ليوبولد موزارت وابنه وولفغانغ في عمر السابعة وابنته ماريان في الـ10 (موسوعة الفن الكلاسيكي) ثقافة و فنون موزارت ينفصل عن أبيه بصورة مواربة by admin 30 January، 2026 written by admin 30 January، 2026 48 صراع خفي بين الأب والابن عبر عنه العبقري الشاب في أوبراه الكبرى اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان وولفغانغ أماديوس موزارت في الـ20 من عمره، بل حتى كان يحتفل بعيد ميلاده الـ20، حين بلغه نبأ موت شخص مقرب منه جداً، صرخ قائلاً بقدر كبير من اللوعة والحزن “رباه إنه لخبر بالغ السوء بالنسبة إلي، وإنني لن أكف من الآن وصاعداً، عن الحزن العميق والأسى، لفقداني هذا الرجل الذي أعتقد أنه الوحيد الذي أحببته في هذا العالم، وسأبقى على تبجيله وتقديسه أكثر مني تجاه أي شخص آخر في هذا العالم”. أمام هذه العبارة التي سمع ليوبولد موزارت، ابنه الحبيب، يصرخ بها في رهط من الناس، فهم كل شيء، وأن وولفغانغ يعلن انفصاله عنه مرة وإلى الأبد. ولم يكن موت واحد منهما هو الفاصل بين الأب والابن، بل موت شخص آخر ها هو الولد “العاق” يكشف عن أنه يفضله عن ذلك الأب الذي اعتقد دائماً أنه الكائن الوحيد الذي ينظر إليه الابن ومنذ الطفولة الباكرة، على أنه حبيبه ورفيقه أكثر مما هو أبوه وصديقه حتى، ويعرف الناس جميعاً الآن أن ثمة شخصاً آخر كان أقرب إلى الموسيقي الفتى العبقري غير أبيه. لوحة تمثل مشهداً من “دون جيوفاني” (موسوعة الفن الكلاسيكي) راهب فرانسيسكاني، إنه بالتحديد الأب مارتيني الكاهن الفرانسيسكاني المبدع بدوره، الذي تولى تدريس الفتى مجمل العلوم الموسيقية، علمياً وتقنياً، حتى حين كان ليوبولد يعتقد أنه هو المدرس الأكبر لذلك الفتى. لكن اليوم الذي أبلغ فيه موزارت الصغير بأن الأب مارتيني قد مات فصرخ بتلك العبارة التي قد تبدو عادية في مناسبات أخرى، فهم الأب الحقيقي أن ابنه قد انفصل عنه تماماً، وكأن الفتى كان ينتظر تلك المناسبة ليعلن فيها حقيقة ظل يكتمها موحياً لليوبولد دائماً بعكس ما تشير إليه، في آلاف الجلسات التي تجمعهما ومئات الرسائل المتبادلة بينهما، والحكايات الشهيرة عن الود المفرط الجامع بينهما إلى درجة أن ليوبولد توجه إلى ربه ذات مرة وكان على سفر إلى أمستردام يصحبه فيه ابنه وولفغانغ وصغيرته المدللة، فأصيب الطفلان بالحمى، توجه صارخاً “يا إلهي، إذا كنت ستختار واحداً من الطفلين لتأخذه إلى جوارك، أتوسل إليك أن تبقي لي الصبي!”، وسيكون ذلك الصبي من يوصل نبأ انفصاله عن الأب في تلك المناسبة التي افتتحنا بها هذا الكلام. والحقيقة أن ليوبولد الذي كان بدوره موسيقياً يعمل في الكاتدرائية الإمبراطورية ويريد لولديه أن يخلفاه في ذلك، أمضى حياته، ولا سيما منذ شب وولفغانغ عن الطوق وهو يعده لذلك مضحياً بمساره المهني ووقته، مما خلق نوعاً من أسطورة من حول العلاقة بين الأب والابن، بل حتى بين هذين والأخت الصغيرة للفتى التي ستكون موسيقية بدورها، وسيقال دائماً إن ما من علاقة بين أب وابن بلغت علاقة ليوبولد بابنه، ولا سيما خلال الجولات الأوروبية التي قاما بها معاً، وتبدى الفتى فيها شديد الارتباط بأبيه والاتكال عليه. بدايات تمرد غامض ونعرف أن أشهر تلك الجولات كانت أولاها التي دامت من صيف عام 1763 إلى خريف عام 1766، وقادتهما برفقة الأخت والأم أيضاً من ميونيخ إلى فرساي الفرنسية، وبعد ذلك إلى لندن من طريق كاليه ودوفر. وفي لندن تحديداً ارتبط وولفغانغ بجان كريتيان باخ أحد أصغر أبناء جان سيباستيان باخ المقيم في العاصمة البريطانية حينها. وهي الجولة التي كان الفتى في السابعة من عمره حين انطلق في ركابها ليعود منها وقد تجاوز الـ10 يستعد لسن المراهقة، ولكن أيضاً ليحقق ما كان قد أعلن لوالده قبل ذلك بسنوات عديدة من أن طموحه لا يقتصر على مهارته في العزف وعلى تعلم قيادة الأوركسترا، بل يتجاوز ذلك إلى تلحين الأعمال الأوبرالية، “أن التلحين يا أبتاه هو شغفي الوحيد وحبي الأكيد، إلى درجة أنني أموت غيرة من كل ملحن ينجح في هذا