الخميس, مارس 12, 2026
الخميس, مارس 12, 2026
Home » “نظام المال” رواية الصدمة الغربية ازاء العولمة الاقتصادية

“نظام المال” رواية الصدمة الغربية ازاء العولمة الاقتصادية

by admin

 

الفرنسي دانيال روندو يكشف عن الشبكة المعقدة التي تعيد تشكيل الأفراد والشعوب

اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN

تشكل رواية “نظام المال” الجزء الأخير من ثلاثية بدأها روندو قبل سنوات مع “آليات الفوضى” و”المناطق الداخلية”، حاول من خلالها التقاط التحولات العميقة التي يعيشها الغرب في زمن العولمة المالية، إذ تتراجع الدول أمام قوة رأس المال العابر للحدود، ويتحول الإنسان تدريجاً إلى عنصر ثانوي في لعبة المصالح الاقتصادية الكبرى.

في قلب الرواية تقف شخصيتان متعارضتان تمثلان عالمين مختلفين: الشخصية الأولى هي لرجل أعمال شاب في الثلاثينيات من عمره يدعى كريستيان ألكسندر سميث، حقق ثروة هائلة في عالم الشركات الناشئة والتكنولوجيا. وهو ينتمي إلى جيل جديد من الميليارديرات العالميين الذين لا يعترفون بالحدود ولا بالانتماءات الوطنية، ويرون في العالم فضاء مفتوحاً للمشاريع والاستثمارات والتداولات المالية.

الرواية الفرنسية “نظام المال” (دار غرسيه)

يحمل سميث مشروعاً طموحاً يقوم على شراء مساحات شاسعة من الأراضي وتحويلها إلى مناطق حرة وفراديس ضريبية مخصصة للنخب المالية العالمية، إذ يمكن للأثرياء أن يعيشوا بعيداً من سلطة الدول والقوانين التقليدية. هذا المشروع الذي يطلق عليه اسم “رابطة أراضي المستقبل” يقدمه بخطاب جذاب يتحدث عن الابتكار والتجريب الاجتماعي والبيئة، غير أن جوهره يقوم على منطق السيطرة الاقتصادية وإعادة تشكيل العالم وفق مصالح طبقة صغيرة من أصحاب الثروات.

أحلام خائبة

أما الشخصية الثانية فهي لرجل في الـ73 من عمره يدعى لوك ديزانج، يعرف أيضاً باسم “لوكس” ويحمل تاريخاً مختلفاً تماماً عن تاريخ الشخصية الأولى. ففي شبابه كان لوكس مناضلاً ثورياً يسارياً، عاش تجربة العمل في المصانع وحلم بالعدالة الاجتماعية والتغيير السياسي. لكن هذه الأحلام تحطمت باكراً، فدخل في مسار حياة متعرج قاده إلى البرتغال أيام ثورة القرنفل وانقلاب الضباط الشباب الذين أنهوا حكم الديكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار في سبعينيات القرن الماضي. هناك انخرط في تجارة الكتب النادرة بعد أن استولى على مكتبات خاصة تعود لأثرياء، فتحول تدريجاً إلى تاجر كتب قديمة شغوف بالمخطوطات.

في تلك المرحلة من حياته تعرف لوكس على شخصيات سياسية وثقافية بارزة واقترب من عالم النخب الفكرية، مما مكنه من جمع ثروة سمحت له بالانسحاب من الحياة العامة.

الكاتب دانيال روندو عضو الأكاديمية الفرنسية (صفحة الأكاديمية)

كان خيار لوك آنذاك العيش في عزلة شبه كاملة على جزيرة صغيرة في أرخبيل مالطا، هناك كان يقضي أيامه متأملاً البحر ومراجعاً ذكريات شبابه. لكن حياة التأمل هذه سرعان ما سيعكر صفوها لقاؤه بكريستيان سميث، الذي رأى فيه شخصية مثالية لقيادة فريق من الخبراء المكلفين بتنفيذ مشروعه العالمي، ذلك أن خبرة لوك الطويلة، وعلاقاته الواسعة، وقدرته على التحرك في الظل، جعلت منه بنظر سميث عنصراً ثميناً في مشروعه الاستثماري الجديد.

من خلال هذه العلاقة الناشئة بين رجل الأعمال الشاب والمناضل السبعيني السابق تبني رواية “نظام المال” حبكتها الأساسية، فلوك اليساري الذي كان في ما مضى مؤمناً بالثورة، يجد نفسه الآن يعمل في خدمة مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل العالم وفق منطق رأس المال وفلسفة السوق المطلقة. هذا التحول يطرح سؤالاً عميقاً حول مصير المثقفين والمناضلين في زمن العولمة، وكيف يمكن للأحلام السياسية الكبرى أن تتحول مع مرور الزمن إلى ذكريات بعيدة أو إلى أدوات في يد القوى الاقتصادية الجديدة.

فضاء جغرافي واسع

تتحرك الرواية عبر فضاء جغرافي واسع يمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، فيها يتنقل السرد بين مدن عدة كواشنطن وموسكو وبروكسل وبيروت وطرابلس ولشبونة ومالطا وغيرها، في مشهد روائي أقرب إلى لوحة عالمية تكشف عن طبيعة النظام المالي المعاصر. في هذا العالم تسافر النخب الاقتصادية بحرية تامة متنقلة بين العواصم، بينما يعيش ملايين الناس في مناطق وبيئات مهمشة تعاني آثار الأزمات الاقتصادية والسياسية.

