراستها له في كتاب بعنوان «توطين الشاعر: بدر شاكر السياب وعراق ما بعد الاستعمار» (1998). وأهم ما في دراسة دي يانغ في حينه هو لفت الانتباه إلى تركيب القصيدة الذائعة، حيث تشغل أغنية البحارة المهجّرون اضطراراً مرآة تتعاكس وتتداخل مع الصور الأخرى، وبضمنها استدعاءات الطفولة لصورة الأم التي غيّبها الموت وأغرق ثراها المطر. كانت القصيدة شجناً ولوعةً؛ لكنها خففت من عبء عذابها، بما يمكن أن يأتي به الرعد من خطوب وتمرد وهيجان لا ينتهي إلا بتغيير الحال واستعادة العراق.
]]>
التاريخ والجغرافية والحياة السياسية في القرن 18 بعين فرنسي
اندبندنت عربية / سلمان زين الدين
تُعد “رحلة فولني إلى مصر وسوريا” للفيلسوف والمؤرخ والمستشرق الفرنسي قسطنطين فرانسوا فولني، الصادرة عن “دار المتوسط” بترجمة المترجم السوري عصام محمد الشحادات، وبالتعاون مع “دارة السويدي الثقافية”، من المصادر التاريخية التي يعود إليها المؤرخون والباحثون حين يتسقطون أخبار هاتين المنطقتين الجغرافيتين، في الربع الأخير من القرن الـ18، وتحديداً خلال أعوام 1783 و1784 و1785.
]]>سوزانا برابتسوفا ترصد معاناة تحديد الهوية بعد تحولات ما بعد “الثورة المخملية”
اندبندنت عربية / علي عطا
لا يسير السرد في رواية “عام اللؤلؤ” لسوزانا برابتسوفا (ترجمة خالد البلتاجي – دار الكتب خان) خطياً، فهو ينطلق من لحظة آنية، تواكب مرور 10 أعوام على تحرر التشيك من الحكم الشيوعي، ليسترجع أوقاتاً متفرقة من حياة بطلتها الأربعينية، التي لطالما عانت صراعاً نفسياً بسبب عدم قدرتها على التوافق مع التحولات التي ترتبت على “الثورة المخملية”….
لقراءة المقالة كاملة على الموقع الرسمي، انقر هنا
]]>
لماذا لا يصفي الفرنسيون نهائياً حسابهم المعقد مع صاحب “سفر إلى آخر الليل”؟

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب
هناك “سحر” ما بات لا بد من العثور على تسمية نهائية له، لا يزال حتى اليوم يحول بين الفرنسيين وبين تصفية حسابهم النهائي مع واحد من أكبر كتابهم في القرن الـ20: لويس فيردينان سيلين. فعلى رغم عشرات الكتب التي صدرت عنه وألوف الدراسات والأطروحات الجامعية والأعمال الإبداعية المتنوعة التي لا تتوقف عن “دراسة حالته” والتبحر في ذلك التأرجح الذي لا تزال ذكراه تعيشه بين صورتين متطرفتين له، صورة الكاتب الروائي الكبير من ناحية، وصورة الوحش النازي “المعادي للسامية” حتى الجنون من ناحية ثانية، لا يزال الفرنسيون يجدون أنه لا مفر من العودة إليه وإلى حكايته بين الحين والآخر، ودائماً عبر أعمال تتناوله وملفات تستعيده، تحاول، لا أن تجد له أعذاراً في ضروب جنون مواقفه، كما قد يخيل للمرء، بل إن تمعن في إدانته وكأنه بات وحده حامل صليب تلك القضية التي يمكن تلخيصها بعد كل شيء بقضية الاحتلال الهتلري المذل لفرنسا خلال السنوات الأولى من القرن الـ20، وما رافقها خاصة من مصائب حلت بأعداد كبيرة من اليهود، نفياً أو قتلاً أو رمياً في معسكرات الاعتقال.
والغريب هنا أن ثمة من يلقي مسؤولية كل ذلك على سيلين، متناسياً وبشكل مدهش أنه لم يكن أكثر من فرد سلاحه قلمه، وأن الجلادين الحقيقيين هم النازيون الألمان وبقية المتعاونين السياسيين والعسكريين مع هؤلاء.
وفي هذا السياق يلفت النظر في الآونة الأخيرة فيلم تلفزيوني في ثلاث حلقات بثته القناة الخامسة في التلفزيون الفرنسي خلال الربيع الماضي ويصدم ما جاء فيه من تأكيد أحد الأصوات المشاركة بأن لا – سامية سيلين هي المسؤولة عما حل باليهود، خلال تلك السنوات.
