الجمعة, مارس 6, 2026
الجمعة, مارس 6, 2026
Home » نعيم قاسم… أمين الصدفة

نعيم قاسم… أمين الصدفة

by admin

 

عندها برز اسمه كخيار شبه تلقائي لملء الفراغ، لم يكن الرجل “الخليفة المنتظر”، بل ما يمكن وصفه بـ”خلف الخلف”

اندبندنت عربية / جوزيان رحمة مديرة مكتب اندبندنت عربية في بيروت @josianerahme

فقد تولى مسؤوليات تربوية وتنظيمية داخل الحزب، قبل أن يدخل مجلس الشورى، وهو الهيئة القيادية العليا. ومع اغتيال عباس الموسوي عام 1992 وتولي حسن نصرالله قيادة الحزب، استمر قاسم في موقعه نائباً للأمين العام، حتى ليلة اغتيال الكبير.

بينما كانت إسرائيل تمطر الجنوب اللبناني، والضاحية الجنوبية لبيروت، والبقاع شرقاً، بوابل من القنابل والصواريخ مع انطلاق جولة الحرب الجديدة فجر الإثنين الأول من مارس (آذار)، ظهر الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم في كلمة متلفزة ليعلن أن الحزب أطلق صواريخ على إسرائيل “رداً على انتهاكاتها في لبنان على مدى 15 شهراً… ولصبرهم حدود”. استعرض قاسم بالأرقام حصيلة الضربات الإسرائيلية الأخيرة، معتبراً أن تل أبيب تسعى إلى التوسع، وأن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو يطمح إلى إقامة “إسرائيل الكبرى”.

كان ذلك أول خطاب له منذ عودة الحرب. غير أنه، وعلى رغم فداحة المرحلة وما شهده لبنان خلال أيام قليلة، بدا قاسم هادئاً على نحو لافت، كما اعتاد أن يظهر. كلامه منسق ومنظم، مكتوب على ورقة أمامه، يُقرأ ببرودة أقرب إلى البيان منه إلى خطاب في زمن حرب. كلمات مرتبة، لكن بلا انفعال، بلا حرارة، بلا ذلك الإيقاع الذي يحول الخطاب إلى لحظة تعبئة.

خطاب يشبه صاحبه تماماً.

بعد اغتيال نصرالله وصفي الدين خرج رجل الصف الثاني إلى الصفوف الأمامية (ا ف ب)

وصول إلى السلطة في اللحظة الأصعب

لم يصل نعيم قاسم إلى رأس هرم “حزب الله” كما وصل أسلافه. لم يكن اسمه المرشح الأكثر تداولاً في اللحظات الكبرى، ولم يكن الشخصية التي صنعت حولها هالة شعبية أو خطاباً قادراً على تعبئة الجماهير بالزخم نفسه الذي عُرف به سلفه حسن نصرالله. ومع ذلك، وجد الرجل نفسه فجأة في الموقع الأعلى داخل التنظيم، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية وخطورة في تاريخ الحزب منذ تأسيسه.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أعلن “حزب الله” انتخاب قاسم أميناً عاماً جديداً بعد اغتيال نصرالله في غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية في 27 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه. كان الحدث أكبر من مجرد انتقال قيادة. فالحزب الذي تشكّل حول شخصية امتدت قيادتها أكثر من ثلاثة عقود، وجد نفسه مضطراً إلى إعادة تعريف صورته، أو على الأقل اختبار قدرته على الاستمرار من دون الشخصية التي شكّلت عموده الفقري السياسي والإعلامي.

وهكذا، خرج رجل الصف الثاني إلى الصفوف الأمامية.

رجل الصف الثاني منذ عقود

على مدى أكثر من 30 عاماً، كان نعيم قاسم أحد أكثر الشخصيات ثباتاً داخل البنية القيادية للحزب. منذ عام 1991، تولى منصب نائب الأمين العام، وهو الموقع الذي احتفظ به خلال مرحلتين مفصليتين: عهد عباس الموسوي الذي اغتالته إسرائيل عام 1992، ثم عهد حسن نصرالله الذي امتد أكثر من ثلاثة عقود.

