إذا أقمنا مسحاً سريعاً للعالم اليوم نجد أنه محكوم بـ 4 أجيال تتقاسم المشهد (عبر الذكاء الاصطناعي) عرب وعالم موجة شبابية تعيد كتابة قواعد السلطة في العالم by admin 25 November، 2025 written by admin 25 November، 2025 70 صراع الأجيال يعيد رسم الخريطة السياسية: من صعود زهران ممداني إلى قيادة “جيل زد” لعصر جديد من الحك اندبندنت عربية / هلا الخطيب كريّم صحافية لبنانية ودكتورة محاضرة في الجامعة اللبنانية @halasco تجري رياح نيويورك بعكس ما تشتهي سفن إدارة الرئيس دونالد ترمب وحزبه، ليدير دفة القيادة النموذج الذي يدعو الأخير للتخلص منه. فعلى صهوة التغيير العميق والصادم، جاء المهاجر ابن المهاجر الهندي الأوغندي المسلم زهران ممداني ليكرس في الروزنامة الأميركية حدثاً غير عابر، مديراً محركات نيويورك نحو بعد آخر، كنبضة كهربائية في جسد سياسي يظن نفسه أنه ما زال يحكم بمنطق القرن الماضي ربما. سحب بساط المهاجر القديم سحب العمدة الجديد ممداني البساط من تحت أقدام “أهل الدار”، إذا صح التعبير، إذ كل من انتخبوا سابقاً والذين يعدون أنفسهم أسياد المكان ليسوا سوى “مهاجرين” أيضاً، أو بالأحرى “محتلين”. وحيث دم وجلد وحضارة السكان الأصليين لأميركا يحاول التاريخ أن يبتلعها بين صفحاته، مظهراً أرض الأحلام أميركا وكأنها نذرت للرجل الأبيض، الذي يعد نفسه، من دون تعميم، سيد الأرض والأعراق. وقد ظهرت مطالبات بسحب الجنسية من ممداني في أكثر التجليات وضوحاً عن النظرة تجاه “الملون” أو “المختلف” الذي يصبح محل السلطة، إذ المقبول لديهم أن يكون يداً عاملة رخيصة وليس “سيداً”. زهران ممداني عمدة نيويورك الذي أثار حفيظة اليمين مع زوجته راما دوجي (أ ف ب) ولكن يبدو أن آراء كهذه سيضمها التاريخ أيضاً، ولكن في مزبلته العامرة. وتبدو تباشير العصر الجديد الذي يقوده “جيل زد” مسلحاً بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وكأنه ينفض عنه وصمة العنصرية من ناحية، وعلى استعداد تام لرسم نهجه الخاص وأفكاره وتطلعاته خالعاً عنه عباءة جيل الألفية، و”جيل إكس”، وجيل الطفرة الذي ينتمي إليه معظم السياسيين حول العالم. فـ”جيل زد” خرج من العالم الرقمي إلى العالم السياسي بجرأة وبمعايير مختلفة، ولغة لا تشبه تلك التي اعتادتها النخب سابقاً. 4 أجيال تحكم إذا أقمنا مسحاً سريعاً للعالم اليوم نجد أنه محكوم بـ4 أجيال تتقاسم المشهد، “جيل الطفرة” من عام 1946 إلى عام 1964، وهو الذي شيد المؤسسات الحديثة، وعاش زمن القوميات والحرب الباردة وصعود التلفزيون. و”جيل إكس” من عام 1965 إلى عام 1980 ويعد جسر العبور والانتقال الذي عاش مع انهيار الثقة بالنخب ومهد الطريق لجيلي “الألفية” و”زد” بعدما حطم بعض المقدسات السياسية. أما “جيل الألفية” من عام 1981 إلى عام 1996 الذي رافق صعود الإنترنت والهواتف الذكية والفضائيات، فقد حاول إصلاح أعطال المؤسسات إلى أن أتى “جيل زد” من عام 1996 حتى عام 2012 ليقلب الطاولة كلها دفعة واحدة على الجميع. وهكذا إذا تأملنا المشهد السياسي العالمي اليوم، سنكتشف أنه ليس مجرد صراع أحزاب أو أيديولوجيات، هو في جوهره صراع أجيال بكل معنى الكلمة. 