عام 1976 كان حافظ الأسد يملك جيش دولة، وغطاءً عربياً، وطلباً لبنانياً، أما اليوم، فالرئيس أحمد الشرع يرث دولة سورية منهكة وظروف داخلية لبنانية مختلفة (اندبندنت عربية) عرب وعالم سوسن مهنا في اندبندنت عربية: أشباح الوصاية السورية… هل يوقظها الشرع في لبنان؟ by admin 20 يونيو، 2026 written by admin 20 يونيو، 2026 13 الخطأ الكبير هو الاعتقاد أن 2026 يمكن أن تكون نسخة جديدة عما حصل قبل 50 عاماً اندبندنت عربية/ سوسن مهنا صحافية @SawsanaMehanna في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن وطهران إلى تثبيت إطار تفاهم يهدف إلى احتواء المواجهة بينهما ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة، يبدو لبنان مرة جديدة خارج معادلة التهدئة. وحتى لو تطور التفاهم الأميركي- الإيراني، إلى اتفاق أكثر شمولاً، فلا يعالج جوهر الصراع القائم على الساحة اللبنانية، ولا يجيب عن الأسئلة التي طرحت داخلياً وإقليمياً منذ سنوات حول مستقبل سلاح “حزب الله” ودوره العسكري والإقليمي. وخلال ما يقارب ثلاث سنوات من المواجهات المتقطعة والحروب والعمليات العسكرية الواسعة، أثبتت الوقائع أن إسرائيل، على رغم حجم القوة النارية المستخدمة وحجم الدمار الذي لحق ببيئة الحزب وبنيته العسكرية، لم تتمكن من تحقيق هدفها المعلن المتمثل بالقضاء تماماً على “حزب الله” ونزع سلاحه. لكنها في المقابل نجحت في فرض واقع ميداني جديد، تمثل بتوسيع هامش حركتها العسكرية داخل لبنان، والتوغل السريع في مناطق حدودية، والسيطرة على مرتفعات ومواقع استراتيجية تعتبرها ضرورية لأمنها القومي بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. هذا الواقع دفع بعض الدوائر الأميركية إلى البحث عن مقاربات مختلفة للتعامل مع ملف “حزب الله”، لا تقوم فقط على الضربات العسكرية الإسرائيلية أو الضغوط الاقتصادية والسياسية، بل على إعادة رسم البيئة الإقليمية المحيطة بالحزب وعزله عن عمقه الاستراتيجي. ومن هنا برز الحديث عن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الرئيس السوري أحمد الشرع لعب دور في إنهاء حالة “حزب الله”، في خطوة أعادت إلى الأذهان مقارنات تاريخية مع الدور السوري في لبنان عام 1976، وأثارت تساؤلات جوهرية حول أوجه الشبه والاختلاف بين المرحلتين، وحول ما إذا كانت سوريا اليوم تملك أصلاً الأدوات السياسية والعسكرية التي امتلكها الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، قبل نحو نصف قرن. يوم دخلت القوات السورية إلى لبنان عام 1976 (ا ف ب) ماذا يحصل اليوم في ملف “حزب الله” وسلاحه؟ لم يعد ملف “حزب الله” يُطرح اليوم بوصفه ملفاً لبنانياً داخلياً فقط، ولا حتى بوصفه بنداً مؤجلاً من بنود القرارين الأممين 1559 أو 1701. بعد توسع الضربات الإسرائيلية داخل لبنان، لم يعد السلاح يُناقش كـ”سلاح قتال ضد إسرائيل” أو “ورقة دفاعية”، بل كمنظومة عسكرية عابرة للدولة، من الصواريخ الدقيقة، والمسيّرات، والأنفاق، وبنى الاتصالات، وخطوط الإمداد، ومخازن أسلحة ومنشآت لا تخضع لقرار الدولة اللبنانية. بهذا المعنى، لم تعد المشكلة محصورة فقط في وجود السلاح، بل في الوظيفة السياسية والأمنية لهذا السلاح، من يستخدمه؟ ومتى؟ ولمصلحة من؟ ومن يدفع ثمنه؟ في هذا السياق جاء كلام دونالد ترمب عن أنه تحدث مع الشرع بشأن “حزب الله”، وأن سوريا قد تكون قادرة على “التعامل” مع الحزب بطريقة أفضل من إسرائيل. لكن الأخطر من التصريح نفسه هو ما يكشفه، أن واشنطن بدأت تفكر بلبنان من زاوية إعادة هندسة البيئة الإقليمية المحيطة بالحزب، لا فقط من زاوية الضغط الداخلي اللبناني. في المقابل أشار تقرير نشرته وكالة “رويترز” أن دمشق لا تبدو مستعدة لتدخل عسكري في لبنان بسبب خطر تفجير توترات طائفية. “قوات الردع العربية” هنا تبرز المقارنة مع عام 1976، يوم دخلت سوريا إلى لبنان تحت عنوان “قوات الردع العربية”، في ظل وجود “منظمة التحرير” الفلسطينية كقوة مسلحة غير لبنانية على الأرض اللبنانية، لكن المقارنة، على أهميتها، تحمل فوارق بنيوية كبرى. وفي تقرير لـ “الدولية للمعلومات” وهي شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية مستقلة تأسست في بيروت، نشر في يوليو (تموز) 2014، بعنوان “قوات الردع العربية بدأت عربية من عدة دول وانتهت سورية”، يتحدث عن ظروف إنشاء هذه القوات ويقول إن الحرب الأهلية، “اندلعت عام 1975 وأخذت أبعاداً عربية ودولية بفعل الوجود الفلسطيني المسلح ودخوله في الحرب وكذلك التدخل العسكري السوري. ولمنع الفلسطينيين من تحقيق المزيد من السيطرة والنفوذ، وقف السوريون بداية إلى جانب حزبي (الكتائب) و(الأحرار) في وجه الفلسطينيين، واعتبر الفلسطينيون وحلفاؤهم اللبنانيون لا سيما (الزعيم الدرزي) كمال جنبلاط أن ما يحصل هو حرب إبادة سورية، وطالبوا بالتدخل العربي لا سيما من مصر وجامعة الدول العربية لوقف القوات السورية”. ويتابع التقرير أنه، حصلت تحركات عربية فعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعات عدة في القاهرة في يوليو 1976 وكانت إحدى ثمارها تشكيل لجنة ضمت ممثلين عن كل من لبنان وسوريا ومصر وتونس ومنطقة التحرير الفلسطينية، وعدلت لاحقاً فحلت ليبيا والسعودية مكان مصر وتونس وهدف اللجنة صياغة مشروع اتفاق لإنهاء النزاع اللبناني. وكان محور البحث هو كيفية تحقيق الانسحاب السوري من لبنان وإعطاء ضمانة عربية للفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين وإجراء مصالحة سورية- فلسطينية”. وأكد وزراء الخارجية العرب على وقف إطلاق النار والالتزام به واحترامه. والترحيب بما أبداه وفدا سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية من رغبة في البدء فوراً في العمل من أجل إعادة العلاقات بينهما إلى مجراها الطبيعي. والتأكيد على تعزيز قوة الأمن العربية ودعمها بالوحدات والمعدات والتسليح اللازم لتأمين مهماتها وتحركاتها. وتقديم ونقل مواد الوقود والأدوية والمواد الغذائية من جميع الدول العربية إلى المتضررين في لبنان”. قيادات مسيحية لبنانية طالبت دمشق بالتدخل ضد منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان بداية الحرب الأهلية (ا ف ب) ويشير التقرير “الدولية للمعلومات” أنه “بدأ تعزيز قوة السلام العربية التي كانت برئاسة اللواء محمد حسن غنيم وأخذت بالانتشار في 21 يوليو 1976، في منطقة محايدة بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية. هذه القوة المحدودة شكلت نواة “قوة الردع العربية” فاستمرار المعارك في كل المناطق دفع إلى انعقاد مؤتمر قمة عربي سداسي في العاصمة السعودية الرياض حضره لبنان، السعودية، الكويت، سوريا، مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية. وقد نص بيان القمة على “تعزيز قوات الأمن العربية الحالية لتصبح قوة ردع تعمل داخل لبنان تحت أمرة رئيس الجمهورية اللبنانية شخصياً، وعلى أن يكون عديدها في حدود 30 ألف جندي وتكون مهامها الأساسية، فرض الالتزام بوقف إطلاق النار وردع أي مخالف، وحفظ الأمن الداخلي والإشراف على سحب المسلحين إلى الأماكن التي كانوا بها قبل 13 أبريل (نيسان) 1975، وتطبيق اتفاق القاهرة (1969)، والإشراف على جمع السلاح الثقيل…”. ولاحقاً في 25 أكتوبر عقد مؤتمر قمة عربي في القاهرة تبنى مقررات قمة الرياض. واستحوذ تشكيل قوة الردع العربية على حيز كبير من النقاش في ظل رغبة “منظمة التحرير” باشتراك قوات من دول عربية فيها لا سيما من مصر لمنع سوريا من الاستفراد بالوضع، لكن مصر فضلت عدم المشاركة وبالتالي كان العدد الأكبر من قوات الردع من الجيش السوري الذي سبق ودخل لبنان. إذ وصل عددهم إلى نحو 27 ألف جندي سوري مقابل نحو 3 آلاف من دول عربية أخرى. وفي الأول من نوفمبر، أقدم الرئيس الياس سركيس على تعيين العقيد أحمد الحاج (أحد الضباط الشهابيين الذين رافقوا الرئيس السابق فؤاد شهاب) قائداً لقوات الردع العربية. وبدأت القوات بالانتشار، وما لبثت أن حصلت إشكالات بين القوات السورية (ضمن قوات الردع) والأحزاب والميليشيات المسيحية أثناء تمركزها في المناطق الشرقية، (شرق العاصمة بيروت). ووفقاً لتقرير “الدولية للمعلومات” أن “حالة العداء بين القوات السورية والقوات اللبنانية وكذلك التقارب السوري-الفلسطيني، وشعور قادة وعناصر الوحدات العربية الأخرى المشاركة في قوات الردع أنهم مجرد (تكملة عدد)، ولاحقاً زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس عجلت برحيل هذه القوات عن لبنان، فانسحب السعوديون أولاً ثم اليمنيون والسودانيون وأخيراً الإماراتيون وفي نهاية مايو (أيار) 1979 لم يبق سوى السوريين، فأضحت قوات ردع عربية إنما قوامها سورية وقائدها الشكلي هو رئيس الجمهورية اللبنانية من خلال أحد الضباط، لكن القرار الفعلي هو في دمشق. استمرت الحال هكذا حتى عام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي عندما غادرت القوات الفلسطينية لبنان وانتهت مهمة قوات الردع العربية، التي جاءت لإحلال السلام ولكنها فشلت وتحولت إلى غطاء للوجود السوري في لبنان. المقارنة مع 1976 خطيرة إذاً عام 1976 كان حافظ الأسد يملك جيش دولة صاعداً، وغطاءً عربياً، وطلباً لبنانياً، ومشهداً إقليمياً يسمح بتدخل مباشر. أما اليوم، فالرئيس