المجال، وأتمنى لو كنت مكانه أنا الذي تنهمر أنهار دموع من عيني كلما أصغيت إلى أغنية أوبرالية”. ذلك ما كان وولفغانغ يواصل قوله لأبيه كلما اجتمعا معاً، بل يكتبه له واضحاً في رسائله إليه من بعيد وكتبه له مرة جديدة وهو عائد من باريس في زيارة لم يصحبه فيها، وصلت الأب قبل أسابيع من لحظة موت الراهب الفرانسيسكاني التي أدرك فيها ليوبولد أنه ليس، وربما لم يكن أبداً الحب الوحيد في حياة ابنه، ولئن شكل ذلك صدمة كبيرة خلال السنوات الأخيرة من عمر الأب، فإنها لم تكن آخر الصدمات في عمر هذا الأخير. الصدمات التالية ستكون أقسى وأمر، لأن الموسيقي الشاب حين سيمعن في تحقيق إرادته بأن يصبح ملحناً كبيراً لأوبرات مدهشة، لن يفوته بين الحين والآخر أن يجعل من تلك الأوبرات ميداناً لصراعه مع أبيه، ومنصة لإعلان حدة الصراع معه. “آباء” في ثلاث أوبرات مهما يكن، يمكن القول إن موزارت لم يصور علاقته بوالديه بصورة مباشرة أو اعترافية، بل حولها إلى دراما أخلاقية وموسيقى تتكرر بأقنعة مختلفة: سلطة مقابل حرية، قانون مقابل رغبة، أب متعال في مواجهة ابن متمرد. وهذه الثنائية التي عاشها وولفغانغ يومياً مع ليوبولد، تظهر في أوبراه بوصفها صراعاً كونياً، لا عائلياً وحسب. ففي “دون جيوفاني” تتجسد صورة الأب – السلطة بصورة صارخة في تمثال “القائد” الذي ليس شخصية ثانوية تعود في النهاية للانتقام، بل هو صوت القانون المطلق، ذلك الصوت الذي لا يلين ولا يساوم، ويطالب بالخضوع أو بالعقاب. ونعرف أن كثراً من النقاد رأوا في هذا التمثال صورة رمزية لليوبولد: الأب الذي يراقب من بعيد، يحاكم، ويصدر الحكم الأخير. وفي المقابل يمثل دون جيوفاني شخصية الابن الذي يرفض التوبة، لا لأنه شرير تقليدياً، بل لأنه يرفض منطق الطاعة نفسه. إنه يقول موسيقياً وأخلاقياً: إنني أفضل الهلاك على الانصياع. واللافت هنا أن موزارت لا يجعل هذا الصراع بسيطاً أو وعظياً، فالمواقف التي ترافق دون جبوفاني، نابضة بالحياة، مغوية، مفعمة بالحرية، بينما موسيقى التمثال ثقيلة مهيبة جامدة تقريباً. وهنا نلمس انقسام موزارت الداخلي: إعجاب خفي بطاقة التمرد، في مقابل خوف عميق من سلطة الأب التي لا يمكن الإفلات منها، أما النهاية العقابية فليست انتصاراً أخلاقياً صافياً، بقدر ما هي اعترافات مأساوية بقوة السلطة الأبوية التي لا تهزم عادة. المناورة بدل المباشرة ويتكرر هذا الصراع بأشكال أخرى في “زواج فيغارو”، وإن بدا أكثر اجتماعية وأقل ميتافيزيقية، الكونت إلما فيفا هنا هو صورة أخرى للأب المتسلط، صاحب الامتيازات الذي يعتقد أن السلطة حق طبيعي. وفيغارو بخفته ودهائه يمثل الابن الذي يناور بدلاً من المواجهة المباشرة. هنا، على عكس “دون جيوفاني”، ينجح الابن موقتاً، لكن النجاح لا يلغي بنية السلطة، بل يلتف حولها. أما في “الناي السحري” فتأخذ علاقة الأب شكلاً أكثر تعقيداً، ساراسترو ليس طاغية بالمعنى المعتاد للكلمة، بل هو أب حكيم، لكنه يفرض الاختبار والمعاناة باسم الحكمة. وكأن موزارت آخر حياته بدا يتساءل: هل المشكلة في الأب كشخص، أم في مبدأ السلطة نفسه؟ هل يمكن التصالح مع الأب إذا تحول من قيد إلى مرشد؟ ومع ذلك تبقى الطاعة شرطاً لا فكاك منه. خلاصة القول إذاً، أن موزارت لم يشف جرحه مع ليوبولد، بل حوله إلى فن، فصراعه مع الأب لم يحل، لكنه أعيد تمثيله مراراً وفي شخصيات تتحدى، تناور وتراقب. ومن هنا تأتي قوة أوبراه القصوى لأنها لا تقترح أجوبة نهائية خالصة، بل تتركنا داخل ذلك التوتر المؤلم بين الحرية والحب، والتمرد والذنب، وهو التوتر ذاته الذي عاشه موزارت في علاقته مع أبيه حتى آخر أيامه. المزيد عن: وولفغانغ أماديوس موزارت ليوبولد موزارت دون جيوفاني الأب مارتيني الأعمال الأوبرالية زواج فيغارو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الشاعر الإيراني الألماني “سعيد” يسترجع صور والدته وبلاده next post صورة لامعة بلا عمق: ماذا يخفي فيلم “ميلانيا”؟ You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026