4 أجيال تتقاسم السلطة والنفوذ، ولكل واحد منها ذاكرته وأوهامه وجراحه، ولكل واحد طريقته في فهم الحكم والسلطة والعالم. وما نراه اليوم من توتر سياسي وانهيارات وثورات ناعمة واحتجاجات رقمية، هي بالواقع نتيجة احتكاك هذه العقليات الـ4 ببعضها في لحظات تاريخية مشتركة. من “الطفرة” إلى “زد” فـ “جيل الطفرة” هو الجيل الذي بُنيت على مقاسه الدولة الحديثة، من مؤسسات وطبقة وسطى مزدهرة ووظائف مستقرة، وسردية تبرر استمرارهم في الحكم. ومما لا شك فيه أنه كان يرى في الدولة سلطة أبوية لا تناقش، وفي الإعلام منصة واحدة لا تسأل، ودائماً ما اعتبر أن الاستقرار أعلى قيمة من العدالة. وهو الجيل الذي ربط السياسة بالخوف الذي يولد الطاعة، والتي بدورها تولد الاستقرار، وإن على حساب الشعوب. تلاه “جيل إكس”، الجيل المتعب والواقعي، الذي عاش انهيار الوعود الكبرى ولم يتذوق امتيازات الطفرة. ويميل إلى الشك في كل شيء، وكأن المؤامرة تتلطى دائماً وراء أي باب جديد سيفتح، ويفضل البراغماتية أكثر من الشعارات، كما أنه لا يثق بسهولة بالثورة ولا بالنظام، ويبحث عن حلول وسط، ونظرته إلى الحكم مجرد وظيفة، إذ الإدارة هي الأهم، والاستمرارية أهم قيمة من المغامرة، وشكل جسراً مهماً وفر على “جيل الألفية” هدم كثير من المعتقدات والمُسلّمات. وهو لد بين طفولة الإنترنت وبداية العولمة، فكبر بعقل برمجي يرى العالم شبكة مفتوحة، ويحاول أن يصنع توازنه بين الطموح والواقعية، بين التكنولوجيا والإنسانية. أما “جيل زد” فقد نشأ على الإنترنت، وكبر مع مفاهيم العولمة، وهو الأكثر حساسية للقضايا الكبرى مثل البيئة والعدالة والمساواة. وأتيحت له فرصة استخدام التكنولوجيا كامتداد لوعيه السياسي، في احتجاجاته وحملاته وضغوطه، ويرى السلطة شريكاً يجب أن يعمل ويتجاوب، وليست رمزاً لا يستجوب ويساءل. سانا مارين قادت بلادها (فنلندا) إلى حلف “الناتو” وحوربت بسبب رقصها (أ ف ب) “جيل زد” يقود السياسة بالـ”ببجي” يمتاز “جيل زد” بأقل صبر ممكن، ما يشبه قول المتنبي “على قلق كأن الريح تحتي”، فلقد ولد فوق ركام من سبقه، ولم يعرف عصر الرفاه الاقتصادي، ولم يرَ عالماً من دون أزمة مناخية أو أوبئة أو تكنولوجيا تهدد وظائفه. ولديه جرأة نادرة، إذ ترف الخوف يكاد لا يزوره. فلا وقت لديه، يحاسب السياسي لحظة بلحظة، ويسقط الحملات الانتخابية بفيديو واحد، ويحول منصات التواصل إلى غرف عمليات انتخابية. وهو لا يقيس السياسي بمظهره وخطاباته إنما بقدرته على تقديم بيانات. فلا يسعى إلى خلق قائد أو زعيم، ويتمحور هدفه حول نظام واضح وشفاف، ولا يريد قضاء وقته في القراءة بين السطور. هذا الجيل الذي استخدم مواقع التواصل الاجتماعي لإسقاط حكومات وقيادة ثورات ومحاسبة زعماء، لم يتوانَ، في سبتمبر (أيلول) الماضي، عن تغيير قواعد اللعبة بلعبة، إذ لم يكن أحد يتوقع أن تبدأ شرارة التغيير في نيبال من مكان بدا أبعد ما يكون عن السياسة، وهي ساحة معركة افتراضية في لعبة “ببجي” الشهيرة. ففي خرائطها الرقمية تشكلت أول خلية احتجاج حقيقية لجيل لم يجد في الدولة ولا في الإعلام التقليدي مكاناً يسمع صوته، فأوجد مكانه الخاص وسط هدير الأسلحة الافتراضية. وتحولت اللعبة إلى ما يشبه قاعة