بأقلامهم جهاد بزي يكتب عن : موعد غرامي مع “الست” ام كلثوم by admin 18 يناير، 2026 written by admin 18 يناير، 2026 139 الانطباع الأخير الذي يحمله المشاهد معه إلى الخارج، وصوتها ما زال يصدح، هو نسوية أمّ كلثوم، في زمن ليس ذكورياً فحسب، بل يخضع لسيطرة مطلقة من الذكور، تكون فيه المطربة مجرّد مطربة، بينما كلّ ما تبقّى من اختصاص رجال. Jihad Bazzi– جهاد بزي/ كاتب وباحث لبناني صفحة الكاتب facebook “صوت من الطبيعة”، يقول لي حازم صاغيّة دافعاً بساعديه الهواء أمامه، وهذا أدقّ وصف لصوتها… من الطبيعة، كالسيل المتدفّق، كموج البحر مثلاً، كالريح، كالمطر، جارف كنهر، كبركان لم نختبره، لكن يمكن تخيّله. وهي كذلك… أخيراً انهارت الأسوار التي بنيتها بسذاجتي بيني وبين صوتها، وبتّ أغمض عينيّ بينما أسمعها، وأتمايل وينتفض جسمي لحظة تنجرح الآه… يا الله. بهذا الانبهار التامّ، شبه الصوفي بها، عدت إلى مسلسل أمّ كلثوم وقرأت “حانة الستّ” رواية محمّد بركة، وصرت أبحث في صورها وحكاياتها وتسجيلاتها النادرة، وازددت ذهولاً بالمرأة التي خلف هذا الصوت. وحين ذهبت إلى فيلم “الستّ” تهيّبت هيبة الذاهب إلى موعد غرامي، لأعتذر منها عن تحاملي العتيق عليها، وأجلس في أحد مقاعد الصور البيضاء والسوداء، واحداً آخر من الهائمين بها. حين صدح صوتها في بداية الفيلم، استرخيت في المقعد، أعد نفسي بساعتين ونصف من التسلية الصرفة، وللحظة لم يخذلني العمل الذي لو كان مجرّد سيرة ذاتية أخرى، لما ترك أيّ بصمة. نحن هنا أمام احتفال سينمائي فنّي بالأيقونة وأزمانها المتعدّدة، محاكاة الكاميرا للكاميرات التي سبقتها بحسب كلّ سنة، الألوان والكادرات التي تنقّلت بين عصور أمّ كلثوم ترمي التحيّة تلو الأخرى، لذاك الزمن وأزيائه وأشخاصه. خليط صوتها مع الموسيقى العصرية بدا شرحاً لآنيّة “الستّ” واستمرارها وبقاء هذه الشخصيّة الخرافية فوق عوامل الاهتراء بفعل تقادم الزمن، بنظّارتها الشمسية ومنديلها وشعرها المرفوع إلى خلف وفساتينها ومجوهراتها… أيقونة. التحيّة الثانية كانت لأنواع سينمائية عديدة، من الأفلام الاستعراضية إلى مشاهد هيتشكوك، ومنى زكي أدّت أجمل أدوارها على الإطلاق. الذكاء والسخرية الفطريتان في عينيها، قوّة شخصيّتها ومعرفة مقامها، وسطوتها على قلوب الرجال والأمّة العربية معاً. وبعكس أمّ كلثوم صابرين؛ صابرين في المسلسل، كانت في الفيلم أكثر جرأة وصراحة وسيطرة على محيطها، بدت في الفيلم نقطة ثقل أيّ مكان يحيط بها، وهي تعلم ذلك، كما أنها متقشّفة في التعبير عن مشاعرها، وهذا كان مقنعاً. لم تقلّد منى زكي “أمّ كلثوم” ما، بل قدّمت رؤيتها، أو رؤية صنّاع العمل لأمّ كلثوم كما يريدونها، والستّ حمّالة أوجه درامية، كمارلين مونرو مثلاً. منذ زمن بعيد تخطّت شخصها الحقيقي وفتحت واسعاً باب تخيّلها، كمسرحيات شكسبير أو كما قصص الأطفال الخالدة، كساندريلا التي لا يُعاد إنتاجها بقدر ما تُصنع كلّ مرّة من جديد، لتقدّم القصّة التي نعرف تفاصيلها، كلّ مرّة بقالب فنّي جديد. هنا ربما ذكاء الفيلم، في استعادة أحداث أساسية من سيرتها من بون الالتزام التامّ بدقّتها. وجيوش الباحثين عن الأخطاء في السيرة ليس مفهوماً لماذا يبذلون هذا الجهد الضائع أصلاً، مئات المؤلّفات عنها موجودة ومتداولة، و”الستّ” ليس