أحمد الشرع يرث دولة سورية منهكة، وجيشاً لا يزال قيد إعادة البناء، واقتصاداً مدمراً، ومجتمعاً خرج من حرب طويلة، فيما “حزب الله” ليس جسماً فلسطينياً وافداً، بل حزب لبناني مسلح، ولو كان ارتباطه الوظيفي والأيديولوجي بإيران. وعليه فإن أخطر ما يمكن فعله اليوم هو بناء استنتاجات سياسية على تشابه سطحي بين 1976 و2026. وصحيح أن هناك شبهاً في الحالتين، حيث يقف لبنان عاجزاً عن حصر السلاح بيد الدولة، كذلك توجد قوة مسلحة أقوى من الدولة أو موازية لها، وفي الحالتين، يتم التفكير بدور سوري ما داخل المعادلة اللبنانية، لكن هنا ينتهي الشبه تقريباً. عام 1976، كانت “منظمة التحرير” تنظيماً غير لبناني ويمارس سلطة أمنية وعسكرية داخل لبنان، وكان وجوده المسلح قابلاً للتوصيف كقوة وافدة أو قوة خارج الدولة اللبنانية. أما “حزب الله” فهو حزب لبناني، له كتلة اجتماعية وطائفية ومؤسسات سياسية وبرلمانية وبلدية وخدماتية. لذلك، أي تدخل خارجي ضده لن يظهر فقط كعملية ضد ميليشيات، بل قد يتحول فوراً إلى صراع داخل النسيج اللبناني نفسه. وهذه هي النقطة الأخطر، “منظمة التحرير” كانت قوة فلسطينية على أرض لبنانية، و”حزب الله” قوة لبنانية ذات وظيفة إيرانية. وهذا الفارق يجعل أي تدخل سوري مباشر كـ “وصفة” لصدام مذهبي وسياسي، ولاحقاً أهلي. عام 1976، دخلت سوريا بغطاء عربي، فقمة الرياض ثم قمة القاهرة منحتا “قوات الردع العربية” غطاءً سياسياً، وقررتا تعزيز القوة العربية داخل لبنان لتعمل تحت القيادة الشخصية لرئيس الجمهورية اللبنانية. كذلك أشارت تقارير الأمم المتحدة اللاحقة إلى أن سوريا كانت العمود الفقري لهذه القوة، إذ شكلت نحو 27 ألف جندي من أصل 30 ألفاً في بداية الانتشار. واليوم تطرح أسئلة عدة، هل من غطاء عربي؟ وأين الطلب اللبناني لهذا التدخل؟ وأين الجيش السوري القادر؟ وأين الشرعية اللبنانية التي يمكن أن تستدعي سوريا مرة أخرى؟ لا شيء من ذلك موجود. الأهم في كل ذلك أن سوريا اليوم ليست “سوريا حافظ الأسد”، سوريا الحالية لا تملك فائض قوة، وهي تحتاج إلى تثبيت سلطتها داخل أراضيها قبل التفكير بأي دور خارجها. إذ إن حدودها نفسها تحتاج إلى ضبط، ومؤسساتها العسكرية والأمنية تحتاج إلى إعادة تركيب، واقتصادها يحتاج إلى إنعاش، وشرعيتها الدولية ما زالت قيد الامتحان. لذلك، أي كلام عن تدخل سوري لإنهاء “حزب الله” قد يكون سياسياً مفيداً للضغط، لكنه عسكرياً غير واقعي ولبنانياً بالغ الخطورة. والنتيجة أن من يطلب من سوريا اليوم أن تدخل لبنان لإنهاء حالة الحزب، كمن يطلب من دولة تحاول الخروج من الانهيار، أن تعالج انهيار دولة أخرى. اقرأ المزيد تدخل سوريا عسكريا في لبنان… محاذيره وأخطاره على بيروت ودمشق ترمب تحدث مع الرئيس السوري في شأن مواجهة “حزب الله” ترمب: الرئيس اللبناني سيزورنا ويجب معالجة ملف “حزب الله” بطريقة أو أخرى غياب احتكار الدولة اللبنانية للقوة تكمن المشكلة الأساسية ليس في اسم القوة المسلحة، مرة كانت “منظمة التحرير”، واليوم “حزب الله”، المشكلة الأعمق هي غياب احتكار الدولة اللبنانية للقوة. ومن المبادئ الأساسية، أن أي دولة لا تكون دولة كاملة إذا كان قرار الحرب خارج مؤسساتها. ولا يكفي أن يكون لديها رئيس وحكومة وجيش وحدود، فالدولة تُقاس بسؤال واحد، هل تستطيع أن تقرر متى تدخل الحرب ومتى تخرج منها؟ في لبنان، الجواب حتى الآن، لا. لذلك، جوهر المسألة ليس فقط، نزع سلاح “حزب الله”، بل إعادة قرار الحرب والسلم إلى الدولة. وهذه نقطة مهمة جداً لأنها تنقل النقاش من سؤال تقني عن السلاح إلى سؤال سيادي عن السلطة. عام 1976، جرى التعامل مع المشكلة عبر إدخال قوة خارجية لضبط الساحة اللبنانية. لكن التجربة أثبتت أن التدخل الخارجي لا يعيد بناء الدولة بالضرورة، بل قد يستبدل وصاية بوصاية. فـ “قوات الردع” بدأت بعنوان عربي، ثم تحولت عملياً إلى وجود سوري طويل، وصولاً إلى وصاية أمنية وسياسية انتهت عام 2005. ومع الوقت صار الوجود السوري نفسه جزءاً من المشكلة اللبنانية، لا حلاً لها. لهذا السبب، إن القرار 1559 عام 2004 لم يتحدث فقط عن خروج القوات الأجنبية من لبنان، بل ربط ذلك أيضاً بنزع سلاح كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها. وهذه الثلاثية لا تزال جوهر المسألة حتى اليوم ومطلب الغالبية، لا قوات أجنبية، ولا ميليشيات مسلحة، ولا مناطق خارج سلطة الدولة. ومن هنا، إذا كان المطلوب اليوم معالجة سلاح الحزب، فلا يمكن استبدال القرار الإيراني بقرار سوري، ولا يمكن مواجهة وصاية الحزب بوصاية دمشقية جديدة. ويجب أن يكون الحل نزع السلاح عبر الشرعية اللبنانية، وعبر ضمانات دولية، ودعم عربي، لا سورياً في التنفيذ المباشر. ويمكن أن تكون سوريا جزءاً من بيئة الضغط على “حزب الله” من أراضيها، لكنها لا يمكن أن تكون صاحبة الحل داخل لبنان. إذ إن وظيفة سوريا الممكنة هي في قطع الممرات، وضبط الحدود، ووقف التهريب، ومنع إعادة وصل الجغرافيا الإيرانية بين العراق وسوريا ولبنان. أما وظيفة الدولة اللبنانية فهي في استعادة قرار الحرب والسلم، ووظيفة المجتمع الدولي فهي تحويل القرارات الدولية من نصوص مؤجلة إلى مسار قابل للقياس. سوريا لم تعد رئة “حزب الله” من ناحية أخرى، قد لا يكون كلام ترمب مجرد تهور سياسي، بل مؤشر إلى تحول أكبر، أي أن “حزب الله” يفقد جزءاً من بيئته الاستراتيجية القديمة. لسنوات طويلة، كانت سوريا بالنسبة إلى “حزب الله” أكثر من دولة مجاورة، كانت ممر السلاح، ومساحة التدريب، وخط الاتصال مع إيران، والعمق الخلفي، والجغرافيا التي تربط طهران ببغداد بدمشق ببيروت. ومنذ اندلاع الحرب السورية في مارس (آذار) 2011، صار “حزب الله” لاعباً عسكرياً داخل سوريا، لا مجرد حليف سياسي للنظام، ودافع عن نظام الأسد لأنه كان يدافع أيضاً عن خط إمداده الحيوي. أما اليوم، فإذا كانت سوريا الجديدة لا تريد أن تكون جزءاً من المحور الإيراني، فهذا يغير معادلة الحزب جذرياً، حتى من دون رصاصة واحدة داخل لبنان، تستطيع دمشق أن تضرب الحزب في نقطة حساسة، وهي الجغرافيا. ذلك أن الحزب لا يعيش فقط على خطابه ولا على بيئته اللبنانية، بل أيضاً على خطوط الإمداد. وإذا أُغلقت