في تلك السنوات الطويلة، كان قاسم جزءاً من القيادة، لكنه لم يكن مركزها. ظهر في الإعلام كثيراً، وشارك في المؤتمرات واللقاءات السياسية، لكنه ظل في موقع المفسّر لسياسات الحزب لا صانعها الأول. كان صوتاً رسمياً، لكنه لم يكن الصوت الذي يصنع اللحظة.

هذه المفارقة هي التي جعلت وصوله إلى المنصب الأعلى يبدو، بالنسبة إلى كثيرين، انتقالاً من الظل إلى مركز العاصفة، ولكن لشخصية لم تكن بنظر كثيرين قادرة على خلافة نصرالله.

قاسم (في الوسط) وهاشم صفي الدين (إلى اليمين) (اندبندنت عربية)

خلف الخلف

يوم تأكد مقتل نصرالله، لم يكن نعيم قاسم الاسم الأول المطروح لخلافته. إذ كان يُنظر إلى رئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين منذ سنوات باعتباره الخليفة الطبيعي للأمين العام، ليس فقط لقربه العائلي من نصرالله، وهو ابن خالته، بل أيضاً لموقعه التنظيمي الرفيع وحضوره القوي داخل مؤسسات الحزب. لذلك، اتجهت الأنظار سريعاً إلى صفي الدين بوصفه الرجل الذي قد يتولى القيادة.

لكن المشهد تغيّر فجأة مع اغتيال صفي الدين نفسه بعد أيام قليلة، وتحديداً ليلة الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، في ضربة إضافية أصابت الصف القيادي للحزب.

عندها برز اسم نعيم قاسم كخيار شبه تلقائي لملء الفراغ. لم يكن الرجل “الخليفة المنتظر”، بل ما يمكن وصفه بـ”خلف الخلف”، وهو الشخصية التي وصلت إلى رأس التنظيم بعد أن أُخرج المرشح الأبرز من المعادلة. هكذا وجد قاسم نفسه في موقع القيادة، ليس نتيجة انتقال طبيعي للسلطة، بل نتيجة سلسلة من الاغتيالات التي أعادت ترتيب هرم القيادة داخل الحزب بصورة مفاجئة.

نشأة بين الدين والسياسة

ولد نعيم محمد نعيم قاسم عام 1953 في بلدة كفرفيلا في جنوب لبنان، قبل أن تنتقل عائلته إلى العاصمة بيروت. في سبعينيات القرن الماضي، بدأ مساراً يجمع بين الدراسة الدينية والعمل الأكاديمي، فدرس العلوم الشرعية على يد عدد من العلماء الشيعة في لبنان، بينهم المرجع محمد حسين فضل الله، وفي الوقت نفسه التحق بالجامعة اللبنانية حيث درس الكيمياء وحصل لاحقاً على درجة الماجستير عام 1977.

قبل دخوله العمل السياسي، عمل قاسم مدرساً لمادة الكيمياء في المدارس الثانوية لعدة سنوات، وكان ناشطاً في العمل الدعوي والتربوي منذ سن مبكرة، إذ بدأ بإلقاء الدروس الدينية للشباب والأطفال خلال دراسته الجامعية. كذلك شارك في تأسيس “الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين”، وانخرط لفترة في “حركة أمل” بقيادة الإمام موسى الصدر قبل أن يغادرها لاحقاً.

التحولات الكبرى في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 فتحت مساراً مختلفاً. فمع ولادة “حزب الله” في تلك السنوات على يد قيادات إيرانية بشكل مباشر، كان قاسم من بين الشخصيات التي شاركت في التأسيس، ليبدأ رحلة طويلة داخل البنية التنظيمية للحزب.

