عرب وعالمعربي السؤال الآن: بأي شريعة ستحكم “طالبان”؟ by admin 17 أغسطس، 2021 written by admin 17 أغسطس، 2021 227 سقوط حكم الحركة في 2001 تجربة مفيدة لكن أخذ العبرة ليس مضموناً… وهذه بعض المؤشرات في الاتجاهين اندبندنت عربية \ مصطفى الأنصاري كاتب وصحافي @mustfaalansari https://www.canadavoice.info/wp-content/uploads/2021/08/السؤال-الآن-بأي-شريعة-ستحكم-طالبان؟-اندبندنت-عربية.mp4 “قُضي الأمر في أفغانستان”… هكذا قال رجال البيت الأبيض، وقبل ذلك فهم كثيرون، بمن فيهم الرئيس الأفغاني الرسالة، فقد أصبحت حركة “طالبان” أو “الإمارة الإسلامية في أفغانستان” كما تسمي نفسها، هي الحاكمة في كابول، لكن التساؤل الذي يقلق العالم، وليس أطيافاً من الشعب الأفغاني وحسب، هو كيف ستدير الحركة الحكم في البلاد؟ أو بأي شريعة ستحكم؟ فهي أعلنت منذ حين أنها تريد تطبيق حكم إسلامي، طبقاً للتقاليد الأفغانية. سبب ورود هذا التساؤل ليس الفزع من الإسلام نفسه كدين، مثلما يروج بعض عشاق نظرية المؤامرة غربياً وعالمياً، وإنما لأن التجربة الإسلامية متعددة المشارب والاتجاهات، والنسخة التي اختارتها “طالبان” إبان حكمها في تسعينيات القرن الماضي، ليس أسوأ منها سوى التي اختارها “داعش” فيما بعد في العراق وبقية المناطق التي سيطر عليها. الخوف من عودة ذلك النموذج وعيش يومياته في عصر “السوشيال ميديا”، يتجاوز مأساة الشعب الأفغاني الذي يعيش تفاصيله، إلى شعوب عربية وثقافات إسلامية شعبوية في أقطار عدة، نراها وقد هللت للعودة الطالبانية على الرغم مما طبعه تاريخها في الذاكرة القريبة والبعيدة من بطش وتشدد وأغلال، ما كان أحد من المهللين يسعد بعيش مثلها في بلده لو جرى امتحانه. إلا أن الانسياق خلف العواطف الجياشة، أو آمال سوريالية يتوقعونها، حيث يصعب أن تتحقق، دفع لنظرة مثالية، عايش كثيرون سحرها أيام الجهاد الأفغاني، حين دفعت البعض لحرق، أو تمزيق جوازه يوم ولج “أرض الجهاد والرباط”، كما تجدد المشهد قبل سنوات أيام خلافة “داعش”، ناهيك بالكرامات وأحاديث المدد الإلهي والنصر والتمكين، والفتح المبين! وهذا ما يدفع الكاتب السعودي، يوسف الكويليت، إلى توقع “الأسوأ” في المنطقة وأفغانستان بعد هذه العودة الماراثونية لـ”الحالة الطالبانية”، وكأنها أسطورة في عالم الخيال. وقال، “هل تصبح أفغانستان الملجأ للإخوان والقاعدة وداعش وغيرها؟ تجارب الماضي تشهد بهذه الحقيقة وهي فرصة لإيران وتركيا، وقلق لروسيا والدول المجاورة لأفغانستان. استعدوا لدورات جديدة من العنف تديرها دول وشبكات جريمة سرية بما فيها إغراق العالم بالمخدرات”. مؤشرات إيجابية ومخاوف ومع أن أحداً لا يمكنه القدح في أن جميع المخاوف على هذا الصعيد لها ما يبررها، نظير ماضي الحركة وأخواتها الإسلامية الراديكالية في تجارب الحكم، إلا أن الآمال مهما بدت أقل من المخاوف، إلا أن تلمّسها يمكن أن يظهر في أسلوب الحركة الحكيم إلى حد نادر حتى الآن، في الاستحواذ على السلطة من دون عنف مبالغ فيه أو إراقة دماء، ظلت تلازم الصراع على السلطة في كل الأنظمة منذ قرون، حتى صار استيلاء “بشر” على العراق ذات زمان من غير دماء مثلاً. الحركة نفسها تقر بأن قوتها مهما بلغت لن تمكنها من السيطرة على أفغانستان بهذه السرعة الخاطفة، ولذلك يرى بعض المحللين أن الحركة، هي الأخرى متفاجئة، مما قد يعني أنها غير مستعدة للقيام بالأعباء المترتبة على السيطرة التي رأيناها، في الوفاء بحاجة الشعب المنهك أصلاً من إرث حكومات سبقت في ظل الاحتلال، كان