مأساة الفلسطينيين تعيد التراجيديا اليونانية إلى الأذهان (أ ف ب) ثقافة و فنون وجدي معوض وماكرون… تراجيديا فلسطين في نيويورك by admin 6 أكتوبر، 2025 written by admin 6 أكتوبر، 2025 92 ذكريات الابن أيقظت في الأب وجع الآباء المفجوعين في المأساة الفلسطينية اندبندنت عربية / منال نحاس صحافية @manalnahas عشية سفره إلى نيويورك، وإلقائه خطبته في مقر الأمم المتحدة التي أعلن فيها اعتراف فرنسا بدولة فلسطين، ودعا دول العالم إلى الاعتراف بها، أوعز الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى كاتب خطبه، باتيست روسي، بمهاتفة كاتب المسرح الفرنسي – اللبناني، وجدي معوض، ودعوته إلى مرافقة الوفد الفرنسي الحرسي إلى الولايات المتحدة، ومشاركة الوفد الإعداد لكلمة الرئيس، ثم كتابة “محضر” الرحلة، على النحو الذي يراه ويرغب فيه الكاتب المدعو وضيف الرئيس. ويروي معوض وقائع توجيه الدعوة، والسفر إلى نيويورك، والإقامة، وجلسة الخطبة. ويدون الخواطر والتداعيات التي حفت بهذه المراحل. ومدار هذه المراحل، وقطبها، هو إعلان رئيس الجمهورية الفرنسية، باسم دولته، أمام المحفل الدولي الأوسع الاعتراف بدولة فلسطين. وأودع الرواية والتدوين مقالاً نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية في عدد الـ29 من سبتمبر (أيلول) 2025. وسمه بالعنوان التالي: “القرن الواحد والعشرين يسحق كل شيء في طريقه. كيف تُختتم مأساة؟”. وهو يعني بالمأساة التاريخ الفلسطيني المعاصر، وانتقال الفلسطينيين، منذ خسارتهم كيانهم السياسي، وتقرير مصيرهم، من نكبة إلى نكبة. والختام الذي يرجوه هو استقرار الشعب الفلسطيني في دولة لها ما لدول العالم (الأمم المتحدة في هذا المعرض) من حصانة من العدوان، ومن حقوق، وأولها حق شعبها في حكم نفسه بنفسه. فلسطين/ نيويورك ولا تنسى رواية الكاتب المدينة التي ينزلها، ويقع فيها المقر الأممي، مسرح الختام المرجو للمأساة الفلسطينية وفصلها الغزاوي الحالي، ولا الوقت الذي تنعقد فيه دورة الهيئة الثمانين، أي خريف هذا العام. فيقول إن شهر سبتمبر (أيلول)، في شمال القارة الأميركية “هدية” أو هبة رائعة. فالضوء الذي يتناسل من قمم ناطحات السحاب النيويوركية يخيم على المدينة المترامية، ينزل على شوارعها في موكب سماوي، ويدعو مشاتها دعوة ملحة إلى المشي. وما إن يخطو المرء خطواته الأولى حتى تتلقفه حيوية المدينة، وتدمجه، من غير أن ينتبه، في دورتها الصاخبة. ويسأل الكاتب المسرحي نفسه، ومسرحه يتناول الحروب الأهلية اللبنانية والفلسطينية المتداخلة، في ضوء مسرح اليونان القديم ومآسيه، وأولها مأساة سوفوكليس “أوديب طاغية” – (يسأل) عما يكتبه في محضره غداً، بعد إعلان فرنسا، على لسان رئيسها، اعترافها بفلسطين. مأساة التاريخ وما يعلمه، على قوله، هو أن روايته لن تتخفف من المأساة. وهذه الرواية مأساوية لأنها تاريخية. وهي تاريخية، على معنى غير معنى ضرب موعد في المستقبل، لأنها مثقلة بماضٍ دامٍ وبحاضر يسحقه، القصف، والجوع، وحساب الضحايا المدنيين اليومي، وكابوس الرهائن الأحياء، وحداد أهالي الموتى الذي لا يكفون عن استجداء جثامين موتاهم عبثاً لعلها تسعفهم على قضاء حدادهم ومواراته الثرى مع الجثامين. الوالد والابن وتذكِّر شفافية الضوء الكاتب برونين نيوترا، والد الرهينة عومير نيوترا الذي قيل إنه توفي في محبسه. وتقوده الذكرى هذه إلى ابنه، ابن الكاتب وجدي معوض، واسمه عوليس، تيمناً بـ”بطل” ملحمة هوميروس الثانية، “الأوديسة”. وفي أثناء غياب عوليس، وهو دام عشر سنوات فوق عدد سنوات الحرب التي قضاها المحاربون تحت أسوار طروادة، هي مدة رحلة عودة عوليس إلى دياره. وفي الأثناء، زعم بعض أعيان إيتاكا، بلد عوليس أو ولايته، أنه مات ولن يعود، طمعاً في امرأته، بنيلوب، وفي ملكه. وما قيل في عوليس وموته، يقال اليوم في عومير نيوترا. وما قيل في انتظار امرأة عوليس يقال ربما في انتظار والد