صعود هادئ

لم يكن صعود قاسم دراماتيكياً ولم يرتبط اسمه بحدث مفصلي أو بخطاب تاريخي، بل كان صعوداً بطيئاً داخل الهياكل التنظيمية، وبما أشبه المنطقة الرمادية.

فقد تولى مسؤوليات تربوية وتنظيمية داخل الحزب، قبل أن يدخل مجلس الشورى، وهو الهيئة القيادية العليا. ومع اغتيال عباس الموسوي عام 1992 وتولي حسن نصرالله قيادة الحزب، استمر قاسم في موقعه نائباً للأمين العام، حتى ليلة اغتيال الكبير.

في تلك المرحلة، كان دوره أقرب إلى “الإدارة السياسية” داخل الحزب، بما يشمل الإشراف على العمل السياسي والانتخابي، إدارة العلاقات مع القوى اللبنانية، والظهور الإعلامي لشرح مواقف الحزب في الملفات الداخلية والإقليمية. غير أن الكاريزما السياسية لم تكن حليفته يوماً، وبقيت مرتبطة بشخص آخر.

قبل الحرب الأخيرة (عام 2023) كان حضور نعيم قاسم في المشهد السياسي والإعلامي للحزب واضحاً لكنه لم يكن مركزياً. وبصفته نائباً للأمين العام، كان جزءاً من الحلقة القيادية الضيقة داخل مجلس الشورى، لكن دوره بقي أقرب إلى الإدارة السياسية والتنظيمية منه إلى صناعة القرار الاستراتيجي النهائي.

وفي السنوات التي سبقت الحرب، ظهر قاسم أكثر من غيره من قيادات الحزب في الإعلام، خصوصاً مع تراجع إطلالات نصرالله العلنية لأسباب أمنية. ومع ذلك، ظل واضحاً أن مركز الثقل الحقيقي بقي في يد الأمين العام السابق. فخطابات نصرالله كانت هي التي ترسم الإيقاع السياسي والعسكري للحزب، فيما جاء دور قاسم غالباً في موقع “المفسر” للخطاب الأساسي. ولهذا بدت المفارقة كبيرة عندما انتقل الرجل الذي اعتاد لعب دور “النائب الدائم” فجأة إلى موقع القيادة الأولى.

خطابات نصرالله كانت هي التي ترسم الإيقاع السياسي والعسكري للحزب، فيما جاء دور قاسم غالباً في موقع “المفسر” (ا ف ب)

القيادة في زمن الخطر

التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بالشخصية، بل بالمرحلة. فنعيم قاسم تولى قيادة الحزب في لحظة تبدو من الأكثر تعقيداً منذ تأسيسه. المنطقة تشهد توترات غير مسبوقة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) مع هجوم حركة “حماس” على إسرائيل وبعدها حرب قطاع “غزة” وثم الحرب في لبنان، واليوم الحرب الجديدة التي عادت من بوابة إيران لكنها عصفت سريعاً مرة جديدة في الداخل اللبناني.

في الوقت نفسه، يتعرض الحزب لضغوط عسكرية وسياسية متزايدة، سواء من إسرائيل أو من البيئة الإقليمية الأوسع. فحالة الرفض التي عبر عنها لبنانيون للحزب مسلحاً لم تحصل في تاريخه، وصلت إلى حد إقرار الحكومة اللبنانية خطة الجيش اللبناني لحصرية السلاح في كل لبنان، بما يشمل سلاح الحزب، بعدما كان السلاح نفسه أشبه بـ “مقدس” لا يمكن المساس به قبل سنوات.

هذا الواقع يعني أن قاسم لا يقود حزباً في مرحلة صعود أو في مراحل قوة وسيطرة، كما كان أسلافه، بل في مرحلة اختبار واستمرارية.