أداؤها “المخجل”، وفق التعبير الأفغاني، أهم الأسباب التي أهدت المدن والأقاليم إلى “طالبان”، وعسى ألا تكون كما تقول إحدى الأفغانيات من واشنطن “كالمستجير من الرمضاء بالنار”. تلك الطريقة مهما اختلف المحللون في شأن “طالبان”، فإنهم يجمعون على أنها دليل حنكة يقتضيها حكم البلاد الممزقة، سواء أتم ذلك للحركة عبر علاقاتها القبلية الأفغانية أو دبلوماسيتها الخارجية وتجهيزها العسكري، فهي أثبتت أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه في المعادلة الأفغانية، وهذا ما كانت واقعية أمثال الرئيس السابق حميد كرزي تطالب باستيعابه، لولا أن الاستقواء بالأميركيين أعمى الآخرين حتى انتهى المشهد إلى الختام القاسي الذي يصعب أن ينتهي من دون متاعب، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، خصوصاً إن لم تبقَ دول الجوار الأفغاني على حيادها، بعد استيعاب ما يجري. التصور الثاني الذي يدعو لبعض التفاؤل، هو ما تواطأت عليه المصادر الرسمية في الحركة منذ وقت مبكر، وهو استفادتها من تجربتها السابقة وخبرة عناصرها الخارجية، في تجنب أخطائها السابقة، وفي مقدمة تلك الأخطاء سماحها باتخاذ أفغانستان منصة لتنظيمات وشخصيات مطاردة دولياً، جعلت من البلاد منطلقاً لأعمال إرهابية ضد مصالح الدول الأجنبية، فجاءت العاقبة، كما قال رئيس الاستخبارات السعودي السابق تركي الفيصل، مأساوية. وقد كان حذرهم من ذلك في وقته، أثناء محاولته إقناع زعيم الحركة الملا عمر بتسليم بن لادن، قبل أن يجلب له ولأفغانستان المتاعب. وقالت الحركة في بيان على لسان الشخص الثاني فيها، الملا برادر، إنها ستحترم حقوق الإنسان والمرأة والأقليات، وتحفظ أمن السفارات الأجنبية، ولن تتدخل في حياة الناس الخاصة، أو تصادر أموالهم وحرياتهم، معلناً عفواً عاماً. وما إلى ذلك من التعهدات التي قطعها التنظيم بعدم الإنتقام، قبل تسلمه السلطة. وهنا لا بد من الإقرار بأنه على الرغم من تضاؤل صدقية عديد من الحركات المتخذة للإسلام سُلماً إلى السلطة في المنطقة الإسلامية والعربية، فإن “طالبان” فيما مضى من تاريخها يمكن وصفها بأي شيء إلا “قلة المصداقية”، وهذا مؤشر يدعو إلى بعض الأمل. ما مقاييس “شريعة طالبان”؟ يبقى بعد ذلك السؤال الجوهري، هو بأي شريعة ستحكم “طالبان” أفغانستان هذه المرة؟ فمن السهل إطلاق الشعارات، والقول إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وإن المجتمع يريد ما تُمليه الشريعة، لكن أي شريعة؟ بالنسبة إلى الطالبانيين يقولون إنها التي توافق تقاليد المجتمع الأفغاني، ولكن هذا الأخير متعدد المشارب والأهواء والأفكار. رأينا في الفترة السابقة كل التيارات من اليسار إلى الوسط واليمين، نساء سافرات ولابسات للجينز، وأخريات متلفعات بالعباءات، كما الرجال باللحى، وآخرين من دونها. رأينا المساجد وحلقات الذكر، كما قاعات الفنون وحفلات الغناء والبهجة. هنا يقع امتحان تطبيق الشريعة، وعدم “احتكار السلطة” الذي تعهدت به الحركة، وأهمية ضغط المجتمع الدولي. ويعود ذلك إلى أن أساس مشكلة تنظيم الإخوان المسلمين العابر للقارات، هو اتخاذه “الإسلام هو الحل”، شعاراً وتطبيق الشريعة مطلباً، وكأن المجتمع المصري الذي نشأ فيه التنظيم غير مسلم حتى يكون حله الإسلام، أو لا علاقة لأنظمته بالشريعة حتى يطبقها، ولذلك يقول المفتي المصري، شوقي علام، إنه ما كاد “أزهري معتبر” (هكذا قال) يؤيد مطلب تطبيق الشريعة في مصر ويدعو إليه، لأن البلاد لم تخلُ منها في أي عصر من عصورها. عندما كنت في مهمة صحافية 2007 إلى نيجيريا لتغطية مبادرة الولايات الشمالية ذات الأغلبية المسلمة، مثل “كانو” إلى تطبيق الشريعة، سألت رئيس المجلس الحارس للتجربة: ما النموذج الذي ستطبقونه من الشريعة، هل هو السعودي أم المصري والباكستاني والماليزي والتركي، أم ماذا؟ فقال بكل ثقة: “إذا كان من بين من ذكرت بالفعل من يطبق الشريعة سنحاول الاستفادة من تجربته”! في نهاية المطاف سريعاً ما خرجت الأمور من أيدي أصحاب النوايا الطيبة، واستبسلت مجموعة “بوكو حرام”، ومن بعدها “داعش”. الشاهد من ذلك أن المزايدات في هذا الميدان، ووسع الشريعة، وادعاء كل طرف تمثيلها، يفتح الباب واسعاً أمام التأويلات. حتى الفقه الإسلامي الذي تعددت مذاهبه، يرى أمثال المفكر العراقي رشيد خيون أن المذهب الحنفي الذي تقول “طالبان” إنها تطبقه فيما مضى من تجربتها، لا يشبه ما كانت تفعل سماحته وسعة أفق نظريات مدونيه الأوائل، خصوصاً في العلاقة مع غير المسلمين والمخالفين. وما هو أهم من أفغانستان ومن يحكمها ومستقبلها، هو “صورة الإسلام الكلية”، الذي كاد بفضل “القاعدة” حليفة “طالبان” (حتى الآن)، و”داعش” وأخواتها، واختيارات “طالبان” وبعض المتشددين هنا وهناك، يساوي “الإرهاب، والقتل، والشرور”. لكل ذلك فإن الخطوة التي ستختار “طالبان” اتخاذها مهمة لأفغانستان والعالم أجمع. والقصة تطول، والجميع يراقب. المزيد عن: أفغانستان\طالبان\الانسحاب الأميركي\حقوق الإنسان\كابول\الشريعة 12 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post غشاء البكارة: هيئة طبية بريطانية مرموقة تطالب بحظر عمليات ترقيعه لأنه عنف ضد المرأة next post عودة سيطرة “طالبان” تعتبر “نهاية العالم” بالنسبة لأفغانيات You may also like مفاوضات روما.. لبنان يريد انسحابات وإسرائيل تريد جثث... 4 أغسطس، 2026 ادعاءات بإبعاد عراقجي وذوالقدر.. وتهديد بقبول استقالة بزشكيان 4 أغسطس، 2026 القوة الرقميّة ترسم حدود إمبراطوريات القرن الـ21 4 أغسطس، 2026 حقائب جاهزة للفرار… العائدون إلى ضاحية بيروت قلقون... 4 أغسطس، 2026 وزير الدفاع الإسرائيلي يغضب جيشه واليمين المتطرف 4 أغسطس، 2026 إيران… هيئة «خبراء القيادة» تهاجم مسار التفاهم 4 أغسطس، 2026 ترمب: سأفعل «كل ما هو ممكن» لإنقاذ إنفانتينو 4 أغسطس، 2026 جدل التغلغل الإيراني والانتماء السياسي يعزز الانقسام داخل... 4 أغسطس، 2026 مذكرة توقيف وجاهية لبنانية بحق سفير فلسطين السابق... 4 أغسطس، 2026 اشتباكات تيغراي… هل تتطور إلى حرب شاملة؟ 4 أغسطس، 2026 12 comments web hosting our 28 أغسطس، 2021 - 4:33 م I do not even know the way I finished up right here, however I assumed this post was good. I do not recognize who you are but certainly you’re going to a famous blogger if you happen to are not already. Cheers! Reply asmr and 5 سبتمبر، 2021 - 1:31 م Good day! Would you mind if I share your blog with my myspace group? There’s a lot of people that I think would really appreciate your content. Please let me know. Many thanks Reply เว็บพนันออนไลน์เกาหลี 22 أبريل، 2025 - 10:55 م 851890 803351Pretty section of content. I just stumbled upon your internet site and in accession capital to assert that I get in fact enjoyed account your weblog posts. Any way Ill be subscribing to your feeds and even I achievement you access consistently rapidly. 