فيلماً وثائقياً ولا “دوكيودراما”، إنه سينما تُعيد سرد القصص التي تعرف أننا نعرفها، وأننا نستمتع بمشاهدتها من جديد، والفيلم الذي يدور حول شخصها ملآن حتى التخمة بالنجوم، الذين يفترض أنهم يؤدّون أدواراً قد تقتصر على مشهد واحد، لكنّ حضورهم أغنى العمل بما لا يقاس، وجعله سلسلة من تتالي المفاجآت اللطيفة. الانطباع الأخير الذي يحمله المشاهد معه إلى الخارج، وصوتها ما زال يصدح، هو نسوية أمّ كلثوم، في زمن ليس ذكورياً فحسب، بل يخضع لسيطرة مطلقة من الذكور، تكون فيه المطربة مجرّد مطربة، بينما كلّ ما تبقّى من اختصاص رجال. هنا نحن أمام سيّدة أعمال وأوّل نقيبة للموسيقيين، وكاتبة مقال، وسيّدة وطنية تأخذ على عاتقها ليس جمع الأموال فقط، خلال المجهود الحربي، بل ترميم معنويات أمّة برمّتها أصابتها النكسة في مقتل. نسوية ندّ للرجال في زمن آخر، مسيّسة تقيس حساباتها بدقّة، وتعلم كم كعبها عالٍ، مذ علم الملك فاروق أن دربه إلى قلوب المصريين لا يعبّده إلاها، مذ علم جمال عبد الناصر أنها كالأهرام، كالنيل، ككتابات المصريين القدامى المحفورة رسوماً في الحجارة، لا تُنافس، ولا تفنى، مذّاك، مذ وقع في عشقها رجال بعد رجال، عرفت الستّ أيّ سطوة تملك، أيّ صولجان حريري تحمله في خنصرها، تلوّح به يميناً ويساراً فتتمايل رؤوس خلف رؤوس خلف رؤوس. الفيلم، في خلاصته الأخيرة، قال إن أمّ كلثوم كانت كما وصْفها، كوكباً يدور في فلكه رجال كثيرون، بدوا كلّهم في هذا السرد لهذه السيرة بالتحديد؛ أعني الفيلم، هامشيين، من عبد الناصر إلى أحمد رامي إلى محمّد القصبجي إلى الرجال الذين تزوّجتهم. هي الأصل والجذر والأساس. لم يسئ إليها إذ قدّمها تفاوض الموسيقيين وتتلاعب بهم لينتخبوها، كما ليست آخر الدنيا أن تصرخ في أعضاء فرقتها، خاصّة أن صوتها هو الذي يصرخ، لم يزل عنها قداسة كما لم يضف عليها أنسنة، قدّم رؤيته الفنّية البارعة لفيلم، كما أغانيها، لا يشبع منه بساعتين ونصف، كما أنه تجربة تستحقّ على الأقلّ المشاهدة مرّة ثانية. يكفي ما يمرّ من صوتها، بأبعاده التي كسرت قوانين الفيزياء، فبات الصوت ليس آتياً من الطبيعة كما يقول حازم صاغيّة فحسب، بل حتى من ما وراء الطبيعة. فيلم الستّ: إخراج مروان حامد وكتابة أحمد مراد، بطولة الممثّلة منى زكي بدور أمّ كلثوم. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة (3) next post حازم صاغيةيكتب عن: تحوّلات في مفهوم «الثورة»! You may also like سوزان مالوني تكتب عن: الجمهورية الإسلامية الثالثة تحمل... 26 أبريل، 2026 طارق الشامي يكتب عن:ما الذي يتطلبه نجاح أميركا... 17 مارس، 2026 طوني فرنسيس يكتب عن: خطاب المرشد المغيب كتبه... 16 مارس، 2026 صديق خان عمدة لندن يكتب عن:قصة خط ديوراند... 16 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن : الحرب وثمن الصورة 16 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: حرب إيرانَ والمخطط... 16 مارس، 2026 أمير طاهري يكتب عن: إيران وأميركا وإسرائيل: الرابحون... 16 مارس، 2026 روبرت أ. بايب يكتب عن: هل يصب التصعيد... 13 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: ماذا تريد إيران وهل... 13 مارس، 2026 دلال البزري تكتب من تورنتو عن: تلك الحرب…... 12 مارس، 2026