تبكي إيمان، 78 سنة، وهي تروي كيف قتل ابنها الذي كان يعتني بها صباح ذلك اليوم بعد زيارته لزوجته وأطفاله في صور (بيل ترو) عرب وعالم بيل ترو – رنا نجار : من داخل جنوب لبنان المدمر المهدد بالاجتياح الإسرائيلي by admin 16 مارس، 2026 written by admin 16 مارس، 2026 20 تقرير “اندبندنت” من مدينة صور في جنوب بلد مزقته الحرب ووجد نفسه وسط حرب ضروس بين إسرائيل و”حزب الله” المدعوم من إيران اندبندنت عربية / بيل ترو – رنا نجار على وقع الدوي المتقطع للغارات الجوية الإسرائيلية في البعيد، يجلس زوجان مسنان على أرضية قاعة فصل دراسي زاهية الألوان، ويجهشان بالبكاء. لقد فرا اليوم من قريتهما في جنوب لبنان تحت وابل القصف، ولجآ إلى هذه الغرفة التي تبدو جدرانها البنفسجية اللون المغطاة بخربشات الأطفال عبثية الآن. لا يستطيع أي منهما المشي. ولا يحملان معهما سوى قليل من الأمتعة. في وقت مبكر من صباح اليوم قتل محمد، أصغر أبنائهما، وكان يبلغ من العمر 38 سنة وهو أب لثلاثة أطفال ويرعى والديه، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته بين مدينة صور الجنوبية داخل لبنان، حيث نجلس الآن، وقريتهم. كان محمد، الذي عمل كهربائياً بدوام جزئي، يتنقل بين زوجته وأطفاله الثلاثة الموجودين في مخيم للنازحين في المدينة الساحلية، وبين والديه المسنين، اللذين ظلا في قريتهما الشعيتية بسبب تقدمهما في السن وتردي حالتهما الصحية التي تعوقهما عن الحركة. وتقع كلتا المنطقتين ضمن منطقة الإخلاء التي حددتها إسرائيل. وبمحض الصدفة، كان ابن أخ محمد سائق سيارة الإسعاف المناوب في المنطقة وقت مقتل محمد. وعثر على عمه مقطع الأوصال، وسيارته محترقة ومدمرة. وتقول إيمان البالغة من العمر 78 سنة بصوت متهدج “كان محمد يرعانا ويعتني بنا. واليوم انطفأ نور حياتي”. ولما عجزت عن مواصلة الكلام، تولى زوجها داود، البالغ من العمر 85 سنة، إكمال القصة، “عندما أتوا ليخبروني بأن ابني قتل، انهرت. انهرت تماماً”. وأضاف “لقد ترك وراءه ثلاثة أطفال بلا أب. في قلبي نار وأشعر أنني فقدت قطعة مني”. يجلس ابنهما الأكبر فؤاد، البالغ من العمر 54 سنة، على كرسي للأطفال في هذه الغرفة التي أصبحت منزلهم الجديد خلال الوقت الحالي، ويشرح أن ابنه قُتل في الحرب الأخيرة مع إسرائيل عام 2024 أثناء عمله كمتطوع في الدفاع المدني. وهذه هي المرة الثانية التي تشرد فيها الأسرة إلى هذه المدرسة التي نجلس فيها جميعاً الآن. إيمان، 78 سنة، تبكي وهي تروي كيف قتل ابنها الذي كان يعتني بها صباح ذلك اليوم بعد زيارته لزوجته وأطفاله في صور (بيل ترو) ويقول وهو يخبئ وجهه بين كفيه “ماذا تبقى لنا من الحياة بعد كل هذا؟ لم يبق أحد، ولم يبق شيء”. تقصف إسرائيل منذ ما يقارب أسبوعين مناطق واسعة من لبنان وتتوغل أكثر هنا في الجنوب داخل هذا البلد الذي مزقته الحرب، فيما تخوض معركة شرسة ضد جماعة “حزب الله” اللبنانية المسلحة المدعومة من إيران. اندلعت هذه الحرب قبل 12 يوماً عندما أطلق “حزب الله” النار على إسرائيل رداً على الضربات الأميركية والإسرائيلية المكثفة التي استهدفت إيران وأسفرت عن مقتل مرشدها الأعلى علي خامنئي. ولا تظهر أي بوادر على تراجع حدة الصراع. فحتى في وقت يحاول فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإيحاء بأن هجومه