بأقلامهمعربي هناء السعيد : عالم لا تُحتمل خفته by admin 23 مارس، 2020 written by admin 23 مارس، 2020 242 موقع كوة / هناء السعيد .. ( مصر ) . فى تأمل للعالم المُعلق بإذن أدق مخلوقاته .. إن معظم التغيرات التى اجتاحت الارض مؤخرًا غيرت الجغرافيا ، غيرت السياسات .. لكنها لم تغير فى قيم الإنسان ، لم تغير عيونه ، لم تغير ضميره .كان الإنسان فقط يغيره جلده الخارجى ، يغير قشرته ويستبدلها بغير التى تمرد عليها ، تغيير الظاهر هو الأسهل والأقل وجعًا ، أما انتزاع الأحشاء فقد قامت به ” الجائحة”. كوفيد -19 ” كورونا ” .. الألم الذى يمثل سطرًا واحد فى هذا المشهد المهيب الذى لا يمكن الاستهتار به ، ما وراءه يمنحنا رؤية للصورة كاملة ، التى ربما تراها مشرقة ووردية ..ربما . تعلمت من” هيجل ” أن التاريخ يعرف إلى أين يذهب ، وأنه ذاهب لا محالة لكمال البشرية ، قائد الإنسان لكماله القادم لم يرفع الشعارات ، لم يقول أنه الحل والمخلص ويؤدى إلى الجنة . الوباء يغير القيم ، يفرض معنى جديد للحياة ، أجمع العالم على المعاناة ، وأجمعوا على أمنية السلامة ” للجميع” ، خفت صوت التعصب ، خفت صريخ خطاب الكراهية ، هربت الطوائف ، تبخرت المذاهب ، لم يبقى سوى أصلنا الذي تعلقنا به فى محنة لن تنفعنا فيها دولنا ولا ديننا ولا لون بشرتنا . بات كل حديث غير حديث البحث عن دواء أو وقاية تضييع للوقت ، الإنسان الآن مصلحته واحدة ، مخاوفه وأوهامه واحدة ، إنه المجهول الذى جعلنا نتعارف . جعلنا الوباء عراة من هوياتنا ، إن هتك ستر تلك الهويات قد يوحد العالم ، سرق الكورونا “الخلافة ” من داعش ، واستخلف على الكون حماة الإنسانية دون مزايدات . تبدو الصورة كئيبة ، كل شيء مُعطل ، كل شيء كسر نمط العادة ليخلق غدًا نمطًا مختلف ، العادة التى جعلتنا نُضيع الهدف والمعنى من وراء الحياة . الكل حريص على الكل ، الأنانية هنا ضد الجميع ، الفردانية هنا شذوذ عن واجب الوقت ، النجاة لنفسك تعنى نجاة من حولك ، للأسف لا يزال البعض فى نومة أهل الكهف ، لكن الجائحة لن تترك أحد ينام . وهذا المشهد يخلق فلسفة جديدة لاتزال تملى قواعدها ، ولازلنا فى حاجة للتمهل فى تدوين ما سوف تمليه .. أطرافنا الآن مقطوعة ، معابدنا مُحرمة ، لم يعد لنا إلا جوهرنا وفطرتنا لنلجأ إليهم ، فما طمسناه باسم الإختلاف ، باسم الإيمان والكفر حق ظهوره . لا يوجد غضب إلهى .. لا يوجد عقاب يخلق هذه الحالة من الأُلفة ومن مساندة جميع البشر لبعضهم فالهم واحد، هو رضا السماء ، هو مخاض الولادة ، هو العسر الذى حتمًا يتبعه اليسر . طالما استيقظت همم معظمنا وتكاتفت ، وجلسوا يحكون رؤوسهم ، ويبيتون فى معاملهم من أجل الإنسان .. فكيف أنظر لهذا كعقوبة !! إنه مخلوق يُعلمنا بقسوة ، كالقسوة التى قتلتنا بها إنتماءاتنا ، العالم يريد أن يُخلق من جديد بعد أن شاخت قيمه ، يحتاج إعادة صياغة للمفاهيم كأننا خرجنا من صلب آدم الآن ، من نحن ومن الأخر ، ما الماضى وما حدود سلطانه علينا الآن ، كيف نود أن يكون مستقبلنا ، إن هذه الفترة الحرجة هى “حجر” على معارفنا القديمة، و”عزل” لثوابتنا منتهية الصلاحية . نعم .. سيصبح العقل العربى مؤمنًا ويمسى كافرًا ، يؤمن بالعلم ويكفر بالخرافة طالما الثمن حياته نفسها ، سيصبح العلم سيدنا ومولانا ،لا الحبة السوداء وبول الإبل ، فالوباء تبرك بالعلم لا بالعمامة، سنثق أن النجاة لا تحتاج ” فتوى ” ، سنُبارك ” الحداثة ” بعد أن لعناها وكفرناها ، الحداثة التى غطت اللحظة بما ينقذ الجميع ، معلومات ، صور مقاطع ، السرعة فى التدفق ، الحداثة التى حافظت على أعمالنا وعلمنا وكافة مصالحنا ، فكانت عصبنا ومفاصلنا ، تتحرك هى بينما نحن عالقون مؤقتًا . العالم يريد أن يذهب لمكان ما ، لا نعلمه حتى الآن ، سنتتبع آثار الكوفيد-19 لنعرف ، لكنه لن يرحم من لا يواكب سرعته ، ولا من ينتظر قول أهل الذكر فى حكم التحرك وقبلته . تأمل الحدث من عمقه .. والتمس السلامة “بالوعى “. وكما قال كونديرا فى ( كائن لا يُحتمل خفته ) .. ” كلما كان الحمل ثقيًلا ، كانت حياتنا أقرب إلى الأرض ، وكانت واقعية أكثر وحقيقية أكثر ” .. الخطر ثقيل و تحدى ليس سهلًا على البشرية ، والحياة بعده لها مذاق لم نعرف طعمه بعد . العالم من هشاشته القيمية بات لا يُحتمل خفته ، فرب أزمة تجعله أكثر ثقًلا وعمقًا من ذى قبل . المزيد عن : عالم لا تُحتمل خفته /كورونا /هناء السعيد 41 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عبد الكريم الموريد: مواقع التواصل الاجتماعي: من الرغبة في التواصل إلى صناعة التفاهة next post عبد الحميد لخميس: كورونا.. أو حينما يصير الوباء باعثا على التأمل في زمن عالمنا المعاصر You may also like حازم صاغية يكتب عن: الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين 10 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: حرب تغيير الملامح 10 مارس، 2026 داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط... 8 مارس، 2026 دانيال بايمان يكتب عن: هل لا يزال “حزب... 8 مارس، 2026 ريتشارد فونتين يكتب عن: الحرب على طريقة ترمب 8 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: نهاية إيران كقوة... 8 مارس، 2026 دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