عومير. أو هذا ما يلمح إليه كاتب المسرح الفرنسي – اللبناني المعاصر في ضوء المآسي اليونانية الكبيرة. ولا شك في أن تذكر معوض ابنه، ومقارنته المضمرة حال الابن بأحوال شخوص الملحمة والمأساة اليونانيتين، حركت في نفس الأب الكاتب، وهو يتناول المأساة الفلسطينية، العواطف الحرّى التي تجيش بها صدور آلاف الآباء والأبناء (والأمهات والبنات) الذين قضوا، أو قضى أبناؤهم أو آباؤهم، في الحرب التي تدور رحاها على أرض فلسطين. الشفقة والكرامة فينتبه، في أثناء تداعيات خواطره وذكرياته، إلى أن عاطفة الشفقة، على الابن خصوصاً، هي كنز إنساني عظيم. ويمثِّل على عاطفة الشفقة وعظمتها بمشهد يوناني آخر، هو مشهد بريام ملك طروادة ووالد فارسها، هكتور، قتيل آخيل، فارس اليونانيين الأول، جاثياً بين يدي قاتل ابنه، يرجوه العفو عن جثمان الابن الذي تجره الفرس الجامحة وراءها، وتعفره في التراب، والسماح للوالد المثكول بدفنه. وتمضي خواطر معوض وتداعياته الهوميرية على مقارنات مضمرة بين شواهده الكلاسيكية واليونانية وبين مشاهد الحاضر. ولا يلبث معوض أن يفصح عن المضمر، فيكتب أن أصداء المشهد الذي رواه هوميروس قبل 2800 عام، ويلخصه هو اليوم، تتردد في جنبات السودان وأوكرانيا، وبينهما غزة ومدينة بوتشا الأوكرانية، إلى الجنوب من كييف، رمز الجرائم الروسية في أوكرانيا. غضب آخيل لا يرويه مقتل هكتور، فآخيل يريد إذلال هكتور، فوق قتله ثأراً. ولا سبيل إلى استعطافه إلا من طريق دعوته إلى تذكر والده، على ما يفعل والد هكتور: “أذكر أباك، ورد لي جثمان ابني”، وإذ يرجع الخاطر بالكاتب إلى مدن القتل المعاصرة يبدو له أن مشهداً مثل مشهد بريام مستعطفاً آخيل، وراجياً الإفراج عن جثمان ابنه، مستحيل اليوم. وهو يعزو الاستحالة إلى خسارة الإنسانية معنى كان يتشاركه الأعداء ويتقاسمونه هو الكرامة. فكلا تدمير غزة وهجوم 7 أكتوبر لا يقر للعدو بالحق في الكرامة. بينما وسع بريام، والد هكتور وملك طروادة، حمل آخيل على البكاء، وعلى رد جثمان عدوه، هكتور، حين بعث استعطافه وبكاؤه في نفس الفارس اليوناني ذكرى والده الشيخ العجوز. وآذن ذاك يومها، بختام المأساة. “صرخة ألم” في عيد الاستقلال ويعود صاحب مسرحية “الحرائق” – العمل المسرحي ثم السينمائي الذي روى فيه، أو مَسْرَحَ فيه اجتياح الجيش الإسرائيلي لبنان، صيف 1982، من خلال سيرة مقاتل في صفوف ميليشيات مسيحية محلية يداهم مخيماً فلسطينياً، ويخيِّر أماً فلسطينية في النزول للخاطف عن ولد من ولديها، مستعيداً أثراً يرويه التراث اليهودي الأوروبي بين مرويات المحرقة، وعاد الروائي الأميركي ويليام ستايرون (1925-2006) ورواه في روايته “خيار صوفيا” – يعود إلى نيويورك ومشاهدها الماثلة. فيخبر أنه ألفى نفسه فجأة في وسط جمع من الناس يهزجون ويرقصون ويغنون ويرددون جملة واحدة بالإسبانية: “غريتو دي دولوريس”. وسأل أحد الراقصين المغنين عما يفعل هو وأصحابه. فقال له إنهم مكسيكيون يحتفلون بعيد استقلال بلدهم، المكسيك، ومعنى النشيد أو الهتاف هو “صرخة ألم”. فتنقله صرخة الألم المكسيكية، ومناسبتها أي استقلال الشعب المكسيكي بدولة حرة وسيدة، إلى غزة، أهلاً وأرضاً وقضية، فيخطر بباله أن يسأل محادثه المكسيكي عن المستقبل: هل يرى فيه، آجلاً أم عاجلاً، جمعاً من الفلسطينيين في هذا الموضع من نيويورك، في تايمز سكوير، يهزجون ويرقصون في ذكرى آبائهم، ويحتفلون بيوم استقلال فلسطين في ختام حقبة مترعة بـ”صراخ الألم” حتى الثمالة. فهل يختم المشهد المتخيل هذا، المأساة الطويلة؟ يسأل وجدي معوض نفسه. ويترك الجواب معلقاً. المزيد عن: فلسطينالتراجيديا اليونانيةإيمانو يل ماكرون 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post المسلسل الذي أسس لمسار السينما الأميركية الجديدة next post المخرج التركي نوري جيلان رائد سينما الاغتراب You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026