خطابات بلا تعبئة

لم تكن الخطابة يوماً نقطة قوة لدى نعيم قاسم. فعلى رغم حضوره المتكرر في الإعلام طوال سنوات عمله نائباً للأمين العام، بقي أسلوبه أقرب إلى البيان السياسي المنظم منه إلى الخطاب القادر على إثارة الحماسة أو تعبئة الجمهور. يتحدث بهدوء شديد، يقرأ غالباً من ورقة أمامه، وجمله مرتبة بعناية، لكن من دون تلك النبرة الدرامية أو الإيقاع التصاعدي الذي يحول الكلمة السياسية إلى لحظة تعبئة جماهيرية.

في بيئة اعتادت لسنوات طويلة على خطابات حسن نصرالله التي كانت تتحول إلى أحداث ينتظرها أنصار الحزب وخصومه على حد سواء، تبدو خطابات قاسم مختلفة تماماً. فهي أقرب إلى شرح أو عرض للمواقف منها إلى خطاب تعبوي. كلمات واضحة ومنظمة، لكنها بلا حرارة، بلا مفاجآت، وبلا تلك القدرة على إشعال الجمهور أو شد انتباهه لساعات. ولهذا يرى بعض المراقبين أن انتقال القيادة إلى قاسم لم يغيّر فقط اسم الأمين العام، بل غيّر أيضاً طبيعة الخطاب الذي اعتاد “حزب الله” استخدامه في مخاطبة جمهوره.

لم يتوقف الأمر عند حدود غياب القدرة التعبوية في خطابات نعيم قاسم، بل إن بعض كلماته تحولت في أحيان كثيرة إلى مادة للسخرية في الفضاء الافتراضي وبين اللبنانيين. ومن أكثر الأمثلة تداولاً عبارته التي قال فيها في إحدى إطلالاته “بتعرفو؟ (أتعلمون)… نتنياهو ميت رعبة”، في محاولة لإظهار رئيس الوزراء الإسرائيلي في موقع الخائف. لكن المقطع سرعان ما انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا بوصفه لحظة خطابية مؤثرة، بل كمادة ساخرة يتداولها خصوم الحزب ويعيدون نشرها على شكل مقاطع مقتطعة وتعليقات لاذعة.

ويعكس هذا التفاعل جانباً من الفارق بين أسلوب قاسم والخطاب الذي اعتاده جمهور الحزب لسنوات طويلة، حين كانت كلمات الأمين العام تتحول إلى شعارات أو عبارات تعبئة. أما اليوم، فبعض جمل قاسم تجد طريقها إلى التداول، لكن في سياق مختلف تماماً.

العمامة البيضاء تخترق

لعل من أكثر التفاصيل الرمزية التي لفتت الانتباه مع وصول نعيم قاسم إلى موقع الأمانة العامة كانت عمامته البيضاء. فعلى خلاف سلفيه الذين قادوا “حزب الله” منذ تأسيسه، لا ينتمي قاسم إلى طبقة السادة المنحدرين نسباً من آل البيت، وهو ما يميّز رجال الدين الشيعة الذين يرتدون العمامة السوداء. عباس الموسوي، ثم حسن نصرالله، قادوا الحزب بعمامة سوداء حملت في المخيال الديني والسياسي رمزية النسب العائلي والشرعية الدينية.

أما قاسم، فدخل الموقع نفسه بعمامة بيضاء، وهو تفصيل يبدو شكلياً في الظاهر، لكنه يعبّر أيضاً عن تحوّل في صورة القيادة داخل الحزب. فالرجل الذي يقود التنظيم اليوم لا يحمل الرمزية العائلية نفسها التي أحاطت بأسلافه، ما يجعل حضوره قائماً أكثر على موقعه التنظيمي الطويل داخل الحزب، لا على الهالة الدينية أو الرمزية التي ارتبطت بالقيادات السابقة.

حياة عائلية بعيدة من الضوء

على غرار شخصيته السياسية الهادئة، بقيت حياة نعيم قاسم العائلية بعيدة إلى حد كبير من الضوء. فخلافاً لما كان عليه الحال مع حسن نصرالله، الذي تحولت عائلته إلى جزء من السردية العامة للحزب، لا يكاد يُعرف الكثير عن عائلة الأمين العام الجديد. لم تظهر زوجته أو أبناؤه في الإعلام، ولم تتحول سيرتهم إلى عنصر من عناصر الخطاب الرمزي أو التعبوي داخل البيئة الحاضنة للحزب.