يحرص دانيال روندو على إبراز هذا التناقض الحاد بين العالمين، فثمة عالم “أعلى” يجمع بين كبار المستثمرين وأصحاب الشركات العملاقة، الذين يخططون للمستقبل من خلال صفقات وتحالفات عابرة للقارات. في المقابل هناك عالم “أسفل”، هو عالم المدن الصغيرة والأقاليم المنسية والناس العاديين الذين يواجهون نتائج تلك السياسات من دون أن يملكوا القدرة على التأثير فيها. ولعل هذا التوتر بين العالمين يمنح الرواية طابعاً درامياً واضحاً، محولاً إياها إلى تأمل أدبي وفكري عميق في طبيعة السلطة السياسية والاقتصادية الحديثة.

في هذا السياق يتابع القارئ أيضاً مسار لوك الداخلي والنفسي، فالرجل الذي عاش شبابه مدفوعاً بحلم العدالة وقيم النضال يجد نفسه اليوم جزءاً من آلة مالية ضخمة تسحق الآخر. فالشعور بالفراغ القيمي يرافقه في كثير من الأحيان، خصوصاً عندما يتذكر ماضيه الثوري وأصدقاءه القدامى الذين آمنوا بتغيير العالم، لكنه يستمر في أداء الدور الذي كلف به، كأنه يحاول إقناع نفسه بأن التاريخ يسير دوماً نحو أشكال جديدة من السلطة.

لا تكتفي الرواية بوصف عالم المال والسياسة، بل تتوقف عند الأسئلة الروحية والثقافية أيضاً. فدانيال روندو يلمح إلى أن أوروبا، لا سيما فرنسا، تعيش أزمة عميقة في هويتها الثقافية، وأن القيم التي شكلت تاريخها لقرون طويلة بدأت تترنح أمام منطق السوق ورأس المال والاقتصاد الرقمي. وها هوذا يحاول إظهار هذا القلق والتوتر والتراجع في حوارات شخصيات روايته، وفي التأملات التي يقدمها السرد حول معنى الانتماء والذاكرة الجماعية.

الأنظمة المتوحشة

لكن في مقابل قوة النظام المالي والشخصيات المدافعة عنه، تظهر في الرواية شخصيات أخرى تمثل رجالاً ونساء ما زالوا يحملون مثلاً عليا وإحساساً بالتجذر، وهم، على رغم جراحهم، يواصلون مقاومة هذه الأنظمة المتوحشة. هؤلاء الأشخاص يعيشون في قرى ومناطق بعيدة من المدن والمراكز المالية الكبرى، ويواصلون حياتهم اليومية محافظين على تقاليدهم المهنية والثقافية. ولعل وجودهم يطرح احتمالاً مختلفاً عن مستقبل المجتمعات، إذ تبقى القيم الإنسانية والروابط الاجتماعية قادرة على الصمود على رغم الضغوط الاقتصادية التي تمارسها قوة النظام المالي والسادة الجدد للرأسمالية والتكنولوجيا المعولمة التي لا تعترف بالحدود والروابط.

من خلال هذه البنية السردية الواسعة يطرح دانيال روندو سؤالاً مهماً: هل يستطيع “نظام المال” أن يسيطر بالكامل على العالم المعاصر، أم أن المجتمعات ستجد طرقاً لمقاومة هذا المسار؟

لا تقدم الرواية جواباً حاسماً على هذا السؤال، لكنها تترك المجال مفتوحاً أمام القارئ للتفكير في مصير العالم الذي يعيش فيه.

في هذه الرواية، يميل أسلوب دانيال روندو إلى بناء مشاهد سردية واسعة تشبه الروايات الكلاسيكية الكبرى كتلك التي وقعها بلزاك في القرن الـ19. فشخصياتها تتحرك في فضاءات متعددة، وأحداثها ترتبط بالسياق التاريخي والسياسي المعاصر والمفارقات القوية التي تظهر الاختلاف بين جيل الشباب الذي يمثله سميث، المتحمس للتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وجيل الستينيات والسبعينيات الذي ينتمي إليه لوك، الذي احتلت عنده السياسة والأيديولوجيات موقعاً مهماً. ولعل اللقاء بين هذين الجيلين يبرز التحول الكبير الذي تشهده المجتمعات الأوروبية وعلى رأسها المجتمع الفرنسي منذ أكثر من 50 عاماً، مما يسبغ على الرواية طابعاً يجعل منها أقرب إلى بانوراما اجتماعية تحاول فهم زماننا من خلال مصائر الأفراد، طارحة سؤالاً عما تعنيه فرنسا اليوم، وقد هزتها العولمة والسلطة والتكنولوجيا والمال، وهي قوى تقتلع الجذور وتشوه الضمائر، التي يقابلها روندو بفرنسا التقليدية الصامدة، فرنسا المتجسدة في تاريخها وذاكرتها وقيمها.

في النهاية تتبدى رواية “نظام المال” كرواية عن عالم يفقد توازنه القائم على القيم الاقتصادية والإنسانية، فإذا كانت الثروة والمعرفة والتكنولوجيا تمنح بعض الأفراد قدرة هائلة على التأثير في مصير الدول والشعوب، فإن  أفراداً آخرين ما زالوا يبحثون عن معنى مختلف للحياة يتأسس على الذاكرة والثقافة والعلاقات الإنسانية. ومن خلال هذا التوتر القائم بين نظامين اجتماعيين يبني دانيال روندو روايته الجميلة التي تفكر في الحاضر وتستشرف المستقبل، وتذكر القارئ بأن الأدب ما زال قادراً على الكشف عما يحدث خلف واجهة الخطابات الاقتصادية والسياسية.

المزيد عن: كاتب فرنسي رواية العولمة الإقتصادية الغرب الصدمة الفرد الجماعة المال

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00