ذلك الغياب الصامت لرجل التنمية أعاد استحضار رحلة طويلة بدأت من بريطانيا وانتهت في اليمن (اندبندنت عرية) X FILE نهاية دامية لبريطاني كرس حياته لفقراء اليمن by admin 7 مايو، 2026 written by admin 7 مايو، 2026 17 وسام قائد دعم المشاريع الصغيرة قبل أن تنتهي رحلته بعملية اختطاف وقتل هزت الأوساط التنموية والشارع اليمني اندبندنت عربية/ هشام الشبيلي صحافي ومصور يمني @hesham_al_shabi في واحدة من أكثر مشاهد الحرب في اليمن إيلاماً، كانت شمس عدن تميل نحو الغروب مساء الأحد الموافق الثالث من مايو (أيار)، وكأنها تتوارى عن جريمة على وشك أن ترتكب. في تلك اللحظات، كان المسؤول التنموي اليمني البريطاني وسام قائد، مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية، عائداً من يوم عمل مضن إلى منزله في مدينة إنماء، حيث تنتظره أسرته. أوقف سيارته بهدوء وأطفأ المحرك، من دون أن يدرك أن الغدر كان يترصده في زاوية الشارع، وأن المجرمين يتتبعونه بدقة. وبحسب تسجيل من كاميرات مراقبة نشر عقب الحادثة، لم يكد يضع قدمه على الأسفلت حتى انطلقت سيارة صغيرة كالسهم، وأغلقت عليه كل منافذ النجاة. انفتحت أبوابها، وخرج منها ثلاثة مسلحين ملثمين، أسقطوه أرضاً تحت تهديد السلاح، وقيدوا يديه واقتادوه، بينما تولى أحدهم قيادة سيارته، التي عثر عليها لاحقاً مقتولاً داخلها، لتنطلق السيارتان بسرعة جنونية، ويواجه وسام مصيراً لم يخطر له يوماً، ولا لعائلته. حزن واسع في العالم الافتراضي مساء الثلاثاء، دفن وسام قائد. لم يكن المشهد كبيراً كما يجب أن يكون، ولم تكن الجنازة بحجم الفاجعة، ولا الوداع بقدر الغياب، حتى الرحلة الأخيرة لم تكن كما تليق بمن كان يمشي يومياً في طرقات الناس ليخفف عنهم أثقالهم. في العالم الافتراضي، كان الحزن واسعاً، تعاز لا تنتهي، وكلمات كثيرة، وصور تفيض بالمواساة. أما في الواقع، فكان كل شيء مختلفاً. من شيعوه كانوا قلة، أو كأن المدينة التي اعتادت على هذه الجرائم علمت الناس أن تشيع أحزانها بالكلمات فقط. ذلك الغياب الصامت لرجل التنمية أعاد استحضار رحلة طويلة، بدأت من بريطانيا وانتهت في اليمن. عودة الحفيد للجذور تعود جذور القصة لعقود مضت، حين هاجر جد وسام قائد إلى بريطانيا واستقر هناك، لتبدأ رحلة عائلة في المهجر امتدت لنحو 70 عاماً، لكن الحفيد اختار مساراً مختلفاً. فبعد إكمال تعليمه في جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة، وحصوله على الماجستير في الصراع والأمن والتنمية، قرر العودة لليمن، لا للعيش فقط، بل للمساهمة في خدمة وطنه في أقسى الظروف. ومنذ وصوله إلى صنعاء، انخرط وسام في العمل التنموي، واضعاً نصب عينيه دعم الفئات الأكثر احتياجاً من مزارعين وحرفيين وأصحاب مشاريع صغيرة، مؤمناً بأن التنمية الحقيقية تبدأ من دعم المشاريع الصغيرة. تأسيس “SMEPS” وتحدي البدايات في عام 2005، أسس وسام برنامج وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر (SMEPS)، الذي تحول لاحقاً إلى واحدة من أبرز أدوات دعم الاقتصاد المحلي، عبر تمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوظيف الابتكار والحلول الحديثة. وفي استعراض سابق لإنجازات الوكالة، قال وسام في حديث مصور “علينا العودة لعام 2005 حين قمنا بتأسيس وكالة سمبس، في ذلك الوقت كانت الحركة الاقتصادية تدور حول قطاع النفط والغاز، والجميع يعتقد أن هذا هو مستقبل اليمن، بينما كنا نحن نفكر أن هذا ليس مستداماً، نحن