829785 Reply www.on-time-staffing.com 8 مايو، 2025 - 6:07 ص 531567 723393Interesting web site, i read it but i nonetheless have several questions. shoot me an email and we will speak much more becasue i might have an interesting thought for you. 745502 Reply sexxybet168 6 يونيو، 2025 - 2:05 ص 801230 916379The truth is and see if the Hcg diet protocol and as a consequence HCG Drops certainly are a in fact quick way to be able to shed pounds; although the healthy diet has a strong will most likely moreover sizable focus to undertake positive. hcg diet drops 32639 Reply streameast mirror links 18 يونيو، 2025 - 11:20 م 773965 846685You created some decent points there. I looked over the internet for any difficulty and discovered most individuals goes as nicely as with your web web site. 165130 Reply get the info 20 يونيو، 2025 - 3:02 م 114467 488083Its like you read my mind! You appear to know so a lot about this, like you wrote the book in it or something. I believe which you can do with some pics to drive the message home a bit, but rather of that, this is amazing weblog. A great read. Ill certainly be back. 877194 Reply over at this website 1 يوليو، 2025 - 9:09 م 866344 865506Awesome material you fellas got these. I in fact like the theme for the site along with how you organized a person who. It is a marvelous job For certain i will come back and have a look at you out sometime. 765210 Reply play online 15 أغسطس، 2025 - 1:01 ص 535565 782642I certainly did not realize that. Learnt something new appropriate now! Thanks for that. 133086 Reply Book of Ra Slot Official 4 أكتوبر، 2025 - 7:55 ص 834063 795951Bookmarked your fantastic site. Fabulous work, unique way with words! 980452 Reply uofdiyala 21 أكتوبر، 2025 - 2:20 ص 766591 891323This web page is often a walk-through its the internet you wanted about this and didnt know who to question. Glimpse here, and youll absolutely discover it. 603754 Reply บาคาร่าเกาหลี 25 أكتوبر، 2025 - 6:50 م 157878 992001I dugg some of you post as I thought they were really beneficial invaluable 947660 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.
“قُضي الأمر في أفغانستان”… هكذا قال رجال البيت الأبيض، وقبل ذلك فهم كثيرون، بمن فيهم الرئيس الأفغاني الرسالة، فقد أصبحت حركة “طالبان” أو “الإمارة الإسلامية في أفغانستان” كما تسمي نفسها، هي الحاكمة في كابول، لكن التساؤل الذي يقلق العالم، وليس أطيافاً من الشعب الأفغاني وحسب، هو كيف ستدير الحركة الحكم في البلاد؟ أو بأي شريعة ستحكم؟ فهي أعلنت منذ حين أنها تريد تطبيق حكم إسلامي، طبقاً للتقاليد الأفغانية. سبب ورود هذا التساؤل ليس الفزع من الإسلام نفسه كدين، مثلما يروج بعض عشاق نظرية المؤامرة غربياً وعالمياً، وإنما لأن التجربة الإسلامية متعددة المشارب والاتجاهات، والنسخة التي اختارتها “طالبان” إبان حكمها في تسعينيات القرن الماضي، ليس أسوأ منها سوى التي اختارها “داعش” فيما بعد في العراق وبقية المناطق التي سيطر عليها. الخوف من عودة ذلك النموذج وعيش يومياته في عصر “السوشيال ميديا”، يتجاوز مأساة الشعب الأفغاني الذي يعيش