مارغريت دوراس (1914 - 1996) (متحف ساسيم_ ويكيبيديا) ثقافة و فنون الأم المجنونة التي أقامت سدودا لمنع المحيط من الفيضان by admin 5 يونيو، 2026 written by admin 5 يونيو، 2026 18 حين أطلقت مارغريت دوراس العنان لتخييل حياتها وكتابة سيرة الاستعمار اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان السؤال المطروح على الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس في عام 1995 أي قبل رحيلها بفترة قصيرة، بديهياً ويمكنه أن يكون من النوع الذي يُطرح عادة على أي كاتب في أية لحظة من لحظات حياته: “ما هو كتابك الذي تفضله على أي كتاب آخر من مؤلفاتك؟”، فكان جواب الكاتبة في كلمتين تبدوان غامضتين لكنهما في الحقيقة قالتا كل شيء، قالت: “السد، الطفولة” ولم تزد. مع ذلك كان واضحاً أن لا “العاشق”، روايتها المفضلة، ولا “إنديا صونغ”، ولا “اختطاف لول ف. شتاين”، ولا “بحار جبل طارق”، ولا أي نص آخر من تلك النصوص التي أدمنت على كتابتها خلال العقود الأخيرة من حياتها، كان ما تفضله، بل ما فهم المعنيون أنه، روايتها الكبيرة الأولى “سد على المحيط الهادئ”، والتي صدرت باكراً في مسيرتها الإبداعية، بعد عملين صغيرين سبقاها لتحمل ذلك العنوان شديد الفخامة الموحي ببعد ملحمي وبمناخ استعراضي، مع أنها لم تكن تحمل في ثناياها أكثر من نص حميمي أقرب إلى السيرة الذاتية، إنما جنباً إلى جنب مع العديد من الدلالات التي ستطبع على أي حال حياة مرغريت دوراس وأدبها طوال القرن العشرين. بيد أن هذه الرواية، وزمناً طويلاً قبل “العاشق” التي ستباع بمئات ألوف النسخ وتحوَّل فيلماً وتجذب جمهوراً عريضاً لكاتبة كانت تعتبر بالغة النخبوية، عرفت كيف تحقق للكاتبة نجاحاً غير متوقع على الإطلاق من ناحية النقاد ولكن من ناحية القراء أيضاً وصولاً إلى ترشيحها لنيل جائزة الغونكور الأدبية. عائلة صغيرة في بيئة قاسية ومع ذلك لا تتحدث الرواية عن أكثر من حياة تعيشها عائلة تتألف من أم وابنة وابن. والابنة هي التي تروي الحكاية. والحكاية عن بيت وأرض اشترتها الأم لتستغلها وتعيش بفضل زراعتها بعد رحيل الأب باكراً وتحمّلها مسؤولية ولدَيها ولكن ليس في مكان طبيعي، بل في تلك المنطقة من العالم التي كانت تسمى الهند الصينية أيام الاستعمار الفرنسي لها. ففي تلك المناطق البعيدة الخاضعة للكولونيالية، حيث بنى كثر من المحتلين إمبراطوريات وثروات، ونهبوا خيرات السكان المحليين، تبين أن قطعة الأرض التي تمكنت الأم من شرائها لتعتاش منها، غير صالحة للزراعة ولا للعيش ولا حتى لأي شيء آخر، بسبب مياه المحيط التي تفيض عليها على مزاجها، فيما الأم لا تجد حلاً سوى أن تبني السد بعد السد للحيلولة دون حدوث ذلك الفيضان. ولكن عبثاً. إنها في الحقيقة أحداث كبيرة ولكن، لأن الكاتبة هنا هي مارغريت دوراس، سنكتشف بسرعة أن الرواية ليست في جوهرها عن ذلك الحدث الملحمي إنما السيزيفي، الذي سيتبين لنا أن الكاتبة قد عاشته بشكل أو بآخر في طفولتها، لكنها عن الأم وعن ذلك الغرق في الجنون الذي تعيشه وتعيشه الابنة معها، ولا سيما أن الابن جوزف يمضي جل وقته بعيداً من ذلك المكان الواقع في أقاصي الجنوب الشرقي الآسيوي. ومن هنا تكاد الرواية كلها أن تتحول لتضحى نصاً بالغ الخصوصية، من حول ما تختزنه ذاكرة الابنة في ما يتعلق بالعلاقة بين الأم والمكان، والأم والحياة التي تعيشها، والأم والابنة في نهاية الأمر وبالتحديد. مهما يكن من أمر، من الواضح أن ما لدينا هنا هو صورة ما، ولكن بالتأكيد ليس صورة مطابقة لما عاشته مارغريت دوراس في جوها العائلي قبل عودتها إلى فرنسا لتستقر نهائياً. فالواقع أن ثمة تشابهاً بين حياتها العائلية هناك في “آخر العالم”، وتحديداً في عشرينيات القرن الفائت، وبين ما ترويه في هذا النص الفاتن. “سد على المحيط الهادئ” في اقتباس سينمائي (متداول) التزام نضالي ما… فهذه