من اقتباس سينمائي لـ_موت دانتون_ (موقع الفيلم) ثقافة و فنون “موت دانتون” لبوخنر: الثورات تغتذي من لحم أبنائها by admin 29 ديسمبر، 2025 written by admin 29 ديسمبر، 2025 87 مثال مسرحي كلاسيكي يحدثنا عن الثوار حين ينقلبون إثر انتصارهم على بعضهم اندبندنت عربية/ إبراهيم العريس باحث وكاتب “ليس التشاؤم في الفن فعلاً مضاداً للثورة، بل إنه يخدم في التنبيه ضد حسن نيات الممارسة الراديكالية: تلك الممارسة التي تعد، خطأً، أن كل المشكلات التي يثيرها الفن، وكل الشرور التي يندد بها، يمكن حلها من طريق الصراع الطبقي. ومن هنا، فإن هذا التشاؤم يتسلل بالضرورة، وكفعل صحي، من داخل الأعمال التي تجعل من الثورة، والترويج لها، موضوعها الرئيس. ومثالنا الأكثر كلاسيكية على هذا هو مسرحية “موت دانتون” لجورج بوخنر. هذا الكلام الذي كتبه الفيلسوف الألماني/ الأميركي هربرت ماركوزه عام 1977، يمكن اعتباره نوعاً من إعادة الاعتبار إلى عمل فني كتب قبل ذلك بنحو قرن ونصف القرن، وكتبه بالتحديد مؤلف كان قدره أن يموت وهو بعد في الـ23، بعد عامين فقط من تقديم هذه المسرحية للمرة الأولى على الخشبة في هامبورغ وإثارتها ما أثارته من عواصف. واللافت أن بوخنر لم يكن، حين كتب “موت دانتون”، تجاوز الـ20 من عمره، ومع هذا كان سبق أن ثبت مكانته ككاتب متمرد واعٍ، عبر كثير من الكتابات السياسية والمسرحية. لكن “موت دانتون” رجمت ولعنت، ذلك أنها لم تتوانَ، في سبيل الحديث عن الثورة الفرنسية، عن ابتكار ما سمي لاحقاً بـ”البطل المضاد”، وعن طرح معضلة البطل الإشكالي ودور الفرد في صناعة التاريخ، ثم دور القلق في صناعة الفرد، مارة في طريقها على واحدة من الإشكاليات التي ستشغل بال القرنين الـ19 والـ20: “حق” الثورة في أن تأكل أبناءها. وبالنسبة إلى جورج بوخنر، تقدم إلينا الثورة الفرنسية حالاً كلاسيكية عن أهل الثورة وأبطالها حين ينقلبون على بعضهم بعضاً، وقد شعر كل واحد منهم أن الحق في جانبه وأنه هو – من دون غيره – المؤهل لحمل رسالة التاريخ، ما إن ينتصر العمل الجماعي ضد العدو المشترك. لب الموضوع غير أن قراءة أكثر تعمقاً، اليوم، لـ”موت دانتون” كفيلة بأن تجعلنا نرى فيها تجاوزاً، ومن بعيد، لإشكالية الثورة وأبطالها، لنصل إلى لب موضوعها، وهو ما يعبر عنه الباحث الفرنسي جيرار روليه في قوله “إن علينا أن نفهم ’موت دانتون‘ باعتبارها ترجمة لأزمة إيمان قوية وعاصفة في قدرة العقل نفسه على تغيير العالم، وتسيير وإعادة تسيير مجرى التاريخ الكوني” والحقيقة أن هذا الباحث لا يبدو لنا بعيداً من الصواب هنا. جورج بوخنر (1813 – 1837) (غيتي) وحسبنا للتيقن من هذا أن نغوص في الحوار الفلسفي الأخير الذي يدور بين المحكومين في آخر المسرحية، إذ نشاهد هيرو وهو يمسك بذراع كاميل دي مولان، متحدثاً إليه، بلغة شاعرية خالصة، عن انهيار العالم قائلاً “إن عليك أن تشعر بالمتعة يا كاميل. إذ إننا