تفاصيله، إلى شعوب عربية وثقافات إسلامية شعبوية في أقطار عدة، نراها وقد هللت للعودة الطالبانية على الرغم مما طبعه تاريخها في الذاكرة القريبة والبعيدة من بطش وتشدد وأغلال، ما كان أحد من المهللين يسعد بعيش مثلها في بلده لو جرى امتحانه. إلا أن الانسياق خلف العواطف الجياشة، أو آمال سوريالية يتوقعونها، حيث يصعب أن تتحقق، دفع لنظرة مثالية، عايش كثيرون سحرها أيام الجهاد الأفغاني، حين دفعت البعض لحرق، أو تمزيق جوازه يوم ولج “أرض الجهاد والرباط”، كما تجدد المشهد قبل سنوات أيام خلافة “داعش”، ناهيك بالكرامات وأحاديث المدد الإلهي والنصر والتمكين، والفتح المبين! وهذا ما يدفع الكاتب السعودي، يوسف الكويليت، إلى توقع “الأسوأ” في المنطقة وأفغانستان بعد هذه العودة الماراثونية لـ”الحالة الطالبانية”، وكأنها أسطورة في عالم الخيال. وقال، “هل تصبح أفغانستان الملجأ للإخوان والقاعدة وداعش وغيرها؟ تجارب الماضي تشهد بهذه الحقيقة وهي فرصة لإيران وتركيا، وقلق لروسيا والدول المجاورة لأفغانستان. استعدوا لدورات جديدة من العنف تديرها دول وشبكات جريمة سرية بما فيها إغراق العالم بالمخدرات”. مؤشرات إيجابية ومخاوف ومع أن أحداً لا يمكنه القدح في أن جميع المخاوف على هذا الصعيد لها ما يبررها، نظير ماضي الحركة وأخواتها الإسلامية الراديكالية في تجارب الحكم، إلا أن الآمال مهما بدت أقل من المخاوف، إلا أن تلمّسها يمكن أن يظهر في أسلوب الحركة الحكيم إلى حد نادر حتى الآن، في الاستحواذ على السلطة من دون عنف مبالغ فيه أو إراقة دماء، ظلت تلازم الصراع على السلطة في كل الأنظمة منذ قرون، حتى صار استيلاء “بشر” على العراق ذات زمان من غير دماء مثلاً. الحركة نفسها تقر بأن قوتها مهما بلغت لن تمكنها من السيطرة على أفغانستان بهذه السرعة الخاطفة، ولذلك يرى بعض المحللين أن الحركة، هي الأخرى متفاجئة، مما قد يعني أنها غير مستعدة للقيام بالأعباء المترتبة على السيطرة التي رأيناها، في الوفاء بحاجة الشعب المنهك أصلاً من إرث حكومات سبقت في ظل الاحتلال، كان أداؤها “المخجل”، وفق التعبير الأفغاني، أهم الأسباب التي أهدت المدن والأقاليم إلى “طالبان”، وعسى ألا تكون كما تقول إحدى الأفغانيات من واشنطن “كالمستجير من الرمضاء بالنار”. تلك الطريقة مهما اختلف المحللون في شأن “طالبان”، فإنهم يجمعون على أنها دليل حنكة يقتضيها حكم البلاد الممزقة، سواء أتم ذلك للحركة عبر علاقاتها القبلية الأفغانية أو دبلوماسيتها الخارجية وتجهيزها العسكري، فهي أثبتت أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه في المعادلة الأفغانية، وهذا ما كانت واقعية أمثال الرئيس السابق حميد كرزي تطالب باستيعابه، لولا أن الاستقواء بالأميركيين أعمى الآخرين حتى انتهى المشهد إلى الختام القاسي الذي يصعب أن ينتهي من دون متاعب، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، خصوصاً إن لم تبقَ دول الجوار الأفغاني على حيادها، بعد استيعاب ما يجري. التصور الثاني الذي يدعو لبعض التفاؤل، هو ما تواطأت عليه المصادر الرسمية في الحركة منذ وقت مبكر، وهو استفادتها من تجربتها السابقة وخبرة عناصرها الخارجية، في تجنب أخطائها السابقة، وفي مقدمة تلك الأخطاء سماحها باتخاذ أفغانستان منصة لتنظيمات وشخصيات مطاردة دولياً، جعلت من البلاد منطلقاً لأعمال إرهابية ضد مصالح الدول الأجنبية، فجاءت العاقبة، كما قال رئيس الاستخبارات السعودي السابق تركي الفيصل، مأساوية. وقد كان حذرهم من ذلك في وقته، أثناء محاولته