كان حضور عائلة نصرالله مختلفاً تماماً. فقصص أبنائه، وخصوصاً نجله هادي الذي قُتل خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية عام 1997، أصبحت جزءاً من الرواية التي عززت صورة “التضحية” داخل الحزب. أما في حالة نعيم قاسم، فتبقى العائلة شبه غائبة عن المشهد العام، في انعكاس لأسلوب الرجل نفسه الذي قضى معظم مسيرته السياسية بعيداً من الأضواء، يعمل داخل المؤسسات التنظيمية للحزب أكثر مما يعيش في واجهة المشهد الشعبي.

ومثل كثير من قيادات التنظيمات السياسية والعسكرية في المنطقة، لا تتوافر معلومات دقيقة أو علنية عن ثروة نعيم قاسم الشخصية. فالرجل الذي أمضى عقوداً في قيادة تنظيم يملك شبكة مالية معقدة تمتد بين العمل الحزبي والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، ظل بعيداً من أي كشف واضح لثروته أو لممتلكاته. ومع ذلك، ظهرت بين حين وآخر تقارير إعلامية وتقديرات غير رسمية تتحدث عن استفادة بعض أفراد عائلته من شبكة المصالح المرتبطة بالحزب أو من مؤسساته الاقتصادية.

هل بدأ “الغربلة” بصمت؟

منذ وصوله إلى الأمانة العامة، بدأت تتسرب إشارات إلى تغييرات داخلية هادئة في بنية “حزب الله”، توحي بأن نعيم قاسم لا يكتفي بإدارة مرحلة انتقالية، بل يعيد ترتيب البيت التنظيمي من الداخل. فالمصادر التي تحدثت عن إعادة هيكلة في مؤسسات الحزب تشير إلى محاولة ربط مختلف الهيئات مباشرة بالأمانة العامة، بما يمنح قاسم سيطرة إدارية أوسع مما كان متاحاً في عهد حسن نصرالله، حين كانت بعض الملفات تُدار عملياً عبر شخصيات نافذة داخل المؤسسات التنظيمية.

ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول تعيين رئيس كتلة “حزب الله” النيابية النائب محمد رعد نائباً للأمين العام، وهو تطور لافت لأن المنصب كان تقليدياً يشغله رجل دين، فيما يأتي رعد من خلفية سياسية وتنظيمية لا دينية. هذا التغيير يقرأه بعض المراقبين بوصفه محاولة لإدخال توازن جديد داخل القيادة بين البعدين السياسي والتنظيمي، وربما أيضاً لتعزيز موقع قاسم الذي ينتمي هو نفسه إلى المؤسسة الدينية داخل الحزب.

في الوقت نفسه، أثارت استقالة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق وفيق صفا ضجة كبيرة داخل الأوساط السياسية اللبنانية، نظراً إلى موقعه الحساس الذي تولى لعقود إدارة العلاقات الأمنية والسياسية للحزب داخل لبنان. وعلى رغم أن الحزب قدّم الخطوة في إطار إعادة هيكلة تنظيمية، فإن بعض التقارير اعتبرت أن ما جرى يعكس بداية مراجعة داخلية أوسع عقب الضربات التي تعرض لها الحزب خلال الحرب الأخيرة، بما في ذلك اغتيال عدد من قياداته البارزة.

