Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » هيرمان غورينغ في “نورمبرغ”… عبقرية الشر

هيرمان غورينغ في “نورمبرغ”… عبقرية الشر

by admin

 

فيلم للأميركي جيمس فاندربيلت يعيد سرد علاقة طبيب نفسي بأكبر القادة النازيين

اندبندنت عربية / محمد غندور مدير المراسلين @ghandourmhamad

لم تكن محاكمات نورمبرغ مجرد جلسات قضائية، بل لحظة فاصلة في تاريخ الإنسانية والقانون الدولي. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، واجهت القوى المنتصرة – الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، والاتحاد السوفياتي – تحدياً أخلاقياً وقانونياً فريداً: كيف تُحاسب القيادة النازية على الجرائم التي ارتكبت باسم الدولة؟

للمرة الأولى في التاريخ الحديث، وُضع قادة دولة مهزومة أمام محكمة دولية لمحاكمتهم على جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب والتآمر لشن حرب عدوانية، بينما كان الرأي العام العالمي يترقب هذا العرض القانوني التاريخي.

هذه المحاكمات لم تكن مجرد وسيلة لتثبيت القانون، بل اختباراً لقدرة البشر على مواجهة الشر المنظم من دون اللجوء إلى الانتقام، ما أثار جدلاً واسعاً حول عدالة المنتصر وحدود تطبيق القانون بأثر رجعي. ووصفها السير نورمان بيركيت، أحد القضاة البريطانيين الحاضرين طوال المحاكمة على أنها “أعظم محاكمة في التاريخ”.

في قلب هذا المشهد التاريخي، برزت شخصيات مركزية لم تكن متهمة فقط، بل رموزاً للآلة النازية. كان هرمان غورينغ أبرز هؤلاء، قائد سلاح الجو الألماني ووزير الرايخستاغ، وصاحب اليد الطولى في السياسات الاقتصادية والعسكرية للنظام النازي، إلى جانب كونه من أبرز الموقعين على أوامر مهدت للحل النهائي.

الجلسة الأولى لمحاكمة نورمبرغ في 20 نوفمبر 1945 (أ ب)

عرف عنه الذكاء والكاريزما والقدرة على تحويل أي مساءلة إلى مبارزة كلامية، وهو ما جعله شخصية محورية في المحاكمة، ليس فقط كمتهم، بل رمزاً لتحدي النظام القانوني أمام السلطة المطلقة والشر المنظم.

وبعد ستة أشهر فقط على نهاية الحرب، راح المدّعون الذين يمثلون الدول الحليفة الأربع، يجمعون 300 ألف شهادة وحوالى 6600 قرينة مدعومة بـ 42 ملفاً من الأرشيف. وفي 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1945، بدأت في نورمبرغ بألمانيا أكبر محاكمة في التاريخ، حوكم فيها 21 من كبار القادة النازيين، ونُظمت المحاكمة في مدينة مدمرة صمد فيها قصر العدل الموصول بسجن. وتشكّل نورمبرغ خصوصاً رمزاً للنازية، إذ كان هتلر ينظّم فيها تجمعات ضخمة. وأقرّت فيها أيضاً، عام 1935، القوانين المناهضة لليهود.

نورمبرغ

يستند فيلم “نورمبرغ” (Nuremberg) للأميركي جيمس فاندربيلت إلى كتاب الصحافي جاك إل-هاي The Nazi and the Psychiatrist، ويعيد سرد علاقة الطبيب النفسي الأميركي دوغلاس كيلي (رامي مالك) بأكبر القادة النازيين، وبخاصة غورينغ.

يُكلّف كيلي بتقييم الصحة العقلية لهؤلاء القادة النازيين ومدى قدرتهم على المثول أمام المحكمة، ليجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج: أداء واجبه كضابط عسكري من جهة، وفك شيفرة العقول التي ارتكبت أبشع الجرائم من جهة أخرى.

