بوليت غودار وشارلو في _الأزمنة الحديثة_ (موقع الفيلم) ثقافة و فنون هل كان فيلم شابلن “الأزمنة الحديثة” بريئا أيديولوجيا؟ by admin 28 فبراير، 2026 written by admin 28 فبراير، 2026 33 الفيلم شكل محضر اتهام بالغ التقدم على الضد من ممارسات الرأسمالية الأميركية اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب في أواسط أعوام الـ30 من القرن الـ20 حقق تشارلي شابلن ذلك الفيلم الذي سيعتبر نقلة أساسية حتى في فنه الكوميدي الذي كان قد اعتاد على أن يكون مطعماً بسياسيات تلوح بين الحين والآخر، لكنها لا تتعدى أبداً حدود الاحتجاجات الشعبوية والمواقف العابرة في أبعادها المتفرقة. ولكن في “الأزمنة الحديثة” سيبدو واضحاً على سينماه أنها تتنطح الآن لتتجاوز وبكل وضوح تلك الخطوط الحمراء التي كان الفنان الكبير قد اعتاد أن يرسمها لنفسه غير منتظر أن ترسم له. وكان ذلك تحديداً في وقت كانت الولايات المتحدة تكافح، من طريق رئيسها الأكثر ديمقراطية في تاريخها فرانكلين د. روزفلت للخروج من الكساد المدمر واستعادة ما تبقى من “حلم أميركي” بات يبدو منذ ذلك الحين، مجهضاً تحت هيمنة الأزمة الاقتصادية الخطرة، التي اندلعت عام 1929، بينما كان الاتحاد السوفياتي يتحول تحت وطأة محاكمات موسكو والتهام ما تبقى من “الثورة” لمن تبقى من أبنائها، إلى دولة قمعية من طراز فظيع. في ذلك الحين حل ذلك الاضطراب الكبير في صفوف أشرف المفكرين والمبدعين بحثاً عما يمكنهم قوله تحت وطأة تدهور القوتين العظميين، ولسوف نكتشف لاحقاً أنه في وقت راح كبار المبدعين في العالم يدلون بدلوهم على الضد من الوضعيتين السائدتين في محوري العالم هذين، وجد شابلن أن في وسعه هو أيضاً أن يدلي بدلوه وتحديداً حينها في “الأزمنة الحديثة”. لكن شابلن لم يكن من الذين يعترفون بخوضهم غمار الفكر الأيديولوجي، ومن هنا اتهم اليمين الأميركي، وتوابعه في العالم، مبتكر شخصية الصعلوك، بأنه يخوض في فنه الآن سياسة “تخريبية” متطرفة، حتى وإن ادعى شابلن براءة مطلقة، وهي البراءة التي ظلت موضع إنكار طوال عقود تالية لتضحى واحداً من الأسباب الحقيقية الكامنة وراء محاربة الماكارثية له وصولاً إلى “طرده” من الفردوس الأميركي. محاضر اتهام بلا نهاية ومن هنا بات في مقدور مناوئي شابلن من ناحية، ومناصريه من ناحية أخرى، أن يتوقفوا عند تلك الجزئيات المتعلقة تحديداً بـ”الأزمنة الحديثة” (1936) ليس ليدافعوا عن مواقفه السياسية، بالنسبة إلى الأول مسبغين عليه بطولة كان هو يصر على إنكارها، وليهاجموه بالنسبة إلى الآخرين مسبغين عليه تطرفاً “أحمر” اللون أبدى دائماً استغراباً إزاءه. ولكن بين هؤلاء وأولئك، وحتى خارج حكاية العلم الأحمر الذي انتزعه الصعلوك في الفيلم من خلفية شاحنة نقل ليلوح به للعمال المضربين والمتظاهرين كقائد نقابي، بل شيوعي، حقيقي، وبينهم كان دائماً أولئك الذي انصرفوا إلى تحليل الفيلم في ظروف الزمن الذي أنتج فيه، والغوص في معانيه الأيديولوجية حتى دون استخلاص أية نتائج مهما كانت واضحة ودامغة، سلباً أو إيجاباً، وبالنسبة إلى هؤلاء كان التحليل بديهياً، بعلم أحمر أو من دونه، فالفيلم من دون أن يدعي التعمق في التحليل الاقتصادي سيبدو دائماً وكأنه مرافعة ضد ما يمكن تسميته “قدس أقداس” الأيديولوجيا الأميركية التي هي الصانعة الحقيقية للحلم الأميركي، فباتت في “الأزمنة الحديثة” الموضوع الأساس، إنما الكامن في الفيلم، ونتحدث هنا بالتحديد عن توجهين أميركيين خالصين هما “التايلورية” و”الفوردية”. تشارلي شابلن (1889 – 1977) (غيتي) ولادة أميركية لعالم جديد ونعرف طبعاً أن أولاهما، التايلورية، ولدت عام 1911 على يد الباحث الأميركي أف دابليو تايلور في كتابه الشهير لاحقاً “مبادئ الإدارة العلمية” الذي وضع وربما للمرة الأولى في التاريخ، مما سيعتبر التنظيم العلمي الإداري للعمل المنتج في نظرية سرعان ما هيمنت على المشاريع الاقتصادية الأميركية قبل غزوها أوروبا بعد ذلك وطوال العقود الأولى من القرن الـ20. ويمكن تلخيص هذه النظرية بأن الوقت قد حان لخروج الصناعة بخاصة من العشوائية إلى التنظيم العلمي الذي ينبغي أن يقوم على مبدأ لا غنى عنه اليوم: تقسيم العمل إلى ما يقوم به المقررون من اتخاذ القرارات في الأمور كافة بما فيها ساعات العمل والأجور، وما يقوم به منفذو العمل أنفسهم وهم الذين يتعين عليهم تنفيذ قرارات المخططين والمقررين، مما يلغي