ثقافة و فنونعربي “ساردانابال” كما صوره بايرون في مسرحية ألهمت ديلاكروا لوحته الشهيرة by admin 27 أكتوبر، 2021 written by admin 27 أكتوبر، 2021 181 ملك لا يحب سفك الدماء لكن نهايته الفجائعية كانت له بالمرصاد اندبندنت عربية \ إبراهيم العريس باحث وكاتب ليس واضحاً تماماً ما جعل الشاعر الإنجليزي الكبير لورد جورج بايرون (1788 – 1824) يهتم خلال الأعوام الأخيرة من حياته بحكاية تعود إلى زمن الآشوريين في بلاد ما بين النهرين كانت تبدو منسية إلى حد ما في بطون كتب التاريخ وتتحدث عن الملك ساردانابال، ويقرر إهداء نص المسرحية حين نشره في عام 1821 إلى الكاتب والمفكر الألماني الكبير وولفغانغ غوته. ومن ثم ينطرح هنا سؤال آخر: لماذا كتبها في رافينا الإيطالية تلك المدينة الساحرة التي لا توحي إلا بالجمال فإذا بالمسرحية تطلع من بين يدي بايرون فجائعية دامية مليئة بالقتل والنار والموت وما شابهها؟ مهما يكن، يعرف تاريخ الأدب أن بايرون كان ذا حياة ومزاج مفعمين بالنزوات وكانت تلك بالتأكيد واحدة من نزواته. لكنها كانت نزوة بديعة ستعرف لاحقاً كيف تلهم فنانين كباراً في مجالات فنية متنوعة. بين ديلاكروا وبرليوز وليست فمن ناحيته سيستوحي الرسام الرومانسي الفرنسي أوجين ديلاكروا من مسرحية بايرون هذه واحدة من أقوى لوحاته التاريخية. كما أن الموسيقي الفرنسي أيضاً هكتور برليوز سيقتبسها في مغناة تعتبر عادة من أعماله الكبيرة، ومثله سيفعل موريس رافيل وفرانتز ليست. بيد أن علينا أن نتنبه هنا على أي حال إلى أن ثمة وقبل بايرون بزمن طويل، مبدعين اهتموا بدورهم بالحكاية التاريخية نفسها ومنهم الموسيقي الإيطالي فريسكي (1640 – 1690). أما الفرنسي جانسيير فقد اشتغل أواسط ستينيات القرن التاسع عشر على أوبرا مقتبسة من نص بايرون نفسه عرضت للمرة الأولى في باريس عام 1867. ولم يكن هؤلاء سوى بعض المبدعين الذين ألهمتهم تلك الحكاية نفسها، فأسهموا جميعاً في إعادة حكاية “سارادانابال” إلى الحياة كدرس تاريخي لا يجب أن ينسى وكعمل تراجيدي يحمل كل المكونات اللازمة للتراجيديا في بعدها الأكثر قتامة والأكثر ارتباطاً بالشرف في الآن عينه. لورد بايرون (غيتي) من بطون الكتب والحقيقة أن يايرون حين مسرح تلك الحكاية التاريخية التي عثر عليها في أكثر من مرجع واحد، لا سيما في الكتاب المسمى “المكتبة التاريخية” من تأليف الكاتب النهضوي ديودور الصقلي، لاحظ من فوره كيف أن شخصيتها المحورية الملك ساردانابال تتيح له في كلامه عن الماضي أن يتحدث عن الحاضر كما عن رؤيته للتاريخ والأخلاق، بصورة عامة. ولكن تتيح له أيضاً أن يتخذ من الملك الآشوري وحبيبته اليونانية ميريا نموذجين للقوة ونكران الذات والرغبة في التحول إلى قربان في هذه الحياة، يعكسان ما تصور أنه صورته هو نفسه، أي بايرون مع حبيبته الكونتيسة تيريزا غويتشيولي التي كانت في رفقته في رافينا حين كتب المسرحية. ولعل في هذا الواقع الأخير ما يجيبنا وإن مواربة على السؤال الذي طرحناه أول هذا الكلام. بيد أن هذا يبقى افتراضاً ضئيل الأهمية أمام المآل العظيم الذي انتهت إليه تلك المسرحية التي حملت ببساطة عنوان “سردانابال” أو بالأحرى “ساردانابالوس”، بحسب النطق الإغريقي لاسم ذلك الملك. خيانات وسذاجة فما الحكاية بعد كل شيء؟ ما هو ذلك الموضوع الذي أثار فضول بايرون جارا معه ديلاكروا وعدداً لا بأس به من موسيقيين وفنانين آخرين؟ المسرحية التي تنطلق في فصلها الأول من رجل الحاشية في قصر الملك الآشوري ساردانابال، سالمينيس وهو يعبر في نوع من مناجاة يشكو فيها من إهمال صهره الملك لحكمه لارتباطه بعشيقته اليونانية ميريا، وإهماله زوجته والرفاهية التي يصر على العيش فيها، تشهد على الفور دخول الملك الذي لا يتورع سالمينيس عن اتهامه بقسوة بالافتقار إلى أي طموح عسكري وخيانته لزوجته، محذراً إياه من احتمال قيام تمرد ضده يحضر له عدد من الخونة داخل القصر وخارجه. هنا في البداية يعترض الملك متذرعاً بأنه لن يسعى أبداً إلى استباق الأحداث وسفك الدماء، لكنه في نهاية