الرواية التي تصور المناخ الكولونيالي في تلك المرحلة الزمنية والتي كتبتها دورا وأصدرتها في عام 1950، أتى ظهورها في زمن كانت السجالات حادة في فرنسا من حول الالتزام السياسي ودور الأدب في التصدي لكل ما هو غير إنساني. ومن هنا لن يفوت القارئ أن يلاحظ أن في خلفية هذا الكتاب موقفاً متقدماً تعبر عنه الكاتبة وبقدر كبير من التهكم والسخرية والغضب، ومن خلال حكايتها العائلية المعدلة إلى حد ما، كما ستقول مرات ومرات لاحقاً، مناهضاً للمستوطنين البيض والممارسات الفالتة من كل ضمير وليس فقط ضد السكان المحليين بل ضد بعضهم البعض، بفعل جشع كان لا مفر من أن تنتجه المنظومة الكولونيالية نفسها، وليس فقط كمنظومة طبقية ظالمة، بل كمنظومة تفتقر إلى أي أخلاقية. اقرأ المزيد “المارغريتان” يورسنار ودوراس لا تزالان سيدتي المشهد الأدبي الفرنسي الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس تمارس التدمير … روائيا معرض الكتاب الفرنسي توقف ويعوضه مهرجان فرنكوفوني توظيف السيرة الذاتية من خلال هذه الرواية إذاً، تمكنت مارغريت دوراس من توظيف سيرتها الذاتية، أو ما أرادت تبيانه هنا مما تبقى في ذاكرة الطفلة التي كانتها، للتنديد بالممارسة الكولونيالية، وهي تمكنت من خلال ذلك من تحويل ما تتذكره إلى مكوّن أسطوري يتلاءم مع الصورة التي اختزنتها لأم تصورها لنا، وأسوة بالسكان الأصليين، ضحيةً لمنظومة وفكر وممارسات، تتبدى لنا حقيقتها المرة، من خلال لعبة الترميز التي تتقنها وتطاول، أول ما تطاول، فكرة السد نفسها وسيزيفية هذه الوسيلة التي لا توصل حقيقة الأحداث إلى أي نتيجة. ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى أن الكاتبة لن تبدو واضحة بما فيه الكفاية في حديثها عن “حقيقة” وجود هذا السد في حياتها أو حياة أمها، مكتفية بالقول بأن “هناك أموراً كثيرة في هذه الرواية، كما في رواياتي الأخرى المستوحاة بدورها من أمور وأحداث تطاول حياتي الشخصية، ما كان لها أن توجد لولا حاجتي إليها…”. ومع ذلك لم يفت دوراس أن تتساءل دائماً عما إذا لم يكن الأهم في اللعبة كلها هو إيصال الفكرة والصورة معاً إلى حيث وإلى مَن يجب أن تصلا إليه. ومهما يكن من أمر هنا، قد يكون من المفيد أيضاً أن نتذكر أن مارغريت دوراس نفسها، ستنتظر عام 1984 وصدور روايتها الأشهر “العاشق”، لتقول إنها أخيراً تمكنت من كتابة رواية مستوحاة مباشرة وبكل وضوح وشفافية مما حدث حقاً في حياتها، “ولا سيما هناك، في تلك الديار البعيدة التي لا أزال اعتبرها دياري حقاً، لا ديار أمي أو أخي أو كل أولئك البيض، الذين عاشوا هناك إلى جانب سكان محليين تاقوا دائماً إلى التقرب منهم لكن الفوارق الطبقية والعرقية والعنصرية منعت ذلك…”. المزيد عن: مارغريت دوراس الكتاب الاستعمار الهند الصينية سد على المحيط الهادئ 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post من المدرجات المغلقة إلى الرئاسة… امرأة تغيّر قواعد اللعبة في ليبيا next post غياب الأرشيفات البصرية يهدد ذاكرة السينما العربية You may also like أوراق وردية مسروقة… السر الصغير وراء قصائد سيلفيا... 5 يونيو، 2026 مارلين كنعان تكتب عن: الفلسفة تبدد الالتباس الذي... 5 يونيو، 2026 سر الواقعية السحرية عند ماركيز كما كشفه جيرالد... 5 يونيو، 2026 غياب الأرشيفات البصرية يهدد ذاكرة السينما العربية 5 يونيو، 2026 كيف تتغير أذواقنا الموسيقية خلال الحروب؟ 5 يونيو، 2026 خالد الغنامي يكتب عن: العرب في كتابات الفلاسفة... 3 يونيو، 2026 شوقي بزيع يكتب عن: من يعيد لبيوت الجنوب... 3 يونيو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: جدارية الوجوه الثلاثة في... 3 يونيو، 2026 اندبندنت عربية: الشاعر الصيني بي داو يضيء “مصباحا... 3 يونيو، 2026 اندبندنت عربية : كيف نقرأ علاقة إدغار موران بمفكري... 3 يونيو، 2026