أكاذيب زمن الطفولة
يحمل الفيلم التلفزيوني في أجزائه الثلاثة عنواناً واحداً هو “لويس فيردينان سيلين: سفر بلا عودة” في اقتباس من عنوان روايته الأساسية التي حين يقول لك كثر من الفرنسيين إنهم يعدونها واحدة من أهم الروايات الفرنسية التي صدرت في القرن الـ20، يضيفون متأوهين “للأسف”. وهم بالطبع يأسفون لا لأنها صدرت في هذا القرن، ولا لأنها رواية كبيرة، بل لأنها تجبرهم على اعتبارها رواية كبيرة متمنين لو لم تكن كذلك. وثمة منهم من يؤكد لك أنها العمل الأدبي الكبير الوحيد لسيلين “الذي أضاعته نازيته ولا ساميته”، لكنك في الأحوال كافة تعرف أن ذلك ليس صحيحاً.

طبعة مبكرة من روايته الكبرى “سفر إلى آخر الليل” (أمازون)
فسيلين كان كاتباً كبيراً جداً في روايته تلك، وحتى في نصوصه الأخرى بما فيها نصوصه النازية، بيد أن الجديد في هذا الفيلم الذي أنجز خلال بدايات هذا العام، وربما لضرورات سياسية قصوى سنعود إلى فرضيتنا حولها بعد سطور، أنه لم يفعل كما اعتاد أن تفعل نصوص وكتب وبرامج أخرى تتناول الموضوع نفسه، فتستعيد طفولة الكاتب البائسة ويتمه وكونه رُبِّي تقريباً من دون والدين، وما شابه ذلك من ظروف كانت تبدو دائماً مخففة، بل إن واحداً في الأقل من أقسام السيرة المثلثة التي يتكون منها الفيلم، وهو القسم الأول المعنون “مبدع الغضب”، إذ يتناول السنوات الأولى من حياة الكاتب بدءاً بولادته وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، يؤكد ما لم يكن أحد يتوقعه. وهو أن سيلين، الذي كان اسمه ديتوش، قد روى أكاذيب كثيرة تتعلق بتلك الطفولة وبما كان متداولاً من حول عدم اهتمام أبيه بتربيته وما شابه ذلك.
الترويج للنازية
إذاً، بدت المرحلة الأولى أسطورية تمتد من عام ولادة سيلين البائسة (1894) إلى نهاية الحرب العالمية الأولى التي شارك بها سيلين جندياً وجرح وجابه الأهوال والرعب اللذين لم يبارحاه بعد ذلك على الإطلاق وسيكونان في خلفية معظم مواقفه في أزمنته المقبلة. وهو عبر عن ذلك بقوله على أية حال “لقد التقطت الحرب في داخل رأسي حيث استقرت إلى الأبد”.
والحقيقة أن ذلك الاستقرار استراح قليلاً خلال عام 1932 حين أصدر سيلين روايته الكبرى التي كانت في حد ذاتها انفجاراً كبيراً حرك سواكن الحياة الأدبية الفرنسية، كما يخبرنا الفيلم في معرض التأكيد لنا بأن الكاتب لم يكن حينها قد أضحى نازياً بعد. هو سيتجه صوب النازية على مشارف الحرب العالمية الثانية التي سيعالجها الفيلم التلفزيوني في قسمه الثاني “المتعاون” – وهو المصطلح الذي يطلقه الفرنسيون على مناصري النازية من الفرنسيين كما نعرف – ولعل الغريب في الأمر هنا أن هذا القسم يتعامل مع سيلين وكأنه المتعاون الوحيد في طول فرنسا وعرضها.
اقرأ المزيد
وبحسب الفيلم فإن سيلين كان رجل الطليعة في البروباغندا النازية خلال فترة الاحتلال النازي الألماني لفرنسا. ومع ذلك لا يفوت البعض في هذا الجزء من الفيلم أن يخبرنا كم أن سيلين كان مثيراً للشفقة خلال تلك المرحلة. وربما بأكثر مما سيكون خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ونهاية النازية والتخلص من المتعاونين بقتلهم إعداماً أو اعتقالهم أو نفيهم. وذلكم، كما يخبرنا القسم الثالث المعنون “المضلل”، والذي يبدأ بهرب سيلين إلى الدنمارك من طريق ألمانيا، حيث انضم هناك إلى هاربين نازيين مثله “أكثرهم من الألمان” قبل أن يتوجه ليعيش في الدنمارك، ولكن فقط ريثما يجري اعتقاله هناك.