برلمان مُوازٍ لإسقاط معايير وشخصيات السلطة القديمة. وعندما خرجوا إلى الشارع، لم يخرجوا كجماهير مشتتة، كانوا يشبهون الفرق المدربة التي تعرف كيف تتحرك وتتواصل وتتجنب الفوضى، مما مهد الطريق لسقوط الحكومة واستقالة رئيس الوزراء، وصعود القاضية سوشيلا كاركي لتصبح أول رئيسة وزراء في تاريخ نيبال، في مشهد يظهر أن جيل الطفرة لم يعد يحتكر السلطة، وأن “جيل زد” أعاد رسم خريطة الحكم في بلد كامل بلعبة! الصراع تتواجه هذه الأجيال الـ4 اليوم عند عقدة مركزية تتجلى بتعريف الحكم. فيحاول “جيل الطفرة” بكل ما أوتي من خبرة للمحافظة على البنية التي صنعها، ويحاول “جيل إكس” إصلاح ما يمكن إصلاحه إذ أصبح عالقاً بين حنين النضال وتسارع الحياة التي استطاع اللحاق بتلابيبها، في حين يدفع “جيل الألفية” نحو تحديث القواعد والمفاهيم، مستوعباً تاريخ التناقض السابق ومسلماً الدفة لـ”جيل زد” الذي يصر على إعادة التشغيل بالكامل لكل ما حوله تقريباً، ضارباً التعاريف والأسس والمبادئ عرض الحائط. وهكذا فإن معنى السلطة نفسها يتغير، من سلطة عمودية يتحكم بها الكبار، إلى سلطة أفقية تشكلها الأجيال الصغيرة عبر التكنولوجيا والضغط الاجتماعي، وصولاً إلى المساءلة الرقمية. فمن كان ذات يوم صوت الشارع والناس في الساحات والميادين والخطابات ويريد الاستمرار في السلطة، لا بد له من امتلاك هاتف جيد لتوثيق كل تحركاته بالصوت والصورة، وربما فريق علاقات عامة من “جيل زد” يقدم له استراتيجية قوامها مواقع التواصل، وأن يجيد اللغة الجديدة البسيطة والواضحة، والتي قد تحمل في أحيان كثيرة الطرافة والتعابير الدارجة والترندات على وسائل التواصل. ويمكن القول إننا نعيش في زمن تصدع حضاري، حيث يحتفظ كل جيل بما يجيد القيام به وتسويقه، ما يخلق هوات كثيرة في خلق وعي جمعي مشترك، بين من عاش الازدهار ومن يطالب بأن يعيش به اليوم. وكأن العالم رباعي الرؤى، وكل مرآة تابعة لجيل تعكس رؤياه المختلفة عن الأجيال الـ3 الأخرى، إن في تعريف معنى الحكم، وطريقة ممارسته والنظرة إلى المواطن وإلى المؤسسات والعمل بالتالي النظرة إلى المستقبل. من “جيل الطفرة” الذي يريد الماضي وتكريسه حتى لو كان مكسوراً ومنتهي الصلاحية، إلى “جيل إكس” الذي عاش على أمجاد حكايات الماضي من جهة، وأراد إصلاح تركة الجيل الذي سبقه، ولم تسعفه الفرصة بالتغيير، إلى “جيل الألفية” الذي حاول بناء مستقبل أفضل وصولاً إلى “جيل زد” الذي لا ينتظر أحداً ويفرض ما يريده من دون خوف. قادة الأجيال إذا قمنا بمسح عام أولي اليوم للقادة حول العالم سنجد أنهم ينتمون إلى الأجيال الـ4. ولكن الهوة الأسحق هي بين جيلي “الطفرة” و”زد”. فـ”جيل الطفرة” الذي قطف ثمار الازدهار معروف عنه الوعود بالإصلاح وطلب الصبر من الشعب خوفاً من الفوضى، و”جيل زد” مستعجل جداً ولا صبر لديه، سرعة ما يجري حوله. أما في السياسة فصاغ “جيل الطفرة” سياسات الخوف لاستدرار الطاعة والاستقرار، ولأنه جيل يقدس الدولة القومية، كان يتعامل مع الإعلام بوصفه سلطة منزلة لا يجوز مساءلتها، ويصوت بنسبة عالية للأحزاب التقليدية، لأن التغيير عنده مجازفة غير مضمونة النتائج. وخلال الحرب الباردة، استطاع هذا الجيل