معرض لنماذج عن التطورات البارزة في الذكاء الاصطناعي، في بالو آلتو بولاية كاليفورنيا بتاريخ ديسمبر 2025 (رويترز) بأقلامهم جيك سوليفان -تال فيلدمان عن: قضايا الجغرافيا السياسية في عصر الذكاء الاصطناعي by admin 20 February، 2026 written by admin 20 February، 2026 64 الاستراتيجيا والقوة في ظل مستقبل غامض للتكنولوجيا الذكية اندبندنت عربية / جيك سوليفان – تال فيلدمان جيك سوليفان هو أستاذ في كرسي كيسنجر في ممارسة فن إدارة شؤون الدولة والنظام الدولي في كلية كينيدي بجامعة هارفارد. شغل منصب مستشار الأمن القومي الأميركي بين عامي 2021 و2025. تال فيلدمان هو مرشح لنيل درجة الدكتوراه في القانون في كلية الحقوق بجامعة يال، سبق أن عمل على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي داخل الحكومة الأميركية. لكل رؤيته الخاصة تجاه “الذكاء الاصطناعي“. فهناك من يعتقد أن هذه التكنولوجيا تتقدم بخطى ثابتة نحو “الذكاء الفائق” superintelligence، أي ذلك النمط القادر على إحداث تحولات كبرى تفوق كل ما شهدته التقنيات السابقة. في المقابل، يرى آخرون أن الذكاء الاصطناعي سيسهم في تعزيز الإنتاجية وتسريع الاكتشافات العلمية، وإن عبر مسار أكثر اضطراباً وربما أقل درامية. ويختلف الناس أيضاً في تقديرهم لمدى سهولة تكرار الاختراقات التقنية. فهناك من يجادل بأن المنافسين سيسارعون إلى تقليد أي ابتكار جديد، فيما يرى آخرون أن اللحاق بالرواد سيزداد صعوبة وكلفة، بما يمنح أصحاب الانطلاقة الأولى أفضلية طويلة الأمد. وبينما يعتقد كثيرون أن الصين عازمة على التفوق على الولايات المتحدة في سباق الريادة، يصر آخرون على أنها تركز حالياً على توسيع استخدام التكنولوجيا المتوافرة، مع السعي إلى استخلاص الابتكارات الأميركية المتقدمة وإعادة إنتاجها عند ظهورها. وتستند معظم الحجج السياسية الراسخة إلى افتراضات غير معلنة حول أي من هذه السيناريوهات هو الأقرب للحقيقة. فمن يمنح الأولوية للابتكار عند الحدود القصوى يفترض أن الاختراقات ستتراكم ويصعب نسخها، بينما يفترض دعاة نشر النماذج الأميركية حول العالم العكس. وفي حال كانت هذه الافتراضات خاطئة، فإن الاستراتيجيات المبنية عليها ستهدر الموارد وقد تفقد الولايات المتحدة تفوقها. قد يكون الرهان على سردية واحدة مغرياً، لكنه محفوف بالأخطار. فواشنطن لا تحتاج إلى توقع جديد حول “عصر الذكاء الاصطناعي“، بل إلى آلية لاتخاذ القرارات وسط حالة عدم اليقين، آلية تضمن الحفاظ على تفوق الولايات المتحدة مهما تعددت مسارات المستقبل، وتتيح لها التكيف مع ملامح المرحلة الجديدة فور تبلورها. ثمانية عوالم أياً يكن المسار الذي سيسلكه مستقبل الذكاء الاصطناعي، فإن الخطوة الأولى في أي استراتيجية أميركية ناجحة تبدأ بتحديد واضح لمفهوم “النجاح”. إذ ينبغي لواشنطن أن توظف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن القومي، وتحقيق ازدهار اقتصادي واسع النطاق، وتعزيز القيم الديمقراطية داخل أميركا ولدى حلفائها أيضاً. وإذا سخر في خدمة الصالح العام، يستطيع الذكاء الاصطناعي إعطاء دفعة للتقدم العلمي والتكنولوجي باتجاه تحسين حياة الناس، والمساعدة في التعامل مع التحديات العالمية على غرار الصحة العامة والتطور والتغير المناخي، إضافة إلى تعزيز واستدمة التفوق الأميركي عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً وديبلوماسياً، في مواجهة الصين. سيغدو باستطاعة الولايات المتحدة تحقيق تلك الأمور كلها فيما تستمر في التعامل بمسؤولية مع الأخطار الفعلية التي يخلقها الذكاء الاصطناعي. أما التحدي الأساسي فهو كيفية الوصول إلى هذه الغاية. ومع الأخذ في الاعتبار ضرورة إخراج الافتراضات إلى العلن، يضحي متوجباً على الاستراتيجية الأميركية بشأن الذكاء الاصطناعي أن تضع إطاراً مبسطاً عنه. ومحور ذلك الإطار حول ثلاثة أسئلة يتناول أولها مسار تلك التقنية وهل أنها تسير نحو تقدم مستمر باتجاه الذكاء الفائق أم أنها ستهدأ وتستقر وتسير في خط أفقي يمتد لفترة طويلة؟ وهل من السهل فعلياً استنساخ وتقليد الاختراقات العلمية في تلك التقنية أم أن ذلك سيغدو صعباً ومكلفاً بالنسبة لمنافسي الولايات المتحدة؟ وهل تسعى الصين بالفعل إلى التنافس في مجال المستويات الريادية في الذكاء الاصطناعي أم أنها تصب مواردها في مكان آخر مستندة إلى افتراض مفاده أنها تستطيع تقليد النماذج الريادية الأميركية وتحويلها إلى منتجات تجارية؟ لكل سؤال من هذه الأسئلة إجابتان محتملتان، ما يفضي إلى مصفوفة ثلاثية الأبعاد، ينتج منها ثمانية عوالم ممكنة. المحور الأول يتصل بطبيعة التقدم في الذكاء الاصطناعي. ففي أحد طرفيه يقف “الذكاء الفائق”، وهو منظومة تتجاوز القدرات البشرية بكثير، وتملك قابلية تحسين ذاتي متكرر، فتزيد ذكاءها بلا توقف وتبتكر أنماطاً جديدة من المعرفة. وفي الطرف الآخر نجد “الذكاء المحدود والمتعرج”، والمتمثل في قدرات علمية واقتصادية وعسكرية مبهرة بالفعل، لكنها لا تشكل اختراقاً تاريخياً. وهو “محدود” لأنه يبلغ حدوداً معينة ثم يتباطأ تطوره، و”متعرج” لأنه غير متوازن، فقد يحقق أداء فائقاً في مجالات. وفي حال أدى التقدم إلى ظهور ذكاء فائق، فإن تفوقاً ضئيلاً قد يكون حاسماً، ما يبرر استثمارات هائلة في جبهة الابتكار. أما إذا كان التقدم محدوداً ومتفاوتاً، فلن يكون ضخ الموارد بلا حدود في مشاريع “الاختراق الكبير” منطقياً، وسيصبح التركيز أكثر على تبني التقنيات ونشرها. ويجسد المحور الثاني مدى سهولة الالتحاق بركب التقدم، بمعنى سرعة وصول الطرف المتأخر إلى مستوى المنافس المتقدم. وفي أحد طرفي ذلك البعد، يقبع عالم يتصف بسهولة التعويض عن التأخر. ويصبح من المستطاع استنساخ الاختراقات العلمية بسرعة عبر التجسس، أو تسريب “الأوزان” – وهي القيم الرقمية التي يكتسبها النموذج أثناء عملية التدريب – أو ابتكار أساليب تدريب تعتمد أجهزة أقدم، أو عبر تقنية “التقطير” التي تتعلم فيها النماذج الأقل تقدماً تقليد الأنظمة الأكثر تطوراً. وفي المقابل، هناك سيناريو يصبح فيه اللحاق صعباً: إذ يعتمد التفوق الحقيقي على سلسلة تكنولوجية متكاملة، من أجهزة متقدمة وبيانات ضخمة ومتفردة، إلى خبرة مؤسسية ورأس مال بشري ونظم بنية تحتية يصعب إعادة إنتاجها. قد يكون نسخ النموذج البرمجي أمراً سهلاً، لكن تكرار البيئة الكاملة اللازمة لتدريب النماذج وتشغيلها شيء آخر تماماً. وحين يكون اللحاق سهلاً، يصبح التنافس الدولي متمحوراً حول “الانتشار”: ترسيخ النماذج الأميركية في الخارج قبل أن يتمكن المنافسون من نشر نماذجهم. وحين يكون اللحاق صعباً، يظل الانتشار مهماً، لكن الأولوية تتحول إلى حماية الأسس العميقة للقدرات المتقدمة- أي كل ما يسمح للابتكار بأن يتراكم ويشتد بمرور الوقت. وعلى امتداد هذا المحور، لا يكمن السؤال في ما إذا كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي ستنتشر، بل في سرعة انتشارها، ولمن، وبأي شروط. يمثل المحور الثالث استراتيجية الصين. ففي أحد طرفيه، تتصرف بكين كقوة تسابق بقوة نحو حدود الابتكار، إذ تمول عمليات تدريب هائلة وتدعم مختبرات بحث تنافسية. وفي الطرف الآخر، تبدو وكأنها لا تشارك في السباق فعلياً، بل تمنح الأولوية لتوظيف التكنولوجيا ونشرها، مع إنتاج نماذج ضخمة بين حين وآخر بهدف إظهار التقدم ودفع الولايات المتحدة إلى تركيز اهتمامها على خط المواجهة الأمامي. وقد لا تمتلك الصين خطة وطنية منسجمة تماماً – إذ قد تتباين توجهات المؤسسات داخلها – لكن على مستوى المنظومة، سيظل سلوكها قريباً من أحد الخيارين: إما أنها تسابق، أو أنها تتجنب السباق. ويركز هذا البعد من الإطار على الصين لأنها، في الوقت الراهن، المنافس الأبرز للولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا المتقدمة. وإذا برز منافسون آخرون مستقبلاً، فسيتعين تعديل المصفوفة (أي النموذج التحليلي) لتعكس حساباتهم الخاصة في سباق الابتكار. بطبيعة الحال، فالحقيقة أكثر تعقيداً من أي مخطط نظري. يمكن إضافة محاور أخرى، كذلك يمكن اعتبار كل محور طيفاً واسعاً لا خيارين فقط. فقد تنتهج الصين مساراً وسطاً في مجال الريادة في الأبحاث والتطوير. وقد يكون اللحاق بالركب صعباً إلى حد ما فقط. وقد يكون الذكاء الاصطناعي قوياً للغاية، لكنه ما زال يعاني من قيود معينة. صحيح أن النظر في نتائج ثنائية يسهم في تبسيط التخطيط الاستراتيجي، إلا أن صانعي السياسات قادرون على استيعاب الاحتمالات الوسيطة من خلال التفكير الاحتمالي على كل محور. فاستراتيجية صينية تقوم على استثمار جزئي، على سبيل المثال، قد تزيد احتمال أن تتبع بكين الولايات المتحدة عن كثب، أو حتى أن تفاجئ العالم بتضييق الفجوة فجأة. أخيراً، تستطيع قرارات صانعي السياسات أنفسهم التأثير في ملامح المستقبل المحتمل للذكاء الاصطناعي، ولو في الهوامش. فالإجراءات الأميركية قد تجعل اللحاق بالركب أسهل أو أصعب، خصوصاً عبر تشديد الضوابط على الصادرات التقنية أو تخفيفها. كذلك فإن قرار الصين خوض السباق أو التريث سيعتمد جزئياً على تقييمها لوتيرة التقدم في الذكاء الاصطناعي وصعوبة اللحاق بالمنافسين. ومع ذلك، فإن دمج عنصر عدم اليقين في إطار السياسات يجبر صانعي القرار على مواجهة افتراضاتهم الخاصة، والتخطيط لعدة احتمالات مستقبلية بدلاً من الارتهان إلى سيناريو واحد. مصادر قوة الذكاء الاصطناعي قبل الانتقال إلى مرحلة التخطيط، يجدر التوقف لطرح سؤالين أساسيين: من يرسم فعلياً استراتيجية الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة؟ وما الأدوات التي تمتلكها واشنطن لتوجيه مسار الذكاء الاصطناعي؟ فالحكومة لا تملك المختبرات الرائدة في البلاد، ولا تقرر ما الذي تبنيه تلك المختبرات، ولا يمكنها تحديد أهداف الإنتاج أو توجيه الاستثمارات بالطريقة نفسها التي تفعلها بكين. ومع ذلك، تؤثر خيارات واشنطن السياسية وإشاراتها بشكل كبير، ولو بصورة غير مباشرة، في المنظومة الأميركية للذكاء الاصطناعي. في الواقع، تشكل العديد من السياسات الأميركية دعماً ضمنياً لصناعة الذكاء الاصطناعي المحلية. فقد حدت ضوابط التصدير وقيود الاستثمار من قدرة الصين على الحصول على الرقائق الإلكترونية المتطورة ورأس المال الأميركي، مما رفع قيمة الشركات الأميركية والحليفة عبر إضعاف منافسيها الرئيسين وتوجيه رأس المال الخاص نحوها. وتعمل التوقعات أيضاً على تضخيم هذا الأثر. فعندما يؤكد كبار المسؤولين أن قيادة الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية، يفترض المستثمرون والشركات صدور تشريعات مساندة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوثيق التعاون مع الحكومة. هذه التوقعات بدورها تحدد حجم الأخطار التي تستعد الشركات لتحملها، والمجالات التي يوجه المستثمرون أموالهم إليها، وأحياناً تكون هذه الإشارات أكثر تأثيراً من أي مخصصات مالية بطيئة تصدر عن الكونغرس. وتكمل واشنطن هذه الإشارات بدعم مباشر. فالحوافز الضريبية للبحث والتطوير، والاستثمارات في البنية التحتية، ومنح الأبحاث الفيدرالية، وقرارات كثيرة صادرة عن السلطة التنفيذية – تشمل التصاريح والهجرة وغيرها – تسهم جميعها في تحديد أين وكيف تنمو قدرات الذكاء الاصطناعي الأميركية. وفي الوقت نفسه، باتت المشتريات الحكومية واعتماد الأنظمة الذكية داخل المؤسسات الفيدرالية يشكلان إشارة طلب قوية مع شروع الوكالات في اختبار هذه التقنيات على نطاق واسع. وإذا أصبح انتشار الذكاء الاصطناعي حول العالم ذا أهمية استراتيجية توازي الاختراقات على الجبهة الأمامية، فقد تحتاج واشنطن إلى استخدام أدوات إضافية، عبر تقديم بديل موثوق لحلفائها عن منظومة الذكاء الاصطناعي الصينية، والعمل من خلال مؤسسات مثل “مؤسسة تمويل التنمية” لتمويل نشر التقنيات الأميركية في المناطق التي لا تغطيها السوق وحدها. ويشمل ذلك تحديد مستوى الانفتاح أو الانغلاق الذي ينبغي أن تتسم به النماذج الأميركية، إذ يتوجب على الولايات المتحدة الحسم بشأن الاعتماد على نماذج ممهورة بالملكية الفكرية الخاصة أو الترويج للبدائل المعتمدة على النظم المفتوحة المصدر. ومع كل ذلك، يظل القطاع الخاص المحرك الأساسي لهذا السباق، ولا تتماشى حوافزه دائماً مع المصلحة الوطنية. فالكثير من المختبرات الأميركية الكبرى تراهن على “الذكاء الفائق”، وتضخ موارد ضخمة في عمليات تدريب عملاقة بدلاً من التركيز على النشر الآمن أو الانتشار الواسع. كما تفضل بعض الشركات بناء وتشغيل البنية التحتية للتدريب المكثف خارج الولايات المتحدة، مدفوعة بقواعد أكثر مرونة، وتكاليف طاقة أقل، وفرص تمويل إضافية. وستبقى إدارة هذا التوتر واحدة من أصعب المهام أمام واشنطن في السنوات المقبلة. قوة الولايات المتحدة لم تستند يوماً إلى التخطيط المركزي، بل إلى القدرة على توظيف مزيج من الأدوات لتوجيه منظومة لا مركزية نحو أهداف مشتركة. فهي تخلق الحوافز، وتصوغ التوقعات، وتدفع رؤوس الأموال باتجاه المصلحة الوطنية. لكن كيفية استخدام هذه الأدوات للحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تعتمد على طبيعة المستقبل الذي سيتشكل. فبعض السياسات قد تكون ملائمة في سيناريو معين، لكنها تتحول إلى عبء في سيناريو آخر. ومع ذلك، هناك أولويات محددة ستظل ضرورية في معظم الاحتمالات – وهي العناصر الجوهرية للقوة الوطنية التي سيحتاجها أي مستقبل للذكاء الاصطناعي، وإن اختلف وزنها النسبي من عالم لآخر. وتبقى القدرة الحاسوبية الأساس الذي ترتكز عليه إمكانات الذكاء الاصطناعي. فدرجة التحكم والنفوذ على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها تحدد الجهة القادرة على تدريب النماذج الذكية ونشرها، وبالتالي تحديد وتيرة التقدم. وتمتد هذه القوة إلى المجال المادي عبر الروبوتات والتصنيع المتقدم، الذي يحول الذكاء الرقمي إلى قدرة إنتاجية فعلية. غير أن كل ذلك لن يصمد من دون قاعدة صناعية وعلمية قوية؛ إذ تحتاج الولايات المتحدة إلى بحث علمي أساسي يطور التقنيات الحالية ويستكشف مسارات جديدة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وإلى مواهب بشرية محلية ودولية، وإلى قدرة تصنيع واسعة، وطاقة موثوقة تمكن هذا النظام من العمل بكفاءة. وإذا لم تتمكن شركات الذكاء الاصطناعي من الحصول على الكهرباء اللازمة، فقد يتحول هذا العامل وحده إلى عائق يحد من التقدم العام. ولطالما اعتبرت إدارة الأخطار قيداً لأنها تبطئ عمليات تطبيق التقنية وتحد من عمليات التجريب، فإنها في الواقع مصدر للاستقرار والشرعية. فهي تمنع انزلاق المنافسة الدولية نحو انهيار ناتج من تصعيد غير مقصود بفعل حادث تقني، أو سوء استخدام متعمد للأنظمة الذكية أو فقدان السيطرة على نماذج ذكية لم يعد سلوكها متوقعاً. ويتساوى ذلك في الأهمية مع ضمان وضع بروتوكولات الأمان وتأمين الدعم السياسي المحلي لمصلحة تطوير سريع للتقنية الذكية يتكفل بالحفاظ على إيقاع اكتساب القدرات في ذلك المضمار. ويكتسب الأمر أهمية خاصة حين يتعلق بتطوير بروتوكولات الأمان وضمان وجود دعم سياسي داخلي يتناسب مع سرعة نمو القدرات. وفي بعض السيناريوهات، تملك واشنطن وقتاً كافياً لبناء هذا الأساس، بينما تفرض سيناريوهات أخرى إطاراً زمنياً أكثر إحكاماً. كذلك يبرز عامل الانتشار العالمي، بمعنى سرعة تبني منظومات الذكاء الاصطناعي في الخارج. فالأنظمة التي تستخدم وتترسخ حول