يسلط الفيلم الضوء على العلاقة النفسية الدقيقة بين كيلي وغورينغ، إذ يظهر الأخير ذكيّاً، ساحراً، وماكراً، في لعبة نفسية متقنة مع الطبيب، مستغلاً الغرور البشري، والفضول الأكاديمي، وحتى الرغبة الشخصية في الشهرة والنشر لدى كيلي.

ومن أبرز المشاهد المؤثرة عندما يغطي غورينغ عينيه بنظارة شمسية أثناء عرض لقطات معسكرات الإبادة، لحظة تكشف للجمهور حجم الشر الذي بدأ كيلي بالاعتراف به فقط بعد فوات الأوان.

الحرب والنظام النازي

الحرب التي تسبق الفيلم ليست خلفية سردية محايدة. المشروع النازي كان إدارياً بقدر ما كان أيديولوجياً. الإبادة لم تنفجر كفوضى، بل نُفذت عبر أوراق رسمية، ومراسيم قانونية، وتصنيفات طبية، وكفاءة لوجستية.

الهولوكوست لم يكن انقطاعاً عن العقلانية الحديثة، بل تطرفها الأقصى. ولهذا السبب تحديداً كان سؤال المسؤولية بعد الحرب مقلقاً إلى هذا الحد. فإذا لم يكن الجناة مجانين، فإن البنى التي مكّنتهم تصبح هي موضوع المساءلة. محاكمات نورمبرغ حاولت فرض عقل قانوني على كارثة أنتجتها أنظمة عقلانية نفسها، وهو تناقض لا يزال يطارد القانون الدولي حتى اليوم.

هرمان غورينغ أمام محكمة نورمبرغ (أ ب)

الطرح الفكري الأعمق في الفيلم، والمستمد بأمانة من كتابات كيلي نفسه، هو أن الشر يقاوم الاختزال المرضي. اختبارات كيلي المكثفة، من بينها اختبارات بقع الحبر لسلوكيات لا واعية ومئات الساعات من المقابلات، قادته إلى نتيجة مخيفة: غورينغ ورفاقه لم يكونوا مختلين، بل طموحين، نرجسيين، قوميين وانتهازيين – سمات شائعة، لكنها مدمرة عند مزجها مع السلطة والتنظيم البيروقراطي.

مع ذلك، يعتمد الفيلم على المواجهة الخطابية بدلاً من تراكم اللحظات اليومية للفظائع، ما يجعل الشر يبدو فيزيائياً بصرياً كاستثناء، بينما يؤكد لفظياً أنه عادي.

 راسل كرو وأداء السلطة

يُعد أداء راسل كرو لهرمان غورينغ أكثر عناصر الفيلم دقة على المستوى المفاهيمي. لا يليّن كرو الشخصية، ولا يشوهها. بل يسلط الضوء على أدائها السلطوي. غورينغ فهم السلطة كعرض مستمر، كمسرح. حياته كانت غير قابلة للفصل عن الرتبة والاعتراف والتمثيل. يجسد كرو هذا البعد عبر جعل غورينغ جذاباً من دون أن يكون متعاطفاً معه.

راسل كرو بدور هرمان غورينغ (مواقع التواصل)

وهذا فارق حاسم. كثير من أفلام النازية “تؤنسن” جلاديها إلى حد التبرير أو الميلودراما. كرو يتجنب هذا الفخ عبر إظهار الكاريزما كسلاح. دفء غورينغ تكتيكي. مزاحه آلية تفكيك. صدقه الظاهري وسيلة لخلخلة يقين خصومه الأخلاقي.

ما ينجزه الفيلم هنا، ربما من دون قصد كامل، كشف كيفية عمل الفاشية على المستوى الشخصي. لا يدافع غورينغ عن الأيديولوجيا بقدر ما يسطح الأخلاق. استدعاؤه المتكرر لجرائم الحلفاء، من قصف المدن إلى القنبلة النووية، ليس نقاشاً أخلاقياً بقدر ما هو إذابة للمسؤولية. حين يصبح كل شيء جريمة، لا يعود أحد مسؤولاً.