صياغة توازنه النفسي على نشرة أخبار واحدة وخطاب واحد وزعيم واحد. لكن “جيل زد” ينظر إلى السياسة بوصفها مساءلة دائمة. فلا يخاف من المساءلة، وليس لديه ما يخسره، إذ لم يعرف معنى الاستقرار والازدهار. وأتى الإنترنت لتكون سنده إن في تكوين آرائه أو الاستفادة الفورية من أية تجربة حول العالم، فاستطاع أن يسقط حملات انتخابية “على تيك توك”، ويطيح حكومة على “ببجي”. ولأنه لا يقدس الزعيم ولا يتأثر بهيبته ويحصر تقييمه بما يقدمه وبصدقه وخططه العملية، فإن “جيل زد” يسهم بإيصال “جيل الطفرة” إلى حافة الانهيار. لكن ما يظهر اليوم أن “جيل زد” ليس مجرد فئة عمرية، إنما طريقة تفكير وأسلوب حياة وتفكير وتنفيذ، فمن يملك هذه الروح يوصله “جيل زد” على راحتيه كما حصل في نيبال مع القاضية كراكي التي تنتمي عمرياً إلى “جيل الطفرة”. فقد بات “جيل زد” ما يشبه رافعة انتخابية وتغيرية لمن وجد لديه روحيته وحماسته وجرأته. في المشهد السياسي المتقلب، تصبح الانتخابات معركة بين نموذجين، نموذج “الطفرة” أو الصف القديم الذي يركن إلى الهياكل والألقاب والزعماء والأساطير، ويحتكم إلى الخوف من الآخر، ونموذج “زد” الذي يتسلح بأصوات الهامش، ويقدم الشباب كبديل، والتغيير والجرأة سمته الأساس. نماذج تكشف عن الصراع الصراع اليوم على أشده بين جيلي “الطفرة” و”زد”، وغالباً يكسب جيلي “إكس” و”الألفية” هذا الرهان والصراع كونهما في عز سن السلطة والقيادة. ولعل الخوف الذي بناه “جيل الطفرة” على قاعدة أنه يصنع الاستقرار، هو الذي يريد “جيل زد” نزعه من قلب العالم لخلق الاستقرار الحقيقي مطالباً بالمحاسبة وناسفاً معايير الولاء ومركزاً على الكفاءة. وتظهر النماذج الصاعدة ليس مجرد تبدل بالوجوه، إنما في حضارة سياسية كاملة. أحدثها زهران ممداني، الشاب المهاجر المسلم الذي ولد عام 1991 في كمبالا لأبوين من أصل هندي، ثم كبر سياسياً في أحياء نيويورك الهامشية قبل أن يصل إلى قلب السلطة فيها. دخل برلمان ولاية نيويورك منذ 5 سنوات ممثلاً دوائر العمال والمهاجرين، قبل أن يفوز عام 2025 بعمادة المدينة وهو في سن الـ34 سنة، في لحظة سياسية تقول بوضوح إن نيويورك لم تعد حكراً على النخب البيضاء ولا على مدرسة السياسة التقليدية التي حكمتها عقوداً. وما زالت كلمات خطابه التاريخي بعد الفوز تتناقل وتحلل وتنتقد، حيث أظهر جرأة وتعاطفاً وشعراً ونثراً! قبل ممداني بعقد تقريباً، وصل جاستن ترودو إلى رئاسة الوزراء في كندا عام 2015، وكان في الـ 43 من عمره. قدم نفسه كابن مؤسسة سياسية عريقة، لكنه حاول تسويق نسخة ناعمة من الليبرالية الاجتماعية، بحكومة شابة نسبياً وصورة منفتحة، مع تركيز على التعددية الثقافية وحقوق الأقليات، مستخدماً وسائل التواصل بصورة واعيو لبناء علاقة قريبة مع المواطنين. وعلى رغم صورته التي انتشرت عام 2013 وهو يقوم بوضعية يوغا على طاولة مؤتمر، والتي تحولت إلى رمز بصري يعكس لغة ترودو في جعل السياسة أقل رسمية، لكنه بقي ابن جيل يقف في المنتصف، أصغر سناً من “جيل الطفرة”، وأكثر محافظة من “جيل زد”. جان نويل بارو في فرنسا (ا ف ب) عودة إلى القارة الأوروبية بالعودة إلى أوروبا، أصبح إيمانويل ماكرون في الـ39 من عمره