العالم هي التي ستحدد القيم والمعايير التي ستحكم الفضاء الرقمي، وستحدد بالتالي أي الدول ستجني المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية الأهم. وفعلياً، شرعت بكين في التعامل مع حوكمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها سلعة استراتيجية للتصدير، مستخدمةً معاييرها وقوالبها التنظيمية لتوجيه كيفية استخدام الدول الأخرى للتقنية والإشراف عليها. ونظرياً، تبدو واشنطن مقتنعة بأهمية الانتشار، لكنها لم تثبت ذلك في الممارسة حتى الآن. ويشكل حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها القطعة الأخيرة في تلك الأحجية. ومن شأن العمل بالتناغم مع شركاء موثوقين، أن يضاعف القدرة الأميركية ويحسن من فرص الأنظمة الديمقراطية، وليس الاستبدادية، في تحديد شكل زمن الذكاء الاصطناعي. عالم أول تشكل المحاور الثلاثة، وهي “الذكاء الفائق” مقابل “الذكاء المحدود والمتعرج”، وسهولة اللحاق بالاختراقات التقنية مقابل صعوبته، وواقع تكون فيه الصين تسابق نحو التفوق التكنولوجي مقابل واقع معاكس، ثمانية عوالم محتملة. وتتمثل مهمة صانعي السياسات في ملء هذه المصفوفة بمجموعة من الخيارات المعقولة في كل عالم. فلنفترض أولاً عالماً يمكن فيه بلوغ “الذكاء الفائق”، ويصعب فيه تقليد التكنولوجيا سريعاً، فيما تخوض الصين سباقاً محموماً نحو الجبهة الأمامية. ويبدو ذلك العالم قريباً من شيء ما يتأرجح بين سباق التسلح والتسابق في اكتشاف الفضاء، حيث تنقلب المنافسة إلى صراع للوصول إلى التفوق التقني وتأمينه. وقد تغدو الرهانات ضخمة، إذ يمكن لمن يتوصل إلى صنع المنظومات الأشد تطوراً قبل غيره أن يحظى بتفوق مستمر في المجالات التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية. وفي التطور الأحدث المتطرف ضمن هذا السيناريو، يحاجج البعض بأن من يستبق إلى التجديد الذاتي المتكرر، يلقي نفسه في موضع قيادي يعزز نفسه بنفسه، بحيث لا يعود اللحاق بالركب صعباً فحسب بل شبه مستحيل. ويتعامل هذا الإطار مع هذا الاحتمال بوصفه أقصى درجة ممكنة لصعوبة اللحاق، لا باعتباره الوضع الافتراضي، ثم يختبر السياسات استناداً إلى ذلك. وربما يضحي متوجباً على أميركا التفكير بنسخة ثانية من “مشروع مانهاتن”. ويعني ذلك حشد الموارد العامة، وإنجاز تعاون غير تقليدي بين الحكومة وشركات التكنولوجيا، ومستوى من السرية يتجاوز ما يفرض على البرامج العسكرية، وإمكانية تمديد أو توسيع صلاحيات “قانون الإنتاج الحربي” لعام 1950 الذي يمنح الرئيس الأميركي صلاحية واسعة في وضع قوانين تنظيمية لصناعة التقنية الذكية كي تخدم أهداف الدفاع الوطني. وقد يجبر هذا التوجه صناع السياسة على المفاضلة بين مركزة التطوير في كيان مفرد بغية ضمان الإشراف على التشدد الأمني، وبين المحافظة على المنافسة بين مختبرات ريادية عدة مع افتراض أن التجارب المتوازية من شأنها تسريع التوصل إلى نتائج. وفي ظل هذه الظروف، ستشدد واشنطن ضوابط التصدير إلى أقصى حد يمكن تنفيذه، وستخضع كل طبقات سلسلة توريد أشباه الموصلات لأنظمة أكثر صرامة، مع ضرورة تنسيق وثيق مع الحلفاء لمنع الالتفاف عليها. كما سيتعين تعزيز حماية أوزان النماذج، وبيانات التدريب، ومراكز البيانات ضد السرقة والتخريب. رقاقات الذكاء الاصطناعي ظهرت خلال مؤتمر للتكنولوجيا في تونغكزيانغ، الصين، بتاريخ نوفمبر 2025 (رويترز) وسينتقل ملف إدارة الأخطار مع الصين إلى صدارة المشهد، استناداً إلى مصلحة مشتركة في تجنب فقدان السيطرة البشرية على “الذكاء الفائق”. فكلما تسارعت الأنظمة، زادت احتمالات وقوع حوادث أو تصعيد غير مقصود نتيجة تفاعلات بين أنظمة ذاتية لا يتوقعها الطرفان. وقد يكون أحد الخيارات الممكنة اتفاقاً على ضبط متبادل يحد من التطوير بينما يعمل الجانبان على بناء أنظمة أمان قادرة على مواكبة التقدم. غير أن مثل هذا الاتفاق سيكون هشاً وصعب الحفاظ عليه، بفعل انعدام الثقة، وصعوبات التحقق، والإغراء الكبير بخرق الاتفاق والاندفاع نحو الأمام. ولأن اللحاق في هذا العالم يكاد يكون صعباً، ولأن نجاح الصين ليس مضموناً، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام نافذة زمنية ضيقة تصبح فيها أول من يبلغ “الذكاء الفائق”. وعندها ستواجه قراراً محورياً: هل تتخذ خطوات لمنع الآخرين من امتلاك القدرة ذاتها؟ والسيناريو العكسي يكتسب الأهمية نفسها: فإذا بلغت بكين الحد التكنولوجي أولاً، فسيكون على واشنطن الاستعداد لإدارة الأضرار والتقليل من أخطارها. وإذا تمكن الطرفان معاً من اجتياز العتبة، فسيتعين عليهما الحد من الأخطار عبر وضع ضوابط واضحة وآليات اتصال وتدابير كبح، مع العمل لمنع فقدان السيطرة ومنع الأنظمة ذات “الذكاء الفائق” من الوصول إلى دول مارقة أو جهات غير دولية. عالم ثان سيناريو عالم آخر، لا يزال يقوم على إمكانية ظهور “الذكاء الفائق” مع صعوبة الالتحاق بركب التطور التقني، غير أن الصين لن تنخرط في المنافسة لتحقيق هذا النموذج الريادي. وفي هذا السيناريو، تحقق الولايات المتحدة لحظة الأحادية التقنية في الذكاء الاصطناعي. وحتى إذا سارت الصين في استراتيجية التوجه للاستثمار جزئياً في صنع النموذج الريادي، فستعمل صعوبة التقليد والالتحاق بالركب على ضمان تفرد الولايات المتحدة باعتلاء قمة التفوق التكنولوجي، ما يعطيها فرصة فعلية لتحديد شكل العالم الذي سيلي ذلك. ولن يعود السؤال المركزي: كيف نكسب السباق؟ بل: كيف ندير هذا التفوق ونحسن استخدامه؟ وعلى المستوى الصناعي، قد يتسارع تطور الذكاء الاصطناعي بإيقاع أكثر انضباطاً. وعلى رغم الاستمرار في الإنفاق المرتفع على البحوث والتطوير للوصول إلى “الذكاء الفائق”، إلا أن الأمر لن يستلزم حشد الجهود بالطريقة التي شهدها “مشروع مانهاتن” الذري. وقد يتوجب على الولايات المتحدة المحافظة عن سرية وأمن ذلك النموذج الريادي، مع الإبقاء على حيوية منظومة الابتكار. ومن اللافت أنه مع نضوج السوق وتعثر بعض الشركات، ينبغي عدم السماح للصين بالاستحواذ على ملكيتها الفكرية. وفي هذا السيناريو عن المستقبل، قد تشعر دول كثيرة بالامتعاض. وسيؤدي تمركز تلك القوة التغييرية الضخمة بيد بلد واحد إلى إثارة شكوك عن مدى تمتع القيادة الأميركية بالمسؤولية أو ميلها إلى تفضيل مصالحها القومية الضيقة. وبالتالي، سيلقى على كاهل واشنطن مهمة إرساء نظام ديمقراطي عالمي في الذكاء الاصطناعي، وتوليد ثقة بالقيادة الأميركية للذكاء الاصطناعي الفائق، في مهمة تشبه ما واجهته واشنطن عام 1945، لكنها أشد صعوبة في المشهد السياسي والجيوسياسي الراهن. ومع غياب أي منافس مباشر في نقطة التحول الذي يجسدها “الذكاء الفائق”، قد تتزايد سهولة ممارسة أميركا لضبط النفس الأحادي الجانب، وضبط جهود تطوير النماذج الطليعية بهدف الحفاظ على مأمونية تلك التقنية المتقدمة. وستكون عملية الانتشار مدروسة وانتقائية، بمعنى ضمان إتاحة الوصول الآمن للحلفاء والشركاء، ومنع الانتشار غير المنضبط. داخلياً، يمكن للولايات المتحدة التركيز على بناء عقد اجتماعي جديد. إذا أوصل الذكاء الاصطناعي إلى تحقيق مكاسب ضخمة في الانتاج والقدرات، فسيتمثل التحدي في توجيه تلك المكاسب لنشر الرفاهية على مستوى واسع، مع تدعيم قدرة المجتمع ككل في التعامل مع الاضطرابات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي. وستضمن التشريعات الحكيمة معايير السلامة والمساءلة من دون خنق مسار التقدم. وبالطبع، لن تدوم لحظة التفوق التكنولوجي الأحادي إلى الأبد. وإذا توصلت الولايات المتحدة أولاً إلى الذكاء الاصطناعي الفائق، فقد تغير الصين موقفها بين ليلة وضحاها وتنخرط في السباق، ولن تبقى القوى الأخرى مكتوفة الأيدي طويلاً. عندها سيكون على واشنطن أن تحدد كيفية الرد، وكيفية استخدام موقعها في رسم مسارات انتشار التكنولوجيا وحدودها. عالم ثالث السيناريو الثالث يتمثل في عالم يسوده الانتشار الواسع للتكنولوجيا، حيث يمكن الوصول للـ”ذكاء الفائق”، ويسهل اللحاق بركب التطور، فيما تندفع الصين قدماً في السباق. ستتسارع الاختراقات العلمية وتتعقد، لكن استنساخها وتقليدها سيكون سريعاً أيضاً. وفي هذا العالم، ستتمحور مهمة الولايات المتحدة بصورة أقل حول الاحتواء، وأكثر حول تعزيز القدرة على الصمود، أي إعداد البنى السيبرانية والبيولوجية واللوجستية والدفاعية في البلاد لمواجهة طيف واسع من التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وسيصبح قرار الدخول في السباق أو اتباع نهج “اللحاق السريع” خياراً استراتيجياً. فإذا انتشرت الاختراقات العلمية بسرعة، فإن الأفضلية من السبق في بلوغ التفوق العلمي قد تكون قصيرة الأمد، لكن السماح للآخرين بتحقيق التفوق أولاً – حتى ولو لفترة وجيزة – سيخلق نافذةً ملموسة من الهشاشة الأمنية. وإذا استمر التقدم بالتراكم السريع نفسه، فسيغدو السبق التقني أكثر أهمية، لأن الطرف المبادر سيبدأ بتسلق المنحنى قبل سواه. ومن المرجح أن يكون المسار الأمثل سباقاً دفاعياً هو الحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنفاق على البحث والتطوير وقدرات الحدود المتقدمة، مع إحاطة كل خطوة تقنية جديدة بمستوى إضافي من الأمن والمرونة. وسيجد نظام الابتكار نفسه تحت ضغط متزايد. فوجود “شركة وطنية رائدة” واحدة لن يقدم قيمة أمنية حقيقية، ما دامت أي تقنية تنتجها يمكن نسخها خلال وقت قصير. كذلك سيصبح من الصعب دعم عدد كبير من الشركات الخاصة العاملة في التقنيات المتقدمة، خصوصاً إذا أدرك المستثمرون أن الأرباح تتلاشى سريعاً بمجرد استنساخ الابتكارات. ومع تحول “الذكاء الفائق” إلى سلعة شائعة، ستتعثر شركات كثيرة وتخرج من المنافسة. وستنجح فقط الشركات القادرة على ابتكار نماذج عمل تمنحها القدرة على الاحتفاظ بالقيمة، بينما قد لا يحالف الحظ الشركات التي تركز على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أفضل من دون أن تملك آليات واضحة للاستفادة منها. وسيكتسب إدارة الأخطار أهميةً متزايدة، ليس فقط في ما يتعلق بالتصعيد وسوء الحسابات. فلتخفيف التهديد الناجم عن الانتشار غير المنضبط إلى جهات غير حكومية أو دول مارقة، ستضطر الولايات المتحدة إلى إرساء طبقات جديدة من التعاون الدولي، مع الحلفاء وكذلك مع الصين، لإبطاء أو