عملياً تدخل النقابات وذلك على أسس علمية خالصة تتناسب مع الأزمنة الجديدة. أما التوجه الثاني فلم يكن سوى “الفوردية” التي تبدو كأنها التطبيق العملي للتوجه الأول وتحديداً من خلال ما تبين عبر دراسات معمقة من أن عمال شركات فورد ومصانعه في تطبيق للتايلورية وقد انتقلت من الكتب النظرية إلى الواقع العملي ولا سيما في عالم صناعة السيارات، هؤلاء العمال هم الأعلى دخلاً في عالم العمال الأميركي ولكن ليس كنتيجة لأريحية وكرم أصحاب المصانع ومديريها، بل انطلاقاً من إيمان فورد نفسه بأن أول الزبائن، في أميركا نفسها والعالم، لسياراته إنما هم هؤلاء العمال أنفسهم، ومن هنا فإنه حين يدفع لهم أجوراً أعلى سيحصلون على فائض من المال المستدام يمكنهم من شراء السيارات التي يصنعونها بأنفسهم. ما وراء الفكر طبعاً لا يمكننا هنا أن نصل إلى فرضية، ستكون لاحقاً العمود الفقري للتهم التي وجهها اليمين المتطرف والماكارثيون عموماً إلى تشارلي شابلن بكونه “شيوعياً” متطرفاً ومعادياً لأميركا، وفحواها أنه إنما يعبر في “الأزمنة الحديثة” عن عداء صريح للتايلورية كما للفوردية على قدم المساواة، ما من شأنه أن يظهره كأيديولوجي واعٍ تماماً لما يريد أن يقوله “عبر الهندسة الخفية لأفكاره الهدامة في معركة يخوضها ضد أميركا والبنى الفكرية التي قام عليها كيانها، مستنداً إلى ذلك “الحلم الأميركي” الذي “لم يصنع هذا الفيلم إلا لمحاربتها”. وفي يقيننا أن شابلن، الذي كعادته كتب الفيلم بنفسه وربما لمجرد أن يستجيب عاطفياً لبوليت غودارد التي كان قد التقاها قبل العمل على الفيلم بأعوام قليلة فقرر كما كانت عادته في كل مرة يتعرف فيها إلى امرأة جديدة يغرم بها، أن يحقق فيلماً مستوحى منها لا أكثر ولا أقل، يقربه إليها ويضحى هدية تعارفه إليها. كل هذا صحيح، ومع ذلك، لا يمكننا أن ننسى أن الفيلم في نهاية الأمر يتعمق في سبر حقائق الأوضاع الاقتصادية للطبقات العاملة في أميركا وفي غير أميركا، بل إنه يتعمق في تشريح التايلورية والفوردية معاً، من دون أن يبدو عليه أنه درسهما حقاً، بل إنه يتوخى إدانتهما من موقع أيديولوجي. بيد أن المسألة الآن ليست في النيات التي كمنت وراء الفيلم واشتغال الفنان العبقري عليه، بل في النتائج التي أسفر عنها ذلك الفيلم الذي ظهر كالنبتة البرية، عشية انغماس ألمانيا في النازية وفلسفات الكراهية التي ولدتها، والاتحاد السوفياتي في الستالينية وعنف المحاكمات التي أسفرت عنها، فلم يجد فنان مثل شابلن ذو حساسية مرهفة وذكاء فطري لا يضاهى، إلا أن يتوجه بدوره إلى تلك الأيديولوجيا الأميركية التي بدت له الأكثر شعبوية ومن ثم الأشد خطورة، انطلاقاً من تغلغلها داخل المجتمع والفكرانية الأميركيين، ليدحضها ويفضحها من دون أن يدرك “حقاً”، أن لها ذينك البعدين الأيديولوجيين فكان من ثم أول المدهوشين حين راحت “أميركا التايلورية والفوردية التي قامت الماكارثية أصلاً للدفاع عنهما ليس ضد الشيوعية والاشتراكية ولا حتى الشابلنية وحدها، بل ضد الروزفلتية نفسها بحسب تحليلات اليسار الأميركي الجديد (بول سويزي ورفاقه) لاحقاً”. حساسية الفنان وهكذا، وربما من دون أن يكون واعياً تماماً بما يفعل ويقول، جعل شابلن من فيلم أراد له أصلاً أن يكون “هدية غرام” وعلامة أخرى من علامات سينماه الهزلية الساخرة من الفكرانية الأميركية التي ما توقف طوال مساره الفني من التصدي العفوي حتى، لها، جعل منه طعنة خنجر في خاصرة الممارسات الرأسمالية في أميركا وسلاحاً قوياً ضد استراتيجيات السيدين تايلور وفورد حتى من دون أن يكون واعياً بما يقدم عليه. ومن هنا ما يمكننا أن نعنون هذه العجالة عن فيلم بات عمره اليوم 90 سنة ولا يزال موضع سجالات واتهامات واستعادة بطولات، بأن “الأزمنة الحديثة” ليس الفيلم الذي نعتقد حتى ولو أسهمنا بهذا القول في ترجيح كفة الذين وجدوا هذا الفيلم مبرراً صالحاً لدعم كل أولئك اليمينيين المتطرفين الذين وجدوا في ذلك تبريراً لما اقترفته “أميركا” ضد تشارلي شابلن. المزيد عن: تشارلي شابلن فيلم الأزمنة الحديثة الحلم الأميركي الشيوعية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “ملكة الشطرنج”: حين اقتحمت جوديت بولغار عالم الرجال next post شعراء عرب في أوروبا تجمعهم مختارات بالألمانية You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة 1 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026