أصغر رئيس في تاريخ فرنسا عام 2017. وكان ربما أوضح إشارة إلى أن أوروبا بدأت تتسع لقيادات أصغر سناً وأكثر براغماتية وأقرب إلى لغة الإدارة منه إلى لغة الزعامة. وجاء غابرييل بوريك عام 2022 ليمنح هذه الموجة بعداً آخر. ناشط سابق في الحركة الطلابية، يدخل القصر الرئاسي في تشيلي في عمر الـ36، ليصبح أصغر رئيس في تاريخ بلاده. وعلى رغم العواصف الاقتصادية، حاول أن يمنح اليسار وجهاً جديداً غير عقائدي، مستنداً إلى شرعية الشارع لا إلى هرم السلطة التقليدي. وبرز في فرنسا أيضاً اسم جان نويل بارو (42 سنة) وزيراً للتحول الرقمي والاتصالات، مجسداً بوضوح طبيعة الجيل الجديد في الحكم، حتى وإن لم يكن في رأس الهرم التنفيذي. فهو الباحث والأكاديمي المتخصص في الاقتصاد الرقمي، والذي وصل إلى الحكومة في منتصف الثلاثينيات من عمره، حمل معه روحاً سياسية مختلفة تشبه تماماً التحولات التي تعصف بالغرب. لم يأتِ من مدارس الزعامة التقليدية، بل من قلب مختبرات البيانات والمراكز البحثية. ووضع ملفات الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية وحماية الخصوصية في صدارة الأجندة السياسية الفرنسية. ظهر بارو كصوت يتقاطع مع “جيل زد” في مطالب الشفافية، والحق في الوصول إلى المعلومات ومكافحة التضليل، وربط الأداء السياسي بالمعايير الرقمية لا بالشعارات. وبدا بارو كمن أدخل “سيرفرات” جديدة إلى قلب القصور الحجرية للسلطة، معلناً أن الحكم لن يبقى حكراً على أصحاب الشعر الرمادي. غابرييل بوريك (تشيلي) من الميدان إلى الحكم (أ ف ب)نساء على الخط جسدت جاسيندا أرديرن أيضاً نموذجاً مختلفاً عندما تولت رئاسة وزراء نيوزيلندا عام 2017 وهي في الـ37 من عمرها، وقادت البلاد حتى استقالتها المفاجئة عام 2023. وعلى رغم خلفيتها الحزبية التقليدية، كان أسلوبها مرناً، وخطابها يعتمد على تعاطف، وشفافية عالية في الأزمات، من هجوم “كرايست تشيرش” إلى “كوفيد-19″، أما حضورها المكثف أمام الكاميرا فلم يحمل بعداً سلطوياً. وعندما قالت إنها لم تعد تملك ما يكفي من الطاقة للاستمرار، كانت في الواقع تعلن نهاية صورة الزعيم الذي يتشبث بالكرسي حتى الانهيار، وبداية لصورة المسؤول الذي يخرج من السلطة في الوقت المناسب. وفي كرواتيا ظهرت كوليندا غرابار كتاروفيتش عام 2015 كرئيسة أولى للبلاد، امرأة في منتصف الـ40 من عمرها، تكسر احتكار السياسة الذكورية وتدخل الرئاسة بخطاب عملي يتناول إصلاحات في التعليم والدبلوماسية، وتعزيز موقع كرواتيا داخل الاتحاد الأوروبي، فكانت تمثل انتقالاً هادئاً من “جيل الطفرة” إلى قيادة أكثر رشاقة ومرونة وانفتاحاً. أما في سلوفاكيا فقد حملت زوزانا شابوتوفا عام 2019 روح التغيير بعدما وصلت إلى الرئاسة في سن الـ45، محققة إصلاحات قانونية وبيئية، ومطلقة معركة حقيقية ضد الفساد. وتعد شابوتوفا ترجمة حية لحلم سلوفاكيا بدخول مرحلة الشفافية السياسية. صعوداً نحو أوروبا الشمالية، ذهبت فنلندا أبعد، إذ تولت سانا مارين، المولودة عام 1985، رئاسة الوزراء في ديسمبر (كانون الأول) عام 2019 وهي في عمر الـ34، لتصبح أصغر رئيس حكومة في العالم آنذاك. وحكمت خلال أخطر ملفين في تاريخ بلادها الحديث، جائحة