طالما أن السيجارة تضرّ بالصحة، لماذا استمرت بالانتشار؟ (Getty) بأقلامهم دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة (3) by admin 18 January، 2026 written by admin 18 January، 2026 107 “السيجارة حلقة تدور حول نفسها. لذيذة، مهدئة، ساهرة. تخلص صاحبها من الضغط في اللحظة التي يتنشقها. فيربط دماغه بين السيجارة والتهدئة والارتياح” العربي الجديد / دلال البزري – كاتبةوباحثة لبنانية المبدعون الذين ألّفوا عن السيجارة شعرًا ونثرًا كانوا أبناء زمنهم، أواسط القرن الماضي. عندما خرجت البشرية من الحرب العالمية الثانية، انتشرت “موجة” السيجارة. وصار لها “شرعية” اجتماعية. ورفع من مكانتها العسكر العائدون من الجبهة. واقترنت بالرجولة والشهامة والحداثة. فالتقطت الشركات الأميركية والبريطانية الفرصة، ومعها الفرنسية بحجم أقل، وأنزلت إلى السوق ماركاتها والتي بقي منها أسماء مألوفة. ونظرًا لانتشار التدخين وذيوع معانيه “الراقية”، ازدهرت هذه الشركات، وسُوِّقت، وغزت أسواقًا جديدة، وربحت كثيرًا. كانت ثمة “منظومة ثقافية” حول السيجارة، وصفتُ تعبيراتها في الحلقة الماضية. الأماكن الأولى المرحبة بهذه المنظومة هي المقهى. وحتى أيام قريبة، المقهى هو سيد مكان التدخين. يجلب إليه الكاتب أوراقه وكتبه، يفلشها على الطاولة، يتناول القلم بيد، يلتقط السيجارة بيد أخرى… أو يدخل في سجال مع زملائه حول قصيدة أو حدث أو فكرة… وتشتعل المدْخنة. فيرتبط الفكر والسجال بالسيجارة ارتباطًا تلقائيًا بديهيًا. لا مجال للعودة عنه، إلا بالقوانين، كما سنرى لاحقًا. أو أن الكاتب يعود إلى مكتبه، ويجلس وحيدًا، مفكرًا، قلقًا، مبتهجًا، محبطًا، ناقدًا، معطلًا، متوقدًا، مترددًا، متشنجًا، متوهجًا، بليدًا… وبكل الأحوال صاحب إبداع. والسيجارة طقس من طقوس “أدوات إنتاجه”. والصورة الأيقونة للمبدع المدخن لا تقتصر على غسان كنفاني… جميعهم التقطوا لحظة التدخين لتقول الدعاية المجانية كم أنهم أذكياء، عميقون، كم أن كل ذلك مرتبط بالسيجارة التي تلتقطها أصابعهم وتترك بصماتها بنية اللون، والسوداء أحيانًا، على أطراف تلك الأصابع. وهذه البقع شاهدة على دخان السيجارة وجمرها ورمادها، وشاهدة على زخمها وفيض إلهامها أو انحباسها، على هشاشة الفكرة أو قوتها. وهذه “المنظومة” كانت مشبعة بفكرة، أو لنقل بخطاب “اللذة”. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتشر “خطاب” اللذة. على الإنسان أن يلتذ، بكل شيء، بكل فعل، بكل ظرف، بكل مكان. والمبدع أحق من غيره باللذة. هو فوق، هو المثال، هو الذي تنجذب إليه اللذة، قبل أن يذهب هو إليها. و”فعله”، أي الكتابة والقراءة والتأمل والتفكير… يجب أن تصحبه اللذة، وإلا كان إبداعه ناقصًا. يلتذ المبدع في كل الحالات. عندما ينجز، أو يتوتر، أو ينجح أو يفشل. يغضب أو يهدأ. يحب أو يكره. يستاء أو يرضى. يستمتع أو يتوجع. تتركه الحبيبة، يشتاق إليها، أو تحضر بين أحضانه. السيجارة، “تعدل” مزاجه. أي تدخله في اللذة أو تعينه على الألم… ولكن السيجارة حلقة تدور حول نفسها. لذيذة، مهدئة، ساهرة. تخلص صاحبها من الضغط في اللحظة التي يتنشقها. فيربط دماغه بين السيجارة والتهدئة والارتياح، وأحيانًا الألفة. فيعود المدخن إليها كلما شعر بالحاجة إلى “إدارة” مزاجه، أو “ضبط” فرحه أو حزنه أو غضبه أو ضجره، أو لحظته النادرة، أو استراحة عقله أو شروده. كل ما تسقطه السيجارة على صاحبها من نِعَم، هي في الواقع أوهام وإغراءات. تفعل فعلها المطلوب، نعم. في اللحظة ذاتها. ولكنها تدخله في حلقة مفرغة إليك خطها الدائري: يتناول حقنة نيكوتين بتدخين السيجارة، فيروق. بعد برهة، يسقط معدل النيكوتين في جسمه، فيشعر بالحاجة إلى سيجارة. أي أنه بين سيجارتين، يتذمر، يضطرب، يتشنج. هذه الأعراض، تشبه عوارض الفقد. مثل الحزن والأسى والإرهاق والتشتّت الذهني… لا يطيقها المدخن، لأنه أصبح مدمنًا على السيجارة. فيبحث عن السيجارة مثل الولهان. عن “المكان”، عن الوقت… وتختفي كل العوارض بمجرد أن يمجّ سيجارته. ويثبت لنفسه للمرة الألف أن السيجارة تحييه، تعدل مزاجه، تريحه… فيما هي بالواقع لم تفعل سوى إسكات عوارض إدمانه عليها. ولكن يحدث ما يبدو أنه مفارقة: في الوقت الذي تعرف السيجارة، كما ذكرنا، في أواسط القرن الماضي، انتشارًا واستحسانًا، روّجت له أرقى الفئات، المبدعة والمتعلمة، بدأت تظهر علامات الضرر الصحي الذي يتسبب به تدخينها. خصوصًا السرطان. فيحصل تناقض بين الربح الذي تريد شركات تصنيع السيجارة الحفاظ عليه، بل زيادته، وبين المشرفين على الصحة العامة، والتابعين للدولة الراعية (وقتها “راعية”، قبل أن تدخل الخصْخصة مجال الصحة). أي: الدولة الراعية تتقدم بخطى حثيثة، وتدعم الصحة العامة والأبحاث الخاصة بأضرار التدخين؛ والسيجارة تحظى بهامش استثنائي من الحرية. وذلك نظرًا لمداخيل الضرائب التي تجنيها، للمنظومة الثقافية التي ترعاها، وللإقبال الجماهيري الذي تحظى به. فالمبدعون وقتها، من كتاب وشعراء، كانوا قادة الرأي والذوق وأنماط اللبس والحياة. مثل “الإنفلونسر” اليوم، أو “الكوتش”. وهذا الإقبال الجماهيري بالذات، يضخّ على الإحصاءات أرقامًا بالغة عن الإصابات الصحية للسيجارة، عن تفاصيل تغلغلها في نسيج الأعضاء الحيوية، عن الأمراض القاتلة التي تتسبب بها، وبعضها جديد. هكذا تبدأ لعبة السلطات الصحية وشركات إنتاج السجائر. أولى مراحلها هي التحذيرات من التدخين. في البداية تكون هذه التحذيرات بسيطة، خجولة، غير رادعة، لا تتعرض للشركات ولا للدعاية الإعلامية (صحف، تلفزيون) التي تروج لها. وكأنها تقوم بواجبها بخفر، من دون النَيل من مصالح أصحاب الشركات المصنّعة للسجائر. والمفارقة تستمر: الطب يتقدم ويكشف عن مزيد من أدوار للسيجارة في التسبب بأمراض قاتلة. ولكن الشركات أيضًا تستمر بمراكمة الأرباح. وهكذا يتطور الكباش بين الدولة الراعية، التي لم تعد راعية تمامًا، وبين الشركات. ترتفع الضريبة على السيجارة، يبدأ منع التدخين في بعض الأماكن العامة (مقاهٍ، مطاعم، طائرات، قاعات) ليصل أحيانًا إلى نطاق السكن، وينتهي بحظر شبه شامل للتدخين في كل المجال العام. طبعًا هنا نتكلم عن دول الغرب، أوروبا والأميركيتين. وسوف يكون لنا حديث عن تطور “تنظيم التدخين” في عالمنا العربي والجنوبي أو “الثالث”. المهم هنا سؤال يطرح نفسه: طالما أن السيجارة تضرّ بالصحة، لماذا استمرت بالانتشار؟ وفي البيئات الأكثر وعيًا؟ خذْ مثلًا: المبدعون الذين أتينا على ذكرهم في الحلقة السابقة. عددهم أربعة عشر، ولنعتبرهم “عينة” لجيل الستينيات والسبعينيات: واحد منهم، بول شاوول، صاحب الكتاب الخاص المحب للسيجارة، تجاوز الثالثة والثمانين من عمره، وما زال عائشًا، وبصحة جيدة (الله يطوّل عمره). سعدي يوسف العراقي عاش حتى السابعة والثمانين، وتوفي بسرطان الرئة. ومارغريت دوراس الفرنسية عاشت حتى الحادية والثمانين، وتوفيت بسرطان الحلق. الفلسطيني غسان كنفاني مات شابًا، واغتيالًا، عن ستة وثلاثين عامًا. والفرنسي ألبير كامو مات في حادث سيارة عن عمر ستة وأربعين. البرتغالي فرناندو بيسوا مثل الأميركي جاك كيرواك، قضيا في السابعة والأربعين من عمرهما، لكثرة ما تناولا من الكحول. والتشيكي فرانز كافكا، من مرض السلّ، في الواحد والأربعين من عمره. والبريطاني أوسكار وايلد من مرض السحايا في السادسة والأربعين. ومحمود درويش من القلب، في السابعة والستين، كذلك نزار قباني في الخامسة والسبعين، ومثله محمد الماغوط في الثانية والسبعين، وجان بول سارتر في الخامسة والسبعين. فالسؤال: لماذا لم يصب معظمهم بمرض سرطاني من النوع الذي تحذر منه كل الأبحاث الصحية؟ أو بمرض في الأوعية الدموية؟ وقلة قليلة منهم أصيبت بقلبها؟ ومن غير إثبات علاقة هذه الإصابة بالتدخين. أو إن كان ثمة علاقة، فجزئية؟ ليست من النوع الذي يبشر أصحاب الأبحاث السرطانية أنه يمكن تفاديها؟ هل تغيرت الأمور، أم للموضوع أسباب أخرى؟ أولًا: التبغ الذي كان يدخنه الطليعيون في نهاية الحرب العالمية الثانية، كان تبغًا “صافيًا”، مع القليل من الإضافات السامة، مثل القطران وأول أكسيد الكربون. في عقود الستينيات وحتى التسعينيات، أضافت شركات التصنيع: الأمونيا، التي تزيد من امتصاص النيكوتين، وأنواعًا من السكريات التي تُطلِق مادة الأسيتالدهيد المحفزة على المزيد من الإدمان. فضلًا عن النكهات، والمرطَّبات، والكادميوم؛ وكلها مواد مسرطنة، تعتبر “قليلة الضرر” قياسًا إلى ما أصبحت عليه اليوم. أما اليوم، فلا تحصى هذه المواد. تضاف إليها، ولا تقارَن قوتها بتلك التي سبقتها آنفًا. عذرًا على الكلمات الثقيلة. لكن لا يمكن تفادي تعدادها. إنها: الهِيدرُوكربونات العَطرية متعددة الحلقات، والأمينات العطرية، وحمض الهِيدروسيانيك، والفورمالدهيد، والأكرولين، والرصاص، والكروم السداسي التكافؤ، والبيريليوم، والبولونيوم-210 المُشع، والنِّتروزامينات، والنِّترات. بالمحصلة السيجارة المعاصرة تحتوي على سبعين مادة مسرطنة. لكن العلماء لا يجزمون بأن هذه المواد، فضلًا عن تلوث الأجواء هي التي حمت المدخنين القدماء من الإصابة بأمراض السرطان والأوعية الدموية. يقولون بأن الذين دخنوا أيام المنظومة الثقافية السابقة، قد يكونون أصيبوا بها، من دون أن يكتشف الطب عوارضها. وإن السرْطنة العائدة للتدخين ليست قصيرة المدى، إنما تمتد على عشرات السنوات. ولذلك لم يكن ممكنًا التقاط “الحالات” العائدة إلى التدخين. والمدهش في الاكتشافات الراهنة تلك الأبحاث الجينية التي تشرح بأن فلانًا عاش مائة سنة وهو يدخن السيجارة، وبقيت صحته قوية. والسبب كما يفسرون أن جيناته تتمتع بمناعة هائلة، تجعل التدخين نظير الأكل والشرب، أي ممارسة “بريئة”. هل نصل إلى مستوى يعرف فيه فلان الفلاني “حظه الجيني”، فيذهب بالتدخين إلى أبعد الحدود؟ ولكنه يقضي بقصف على منزله، أو بحادث سيارة. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post snow 15 to 20 cm on the way for N.S next post جهاد بزي يكتب عن : موعد غرامي مع “الست” ام كلثوم You may also like دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 March، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 March، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 March، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 March، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 March، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 March، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 March، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 March، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 March، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 February، 2026