لجم الجهات غير المسؤولة من الوصول إلى التكنولوجيا. وعلى رغم أن اتفاق ضبط مشترك بين الولايات المتحدة والصين سيظل صعب التنفيذ، فإن إدراك البلدين لخطورة هذا السيناريو قد يجعل التوصل إلى مثل هذا الاتفاق أكثر قابلية للتحقيق. وستبقى ضوابط التصدير أداة مفيدة، لكن فاعليتها ستعتمد على سبب سهولة اللحاق بالركب. فإذا طورت الصين منظومة حوسبة بديلة قابلة للاستخدام، ستفقد القيود المفروضة على الرقائق قيمتها عملياً، وسينتقل التنافس إلى مرحلة الانتشار العالمي. أما إذا كانت سهولة اللحاق ناتجة من عوامل أخرى، مثل تقنيات “تقطير النماذج” أي نقل المعرفة من نموذج كبير ومعقد إلى نموذج أصغر وأخف، أو السرقة، أو الانتشار السريع للخوارزميات والمعرفة التطبيقية، فإن ضوابط الرقائق ستظل أقل جاذبية مقارنةً بغيرها من السيناريوهات، لكنها ستبقى أداة مهمة لشراء الوقت وإبطاء وتيرة الانتشار. عالم رابع في السيناريو الذي يكون فيه بلوغ “الذكاء الفائق” ممكناً، واللحاق بالتقدم أمراً يسيراً، فيما الصين لا تدخل السباق، فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها في نافذة أحادية القطب قصيرة الأمد. قد تصل واشنطن أولاً إلى الذكاء الاصطناعي الفائق، لكن الآخرين سيتمكنون من اللحاق بها سريعاً بمجرد بدء السباق. وفي ظل عدم سعي الصين إلى الابتكار بسرعة، قد تبدو فكرة التريث وعدم إطلاق دفعة كبرى نحو حدود التكنولوجيا خياراً أكثر إقناعاً، ولا سيما إذا كان ذلك سيجنب العالم سيناريو الانتشار المنفلت. ومع ذلك، يبقى هذا المسار محفوفاً بالأخطار: وقد تخوض الصين سراً غمار المنافسة أو قد يتمكن طرف آخر من تجاوز القدرات الأميركية. وإذا قررت الولايات المتحدة مواصلة السباق، فسيتعين عليها أن تحدد كيفية استثمار تقدمها. فبإمكان واشنطن أن تستغل هذه النافذة الضيقة لمنع الآخرين من بلوغ حدود التفوق العلمي ذاتها، أو أن تستخدم حتى فترة قصيرة من التفوق غير المنازع لتعزيز دفاعاتها ودفاعات حلفائها، والعمل على تطبيق ضمانات تحول دون فقدان السيطرة أو حدوث انتشار غير محدود للتكنولوجيا. ومع إحجام بكين عن التنافس، قد ترجح كفة سعيها إلى اتباع استراتيجية مختلفة، تقوم على تحويل الابتكارات الأميركية إلى سلع شائعة وتوسيع انتشار الأنظمة الصينية عالمياً من خلال صادرات ذكاء اصطناعي منخفضة التكلفة، وربط الذكاء الاصطناعي بالعالم الفعلي عبر الروبوتات. وسيجعل ذلك من عملية الانتشار ميداناً رئيساً للتنافس. وعليه، ستحتاج الولايات المتحدة إلى الاستثمار في الروبوتات والتصنيع المتقدم، لتحويل الاختراقات الرقمية إلى تطبيقات صناعية ومادية، والمضي سريعاً في نشر أنظمة آمنة ومرتكزة على القيم الديمقراطية خارج حدودها قبل أن تملأ الصين الفراغ. عالم خامس لم يعد “الذكاء الفائق” مطروحاً في المجموعة التالية من السيناريوهات المحتملة. ففي أحد هذه السيناريوهات، يصبح اللحاق بالاختراقات التقنية أمراً بالغ الصعوبة، فيما تواصل الصين سباقها نحو الحدود المتقدمة. ستدخل الولايات المتحدة والصين في سباق ابتكار مرهق وطويل. وعلى رغم أن الأخطار ستكون كبيرة، فإنها ستظل أقل حدة مقارنةً بسيناريوهات “الذكاء الفائق”. وسيبقى الاستثمار في البحث والتطوير ضرورياً، وإن لم يكن بمستويات الطوارئ، إلى جانب تبني سياسات صناعية طويلة الأمد ترسخ قدرات متينة في الروبوتات والتصنيع المتقدم. كذلك سيتوجب على صانعي السياسات إدراك أن الأسواق كثيراً ما تخطئ في تقدير اللحظات المفصلية، فقد يهلع المستثمرون ويعلنون “فقاعة” قبل أن يحقق الذكاء الاصطناعي كامل إمكاناته، أو قد يواصلون الإنفاق طويلاً بعد نضوج التقنيات. وستتركز إدارة الأخطار هنا بدرجة أقل على فقدان السيطرة، وبدرجة أكبر على إساءة الاستخدام في المجالات البيولوجية أو السيبرانية أو العسكرية. وستزداد أهمية نشر التقنيات وتطبيقها بشكل كبير. إذ يتعين على الولايات المتحدة الدفع بقوة نحو تبني الذكاء الاصطناعي عبر صناعاتها المحلية ومؤسستها العسكرية، والتحرك سريعاً لنشر الأنظمة الأميركية وتلك الخاصة بالحلفاء في الخارج. حتى النماذج غير المتقدمة- إذا ما حظيت بدمج جيد وأسعار منخفضة وبنية تحتية قوية- قد تستحوذ على حصص سوقية ضخمة، وهو درس تدركه بكين جيداً من تجارب سابقة. وستظل حماية النماذج ومراكز البيانات أمراً حيوياً، لأن اللحاق بالتطور لن يكون مهمة سهلة، ولأن النماذج المتقدمة ستبقى ركيزة أساسية لحماية الأنظمة الأميركية وتلك الخاصة بحلفائها. لكن المهمة الأكثر إلحاحاً ستتمثل في نشر الأنظمة القادرة على نطاق واسع وفي وقت مبكر، لبناء اعتماد وتآلف معها قبل أن تترسخ البدائل الصينية. وستظل ضوابط التصدير أداة مهمة لإبطاء تقدم الصين، مع ضرورة الحرص على ألا تعيق هذه القيود نشر الأنظمة الأميركية في الخارج. عالم سادس في عالم يخلو من “الذكاء الفائق”، ويصعب فيه اللحاق بالتقنيات المتقدمة، ولا تنخرط فيه الصين في السباق، ستتمتع الولايات المتحدة بصدارة مريحة وبنافذة زمنية حقيقية لترسيخ تفوقها. وستتمكن واشنطن من توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوية منقذة للحياة، وتوسيع نطاق التعليم، وإحياء الصناعات الأميركية المتراجعة. ولن تخرج الصين من المشهد كلياً، لكنها ستخفض استثماراتها في تطوير النماذج المتقدمة إلى حد يجعلها فعلياً عملياً خارج سباق التوصل إلى التقنيات الأكثر تقدماً. وبدلاً من ذلك، ستركز بكين على التطبيقات العملية وتحويل الاختراقات الأميركية إلى سلع متاحة على نطاق واسع. وفي المقابل، سيتاح لواشنطن التركيز على معايير السلامة والمساءلة وضمان أن تتحول مكاسب الذكاء الاصطناعي إلى رخاء واسع النطاق. وعلى الصعيد الدولي، ستملك الولايات المتحدة فسحة لبلورة رؤية إيجابية لعالم يتغلغل فيه الذكاء الاصطناعي. ستدعو الشركاء للانضمام إلى منظومتها التقنية، وتتيح لهم الوصول إلى النماذج والبيانات والبنية التحتية، مع إبقاء العناصر الحيوية راسخة داخل البلاد. ولن يكون الهدف نشر الأنظمة الأميركية بأوسع نطاق ممكن في أسرع وقت، بل ضمان أن تكون الأنظمة المنتشرة آمنة ومتوافقة مع القيم الديمقراطية. عالم سابع في السيناريو قبل الأخير، نشهد عالماً يكون فيه الذكاء الاصطناعي محدوداً وغير متكافئ، مع سهولة في اللحاق بالتقدم، وحيث تسابق الصين بقوة لبلوغ حدود التقدم التقني. في هذا العالم، تنخرط الولايات المتحدة والصين في سباق انتشار تكنولوجي. وبما أن الاختراقات يسهل تقليدها، لن تستطيع أي دولة احتكار القدرات الذكية لوقت طويل، إذ ستنبع الأفضلية من القدرة على التطوير والتسويق بوتيرة أسرع من المنافسين. وسيغدو جذب رأس المال الخاص أكثر صعوبة. فإذا كانت التكنولوجيا قابلة للاستنساخ بسهولة، فقد يحجم المستثمرون عن التمويل، لاقتناعهم بأن العائدات ليست محمية بما يكفي. ومع ذلك، سيبقى على الولايات المتحدة خوض السباق، لأن الأنظمة التي تنتشر أولاً سترسم ملامح البيئة العالمية، ويجب أن تعكس القيم الأميركية. وبما أن الصين ستكون في سباق مسرع، ستحتاج الولايات المتحدة إلى الابتكار بالوتيرة نفسها أو أسرع، لمنع بكين من تقويض تفوقها في مجالات الأمن السيبراني والأمن البيولوجي والقدرات العسكرية والاستخبارية. روبوت يستعرض أثناء حدث تكنولوجي في مدينة تايبيه، تايوان، بتاريخ نوفمبر 2025 (رويترز) وستتحول عملية الانتشار إلى ركن أساسي ليس في إستراتيجية الذكاء الاصطناعي فحسب، بل في السياسة الخارجية الأميركية. فالصين تدفع تقنياتها منهجياً إلى الأسواق الخارجية، وغالباً ما تربطها بالتمويل ومشروعات البنية التحتية الكبرى. وسيكون لدى الولايات المتحدة ما يبرر قلقها من السماح بأن تبنى البنية الرقمية العالمية على نماذج صينية قد تستغل البيانات أو ترصد الاتصالات أو تدير حملات تأثير واسعة. وستحتاج واشنطن إلى إدماج انتشار الذكاء الاصطناعي في مؤسسات الحكم، وتوسيع صلاحيات ورأس مال مؤسسات مثل “مؤسسة تمويل التنمية” لمساعدة الشركات الأميركية والحليفة في بناء مراكز بيانات وشبكات وأنظمة مصممة بحسب السياقات الإقليمية حول العالم. وسيتطلب ذلك قيادة أميركية تركز ليس على المكاسب القصيرة الأجل، بل على ضمان عالم يعتمد بدرجة أكبر على الأنظمة الأميركية مقارنةً بنظيراتها الصينية. وإذا كان النسخ سهلاً والانتشار الواسع أمراً لا مفر منه، فلن تكون للسرية قيمة تذكر. وقد يكون الخيار الأفضل هو إتاحة نسخ مفتوحة أو مرخصة على نطاق واسع من الأنظمة الآمنة، لضمان تشغيلها على منصات أميركية أو تابعة للحلفاء بدلاً من منصات الخصوم. وفي هذا العالم، ستتراجع فائدة ضوابط التصدير، وقد تؤدي في بعض الحالات القصوى إلى الإضرار بسباق الانتشار، لأن الصين ستكون قادرة على تجاوزها بسرعة عبر استنساخ التكنولوجيا الأميركية. عالم ثامن في عالم ثامن وأخير، سيشبه الذكاء الاصطناعي كثيراً من التقنيات الكبرى السابقة. ستقود الولايات المتحدة مسار الابتكار، لكن التقدم سيكون سهلاً على الآخرين لجهة النسخ والمحاكاة. وفي ظل هذا التفلت، سيكون من الصعب تعبئة الاستثمارات الخاصة لتحقيق اختراقات تقنية، ومع عدم دخول الصين في السباق، ستتراجع المبررات الأمنية الشاملة للإنفاق الحكومي. وبدلاً من ذلك، سيتجه الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وفق توقعات العائدات الناتجة من انتشاره. ومن المرجح أن تهيمن النماذج مفتوحة المصدر. وبالتالي، ستغدو المنافسة على الريادة في الذكاء الاصطناعي إلى سباق على الانتشار. وقد يتشابه ذلك مع تنافسات حدثت في الماضي على غرار التنافس على الجيل الخامس 5G الذي ارتكز على الانتشار والقدرة على التوسيع. وستتمثل مهمة واشنطن في ضمان أن تصبح الأنظمة الأميركية وتلك الخاصة بحلفائها هي البنية التحتية الافتراضية السائدة للصناعة العالمية، بما يترك مساحة أقل أمام بكين لتقديم بدائل منخفضة الكلفة. من السيناريوهات إلى الاستراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي، لن تكون الاستراتيجية قائمة على التنبؤ بنتيجة واحدة أو صياغة سياسة مثالية وحيدة، بل على التفكير وفق احتمالات متعددة. وللاستفادة من هذه المصفوفة، يحتاج صانعو السياسات إلى اختيار “السيناريو الأساسي” أولاً، أي العالم الذي يرونه الأكثر ترجيحاً. بعدها يجب اختبار كل سياسة رئيسة على ضوء هذا السيناريو: هل تبدو مناسبة للعالم الذي نعتقد أننا نتجه إليه؟ كذلك ينبغي التفكير في الخطوات التي يمكن اتخاذها لتفادي أسوأ السيناريوهات أو الحد من أثرها في العوالم التي تواجه فيها الولايات المتحدة أعلى مستويات الأخطار، مثل “العالم الأول”، حتى لو لم تكن تلك السيناريوهات هي المرجحة. بعد ذلك، يصبح من الضروري اعتماد نهج الحذر، أي وضع استراتيجية تنسجم مع السيناريو الأساسي، لكنها قادرة أيضاً على الصمود في أكثر السيناريوهات صعوبة. وهذا يتطلب تحديد السياسات التي يمكن أن تنجح عبر عدة عوالم، وتلك التي يمكن التراجع عنها إذا تغير المستقبل المتوقع، وتلك التي قد تكون ضارة إذا اتضح أن الافتراضات الأولية كانت خاطئة. وينبغي أن تملك الحكومة خطة جاهزة لكل سيناريو من السيناريوهات الثمانية، مع القدرة على تعديل هذه الخطط بحسب الظروف. وهذا يستلزم مؤسسات تفكر بطريقة احتمالية. يمكن لـ”مجلس الأمن القومي” استخدام هذه المصفوفة لاختبار صلابة السياسات المختلفة أمام مختلف السيناريوهات المستقبلية البديلة، في حين تراقب أجهزة الاستخبارات الإشارات التي تكشف التغير على المحاور الثلاثة، مثل سرعة التطور على حدود التفوق التقني، أو وتيرة نسخ القدرات الجديدة، أو تغير مستوى الاستثمارات الصينية، وتحديث احتمالات كل سيناريو تبعاً لذلك. ويجب أن يكون كبار مسؤولي الأمن القومي مستعدين للتوصية بتعديل السياسات عندما تظهر مؤشرات على أن سيناريو آخر بات أكثر احتمالاً. فالغرض ليس توقع المستقبل بدقة مطلقة، بل تحقيق توازن بين الأخطار والفوائد، وتعديل الأولويات عندما تتغير الاحتمالات، وإعادة تشكيل الإطار إذا دعت الحاجة، ووضع الأنظمة التي تسمح بتحقيق ذلك. ولا يقتصر هذا الإطار على صناع القرار. فهو أيضاً أداة عملية لكل من يشارك في النقاش حول الذكاء الاصطناعي والجيوسياسة. فالكثير من هذه النقاشات يتعثر لأن الأطراف تفترض “عوالم مختلفة” من دون أن تدرك ذلك. يمكن أن تصبح هذه النقاشات أكثر وضوحاً إذا حدد كل طرف أي مستقبل يتوقع أن يسود. هل نتحدث عن مستقبل يتحرك فيه الذكاء الاصطناعي نحو تحول جذري، أم عن مستقبل أكثر بطئاً واستقراراً؟ هل ستنتشر الاختراقات بسرعة أم ستظل صعبة النسخ؟ وهل تتصرف الصين كقوة تسابق نحو حدود التقدم العلمي أم كقوة تتريث وتستفيد من ابتكارات الآخرين؟ طرح هذه الأسئلة وربط كل موقف بالمصفوفة يساعد على كشف ما إذا كان الخلاف هو حول السياسة نفسها أو حول المستقبل المفترض. والهدف من هذا الإطار ليس التنبؤ بالعالم النهائي، بل وضع طريقة منضبطة للتعامل مع عدم اليقين، أي جعل الافتراضات واضحة واختبارها أمام بدائل مختلفة. وهذا الإطار قابل للتطور. فهناك أبعاد أخرى لمسار الذكاء الاصطناعي غير الثلاثة المطروحة هنا، وبعض المسائل التي تبدو اليوم مركزية قد تحسم لاحقاً، بينما تظهر مسائل جديدة. وإذا تبين مثلاً، أن “الذكاء الفائق” أصبح في متناول اليد، فإن سيناريوهات التي تبحث في التقدم المحدود ستصبح أقل أهمية، وقد تحتاج المصفوفة إلى محور جديد يميز بين “ذكاء فائق مفيد” و”ذكاء فائق خطر”. كذلك يمكن أن تزداد أهمية لاعبين آخرين غير الصين مع تغير المشهد التقني. المهم هو وجود إطار سياسي قادر على التطور مع ظهور أدلة جديدة. إن الجيوسياسة في عصر الذكاء الاصطناعي ستكون معقدة. ومن دون طريقة تفكير منضبطة، ستنهار الاستراتيجية تحت وطأة الافتراضات الخفية والتوقعات غير المعلنة. ومن خلال وضع “خرائط للعوالم المحتملة” والخيارات التي يتطلبها كل منها، يساعد هذا الإطار في رؤية المشهد بوضوح أكبر. والمهمة واضحة أمام صانعي القرار اليوم: التعامل مع الذكاء الاصطناعي ليس كقصة واحدة ثابتة، بل كواقع متغير باستمرار. فإذا تبنى القادة الأميركيون هذا الأسلوب في التفكير، فسيكون لهم دور في تشكيل عصر الذكاء الاصطناعي المقبل؛ وإن لم يفعلوا، فسيفعل آخرون ذلك بدلاً منهم. مترجم عن “فورين أفيرز”، 27 يناير (كانون الثاني) 2026 المزيد عن: الذكاء الاصطناعي الفائق سباق الذكاء الاصطناعي التنافس الأميركي الصيني التفوق العلمي فورين أفيرز 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post فريدرش ميرتس يكتب عن: كيف نتجنب كوارث صراع القوى الكبرى next post جيفري أ. فريدمان يكتب عن: تغليب القوة على السلام You may also like دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 March، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 March، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 March، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 March، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 March، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 March، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 March، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 March، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 March، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 February، 2026