لهذا، يطرح بعض المراقبين سؤالاً لم يكن مطروحاً في السابق: هل يقود نعيم قاسم عملية “غربلة صامتة” داخل الحزب؟

منذ وصوله إلى الأمانة العامة، بدأت تتسرب إشارات إلى تغييرات داخلية هادئة في بنية “حزب الله” (ا ف ب)

عمر غير شاب… وكاريزما غائبة

حين تولى نعيم قاسم منصب الأمين العام، لم يكن يمثل جيلاً جديداً داخل “حزب الله”. فالرجل وصل إلى القيادة وهو في السبعينيات من عمره، بعد مسيرة طويلة في الصف الثاني من القيادة، وبالتالي لا يبدو قاسم قائداً يحمل صورة “الزعيم الصاعد” أو القادر على إعادة إنتاج الهالة التي أحاطت بقيادات سابقة.

إلى جانب عامل العمر، يطرح بعض المراقبين مسألة الكاريزما السياسية. فخطابات قاسم، على رغم وضوحها وتنظيمها، تفتقر إلى القدرة التعبوية التي ميزت حسن نصرالله لسنوات طويلة. لا يحمل الرجل أسلوب الخطيب الجماهيري، ولا يمتلك الحضور الدرامي الذي كان يحوّل خطاباً سياسياً إلى حدث ينتظره أنصار الحزب وخصومه على حد سواء.

هدف دائم… ومحاولات اغتيال متداولة

منذ سنوات طويلة، يُنظر إلى قيادات الصف الأول في “حزب الله” باعتبارها أهدافاً محتملة لإسرائيل، وهو ما جعل مسألة الاغتيالات جزءاً دائماً من معادلة الصراع بين الطرفين. وفي هذا السياق، ترددت في الإعلام وبين أوساط مقربة من الحزب معلومات عن أن نعيم قاسم كان ضمن قائمة الأهداف المحتملة لعمليات اغتيال أكثر من مرة، خصوصاً في الفترات التي تصاعد فيها التوتر بين إسرائيل والحزب.

لكن هذه الروايات بقيت في معظمها ضمن إطار التسريبات أو التقديرات غير المؤكدة، ولم يعلن الحزب رسمياً عن تعرض قاسم لمحاولة اغتيال محددة كما حدث مع قيادات أخرى. ومع ذلك، فإن اغتيال عدد من قادة الحزب خلال السنوات الأخيرة، وصولاً إلى مقتل حسن نصرالله نفسه، جعل موقع الأمين العام الجديد يبدو أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى. ولهذا، يعتقد مراقبون أن إجراءات الحماية حول قاسم أصبحت أكثر تشدداً، وأن ظهوره العلني قد يبقى محدوداً في المرحلة المقبلة، في ظل إدراك الحزب أن رأس قيادته بات هدفاً مباشراً في أي تصعيد مقبل.

عائلة حسن نصرالله كانت دائماً تحت الضوء بخلاف عائلة نعسم قاسم (ا ف ب)

قيادة سفينة وسط العواصف

حتى الآن، تبدو أولويات قاسم واضحة، أو حتى خياراته قليلة، وأهمها الحفاظ على الاستمرارية. في خطاباته الأولى، شدد على أن الحزب سيبقى متمسكاً بخياراته الأساسية، وأن اغتيال نصرالله لن يغيّر مسار التنظيم. من هنا، يظهر سؤال أكبر من مجرد اسم الأمين العام، هل يستطيع “حزب الله” الاستمرار بالصيغة نفسها التي عرفها طوال العقود الماضية؟

وأكثر، حين وصل نعيم قاسم إلى رأس هرم “حزب الله”، لم يكن يتسلم تنظيماً في لحظة صعود، بل تنظيماً مثقلاً بالخسائر والضغوط. فالحزب الذي خرج من حرب 2006 وهو يقدم نفسه بوصفه قوة إقليمية صاعدة، وجد نفسه في واقع أكثر تعقيداً، بنية قيادية تعرضت لضربات قاسية، بيئة لبنانية منهكة اقتصادياً، وضغط عسكري وسياسي متزايد من الخارج.