إقناع زعيم الحركة الملا عمر بتسليم بن لادن، قبل أن يجلب له ولأفغانستان المتاعب. وقالت الحركة في بيان على لسان الشخص الثاني فيها، الملا برادر، إنها ستحترم حقوق الإنسان والمرأة والأقليات، وتحفظ أمن السفارات الأجنبية، ولن تتدخل في حياة الناس الخاصة، أو تصادر أموالهم وحرياتهم، معلناً عفواً عاماً. وما إلى ذلك من التعهدات التي قطعها التنظيم بعدم الإنتقام، قبل تسلمه السلطة. وهنا لا بد من الإقرار بأنه على الرغم من تضاؤل صدقية عديد من الحركات المتخذة للإسلام سُلماً إلى السلطة في المنطقة الإسلامية والعربية، فإن “طالبان” فيما مضى من تاريخها يمكن وصفها بأي شيء إلا “قلة المصداقية”، وهذا مؤشر يدعو إلى بعض الأمل. ما مقاييس “شريعة طالبان”؟ يبقى بعد ذلك السؤال الجوهري، هو بأي شريعة ستحكم “طالبان” أفغانستان هذه المرة؟ فمن السهل إطلاق الشعارات، والقول إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وإن المجتمع يريد ما تُمليه الشريعة، لكن أي شريعة؟ بالنسبة إلى الطالبانيين يقولون إنها التي توافق تقاليد المجتمع الأفغاني، ولكن هذا الأخير متعدد المشارب والأهواء والأفكار. رأينا في الفترة السابقة كل التيارات من اليسار إلى الوسط واليمين، نساء سافرات ولابسات للجينز، وأخريات متلفعات بالعباءات، كما الرجال باللحى، وآخرين من دونها. رأينا المساجد وحلقات الذكر، كما قاعات الفنون وحفلات الغناء والبهجة. هنا يقع امتحان تطبيق الشريعة، وعدم “احتكار السلطة” الذي تعهدت به الحركة، وأهمية ضغط المجتمع الدولي. ويعود ذلك إلى أن أساس مشكلة تنظيم الإخوان المسلمين العابر للقارات، هو اتخاذه “الإسلام هو الحل”، شعاراً وتطبيق الشريعة مطلباً، وكأن المجتمع المصري الذي نشأ فيه التنظيم غير مسلم حتى يكون حله الإسلام، أو لا علاقة لأنظمته بالشريعة حتى يطبقها، ولذلك يقول المفتي المصري، شوقي علام، إنه ما كاد “أزهري معتبر” (هكذا قال) يؤيد مطلب تطبيق الشريعة في مصر ويدعو إليه، لأن البلاد لم تخلُ منها في أي عصر من عصورها. عندما كنت في مهمة صحافية 2007 إلى نيجيريا لتغطية مبادرة الولايات الشمالية ذات الأغلبية المسلمة، مثل “كانو” إلى تطبيق الشريعة، سألت رئيس المجلس الحارس للتجربة: ما النموذج الذي ستطبقونه من الشريعة، هل هو السعودي أم المصري والباكستاني والماليزي والتركي، أم ماذا؟ فقال بكل ثقة: “إذا كان من بين من ذكرت بالفعل من يطبق الشريعة سنحاول الاستفادة من تجربته”! في نهاية المطاف سريعاً ما خرجت الأمور من أيدي أصحاب النوايا الطيبة، واستبسلت مجموعة “بوكو حرام”، ومن بعدها “داعش”. الشاهد من ذلك أن المزايدات في هذا الميدان، ووسع الشريعة، وادعاء كل طرف تمثيلها، يفتح الباب واسعاً أمام التأويلات. حتى الفقه الإسلامي الذي تعددت مذاهبه، يرى أمثال المفكر العراقي رشيد خيون أن المذهب الحنفي الذي تقول “طالبان” إنها تطبقه فيما مضى من تجربتها، لا يشبه ما كانت تفعل سماحته وسعة أفق نظريات مدونيه الأوائل، خصوصاً في العلاقة مع غير المسلمين والمخالفين. وما هو أهم من أفغانستان ومن يحكمها ومستقبلها، هو “صورة الإسلام الكلية”، الذي كاد بفضل “القاعدة” حليفة “طالبان” (حتى الآن)، و”داعش” وأخواتها، واختيارات “طالبان” وبعض المتشددين هنا وهناك، يساوي “الإرهاب، والقتل، والشرور”. لكل ذلك فإن الخطوة التي ستختار “طالبان” اتخاذها مهمة لأفغانستان والعالم أجمع. والقصة تطول، والجميع يراقب. المزيد عن: أفغانستان\طالبان\الانسحاب الأميركي\حقوق الإنسان\كابول\الشريعة