الأمر يعطي صهره الإذن بكشف المتآمرين والاقتصاص منهم. وهنا إذ يغادر سالمينيس القاعة تدخل ميريا التي إذ يقترح عليها الملك أن يمضيا سهرة ممتعة على ضفة الفرات تعترض قائلة، إن الخوف ينتابها من أن يكمن له المتآمرون خارج القصر. وفي اليوم التالي نرى الفلكي الكلداني بيليسيس يتنبأ بقرب سقوط ساردانابال “بحسب ما أخبرته النجوم” ثم إذ يلتقي بالمدعو آرباسيس سنكتشف أن الاثنين معاً من بين المتآمرين على الملك لإطاحته. وفي هذه اللحظة يلتقيهما ساليمينس الذي يكتشف أمرهما ويتعارك معهما سعياً منه لاعتقالهما، لكن دخول ساردانابال في تلك اللحظة بالذات يوقف العراك فيما يبدو الملك غير مصدق أن هذين “الوفيين” له يمكن أن يكونا في عداد المتآمرين! الملك يفيق متأخراً وانطلاقاً من هنا تتابع الأحداث التي سرعان ما سيكتشف الملك مع بداية انكشاف هوية المتآمرين فيها وتضاؤل عدد المخلصين له الباقين من أنصاره، أن بساطته نفسها قد مكنت أعداءه من خداعه ولم يعد أمامه الآن إلا أن يستعد لمعركة بات يشعر أنها سوف تكون الأخيرة، وأنه مهما بذل فيها من جهد لن يتمكن من الانتصار والحفاظ على عرشه. وبالتالي لم يعد أمامه إلا أن يحافظ على أسرته كما على شرفه. فنراه هنا تحت تأثير محظيته ميريا يقرر أن يخوض المعركة الأخيرة وقد ارتدى كل دروعه وتمنطق بأقوى أسلحته لكنه في لفتة أخيرة إلى وسامته وعيش الرفاه الذي أمضى حياته غائصاً فيه، يلقي على صورته في المرآة نظرة إعجاب أخيرة كما لو أنه يريد أن يودع نفسه قبل أن يودع أي شخص آخر. والحقيقة أن هذا المشهد كما كتبه بايرون بدقة وطرافة وتحنان في المشهد الأخير من مسرحيته هذه بدا منطقياً ومستحقاً وقد أضفى على الملك سمات إنسانية تتكامل مع الصورة التي كانت قد قدمت لنا عنه كإنسان عاشق بل حتى غير مهمل لعائلته. نهاية قاسية لملك كبير فحتى هنا، في اللحظات الأخيرة وإذ أيقن أنه سوف يهزم في معركته لا محالة وسوف تحل نهايته، يقرر أن يأمر زوجته بالاختباء مع أطفالهما بحيث يصبحون في مأمن من غدر المتآمرين. ثم بعد أن يخوض قتالاً أخيراً مشرفاً يتوجه مع ميريا، محظيته، إلى حيث كان قد أمر بنصب محرقة كبيرة أحاطها بعدد من عبيده وأعوانه المخلصين، ثم أمر بإشعال النار في المحرقة التي أحاطت بعرش اعتلاه مع ميريا ليموتا معاً محترقين بالنار… في مشهد مريع لكنه لا يخلو من بطولة تراجيدية تليق بذلك الملك الذي تحول مع الزمن إلى أسطورة شرقية حتى وإن كان سينسى بعد ذلك طوال قرون عديدة، وبالتحديد حتى جاءت مسرحية بايرون لتوقظه من النسيان. أفضل من شكسبير! الطريف أن بايرون الذي راهن على هذه المسرحية كثيراً كي تعيد إليه مجداً مسرحياً كان قد بدأ يفتقده في سنواته الأخيرة، كان من أشد المعجبين بمسرحيته تلك، إعجاباً لا يضاهيه إلا إعجاب ساردانابال بنفسه حين شاهد صورته في مرآة المشهد الأخير، إذ يقول لمن أحبوا أن يسمعوا تعليقه على المسرحية من دون أي قدر من التواضع: “لقد كان هدفي من كتابة هذه المسرحية أن أحذو حذو الكتاب الإغريقيين في إضفاء بعد درامي على التاريخ، أو بالأحرى أن أفعل بالتاريخ ما كانوا هم يفعلونه بالأسطورة. وأنا على يقين من أنكم سوف تجدون مسرحيتي متغايرة تماماً مع كل ما كتبه شكسبير، بل بمعنى من المعاني ستجدونها أفضل من نتاجات شكسبير هذا الذي أقول لكم إنني أنظر إليه بوصفه أسوأ مثال يحتذى، حتى وإن كنت أعترف له بأنه الأكثر استثنائية بين الكتاب”. لسنا ندري كيف استقبل مستمعوه يومها هذا الكلام لكننا لا بد من أن نشير إلى أن ما من أحد حتى من بين أكثر المتحمسين لـ”ساردانابال” حماسة وافقه على أن هذه المسرحية أفضل من كل ما كتب شكسبير! المزيد عن: لورد جورج بايرون\الملك ساردانابال\وولفغانغ غوته\أوجين ديلاكروا 12 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post في لبنان مواجهات قضائية بسلاح غير القانون next post أبرز كتب شهر أكتوبر في بريطانيا: من “تقاطع طرق” إلى “بيرنتكوت” You may also like ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