سنعيش ليلة بالغة الحسن. فالغيوم منتشرة في سماء الغسق الهادئة، مثل أولمب تنطفئ، مسكونة بعبور آلهة الأولمب وهي تمحي وتختفي”. وواضح أن هذه الصورة التي يصفها هيرو، إنما هي تعبير عن رؤية للعالم بمبادئ تجاوزية، وعن نهاية منظومة يتعين على البطل التراجيدي أن يخضع لها: إنه غروب الأصنام، لكنه في الوقت نفسه فجر يوم جديد لا أصنام فيه ولا أفكار. التشاؤم فعل ثوري وهكذا، في ضوء هذا التفسير، يمكننا أن نجد، بقلم جورج بوخنر، كيف يتحول فعل التشاؤم إلى نص ثوري وإلى عمل يعد بالفجر الجديد. وبالنسبة إلى بوخنر، لا يمكن هذا الفجر الجديد إلا أن يكون إنسانياً، من دون مثل عليا ومن دون بطولات خارقة. ولنتذكر أن بوخنر، حين كتب “موت دانتون” كان في طريقه الحاسم للتعبير عن بطل – مضاد “آخر” وتأسيسي هو “فويزيك” (الشخصية الرئيسة في مسرحيته التالية والأخيرة، والتي ستكون الأكثر شهرة). وفي إطار هذا التأسيس كان يمكن الفيلسوف، وعالم الجمال الكبير، ليسنغ أن يكتب في “درامية هامبورغ” أن ليس في وسعنا أن نشعر بتعاطف إنساني إلا تجاه أبطال من البشر يمكننا أن نشعر أن في إمكاننا التماهي معهم. إن على البطل أن يخطئ… يجب عليه أن يسقط، فارتكاب الخطأ وحده يمكنه أن يقربه منا، ذلك أن “المصير التراجيدي الذي يعرفه البطل الإنسان لا يقوم إلا في تجاوزه لعدم اكتماله، بغية تأكيده على كرامته الإنسانية”. والحقيقة أن هذا يلتقي مع ما كان جورج بوخنر يقوله من أن “وجود المثل الأعلى ليس سوى الاحتقار الأكثر إثارة للاشمئزاز الذي يمكن الطبيعة البشرية أن تجابه به”. مدونات تاريخية ويمكننا أن نتصور، تتحدث مسرحية “موت دانتون” عن فصل أساس من فصول الثورة الفرنسية. وهي تتألف، في الأساس، من مقاطع وفقرات تبدو في شكل مدونات تاريخية. ومنذ البداية تكشف لنا المسرحية كيف حدث الافتراق بين دانتون وروبسبيير، بطلي الثورة. وهنا لدينا دانتون وقد أدرك، وفق تعبيره، أن الثورة لم تتمكن من الوصول إلى أهدافها الحقيقية، لأن قوانين التاريخ الفولاذية لا يمكن تبديلها بين ليلة وضحاها، لذلك نراه يغوص في نوع من القدرية مفضلاً الغوص في ملذاته الخاصة على مواصلة السعي ضمن إطار الشأن العام. وفي الوقت نفسه ينصرف روبسبيير الذي تتسم مواقفه بالجمودية واليقينية والابتعاد الكلي من كل ما هو ذاتي، ينصرف إلى مواصلة “ثورته” وقد آلى على نفسه، هذه المرة، أن يتخلص من كل من كان يعتبرهم “أعداء الثورة” ولو عبر حمام دم لا ينتهي. صحيح أن دانتون يشعر بالخطر محدقاً به وبكماشة روبسبيير مطبقة على عنقه، لكنه يظل على إيمانه بأن مساهمته في قيادة الثورة وشعبيته، كفيلتان بحمايته من خطر رفيقه وجبروته. لذلك يجد في نفسه الجرأة على أن يواجه روبسبيير ليقول له إن حمام الدم يجب أن يتوقف إذ “كفى! فأبرياء كثر قد سقطوا ضحايا حتى الآن!”