بحاجة إلى أن نفكر بإبداع ونحتاج إلى أن نقدم الابتكار”. وأضاف “حين قدمنا مفهوم تنمية سلاسل القيم، كانت الحكومة تتساءل عما نعنيه. حين تأتي الأفكار من مؤسسة ناشئة يقودها الشباب، لا أحد يريد أن يستمع لها، ولكن حين تكون مستنداً إلى الصندوق الاجتماعي للتنمية، تفتح أمامك الأبواب وترحب بك”. “أسطورة البن” اليمني سعى وسام، عبر وكالة SMEPS، إلى تشجيع زراعة البن، واضعاً هدفاً بأن يستفيد من هذا القطاع 100 ألف مواطن كمرحلة أولى، بحسب ما كتبه أصدقاؤه، مع التسويق لقضية البن اليمني خارجياً. وفي فيديو للوكالة يستعرض إنجازاتها، قال وسام عن قطاع البن “عندما نعود لنشاهد ما قدمته الوكالة لليمن من مفاهيم لتنمية سلاسل القيم في قطاع البن مثلاً، نجد أن حاويات من القهوة اليمنية المختصة يتم تصديرها إلى الولايات المتحدة والخليج واليابان وأوروبا، وفرص العمل التي تم خلقها، والأسطورة التي نعيشها من جديد”. ولم يكن عمله نظرياً، بل ارتبط بقصص نجاح ملموسة. عمل على إيجاد ودعم مشاريع صغيرة تعلم الناس حرفاً منتجة يعتمدون من خلالها على أنفسهم، كما درب نساء على إنتاج مشغولات بسيطة بإتقان، مثل صناعة الحقائب وتسويقها داخلياً وخارجياً بما يعود بالنفع على الأسر الفقيرة ويشجع ثقافة الإنتاج. وفي عام 2013، أسهم في دعم مشروع لتدريب نساء من مناطق تهامة على صناعة الحقائب اليدوية، عبر استقدام مدربات من بريطانيا لتأهيلهن، لتتحول كل متدربة إلى منتجة تعيل أسرتها. وفي خطوة لافتة، غادرت أول سفينة تحمل 15 ألف حقيبة تسوق مصنوعة من سعف النخيل، وبأيد تهامية، من ميناء الحديدة إلى ألمانيا في يونيو (حزيران) 2013. لماذا بقي في اليمن؟ في منشور له على منصة “إكس”، كتب وسام قائد “يسألونني دائماً: لماذا بقيت في اليمن؟ عندما بدأت الحرب، غادر معظم أصدقائي وعائلتي البلاد، لكن عندما ألتقي بأشخاص مثل عزيزة، أعرف أنني اتخذت القرار الصحيح بالبقاء”. وأضاف “أشعر بامتنان كبير وشرف لأنني أسهمت، ولو بصورة بسيطة، في إحداث تغيير إيجابي”. وعزيزة، التي أشار إليها، صيادة يمنية من محافظة لحج تعول أطفالها، فقدت محرك قاربها فتوقفت عن الصيد، وانقطع مصدر رزقها. لكن بعد حصولها على منحة ضمن مشروع الطوارئ لدعم استمرارية الأعمال، تمثلت في محرك جديد، تمكنت من العودة للبحر واستئناف عملها. وكان وسام يؤمن بأن التنمية لا تقوم على الإغاثة الموقتة، بل على تحويل الفقراء إلى منتجين عبر مشاريع صغيرة تعيد لهم القدرة على الاستمرار بكرامة، ولهذا كانت مشاريع SMEPS حياة لآلاف الفقراء في القرى المنسية خلف تلافيف الجبال. شهادة مقربين منه الصحافي اليمني صقر الصنيدي، أحد الذين عملوا معه، يقول في حديثه لـ”اندبندنت عربية” إن الدافع الأساس لبقاء وسام قائد في اليمن كان مرتبطاً بعاطفة مبكرة تجاه بلده. ويشير إلى حادثة رواها له الراحل، حين كان في أحد المتاجر في لندن ولاحظ منتجاً يحمل اسم دولة أخرى على رغم كونه منتجاً يمنياً، فبادر بالقول “هذا المنتج يمني”. ويعتبر الصنيدي أن تلك اللحظة شكلت بداية وعيه بأهمية دعم الهوية اليمنية، وهو ما انعكس لاحقاً في مسيرته المهنية داخل وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر (SMEPS)، التي قادها لسنوات معتمداً أساليب الإدارة الحديثة، وفق شهادات العاملين معه. ويضيف أن قرار وسام بالبقاء في اليمن كان مكلفاً على المستوى الشخصي، إذ أبقاه بعيداً من أسرته التي يقيم جزء منها في بريطانيا، وعلى رأسهم