لوحة يوسف عون فضاء مفتوح (خدمة المعرض) Uncategorized مهى سلطان تكتب عن: تجريديات يوسف عون “تحلق” بين فراغ وامتلاء by admin 28 فبراير، 2026 written by admin 28 فبراير، 2026 46 لوحات المعرض تحاكي فضاء مفتوحا على الغامض والمتخيل والإلهام الداخلي اندبندنت عربية / مهى سلطان تحاكي لوحات الفنان يوسف عون بلغتها التجريدية فضاء مفتوحاً على المبهم والمتخيل والإلهام الداخلي، إذ تدعونا إلى السفر في رحلة بلا وجهة محددة أو زمن، ليس لنختبر متعة التحليق وحسب، بل لنحلم بمادة الأرض وترابها وتضاريسها وأثلامها وحطامها. إنها رحلة بصرية تقع في تلك المنطقة الرهيفة والملتبسة بين الحداثة المتأخرة والفن المعاصر، وهي تجربة تعيد الاعتبار للمادة (Material) كعنصر تعبيري مستقل ومؤثر، فلا تتحدث أعماله عن موضوع محدد، ولا تطرح فكرة معلنة، باستثناء كلمة واحدة تجمع تحت جناحها فحوى تجاربه خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وهي “تحليق” عنوان معرضه الذي يتمحور حول سلطة الفراغ الأبيض بوصفه فضاء غير مطلق، بل هو عراء للنفس. لوحات من المعرض التشكيلي (خدمة المعرض) تعكس هذه التجارب التي اختيرت لتشكل معرضاً يقام في غاليري صالح بركات، بيروت، (يستمر حتى 13 مارس – آذار)، ركائز لم تتغير في أسلوب عون، لكنها نضجت مع الوقت وأضحت ذات سطوة بصرية كاتجاه جمالي يؤسس مفرداته على نهج يبدأ بالاشتغال على السطح التصويري بمظهره وملمسه وايحاءاته الباطنية، وكأن الوقت لم يعد يحمل مفاجاءات كثيرة أو دهشات، لذا صار لزاماً على الفنان ان يخترع “طمأنينة ما” يُمكن بها أدواته وحسه الإنساني، وسط ما يضج به من مشاعر وتساؤلات وانفعالات تنفجر على هيئة ضربات عريضة ناتئة وحادة. ويظل التعارض قائماً كمسألة مثيرة للشكوك، تكمن بين ثقل المادة (الأرض) وخفة التحليق (الفضاء) كما بين الركود والارتقاء، وبين الأسود الفحمي البراق وطبقات الأبيض المكتوم، وتظهر في اللوحات الجدارية، بين حين وآخر، كتل متراصة تشبه أجساماً عضوية بألوان الأرض ولحمها ودمائها وطبقاتها، مشفوعة بقطعة سماء. الضربة اللونية الضربة اللونية (خدمة المعرض) يوسف عون الذي لمع نجمه منذ أوائل التسعينيات، ولا سيما بعد نيله جائزة “صالون الخريف” في متحف نقولا إبراهيم سرسق، عُرف بأعماله التجريدية المنحازة إلى الأسلوب المتفرد للفنانة إيفيت أشقر، ولا تزال تجاربه الأخيرة تحمل بصمات تلك التأثيرات، بل تشكل امتداداً معاصراً لها، امتداداً يتسق معها في التكوين والعلاقات اللونية وكيفية ارتباط الكتلة بالفراغ، ويبدو أن عون مدرك تماماً لهذه الصلة، بل يتعاطى معها بصفته وريثاً متمكناً من أدواته وتقنياته التي صقلها بدرسه الفنون الغرافيكية والطباعة الحجرية في باريس، فضلاً عن خبرته الطويلة في تطويع الخامات، فهذه الخبرة منحته نضجاً في التعامل مع سطح اللوحة الخشن الشبيه بجدار يحمل ذاكرة إنسانية مبهمة، قوامها