قد يقترب من نهايته، تسود مخاوف من أن المعركة بين إسرائيل ولبنان ما زالت في بدايتها. في الواقع، أمر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الجيش الإسرائيلي خلال الأيام القليلة الماضية بتوسيع نطاق عملياته، إذ ضاعف حجم أوامر الإخلاء القسري في الجنوب، وهدد حتى بالاستيلاء على أراضٍ لبنانية. بجوار أنقاض مبنى مدمر في صور جراء الغارات الجوية الإسرائيلية (بيل ترو) وأفادت التقارير بأن الرئيس اللبناني جوزيف عون يسعى إلى إجراء محادثات مع إسرائيل لإنهاء الصراع. لكن مسؤولين كباراً في “حزب الله” صرحوا لـ”اندبندنت” بأن لبنان “ليس لديه رغبة بالتفاوض مع العدو فيما يرزح تحت القصف”. ولم يحددوا جدولاً زمنياً، لكنهم قالوا إن أعمال القتال ستستمر “بهدف كسر إرادة العدو ومنعه من مواصلة عدوانه”. وحتى كتابة التقرير، أسفرت الغارات الإسرائيلية في مختلف أنحاء لبنان عن مقتل أكثر من 770 شخصاً وإصابة ما يقارب ألفين آخرين، وفقاً للسلطات اللبنانية. وأجبرت هذه الغارات أكثر من 800 ألف شخص، مثل داوود وإيمان، على الفرار من ديارهم، أي ما يعادل تقريباً واحداً من كل سبعة أشخاص داخل هذا البلد الصغير، وفقاً للمجلس النرويجي للاجئين. في صور، المدينة الفينيقية القديمة التي تقع على بعد نحو 20 كيلومتراً إلى شمال الحدود مع إسرائيل، تتواصل الغارات يومياً. وعند وصولنا، أصدرت إسرائيل أمراً جديداً بالإخلاء وقصفت منطقة العباسية المتاخمة لمدينة صور، التي تغطيها أكوام هائلة من الخرسانة الممزقة والحديد الملتوي. يقول محمد، 21 سنة، وهو أحد سكان المنطقة الذي التقيناه على الواجهة البحرية الشهيرة، إنهم قصفوا العباسية أيضاً خلال اليوم السابق، فقتلوا والده وأصابوا والدته بجروح خطرة، ودمروا منزله جزئياً مرة أخرى. يضيف بوجه فقد كل تعابيره “قصفوا دون سابق إنذار. والدتي مصابة بشظايا في دماغها وهي في العناية المركزة”. ويكمل قائلاً “إن الأمر صعب للغاية، لكنني من المحظوظين. بعض العائلات الأخرى أُبيدت بالكامل”. يقول مدير المستشفى الرئيس في صور إن الموقع تعرض لأضرار جراء الغارات، وإن وحدة العناية المركزة تغص بالمرضى (بيل ترو) تتلقى والدته العلاج داخل مستشفى جبل عامل، الذي تعرض لأضرار بالغة قبل ثلاثة أيام جراء غارة إسرائيلية قريبة منه. وهناك، يقول مدير المستشفى الدكتور فرج حمادة إنهم اضطروا إلى توسيع وحدة العناية المركزة التي تتسع عادة لـ27 مريضاً، من أجل استيعاب التدفق الكبير للمصابين بجروح خطرة. وأن الإمدادات الأساس لديهم على وشك النفاد. ويتحدث عن دفن زميل له قبل يومين، وهو أحد أفراد فريق الإسعاف الذي قتل في ما يبدو أنه هجوم مزدوج، وعن اضطراره إلى بتر ساق طفل يبلغ من العمر سبع سنوات. ويضيف أن بعض المرضى كانوا يصلون إلى المستشفى ويموتون قبل أن يتمكنوا حتى من إجراء الفرز الأولي لحالاتهم. ويشرح “نحن نبذل قصارى جهدنا، لكن في النهاية لا يمكننا فعل كل شيء”. ويتابع الدكتور حمادة قائلاً إنه على رغم وجود المستشفى داخل منطقة الإخلاء، فإنهم لن يغادروه، حتى في ظل التقارير الواردة عن نية إسرائيل شن غزو بري واسع النطاق على لبنان للقضاء على “حزب الله” والاستيلاء على مزيد من الأراضي. متطوعون يوزعون الإمدادات على النازحين في صور (بيل ترو) ويضيف بحزن وهو يعرض لنا صوراً للدمار “إذا ما حدث إخلاء، فسيكون إخلاءً قسرياً. لا يمكننا مغادرة المكان بأي حال من الأحوال”. ويكمل قائلاً “سنواصل تقديم خدماتنا حتى آخر حبة دواء، وحتى آخر جرعة أكسجين، إلى أن يصبح مستحيلاً علينا مواصلة عملنا”. أما الأزمة الأخرى المتفاقمة في صور فهي أزمة آلاف النازحين. وعلى رغم تعرض المدينة للقصف فإنها تستضيف نحو 10 آلاف نازح في المدارس ومراكز الإيواء والمساكن الموقتة، وفقاً لما صرح به نائب رئيس بلدية المدينة علوان شرف الدين. في جميع أنحاء لبنان، لم تتمكن الحكومة التي تعاني ضائقة مالية سوى من استيعاب نحو 120 ألف شخص، خلال وقت تسعى فيه جاهدة لتوفير أماكن إيواء داخل المدارس وجلب مزيد من الإمدادات. وأدى ذلك إلى لجوء الناس إلى النوم في العراء في الشوارع أو داخل سياراتهم تحت وابل القصف. في صور، داخل الجامعة المحلية التي تحرسها قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، يوزع المتطوعون على عجل حصصاً غذائية وفرشاً وبطانيات. ويضيف شرف الدين “لا أحد يعرف متى سينتهي هذا الوضع. أعتقد أنه سيستمر لفترة طويلة وسيزداد صعوبة، وبخاصة أن القصف يتصاعد تدريجاً”. وفي دار سينما ومسرح شهير يعود إلى خمسينيات القرن الماضي في قلب الحي المسيحي داخل مدينة صور، يقول المالك قاسم اسطنبولي إنهم يستضيفون 100 شخص في ثلاثة أماكن، ويضعون الفرشات والأسرة على المقاعد والمسرح وغرف الاستراحة في جميع صالات السينما التابعة لهم. ويقول إن من بينهم لاجئين من سوريا وأشخاصاً من بنغلاديش والصومال، يواجهون صعوبة في العثور على أماكن إيواء داخل الملاجئ التي تديرها الحكومة والتي تعطي الأولوية للمواطنين اللبنانيين. ويضيف “يجب أن تظل المسارح مفتوحة للناس خلال أوقات الحرب والسلم. فهدف المسرح دعم الناس. نحن نمارس المقاومة الثقافية والتضامن”. بالعودة إلى المدرسة، يبدو داوود وإيمان في حالة من الذهول وهما يرتبان الفراش على أرضية منزلهما الموقت الجديد، ويحاولان التعايش مع حزنهما. يقول داوود “رسالتي إلى المجتمع الدولي هي: ’توقفوا عن قتل الإنسانية. لقد قتلوا ابني. كان مهندساً. كان يعتني بي على رغم قلقه على أطفاله. أليس قتله جريمة؟‘ أشعر أنني سأظل أموت من الداخل من الآن فصاعداً”. © The Independent المزيد عن: حزب الله مدينة صور لبنان حرب إسرائيل – حزب الله 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post صديق خان عمدة لندن يكتب عن:قصة خط ديوراند المتنازع عليه بين أفغانستان وباكستان next post طوني فرنسيس يكتب عن: خطاب المرشد المغيب كتبه الأمن؟ You may also like معارضون إيرانيون يترقبون سقوط النظام بعد فرارهم من... 16 مارس، 2026 الجيش الإسرائيلي بدأ نشاطا بريا محددا ضد “حزب... 16 مارس، 2026 لهذه الأسباب قد تطول حرب إيران 16 مارس، 2026 جزيرة قشم.. مفتاح التحكم بمضيق هرمز 16 مارس، 2026 مدينة الخيام الحدودية عنوان المواجهة بين «حزب الله»... 16 مارس، 2026 «الحميداوي»… رجل إيران الغامض في العراق 16 مارس، 2026 القيادي الكردي أمير كريمي: أميركا لا تريد إسقاط... 16 مارس، 2026 معلومات استخبارية: خامنئي شكك في كفاءة مجتبى للحكم 16 مارس، 2026 كيف نفهم التعاطي المصري مع الحرب الإيرانية؟ 16 مارس، 2026 إيران ستسترد جثامين 84 بحارا من سريلانكا والأحياء... 16 مارس، 2026