يفضح أداء كرو هذه الآلية بوضوح مقلق. ذكاء غورينغ ليس عبقرية، بل طلاقة. يعرف كيف يخاطب كل جمهور، كيف يعكس قيمه جزئياً ليطمس الحدود. ولهذا يصبح انجذاب كيلي إليه مفهوماً على المستوى الفكري، وإن كان غير مقبول أخلاقياً.

رامي مالك 

أداء رامي مالك لدوغلاس كيلي أكثر إثارة للجدل. يلعب مالك الشخصية من الداخل، مبرزاً توترها وطموحها ونرجسيتها الفكرية. في أفضل لحظاته، ينقل التآكل التدريجي للمسافة المهنية، واللذة الخفية في ثقة غورينغ، والارتباك الأخلاقي الذي يتبع ذلك. قوته تكمن في الإصغاء أكثر من الادعاء، وفي ردود الفعل التي يصبح فيها الاستماع ذاته مخاطرة أخلاقية.

رامي مالك (مواقع التواصل)

لكن كثافة الأداء أحياناً تتجاوز السياق المؤسسي للشخصية. يطلب الفيلم منا تصديق أن أزمة كيلي تتطور في عزلة شبه تامة، بينما كان في الواقع جزءاً من جهاز عسكري وقانوني وطبي صارم. وهذا مهم، لأن العبرة الأخلاقية للفيلم تقوم على انهيار كيلي الفردي. حين يبالغ الفيلم في شخصنة الفشل، يبعد النظر عن طابعه البنيوي.

انتحار كيلي لاحقاً مأساوي بلا شك، لكنه لا يكفي كشرح. الفشل الأعمق كان إيمانه غير المهزوز بأن الخبرة وحدها تحمي الديمقراطية. الفيلم يلمح إلى هذا من دون أن يواجهه مباشرة.

قاعة المحكمة

مشاهد المحكمة في “نورمبرغ” مهيبة بصرياً لكنها مكثفة فكرياً إلى حد الاختزال. فالمحاكمات لم تكن عرضاً للعدالة فحسب، بل اختراعاً قانونياً. الجرائم حوكمت بأثر رجعي، ما أثار أسئلة قانونية جوهرية يعترف بها الفيلم من دون الغوص فيها. الإصرار على أولوية القانون على الانتقام مقنع أخلاقياً، لكن العمل يتعامل معه كمسلمة لا كنقاش تاريخي محتدم.

مايكل شانون يقدم شخصية القاضي الأميركي روبرت جاكسون بوقار، لكن السيناريو يحصر أزمته في المواجهة الخطابية مع غورينغ، لا في هشاشة المشروع القانوني ذاته. الخطر الحقيقي لم يكن أن يكسب غورينغ النقاش، بل أن تُرفض المحاكمات بوصفها عدالة المنتصر.

فيلم “نورمبرغ” ليس تحفة سينمائية كلاسيكية، لكنه جدّي وموثوق في طرحه للنقاش الأخلاقي والتاريخي. إخفاقاته تعليمية. يريد الفيلم التحذير من الفاشية من دون مواجهة عمق تجذرها في العقلانية السياسية الحديثة. يريد تفسير الشر مع الاعتراف بأن التفسير غير كافٍ.

الحقيقة الأكثر إزعاجاً التي تنبثق، على رغم تردد الفيلم، هي أن محاكمات نورمبرغ لم تحل مشكلة الشر. لقد أعادت صياغتها. أثبتت أن القانون قادر على تسمية الجريمة، لا على منع تكرارها. يأس كيلي، وتحدي غورينغ، وإصرار جاكسون تشكل مثلث إجابات ناقصة.

وإذا ترك “نورمبرغ” المشاهد غير راضٍ تماماً، فربما يكون ذلك إرثه الأصدق. التاريخ الذي يستحضره لا يمنح خاتمة مريحة. بل يفرض مسؤولية. الخطر ليس في عودة الشر بالشكل ذاته، بل في تكيفه، وتبريره، وإقناع أشخاص أذكياء وحسني النية بأنه قابل للإدارة أو التفسير أو أنه شأن يخص الآخرين.

المزيد عن: راسل كرو رامي مالك الهولوكوست النازية سينما

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00