. ويجيبه روبسبيير بأن الفضيلة لا يمكنها، والطبع الإنساني كما هو، أن تنتصر إلا من طريق الخوف. وبعد هذا الحوار القصير بين دانتون وروبسبيير، يقرر هذا الأخير أن الوقت حان للتخلص من رفيقه. وإذ يدرك أصدقاء دانتون هذا ينصحون الأخير بأن يتصرف بسرعة قبل فوات الأوان، لكنه لا يفعل شيئاً ويستسلم حين يقبض عليه رجال روبسبيير. صراعات الإخوة صحيح أنه خلال المحاكمة التي تجرى لدانتون، يقوم عدد من رفاقه بالدفاع عنه ومن بينهم ليجاندر، غير أن روبسبيير يتمكن من تأليب العدد الأكبر من النواب ضد رفيقه القديم. وحين يتحدث دانتون مدافعاً عن نفسه تتحرك الصالة، ويقرر الجنرال ديون أن يحرر دانتون من سجنه، عبر مؤامرة سرعان ما تكشف ما يجعل سان – جوست يطالب برأس دانتون كمتآمر هذه المرة. صحيح أن الشعب المتجمع خارج قصر العدل لا يصدق التهم الموجهة إلى دانتون، لكنه يبدو حائراً، إذ يقارن بين نمط حياة دانتون المترف، ونمط حياة غريمه روبسبيير الزاهد. وهذا ما ينقلنا إلى المشاهد الأخيرة التي تبدو أكثر حميمية، إذ تتدخل فيها زوجتا السجينين المحكومين دانتون وديمولين، لا سيما جولي زوجة الأول التي تبلغ زوجها في سجنه أنها ستنتحر إذا أعدم حقاً، فيما تفقد لوسيل زوجة ديمولين عقلها. وبالفعل إذ يساق الرجلان إلى الإعدام وينهمكان في وداع بعضهما بعضاً، تنتحر جولي و… ينتصر روبسبيير، ريثما يسوء مصيره هو الآخر ولكن… خارج المسرحية. 3 مسرحيات لحياة قصيرة قامت سمعة جورج بوخنر ككاتب مسرحي فقط انطلاقاً من ثلاث مسرحيات وحيدة كتبها خلال عامين هما 1835 و1836، أي قبل رحيله بشهور قليلة. فبوخنر الذي ولد في غودلاو قرب دارمشتادت عام 1813 مات بمرض الطاعون عام 1837 ولم تكن سنه تزيد على 23 سنة وأربعة أشهر. والحال أن شهرته لن تصل إلا متأخرة، إذ خلال القرن الـ19 سيبدو إخوته (الفيلسوف لودفيغ، والكاتبة المناضلة النسائية لويز، والمترجم والأستاذ الجامعي ألكسندر) أكثر شهرة منه بكثير. ولكن، ما إن حل القرن الـ20 حتى أعاد ماكس رينهاردت اكتشاف مسرحيات بوخنر، وبدأ يقدمها تباعاً، موصلاً شهرة هذا الأخير إلى الذروة، ليس فقط ككاتب مسرحي، بل كذلك ككاتب سياسي يساري ذي نزعة إنسانية، وكباحث في علوم التشريح، ثم كمترجم لمسرحيتين لفيكتور هوغو إلى الألمانية. مهما يكن، فإن حياة بوخنر كانت من القصر حيث لم تترك مجالاً ليعيش أحداثاً جسيمة، فكانت كتاباته أهم أحداث حياته، ولا تزال تبهر، حتى اليوم، ممثلين ورسامين وموسيقيين ومخرجين سينمائيين، كان من أبرزهم فرنر هرتزوغ الذي حول مسرحية “فويتزيك” إلى فيلم مميز، ثم البولندي أندريه فايدا الذي بنى فيلمه “دانتون” مستنداً إلى مسرحية بوخنر. المزيد عن: فرنساالمسرحمسرحيةجورج بوخنر 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post حازم صاغية يكتب عن: القضايا العربيّة ونهاية العلاج الأوحد المزعوم next post المرأة المثقفة كما تجلت في الرواية العربية You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026