بأقلامهم نجوى بركات تكتب عن: موتانا by admin 3 أبريل، 2025 written by admin 3 أبريل، 2025 10 إذ كان أطفالنا يسألوننا أين ذهبت روح العصفور، أو الأرنب الصغير، أو الهرّة، كنّا تلقائيا نجيب، رافعين أصابعنا إلى فوق، إلى السماء، مبتسمين حتّى كي نوحي إليهم كم أنّ المكان هناك مرغوب وجميل. العربي الجديد / نجوى بركات – كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف “كيف تكتب رواية” أفكّر أننا إذا لم نتمسّك بموتانا ونفكّر بهم بإصرار ووعي، ونستدعيهم من حين إلى حين في حياتنا، سوف يتلاشون. وأفكّر أننا إذا فكّرنا فيهم، مجتمعين في ما بينهم، فإنهم يجتمعون فعلاً، فلا يشعرون بصدأ الموت وصرير العدم، ينطقون بأسمائنا وينظرون إلينا من وراء الغيب، وهم راضون مبتسمون. وقد يأخذني الذنب في أني أذكر هذا أو هذه، وأنسى ذاك أو تلك، فأعيد العدّ والحساب، حتى يكتمل العدد من جديد، فيأخذون هكذا وقتهم في الاجتماع والتحادث والسؤال عن الأخبار والتطوّرات في حياة أنسبائهم وأحبّائهم. وفي أحيان، وأنا مغمضة العينين، أشتمّ رائحةَ بنٍّ وماء زهرٍ تخالطها أحاديث جانبية وكركرات ضحك ومزاح حول خصال أو تصرفاتٍ، أو خدر ما زال يصيب ساقيّ بعض من استذكروا متأخّرين. وأفكّر لماذا نخدع أطفالنا ونُخفي عنهم أمور الموت، بدلاً من أن نعدّهم له، لأنه مقبل لا محالة، ولا ندري موعداً له، فهو مآلنا جميعاً مهما استترنا واختبأنا وموّهنا؟ لماذا لا نُفهمهم منذ البداية أنه ليس بالأمر الرهيب، وأنه مآل كلّ كائن في هذه الأرض، وأن الحياة رحلة، وثمّة من ينزل دوماً قبل الآخرين، وإن كان الدور آتياً على الجميع؟… اسمع يا صغيري، نحن هنا في رحلة اسمها الحياة، وسوف نصل إلى “هناك” حتماً، لكنّنا لا نعرف متى وكيف. أجل هي مفاجأة، قفز في المجهول، لكنّه مجهول طريٌّ وجميل، أشبه بغيمة بيضاء كبيرة، تثب داخلها فلا تصطدم بأيّ جسم صلب، ولا تتكسّر عظامك، ولا يتعكّر لك صفو. تخيّل كم هو أمر عذب وجميل أن تتخلّص من الجاذبية، تضرب قدميك في الأرض بخفّة، فترتفع عن الأرض، تحرّك ساعديك فتطير سابحاً في الهواء. لا.. لا، انسَ حكايا الجحيم والقصاص والمطهر، وتمسّك بذقن الإله، كثيفة بيضاء، وهو ضحوك رحيم رحوم، يحبّ الضحك والفرح ويحثّ عليهما. أجل يا صغيري، إذا كان حظّنا جيّداً، قد نقوم بالرحلة مجتمعين، وإلا فسوف تأتي ساعة كلّ منّا ونلتحق بعضنا ببعض. واعلم أنك طالما ذكّرتنا وترحّمت علينا، فإننا باقون في المدى القريب، نراك ونسمعك وتبقينا في أجواء ما يحصل لك ومعك بانتظار أن… لكنّنا لم نعد نموت بتلك الطريقة؟… أجل، معك الحقّ كلّه، يا صغيري، أنت صرت ترى وتسمع وتنقل إليك الشاشاتُ الصغيرة كما تنقل إلينا، ومهما بذلنا جهداً كي نصدّ وحش التقدّم التكنولوجي من إغراقك في الصورة، فإننا قطعاً لخاسرون. وأجل، لم يعد الموت ملاكاً. معك حقّ، بل تحوّل شيطاناً مجرماً متعطّشاً إلى الدماء، يحصد بالعشرات، بالمئات، بل بالآلاف. وإذ كان أطفالنا يسألوننا أين ذهبت روح العصفور، أو الأرنب الصغير، أو الهرّة، كنّا تلقائيا نجيب، رافعين أصابعنا إلى فوق، إلى السماء، مبتسمين حتّى كي نوحي إليهم كم أنّ المكان هناك مرغوب وجميل. لكن، ماذا نقول لهم اليوم، والموت يحصدهم بالعشرات، وهم يرون وجوههم ملوّثة بالهلع والرماد، ودموعهم متجمّدة في المُقل، وأجسادهم تتنتّع رعباً قرب ركام منازلهم، وجثامين أهاليهم، وحرائق مدنهم. أجل، يا صغيري، لم يعد الموت ملاكاً لأنه في الحروب والاقتتالات الداخلية يتحوّل مسخاً، وبدلاً من منجل الحصاد الذي يحمله في يديه، يركب دبّابةً، ويقود طائرةً، ويتقدّم فيالقَ من قتلة صغار يذبحون ويغتصبون ويعذّبون، وهم يُسبّحون باسم الإله، وينوبون عنه في الاقتصاص. اسمع، لنعُد إلى البداية، انسَ هذا كلّه، أطبق عينيك، أغلق أذنيك، خُذ نفَساً عميقاً، نفساً آخرَ بعد، تعال نركب غيمتنا، أجل تلك الكثيفة البيضاء، البضّة السمينة، قبل أن يطاولها سُخامهم وقرفهم، هاتِ يديك، استعدّ، سأعدّ للثلاثة، ثمّ نقفز معاً وإليها نطير… 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post دلال البزري تكتب عن: ترامبيون لبنانيون يدشّنون العهد الجديد next post كيف غيّرت الاغتيالات آلية صنع القرار في «حماس»؟ You may also like دلال البزري تكتب عن: ترامبيون لبنانيون يدشّنون العهد... 3 أبريل، 2025 بول شاوول يكتب عن: من اليوتوبيا الاجتماعية إلى... 3 أبريل، 2025 بادية فحص تكتب عن: شيعة جبل عامل تحت... 3 أبريل، 2025 حازم صاغية يكتب … عن حاجة الإصلاح والإصلاحيّين... 3 أبريل، 2025 يوسف بزي يكتب عن: حرب لبنانية سورية؟ 20 مارس، 2025 دلال البزري تكتب عن: ماذا يبقى من أميركا... 20 مارس، 2025 حازم صاغية يكتب عن: الطائفيّة التي نتجاهلها! 19 مارس، 2025 وليد الحسيني يكتب عن: الدستور الغائب والديمقراطية المهاجرة 17 مارس، 2025 غسان شربل يكتب عن: إيران و«المشاهد المؤلمة» وساعة... 17 مارس، 2025 بول شاوول يكتب عن: المسرح والتكنولوجيا 17 مارس، 2025