كورونا، والقرار المصيري بالانضمام إلى حلف “الناتو” عام 2023. وأكثر ما يذكره الناس ظهور فيديو رقص قصير لها أشعل الجدل، فرأى فيه “جيل الطفرة” عدم جدية، بينما رأى “جيل زد” رئيسة وزراء تمارس حياة عادية خارج ساعات العمل. هذا الجدل نفسه كان ترميزاً لصدام أعمق بين نموذجين للسلطة ونظرة جيلين متناقضة. جورجيا ميلوني (إيطاليا) تحمل عقائد “جيل الطفرة” بطريقة رقمية (أ ف ب) مغلفة باليمين المحافظ صعدت جورجيا ميلوني إلى رئاسة الحكومة الإيطالية عام 2022 وهي في سن الـ45، كأول امرأة في هذا المنصب. تمثل ميلوني مفارقة لافتة، مضموناً سياسياً تقليدياً جداً مغلفاً بأدوات خطابية ورقمية حديثة تستعير سرعة المنصات الاجتماعية وإيقاعها. وهي قد تشكل عملياً آخر هجمات جيل قديم بأدوات جيل جديد. بمعنى آخر سياسات تعود إلى القرن الـ20، تسوق بفيديوهات قصيرة و”ريلز” وشعارات جاهزة لـ”الميمز”. تحول هادئ ما يجري اليوم في السياسة العالمية تحول هادئ يعيد رسم العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالقيادة التي كانت تبنى على الهيبة والرموز الثقيلة تتحول تدريجاً إلى ممارسة تشاركية شفافة، وأقرب إلى الناس، وأقل خضوعاً لأسطورة الزعيم الملهم. ففي العالم الجديد، القائد ليس الأب القائد الأعلى، إنما الشريك الفاعل والأقرب. فبعض النماذج الصاعدة من رؤساء حكومات إلى عمداء مدن تعيد تعريف القيادة التي تشبه سرعة العصر وتطوره، حيث تتقلص المسافة الرمزية بين المواطن والحاكم، ويصبح الحوار هو الأداة الأساسية للسلطة. وينتفي التواصل العمودي ليحل محله الأفقي، ويتصدر الوعي البيئي ومفاهيم الصحة النفسية والمساواة الجندرية المشهد، لكن في الوقت نفسه تحمل القيادات الشابة تركة كبيرة سياسية واقتصادية وقيود تعطل المسيرة. مع هذه الشخصيات لم تعد السلطة تقترن بالشعر الرمادي، ولا تحمل سوط الخوف والمؤامرة، هي في معظمها شخصيات خلعت عنها عباءة الشعر وغاصت في نهر النثر. ومثل كل المتغيرات، تهتز عروش السياسة بجيل يحمل الهاتف في يمينه ويهز العالم بيساره! المزيد عن: جيل الطفرةجيل إكسجيل الألفيةجيل زدزهران ممدانيسانا مارينجاسيندا أرديرنكوليندا غرابار كتاروفيتشجورجيا ميلونيجاستن ترودو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “لاحاجة للمال والفقر سيختفي”… هذا شكل الحياة في 2050 next post “رسائل جون لوكاريه” بديل ماهر عن سيرة لم تكتب You may also like علي بردى يكتب عن: ترمب يتوعد كوبا بعد... 7 March، 2026 أكراد إيران على الجانب العراقي.. ماذا يريدون؟ ومم... 7 March، 2026 (7 أيام من الحرب.) . تسلسل زمني لضربات... 7 March، 2026 “لغز البديل الرابع”.. خطة إيران للصمود في حرب... 7 March، 2026 بلوشستان إيران: الجغرافيا الاستراتيجية وصراع الهوية 7 March، 2026 إسرائيل تستغل حرب إيران لتغيير الوضع في القدس... 7 March، 2026 مصادر كردية: ننسق مع قوى خارجية لدعمنا في... 7 March، 2026 “اتصالات زائفة” باللبنانيين في زمن الحرب وإخلاءات بالجملة 7 March، 2026 لماذا تهاجم الولايات المتحدة إيران؟ 7 March، 2026 الأكراد في إيران: تنظيماتهم وحراكهم السياسي والعسكري 7 March، 2026