أبناؤه. لكنه، على رغم ذلك، اختار الاستمرار في العمل داخل البلاد، حيث عرف بدعمه للمشاريع الابتكارية، وتدخله المباشر في إنقاذ عدد من المصانع الصغيرة التي كانت مهددة بالإغلاق وإعادة تشغيلها. كما لعب دوراً في الترويج للمنتجات اليمنية في محافل دولية متعددة، وكان يحرص على تقديم نماذج من هذه المنتجات خلال مشاركاته الخارجية، في محاولة لفتح أسواق جديدة أمامها. وفي قطاع القهوة، يصفه الصنيدي بأنه “من الأسماء التي أسهمت في إدخال ثقافة متذوقي القهوة إلى اليمن”، في تجربة كانت جديدة على السوق المحلية، قبل أن يتخرج منها لاحقاً عدد من المختصين الذين أصبحوا اليوم فاعلين في هذا المجال. من صنعاء إلى عدن في عام 2019، تولى وسام قائد منصب نائب المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية. وفي يونيو (حزيران) 2024، غادر صنعاء بعد نجاته من محاولة اعتقال من الحوثيين، ليستأنف عمله من عدن. وفي أغسطس (آب) 2025، كلف قائماً بأعمال المدير التنفيذي، وقاد عملية نقل جزء كبير من أعمال الصندوق إلى عدن. وبعد انتقاله، نأى وسام بنفسه وبالمؤسسة التي يترأسها عن حلبات الصراع، موجهاً كل طاقاته لمساعدة الناس. اقرأ المزيد “اندبندنت عربية” في عدن… آمال تتوسد البحر والجبل “قلعة صيرة” تشكو الشيخوخة… بعد حراسة عدن لقرون نساء اليمن يشعلن ثورة الخدمات في عدن وفي تصريحات سابقة لوسائل الإعلام، قال إن “الصندوق الاجتماعي لا يزال صندوقاً واحداً، ونعمل مع إخواننا في جميع أنحاء الجمهورية، وسنشتغل بطريقة لا مركزية، بحيث تتخذ القرارات في المناطق نفسها، وتدار الأموال من داخلها، من أجل سرعة القرار والتنفيذ وزيادة الكفاءة”. لكنه أشار أيضاً إلى التحديات التمويلية، موضحاً أن المشاريع كانت تنفذ قبل الحرب بموازنة سنوية تقارب 240 مليون دولار، بينما تراجعت في عام 2025 إلى نحو 50 مليون دولار فقط، متسائلاً “كيف يمكن توزيع هذا المبلغ على 333 مديرية في البلاد؟”. صدمة محلية ودولية عبرت منظمة “اليونيسكو” وعدد من البعثات الدبلوماسية الأجنبية في اليمن عن صدمتها من جريمة اغتيال وسام قائد، مطالبة بالتحقيق في الجريمة وضبط الجناة. وأثارت الجريمة ردود فعل واسعة محلياً ودولياً، وسط مطالبات بتعقب المتهمين وفتح تحقيق شفاف في الحادثة التي هزت الشارع اليمني، نظراً إلى استهدافها شخصية كرست حياتها للعمل التنموي، سواء عبر وكالة تنمية المشاريع الصغيرة، أو لاحقاً من خلال قيادته للصندوق الاجتماعي للتنمية. المزيد عن: اليمن عدن بريطاني فقراء اليمن 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إسرائيل تقتل رابع أبناء خليل الحية في غارة على غزة next post الهروب أو الإعدام… يوميات متظاهري إيران بعد أشهر من القمع You may also like مؤشرات على نهاية حرب إيران وتصعيد إسرائيلي في... 2 مايو، 2026 رحلة اختفاء أبو نضال بعد مسيرة دموية 1 مايو، 2026 لبنان كان أكثر أهمية من الجولان لدى الأسد... 17 مارس، 2026 جزيرة قشم.. مفتاح التحكم بمضيق هرمز 16 مارس، 2026 ترمب يريد “استسلام إيران” ومجتبى خامنئي يبقي مضيق... 15 مارس، 2026 قصة تذبذب “الإخوان” بين عداوة الغرب والارتباط به 12 مارس، 2026 مجتبى خامنئي: تحديات السلطة والحرب والشرعية في إيران 11 مارس، 2026 كواليس دعم روسيا لإيران في حربها مع أميركا... 10 مارس، 2026 الأحواز: الهوية والنفط والصراع على الأرض 10 مارس، 2026 ترمب لن يقبل إلا “باستسلام” إيران وإنزال بري... 8 مارس، 2026