الجمعة, مارس 6, 2026
الجمعة, مارس 6, 2026
Home » “يوميات حميمية” لتولستوي: وعظ أخلاقي في زمن الصخب

“يوميات حميمية” لتولستوي: وعظ أخلاقي في زمن الصخب

by admin

 

لماذا سكت صاحب “الحرب والسلام” عما تبقى من أعوام في حياته كانت الأخصب؟

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

بين عامي 1847 و1910 مر 63 عاماً، في البداية كان عمر تولستوي 18 سنة، وفي النهاية كان موته عن 78 سنة. خلال كل تلك الفترة، وابتداء من نهاية المراهقة إذاً، حرص الروائي الكبير على أن يدون وفي صورة يومية، جملة من الأفكار والانطباعات والتفسيرات والمواقف هي التي شكلت في النهاية، واحداً من كتبه الأساسية وهو المعروف بعنوان “يوميات حميمية”. غير أن تلك اليوميات لا تغطي في الحقيقة سوى 50 عاماً من أصل تلك الأعوام… لأن ثمة 13 عاماً يغيب فيها تماماً، وهي الأعوام الفاصلة بين 1865 و1878، ولم يكن هذا صدفة لأنها الحقبة التي تزوج فيها تولستوي وراح ينجب أولاده، كذلك فإنها هي الحقبة نفسها التي كتب فيها رائعتيه “الحرب والسلام” و”آنا كارنينا”.

وواضح هنا أن هذا الكاتب الكبير لم يستشعر أيما حاجة إلى التعبير عما يشغل فكره وباله، في وقت كان فيه يكتب أدباً كبيراً، أو ينجب للحياة أبناء سيرافقون مسار حياته حتى النهاية.

ومن ناحية أخرى، قد يكون من الضروري أن نذكر هنا أن اليوميات تتوقف ثلاثة أيام فقط قبل اختفاء تولستوي وموته في محطة القطار في منطقة آستابوفي، حيث عزبته التي أمضى فيها الجزء الأكبر من آخر أعوام حياته.

إذاً، على رغم الأعوام الناقصة، لا شك في أن كل من يقرأ تولستوي ويتابع ما كتب عن سيرة حياته (والإنتاج في هذا المجال شديد الغزارة، بحيث إن ثمة مكتبات كاملة وفي لغات شتى حول تولستوي)، ستختلف قراءته له اختلافاً راديكالياً إن قرأ تلك اليوميات، ناهيك بأنها تشكل متعة قراءة لا تضاهى.

ومع هذا سيخيب أمل من يقرأ هذه اليوميات وهو يتوقع فضائح أو يوماً حميمياً، أو أية اعترافات من أي نوع كان. ذلك أن تولستوي، كاتب الروح ومفكر العقل، كان من الذين يعرفون كيف يضعون مسافة عريضة بين حياتهم الشخصية وحياتهم الأدبية.

ولعل الباحث جورج شتينر كان من أدق الذين عبروا عن هذا الأمر في مجال مقارنته الفذة بين تولستوي ودوستويفسكي في كتابه الذي يحمل اسم كاتبي روسيا الكبيرين عنواناً له، لكن هذا موضوع آخر.

الموضوع هنا، إذاً، هو تلك اليوميات التي سجل فيها تولستوي ألوف الأفكار والملاحظات، لا سيما ملاحظاته التي كان يعود إليها مستعيناً بها في كتابة نصوصه الإبداعية الكبيرة، إذ إن هذه الملاحظات تشكل إضاءات مهمة على أدب تولستوي الكبير.

وهنا قد يكون في إمكاننا أن نفتح هلالين لنذكر أنه لأعوام قليلة ماضية لم تكن هناك طبعة محققة وكاملة لهذه اليوميات، كذلك فإن الترجمات إلى اللغات المختلفة، ومنها اللغة العربية، لم تقدم سوى مقاطع من هنا وأخرى من هناك، تتناول بعض الحقب المحدودة لا أكثر.

وفي صورة عامة يمكن تقسيم الكتاب إلى أقسام عدة تتابع المراحل العمرية لتولستوي، إذ هناك، أولاً صفحات لشباب الكاتب تمتد من عام 1847 إلى 1856، و”بطل” هذه الصفحات، كما يقدمه لنا الكاتب نفسه، شاب طموح همه الأساس أن يتمرن على أفضل السبل للسيطرة على عواطفه وأهوائه. وهذه الصفحات الممتعة التي تصور الصراع الداخلي لذلك الشاب وتعيشنا في داخله يوماً بيوم، تنتهي بتولستوي وقد تزوج وامتثل في سلوكه وحياته للأنماط الاجتماعية، مما يعني، ضمنياً في الأقل، أنه نجح في كسب رهانه، وترك عواطفه الخاصة جانباً، أو هو – وهذه فرضية معقولة – وزعها على شخصيات قصصه ورواياته الأولى، قبل أن يعود ويراكمها جميعاً ولو في شخصية بطلة “آنا كارنينا”.

والحال أن أهمية هذا القسم تكمن في أنه يعطينا صورة مميزة عن كيف تحول الشاب الحالم المفلس، الرومانطيقي والمحارب لرومانطيقيته في الوقت نفسه إلى ذلك الكاتب وثم بعد ذلك، إلى المفكر الذي نعرف.