ولعل واحدة من كوارث حياة سيلين، في تلك المرحلة ما قبل الأخيرة من حياته، كانت في الدنمارك، حيث راح يبذل كل ما يمكنه من جهد لكيلا يرحل إلى فرنسا، حيث كان مدركاً لما ينتظره. غير أن ما سيحدث له حقاً، وهنا أيضاً بحسب الفيلم، هو أقل بكثير مما توقعه. فأهل بلده سرعان ما أعادوا له مكانته، “على رغم كل شيء” كما يقول واحد من المشاركين في الفيلم وعلى وجهه آيات الأسف التي تنم عن أن ثمة من كان يتوقع، بل حتى، يريد له، مصيراً أسوأ. وهو موقف الفيلم برمته عل أية حال.
وربما من ذلك المنطلق السياسي الذي يشير إليه البعض من أن ثمة في الإعلام الفرنسي، وغير الفرنسي، من يتطلع دائماً “وفي منعطفات سياسية محددة”، بل من يرى في استعادة هذا النوع من الحكايات والتركيز من خلالها على معاداة السامية التي استشرت في فرنسا أيام الاحتلال، نوعاً من تبرير لجرائم ترتكب في أزمنتنا الراهنة هذه، بالتالي كان سيلين وحياته بالطريقة التي قدمهما الفيلم بها، أسلوباً أمثل للاستفادة من ذلك كله.
المزيد عن: فرنسا ألمانيا الدنمارك لويس فيردينان سيلين النازية اليهود الحرب العالمية الأولى
]]>
هواري تواتي يعود الى نصوصه الأصلية ليكشف حقيقة مشروعه وافكاره

اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN
لا يطمح هواري تواتي إلى تقديم سيرة جديدة للجغرافي والرحالة الأندلسي الحسن بن محمد الوزان الزياتي الفاسي المشهور بليون الأفريقي أو يوحنا ليون الأفريقي أو يوحنا الأسد الأفريقي (1488 – 1554)، بقدر ما يسعى إلى إعادة بناء شخصيته الفكرية داخل فضاء النهضة الإيطالية، وإعادة النظر في موقعه ضمن تاريخ الإنسانوية الأوروبية نفسها. أي هذه الحركة الفكرية التي نشأت في القرن الـ16، واتخذت من العودة إلى التراث الكلاسيكي اليوناني والروماني، منطلقاً لإعادة الاعتبار إلى الإنسان كمحور للمعرفة والثقافة، بالاستناد إلى دراسة اللغات والآداب والتاريخ والفلسفة الأخلاقية والإيمان بقدرة التربية على صقل الفرد وإعداده للمشاركة في الحياة المدنية. فمثلت منهجاً معرفياً يقوم على القراءة النقدية للنصوص، والانفتاح على الثقافات، وقدرة الإنسان العقلية والإبداعية على فهم العالم والمساهمة في إصلاحه.
ولأن اسم ليون الأفريقي ارتبط لدى القراء بالرواية الشهيرة التي وضعها أمين معلوف عام 1986، والتي أسهمت بصورة كبيرة في التعريف بهذه الشخصية التاريخية، مقدمة إياها في قالب سردي آخاذ، فإن هواري تواتي اختار طريقاً مغايراً للطريق الذي سلكه معلوف، إذ ترك السرد الروائي جانباً، وعاد إلى النصوص الأصلية التي وضعها ليون الأفريقي في إيطاليا، ليقرأها قراءة تاريخية وفيلولوجية دقيقة، متسلحاً بمناهج التاريخ الثقافي وتاريخ الأفكار وسوسيولوجيا النصوص وجماليات التلقي، ناقلاً النقاش من سيرة رجل استثنائي إلى دراسة مشروع فكري متكامل.
الشخصية الفاعلة

الكتاب الجديد عن ليون الافريقي (دار فران- باريس)
ينطلق الكتاب من أطروحة مفادها أن ليون الأفريقي لم يكن مجرد وسيط بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية، ولا مجرد شاهد على عصر النهضة، بل كان فاعلاً داخل هذا المشروع الإنسانوي الجديد، بوصفه أول “مثقف” غير أوروبي أدرك عالمية الثقافة الأوروبية كما صاغتها الإنسانوية، وأسهم في الوقت عينه في توسيع آفاقها.