وخلال السنوات الأخيرة، فقد الحزب عدداً من قياداته العسكرية والسياسية البارزة، وتعرضت شبكاته الأمنية لضربات متلاحقة، فيما أثقلت العقوبات الدولية والضغوط الاقتصادية كاهل المؤسسات المرتبطة به. وفي الداخل اللبناني، لم تعد صورته كما كانت في السابق، إذ بات جزءاً من منظومة سياسية تواجه غضباً شعبياً واسعاً منذ انهيار الاقتصاد عام 2019.

في هذا السياق، تبدو مهمة الأمين العام الجديد أقرب إلى قيادة سفينة مثقلة بالأعطال وسط بحر هائج. فالرجل لا يرث فقط إرث حسن نصرالله، بل يرث أيضاً التحديات الثقيلة التي تراكمت حول الحزب خلال العقد الأخير.

هل يكون الأمين العام الأخير؟

وسط كل هذه التحولات، يبرز سؤال لم يكن مطروحاً في السابق، هل يمكن أن يكون نعيم قاسم الأمين العام الأخير لـ”حزب الله” بالشكل الذي عرفه العالم منذ أربعة عقود مسلحاً قوياً ومسيطراً؟

في الماضي، كان الحزب قادراً على تجاوز الضربات وإعادة بناء نفسه بسرعة، مستفيداً من شبكة إقليمية داعمة ومن بيئة لبنانية حاضنة. أما اليوم، فالمعادلة تبدو أكثر تعقيداً. فالحرب الأخيرة، والخسائر القيادية، والانهيار الاقتصادي في لبنان، كلها عوامل تضغط على التنظيم في وقت واحد.

لهذا، يرى بعض المراقبين أن وصول نعيم قاسم إلى القيادة قد لا يكون مجرد انتقال تقليدي في هرم السلطة، بل بداية مرحلة اختبار لوجود الحزب نفسه بصيغته الحالية. فالرجل الذي خرج من الصف الثاني إلى قمة التنظيم قد يجد نفسه لا يقود فقط مرحلة ما بعد حسن نصرالله… بل ربما المرحلة الأخيرة من تاريخ الحزب كما عرفه لبنان والمنطقة.

العقوبات الأميركية تلاحقه

طاولت العقوبات الأميركية نعيم قاسم، حتى قبل حتى أن يصبح أميناً عاماً لـ”حزب الله”.

في مايو (أيار) 2018 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قيادات بارزة في “حزب الله”، وكان نعيم قاسم بينهم إلى جانب حسن نصرالله وشخصيات أخرى من القيادة العليا للحزب.

وأُدرج اسمه ضمن قائمة العقوبات الخاصة بوزارة الخزانة الأميركية، وهي قائمة الأشخاص الذين يُتهمون بدعم أو قيادة جهات تصنفها واشنطن كمنظمات إرهابية.

وبعد توليه قيادة الحزب، فرضت أستراليا أيضاً عقوبات عليه في فبراير (شباط) 2025 ضمن إجراءات تستهدف قيادات “حزب الله”.

بعيد من العسكرة وله كتابات

لا يُعرف عن نعيم قاسم أنه شارك في القتال العسكري المباشر أو أنه كان قائداً ميدانياً داخل “حزب الله”، بل منذ تأسيس الحزب في ثمانينيات القرن الماضي، ارتبط اسم قاسم أكثر بـ العمل السياسي والتنظيمي والفكري داخل الحزب، وليس بالجانب العسكري، وذلك بخلاف بعض القيادات التي صعدت داخل “حزب الله” عبر المسار العسكري، مثل عماد مغنية ومصطفى بدر الدين.

إلى جانب نشاطه السياسي، عرف قاسم أيضاً بكتاباته الفكرية، أبرزها كتاب “حزب الله: القصة من الداخل” الذي قدم فيه رواية الحزب عن نشأته وتطوره، إضافة إلى مؤلفات دينية وفكرية أخرى تعكس رؤيته لمفهوم الحزب ودوره في المنطقة.

المزيد عن: نعيم قاسم حزب الله حسن نصرالله حرب الإسناد هاشم صفي الدين الضاحية الجنوبية لبيروت إسرائيل

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00