ولعل ما يلفت النظر هنا حقاً هو أننا إن بحثنا في جوانيات كل الشخصيات التي زرعها تولستوي في رواياته وقصصه جميعاً، عمن يحمل حقاً السمات التي نجدها تسم شاب القسم الأول من اليوميات، سنفاجأ بأن الشخصية الوحيدة التي تنطبق عليها، ليست سوى آنا كارنينا. ترى أفليس من حقنا هنا أن ننقل، إلى تولستوي واستناداً إلى روايته عن نفسه، مقولة فلوبير الشهيرة “إيما بوفاري هي أنا”؟

إحدى طبعات يوميات تولستوي بين عامي 1847 و1852 (أمازون)

اليوميات عنصر أخلاقي

مهما يكن من أمر، يتعين علينا أن نلاحظ في الأقسام التالية من اليوميات، أن ما كان جنينياً في القسم الأول، صار هو العنصر المهيمن على بقيتها، ونعني به رغبة الكاتب الواضحة، إنما غير المعلنة، في أن يستخدم يومياته كعنصر أخلاقي، بل كعنصر وعظي في بعض الأحيان، وكأنه أراد في فقرات إثر فقرات أن يحدد لنفسه ولأدبه قواعد سلوكية يرسمها أولاً في اليوميات ومن ثم يلزم نفسه بها.

وضمن هذا الإطار نفسه قد يصدم القارئ المتحمس، كون صفحات اليوميات تبدو متقشفة، جدية أحياناً أكثر من اللازم، وتكتب في انضباط عسكري، وهاجس ديني قد يقول قائل، للوهلة الأولى، إنهما يتنافيان مع الإبداع، كل إبداع، فكيف بإبداع من الطراز الأول يحمل توقيع تولستوي.

حسناً، قلنا هنا إن هذا يرد للوهلة الأولى… ولكن بعد ذلك يكون لا بد للقارئ من أن يعود إلى أعمال تولستوي الأدبية ليرصد كم أن هذا الكاتب، كان حيياً خجولاً متقشفاً، بل مترهباً، في مجال وصفه جوانية معظم شخصياته.

ولعل هذا يدفع بالمرء إلى سلوك درب الحيرة وهو يتذكر أن كاتباً ودارساً في القرن الـ20، هو فلاديمير نابوكوف صاحب رواية “لوليتا”، أعلن في محاضرات جامعية كان يلقيها في كليات الولايات المتحدة الأميركية أنه يفضل تولستوي على دوستويفسكي، فالسؤال هنا: كيف يمكن لصاحب “لوليتا” الإباحية شكلاً وجوهراً، أن يفضل تحفظ تولستوي الأخلاقي، على إباحية دوستويفسكي؟

البحث عن السعادة

في السياق نفسه لا شك في أن قارئ اليوميات سيتوقف كثيراً، وهو يقرأ أقسامها الأخيرة (ولا سيما منها تلك التي كتبت بعد الاستقرار الزوجي والإنجاب، وبعد أن ترسخت شهرة الكاتب، في بلده وعالمياً من خلال رواياته الكبرى) عبارات مثل تلك التي يقول تولستوي فيها: “إنني لتعذبني رغبتي في أن أكون مفيداً للبشرية، وأن أسهم في شكل أفضل في حصول هذه الإنسانية على السعادة. ترى، هل من الممكن أن أموت ذات يوم يائساً من دون أن أحقق هذه الرغبة؟”.

والحقيقة أنه إذا كان تولستوي يطرح السؤال بهذه الصورة الواضحة في يومياته، وفي شكل يضيء طبعاً على جوهر مضمون رواية “البعث” التي كان في صدد بدء كتابتها يوم طرح هذا السؤال، فإن في إمكاننا أن نرى السؤال نفسه مبثوثاً كهاجس في طول الكتاب وعرضه، ولنلاحظ أن المرات الكثيرة التي يلمح بها إلى هذا الأمر، تشهد كذلك نوعاً من صلوات يكتبها إلى الرب الإله طالباً منه أن ينقذه من الوقوع في الخطيئة أو الخطأ.

وفي يقيننا أن هذه الدعوات تتنافى، في علاقة تولستوي بها، مع الاتهامات التي ستكال إليه لاحقاً من جانب الكنيسة وتؤدي إلى إقامة الحرم على كتبه، غير أن علينا ألا نعتقد أن مئات الصفحات التي تتألف منها هذه اليوميات مملوءة بالفقرات الأخلاقية أو الدينية أو بضروب التقشف والوعظ، أبداً… لأن هناك صفحات يتحدث فيها الكاتب عن شغفه بالقمار – ولو من طريق التعبير عن رغبته في التوبة -، وعن مشاغل دنيوية كثيرة، وعن رغبات غير متحققة.

أجل، قلنا منذ البداية إننا أمام نوع من الاعترافات، والمرء لا يعترف عادة بما هو جيد ومستقر وسوي، ومن هنا، مرة أخرى، تصبح صفحات هذه اليوميات أشبه بمدخل مميز ليس فقط للتعرف إلى شخصية ليون تولستوي (1828 – 1910)، ومواكبة تفاصيل حياته ومسالكه يوماً بيوم، ولكن أحياناً شهراً بشهر أو لأيام قليلة في عام بأكمله (مثلاً عام 1899 الذي لن نقرأ عنه سوى يوميات تتعلق بأقل من أسبوعين)، بل كذلك لقراءة وإعادة قراءة كتبه الأساسية تحت ضوء جديد. ومن هذه الكتب ما يعتبر من أهم شوامخ الأدب العالمي مثل “الحرب والسلام” و”البعث” و”آنا كارنينا”، ومنها ما يعتبر تعبيراً مميزاً عن زمن تولستوي (النصف الثاني من القرن الـ19)، ومنها أخيراً ما يعتبر مؤسساً للحداثة، على صعيدي الشكل والمضمون، أما هذه “اليوميات الحميمية” فإنها قابلة لأن تضم إلى اعترافات القديس أوغسطين، أو إلى اعترافات جان جاك روسو، باعتبارها من الشوامخ في هذا اللون الأدبي.

المزيد عن: ليو تولستوي الأدب الروسي فيودور دوستويفسكي فلاديمير نابوكوف

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00