في فاتحة كتابه يطرح الباحث الجزائري سؤالاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في باطنه، يفتح أفقاً واسعاً للتأمل: ما الذي يجمع بين كتاب في التراجم والسير البيوغرافية، وكتاب في علم الكون، ومعجم لغوي، ورسالة في علم العروض، وهي الأنواع العلمية الأربعة التي برع فيها يوحنا ليون الأفريقي، والتي اختزلت مجمل ما ألفه خلال سنوات إقامته في روما وبولونيا (1518–1527)، مشكلة مشروعه المعرفي المتكامل المندرج في صلب الثقافة الإنسانوية الجديدة والتي نهل منها هذا الكتاب مادته الأساس؟
إنها من المعارف والفنون الفكرية والأدبية التي ازدهرت على أيدي الإنسانويين الإيطاليين، الذين خالطهم هذا المغربي الشهير، والتي أدرجت ضمن ما أطلق عليه اسم “الدراسات الإنسانية” أو “الإنسانيات”، أي الحقل المعرفي والعلمي الذي تحددت معالمه في عصر النهضة، علماً أن أولئك الذين سموا إنسانويين لم يطلقوا هذا الوصف على أنفسهم ولم يرد هذا المصطلح في أي من مؤلفاتهم. ولئن كان قد استعمل بالفعل، فإن أول ظهور له كان سنة 1490 في مراسلات أحد رؤساء الجامعات، ثم ظهر بعد سنوات قليلة في وثائق جامعتي بولونيا وفيرارا، قبل أن يبدأ مسار انتشاره في أوروبا، الذي توج بدخوله إلى الفرنسية سنة 1552، ثم إلى الإيطالية سنة 1523.
لكن هذا المصطلح اللاتيني ورد في كتابات يوحنا ليون الأفريقي على نحو يثير الدهشة، إذ لم يستخدمه للدلالة على الإنسانويين الإيطاليين أو الأوروبيين، بل للإشارة إلى إنسانويين عرب. فكأن هذا المفكر القادم من خارج أوروبا هو أول من شهد على الطابع الكوني للثقافة الأوروبية، بالمعنى الذي سعت الحركة الإنسانوية إلى تجديده وإرساء أسسه.
إنسانوية ليون الأفريقي

الباحث الجزائري هواري تواتي (الجامعة الأوروبية)
هذا يعني أن الكتاب يكشف عن جانب بالغ الأهمية يتعلق بمفهوم “الإنسانوية”، مؤكداً أن المصطلح الذي لم يكن متداولاً بين كبار الإنسانويين الإيطاليين، ولم يظهر إلا متأخراً في الوثائق الجامعية، استخدمه أولاً الأفريقي بلفظه اللاتيني humanista ليصف به علماء وأدباء عرباً، لا نظراءهم الأوروبيين في دليل على أن الإنسانوية لم تكن، في نظره، حكراً على أوروبا، وإنما كانت فضاءً معرفياً يمكن أن ينتمي إليه مثقفون من حضارات متعددة.
تزعزع هذه القراءة الجديدة عديداً من التصورات التقليدية التي جعلت من النهضة الأوروبية نتاجاً أوروبياً محضاً. فالمؤلف يدعو إلى إعادة بناء تاريخ النهضة بوصفها فضاءً للتفاعلات والانتقالات والترجمات. وبهذا المعنى يغدو حسن الوزان أو ليون الأفريقي شخصية مفصلية لفهم كيفية تشكل المعرفة الأوروبية الحديثة من خلال الاحتكاك بالعالم الإسلامي عبر الحوار العلمي والثقافي والصراع العسكري.
في ضوء هذه الفرضية، يعيد الكتاب إذا رسم المسار الشخصي لحسن الوزان الذي ولد في غرناطة قبيل سقوطها النهائي عام 1492. فيتحدث عن لجوء أسرته إلى فاس، حيث تلقى تعليماً رفيعاً في جامع القرويين، قبل أن يدخل في العمل الدبلوماسي ويجوب المغرب والأندلس ومصر والدولة العثمانية وبلاد السودان. لكن الشاب الذي وقع أسيراً في قبضة قراصنة البحر المتوسط عام 1518، وقدمه خاطفوه هدية إلى البابا ليون العاشر، بدا وكأن مسيرته السياسية قد وصلت إلى نهايتها. إلا أن هذا المنعطف تحول، في قراءة هواري تواتي، إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الإبداع الفكري، إذ غدت الإقامة القسرية في روما أكثر من تجربة أسر، فكانت فضاءً للقاء بين ثقافتين، مما أتاح لحسن الوزان أن ينجز أهم مؤلفاته، وأن يندمج في الأوساط الإنسانوية الإيطالية.