الحدود السورية- اللبنانية فعلياً، وإذا مُنعت المعابر غير الشرعية بشكل كامل، وإذا رُصدت حركة السلاح والمخازن والعبور، وإذا صار التنسيق اللبناني- السوري بضمانة أميركية وعربية، فإن الحزب سيتحول من قوة إقليمية متصلة بمحور واسع إلى قوة لبنانية محاصرة داخل جغرافيا ضيقة. وهذه هي الفرصة الكبرى، ليس أن تدخل سوريا إلى لبنان، بل أن تخرج سوريا من وظيفة خدمة “حزب الله”، والفارق كبير جداً. كذلك فإن أي تدخل عسكري سوري الآن سيعيد ذاكرة الاحتلال والوصاية، ولكن عبر ضبط الجارة الشرقية لحدودها سيعيد تعريف دورها كدولة طبيعية لا كمنصة لمحور إقليمي. من هنا، يمكن تحويل تصريح ترمب من فكرة خطرة إلى فرصة سياسية، لا نريد الجيش السوري في لبنان، بل الدولة السورية على حدودها. ولا نريد تكرار 1976، بل إغلاق الباب الذي سمح لـ “حزب الله” بأن يصبح جيشاً إقليمياً داخل لبنان. ظروف اليوم لا تشبه الوضع عام 1976، إن في سوريا أو في لبنان (ا ف ب) ماذا تمتلك سوريا اليوم فعلياً؟ بهذا المعنى، قوة سوريا اليوم ليس لأنها تمتلك جيش حافظ الأسد، جيشاً عربياً قوياً بالمعنى الكلاسيكي، ولا دولة مركزية مكتملة الصلابة، ولا اقتصاداً قادراً على تمويل مغامرة خارجية، ولا غطاءً عربياً واضحاً لتدخل في لبنان، بل في أنها تمتلك شيئاً آخر، وهو الموقع. والموقع قد يكون أهم من القوة إذا استُخدم بذكاء، موقع سوريا بين إيران ولبنان هو العقدة، وهي الطريق البري الأهم بين الدول الثلاث، وإذا تبدلت وظيفة هذه العقدة، يتبدل جزء كبير من ميزان “حزب الله”. وعبر ضبط الحدود السورية- اللبنانية يمكن أن يكون ضربة استراتيجية لـ “حزب الله”. وإذا أراد الرئيس الشرع تقديم نفسه كحاكم دولة لا كزعيم فصيل، فإن ضبط الحدود ومنع الميليشيات من استخدام سوريا يعطيه رصيداً دولياً. أضف إلى الحاجة الأميركية والعربية إلى دور سوري جديد، هذه الحاجة قد تمنح دمشق دعماً سياسياً واقتصادياً إذا التزمت بعدم التحول إلى منصة إيرانية مجدداً. لكن ما لا تمتلكه سوريا حقيقةً، هو القدرة على الدخول إلى لبنان وإنهاء الحزب عسكرياً، فهذه ليست مهمة واقعية، لا عسكرياً ولا سياسياً ولا طائفياً. والخطأ الكبير هو الاعتقاد أن 2026 يمكن أن تكون نسخة جديدة من 1976. لا الزمن هو الزمن نفسه، ولا سوريا هي سوريا نفسها، ولا الطرف المسلح هو نفسه، ولا الغطاء العربي موجود، ولا لبنان يحتمل وصاية جديدة. عام 1976 دخلت سوريا إلى لبنان بحجة ضبط “منظمة التحرير” وضبط الحرب الأهلية اللبنانية، ثم تحولت إلى قوة وصاية لاحقت بالمقام الأول من أدخلها البلاد. أما اليوم فأي دور سوري سيُقرأ كجزء من مواجهة سنية لحزب شيعي لبناني مرتبط بإيران، وهذا يحمل خطراً طائفياً أكبر. وإذا دخلت بحجة “حزب الله”، فقد لا تنهي الحزب، بل قد تمنحه فرصة لإعادة شرعنة سلاحه تحت عنوان مواجهة تدخل خارجي جديد. التدخل السوري سيعطي ذريعة إضافية لـ”حزب الله” وعليه، وفي قراءة مشهدية، لبنان دولة لديها جيش، وسوريا دولة خارجة من حرب، و”حزب الله” حزب لبناني مسلح، فلماذا يُطلب من سوريا أن تحل مشكلة لبنانية داخل لبنان؟ ويبدو المنطق غير مستقيم، فكيف لدولة ضعيفة أن تطلب من دولة ضعيفة أيضاً، أن تنهي قوة مسلحة أقوى من الطرفين سياسياً وأمنياً داخل بيئتها اللبنانية، وهذا يبدو غير واقعي. ثم إن الذاكرة مهمة، وبالنسبة إلى اللبنانيين، سوريا ليست طرفاً محايداً، الوجود السوري في لبنان لم يكن تفصيلاً عابراً، بدأ بتفويض عربي وانتهى بوصاية أمنية وسياسية طويلة. لذلك، أي حديث عن دور سوري داخل لبنان يستدعي فوراً ذاكرة الاعتقالات، والوصاية، والتحكم بالقرار السياسي، والاغتيالات وما تلاها. فإذا كان الهدف حماية سيادة لبنان، فلماذا يبدأ الحل من إدخال طرف خارجي جديد؟، وإذا كان “حزب الله” يتذرع بإسرائيل وبالخطر الخارجي لتبرير سلاحه، ألن يمنحه التدخل السوري ذريعة إضافية؟ ألن يقول لجمهوره إن لبنان يتعرض لغزو جديد؟ وألن يحول سلاحه من عبء إلى “ضرورة دفاعية” في نظر بيئته؟. من هذه الزاوية، كلام ترمب قد يكون مفهوماً كضغط سياسي، لكنه غير قابل للبيع داخل لبنان. لأن أي حل لا يراعي الذاكرة اللبنانية سيفشل، حتى لو بدا منطقياً في واشنطن. في المحصلة، لبنان لا يدخل مرحلة تسوية، بل مرحلة إعادة تعريف لموقعه في الصراع. فالتفاهم الأميركي- الإيراني، إن ثبت، قد يهدّئ الجبهة الكبرى بين واشنطن وطهران، لكنه لا يحل العقدة اللبنانية، سلاح “حزب الله” وقراره العسكري المستقل. لذلك، طلب ترمب من الشرع لا يعني عودة بسيطة إلى نموذج 1976، بل يكشف مأزقاً أعمق، الحزب لم يعد مشكلة لبنانية فقط، ولا يمكن حسمه إسرائيلياً فقط، ولا يبدو أن إيران ستتخلى عنه طوعاً، والمعركة المقبلة ستكون على محاولة عزله، لا على إسقاطه دفعة واحدة. والمطلوب اليوم ليس تكرار تجربة 1976، بل منع تكرارها، أي أن تضبط سوريا حدودها، لا أن تدخل لبنان، وأن تستعيد الدولة اللبنانية سيادتها، لا أن تستدعي وصاية جديدة باسم مواجهة “حزب الله”. المزيد عن: أحمد الشرع حزب الله دونالد ترمب الوصاية السورية قوات الردع العربية الحرب الأهلية اللبنانية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post طوني بولس في اندبندنت عربية: الجيش السوري الجديد… هل يملك ما يكفي لمواجهة “حزب الله”؟ next post طارق الشامي في اندبندنت عربية : هل يشبه صندوق إعمار إيران أخاه في غزة؟ You may also like مارسيل نصر في المجلة : هل يمكن مصر... 20 يونيو، 2026 تنشر “اندبندنت عربية” مجموعة من الوثائق السرية في... 20 يونيو، 2026 باريس تحظر مسيرة إيرانية معارضة ومنظموها: لأسباب واهية 20 يونيو، 2026 اندبندنت عربية: ضابط استخبارات إسرائيلي يكشف تفاصيل جديدة... 20 يونيو، 2026 طارق الشامي في اندبندنت عربية : هل يشبه... 20 يونيو، 2026 طوني بولس في اندبندنت عربية: الجيش السوري الجديد…... 20 يونيو، 2026 دنيز رحمة فخري تكتب عن : “تلزيم لبنان... 20 يونيو، 2026 التدخل السوري المحتمل في لبنان… ما هو الموقف... 20 يونيو، 2026 إيران بعد الحرب… هل تبدأ أزمة النظام الحقيقية... 19 يونيو، 2026 إيران في مهمة “مستحيلة” لاستعادة ثقة الخليج 19 يونيو، 2026