“وصف أفريفيا”
ومن أبرز ما يقدمه الكتاب أيضاً قراءة جديدة لمؤلفات ليون الأفريقي، ولا سيما كتاب “وصف أفريقيا” الذي ظل لقرون عديدة مرجع أوروبا في معرفة القارة السوداء. فيه يقدم الوزان نموذجاً جديداً في النظر إلى الإنسان والعمران والثقافات، قوامه الملاحظة المباشرة والوصف النقدي، بعيداً من الصور النمطية والأساطير التي كانت تهيمن على المخيال الأوروبي في العصور الوسطى. ولهذا السبب وجد الجغرافيون والرحالة الأوروبيون في هذا العمل مرجعاً لا غنى عنه حتى أواخر القرن الـ18. لكن مساهمة ليون الأفريقي، كما يوضح هواري تواتي، لم تقتصر على الجغرافيا.
اقرأ المزيد
وهو ألف، كما أشرت أعلاه، معجماً عربياً، ورسالة في العروض، وكتاباً في تراجم وسير العلماء العرب، وشارك في تعليم اللغة العربية داخل إيطاليا، وأسهم في مشاريع الترجمة بين العربية واللاتينية والعبرية. ومن ثم فإن صورته الحقيقية هي صورة مثقف موسوعي، لا مجرد رحالة أو جغرافي.
يتميز كتاب هواري تواتي بمنهجه. فهو لا يقرأ النصوص بمعزل عن شروط إنتاجها، بل يربطها بسياقاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، مستفيداً من أدوات التاريخ الفكري وسوسيولوجيا المعرفة. وهذا ما يجعل من كتابه الجديد كتاباً مختلفاً عن معظم الدراسات السابقة التي تعاملت مع أعمال ليون الأفريقي بوصفها وثائق جغرافية أو تاريخية، بينما ينظر إليها تواتي كخطاب ثقافي متكامل يعكس تشكل هوية هجينة تجمع بين الثقافة العربية الإسلامية والإنسانوية الإيطالية. ولئن نجح المؤلف في تجاوز الثنائية التقليدية بين الشرق والغرب، فإنه أظهر حسن الوزان كشخصية قادرة على تحويل المنفى إلى فضاء للإبداع، والأسر إلى فرصة للمعرفة، والاختلاف الثقافي إلى مشروع للحوار، مما أكسب كتابه بعداً راهناً، لتقديمه نموذجاً تاريخياً للتفاعل الثقافي بعيداً من منطق الصدام أو الذوبان.
مع ذلك فإن هذا الكتاب ليس سهل القراءة. فهو يفترض إلماماً بتاريخ النهضة الإيطالية، وبالفكر الإنسانوي الأوروبي، وبالتراث العربي الإسلامي، كما يعتمد على تحليل فيلولوجي دقيق للمصطلحات والنصوص. ولذلك قد يجد القارئ غير المتخصص صعوبة في متابعة بعض فصوله، لا سيما تلك المتعلقة بتاريخ مفهوم الإنسانوية أو بتاريخ الأنواع الأدبية، لكن هذه الصعوبة تمثل في الوقت عينه أحد مصادر قوة الكتاب، لأنه يقدم بحثاً علمياً أصيلاً، لا عملاً تبسيطياً. ويحسب لتواتي أيضاً أنه يحرر شخصية ليون الأفريقي من القراءات الاختزالية التي حصرتها في صورة “الرحالة” أو “الأسير” أو “المتحول دينياً”. فهو يعيده إلى مكانته الحقيقية باعتباره مفكراً وإنسانوياً ومترجماً ومؤلفاً أسهم في تشييد فضاء معرفي مشترك بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط.
إن كتاب “جان ليون الأفريقي، إنسانوي عربي في النهضة الأوروبية” هو بالتأكيد إضافة نوعية إلى الدراسات المتعلقة بتاريخ النهضة الأوروبية والعلاقات العربية الأوروبية، لمساءلته مفهوم النهضة ولكشفه أن تشكل الحداثة الأوروبية كان أكثر انفتاحاً وتعدداً مما اعتادت السرديات التقليدية أن تصوره. فمن خلال قراءة دقيقة لمجمل أعمال ليون الأفريقي، يبرهن المؤلف أن المعرفة لا تعرف حدوداً ثابتة، وأن الأفكار الكبرى تولد غالباً عند نقاط التماس بين الثقافات. ولهذا يمكن اعتبار هذا الكتاب من الدراسات الحديثة المهمة التي أعادت إدراج ليون الأفريقي في تاريخ الفكر العالمي، باعتباره شاهداً ومساهماً في صياغة أفق النهضة الإنسانوية، مما يجعل من سيرته وتجربته نموذجاً للمثقف العابر للغات والهويات والحدود.
المزيد عن: ليون الأفريقي الحسن الوزان بحث تارخي البعد الإنسانوي عصر النهضة المشروع الفكري النصوص الحضارة العربية
]]>