خطوط عابرة وخربشات غامضة وتراكمات أزمنة وتبصيمات وتشوهات وآثار حروب وحرائق ودمار، أما الضربة اللونية فهي ليست نابعة من انفعال حركي عضلي (Gestuelle) متأت من التجريد الغنائي لمدرسة باريس، بل من إملاءات “فعل الحركة” كتأمل شعوري وتعبير شكلاني عن طيف الجسد وطبقات الغيوم. عاقل وانضباطي، يبني لوحته الجدارية على توازنات دقيقة يشيدها بضربات عريضة على خلفية صماء، تبدو ناهضة في مسارها الهارب إلى الفضاء بنبض يقتنص المسافة في فراغ يقف على حافة الشغور، وأشكال تبدو كزوبعة كجذوة أو حطام، في صراع خفي بين الكينونة والوجود، وفي العتمة يبرز ذلك الوميض الخانق وعراء يضطرم في لهيبه، فتتحول المساحات اللونية إلى علاقات تومئ وتومض وتوحي من دون أن تدل أو تصف. هي مساحات من ذاكرة متفحمة، الأكثر حلكة فيها هو الاكثر التماعاً وتنقلات، أجسام كأنها ارتطامات نيازك، وأشجار تنهض في مدارات سديمية، ظلمات فوق ظلمات وتربة أجساد محملة بأثمالها البيض، وأثناء التحليق تسيطر لغة “الاختزال” فنرى ضربة فرشاة سوداء عريضة، تشق بياض اللوحة الملمسي، ترافقها لمسات بالأزرق كأنها “نوتة” موسيقية شاردة من مكان مجهول، مما يمنح إحساساً بالمدى والتحليق. الرسام يوسف عون في محترفه (خدمة المعرض) في “الأسود المهجور” يدخل عون في “أنطولوجيا المادة”، كي تحكي قصة الزوال والهجران، فالأسود هو اللون الحاضر دوماً لأنه “مفقود” يتمثل كعوارض أو بقايا جدران في فضاء رمادي، وهناك حوار محتدم بين السطح الناعم والسطح الخشن، والخطوط الرفيعة والكتل العريضة، وكأن الأسود الذي أضاعه الفنان، وسط الركام البصري، يعزز وجوده في العمل الفني أكثر من ذي قبل. المادة والزمن يتقاطع عمل يوسف عون بقوة مع “تجريد ما بعد الحرب” (Post-War Abstraction)، وتحديداً مع حركة “التاشيزم” (Tachisme) الأوروبية، بما تنطوي عليها من محمولات نظرية واستطيقية تحاكي دواخل الفنان من دون حاجة إلى التشخيص من باب السرديات، إذ يستمد العمل الفني جدلية حضوره من مقوماته التشكيلية واستقلالية الرؤية والعمق الشعوري والحدس الداخلي، لبناء تصورات تذهب إلى الأبعد في الايحاء كي تفتح أبواب التأويل، إلا أن الغنى البصري يأتي جواباً على ما لم يقله افتتان الفنان بالمعاصرة، ولا سيما في نزوعه إلى التقشف اللوني والبحث عن جوهر المادة، وذلك عبر استخدام الوسائط المختلطة (مسحوق الرخام وبوردة الألومنيوم مع الأكريليك)، تمنح ملامسها إحساساً “بالجدارية” (Mural) من شأنه إغناء المؤدى البصري والشعوري للوحة، بما تفيض به من التباسات وتهيؤات. الإشراق التجريدي (خدمة المعرض) هل يبدو توهماً ربط بياض اللوحة بالفراغ وزرقتها بالسماء؟ وهل غياب خط الأفق إشعار خادع بالخفة والتحليق؟ أثلام وأقمار، وكتل ثقيلة مكانها القعر، وحطام وتقاطعات أجسام تظهر بين حين وآخر، جذوة غامضة، غيوم ومسرات، وصراع أفكار، وتماه مع فضاء يستبدل علاماته وإشاراته. ثمة أشياء غير قابلة للتفسير، ولا سيما حين يشتد التعارض بين سكون مطبق وحركة تبدو ثقيلة وكأنها غير قابلة للتحليق بعيداً، ولكن في العمق يعبر سماءَ يوسف عون انفعال مفاجئ مكهرب كصاعقة أو خط توتر عال، فاللون عنده يحمل انفعالاً يمثل إسقاطاً لذاكرة شديدة الاتساع، وهو دائم الحركة والحياة، فقد تخلى اللون لديه عن كونه مجرد تركيب ذكي لما هو موجود في الطبيعة، واحتل موقعه بوصفه “لحظة عاطفية” في زحمة التجارب، ومع ذلك يبدو عون انتقائياً ومقتصداً، فهو لا يشرع فضاء لوحاته إلا لفئات لونية قليلة تتقن دورها التعبيري، وتمتلك قيمتها الخاصة في عملية الخلق الفني. كسوف الروح في تجريداته العارمة يتوغل عون في العمق الانساني عبر ثيمات خفية تتبدى في لوحات ذات احجام صغيرة، تحمل مسميات ودلالات تشير إلى منطلقات تشخيصية، وجوه معذبة ورؤوس سجناء معصوبي الأعين، بلا ملامح ولا هيئات تستحضر في أذهاننا رؤوس فوترييه (Fautrier)، وفي ثلاثية “كسوف الروح” يعيد عون الاعتبار للشكل الإنساني ولكن بطريقة محطمة ومجردة، إذ يحضر في اللوحة تكوين بيضاوي يوحي بجمجمة أو وجه إنساني معصوب بكتلة سوداء كثيفة تحجب الرؤية والهوية، في دلالة رمزية على الصمت القسري والتأمل الداخلي، مما يمنح إحساساً بصرخة مكتومة. أما في سلسة “الكسوف الأحمر” فينتقل عون من الفضاءات المفتوحة والبياض الطاغي في أعماله السابقة ليبني كائنات بصرية تتصارع فوق السطح في مواجهة أكثر كثافة واحتداماً، فعلى أرضية من الرمادي والأسود الفحمي يتحرك اللون الأحمر المتمرد ليعيد صياغة التوازن، وبين “كسوف” الشكل تبزغ المادة لتتصدر المشهد كبطل درامي، وما يميز هذه الثلاثية هو تلك الخشونة المقصودة، فالسطح ليس مستوياً بل هو طبقات من المعاجين والألوان التي توحي بملمس جداري متهالك، وكأن المادة نفسها تمر بحال كسوف، أي احتجاب الضوء، أما اللون الأحمر فهو “الشرارة الوجودية” ونبض العمل الذي يحمي اللوحة من الانغلاق التام في عتمة السواد، ليمثل الحياة في مقاومتها للاندثار. في هذه المجموعة ننتقل من “الكسوف” إلى “الهجران” ثم إلى “الرنين”، حين تتكثف التجارب لتلامس أبعاداً تشخيصية ومشاعر إنسانية عميقة، وفي هذا السياق يبدو التحليق محطة داخلية في تجربة الفنان تعكس انتقالاً من التجريد الغنائي إلى تجريد وجودي ملمسي وصولاً إلى التعبيرية الجديدة، فهذه الأعمال لا تقدم إجابات بل تضع المشاهد أمام مرآة من الرماد والضوء المكتوم، تاركة له حرية تلمس الطريق وسط هذا “الكسوف” البصري الذي يشهده زمننا المعاصر. المزيد عن: رسام لبناني معرض تشكيلي التجريد الفراغ والإمتلاء المتخيل الغموض الإلهام اللون 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الدراما اللبنانية… الصورة الجميلة لا تكفي next post السلطة الفلسطينية تبدأ حربا داخلية على الفاسدين You may also like أسئلة شائكة عن الشخصية القبطية في الأدب المصري... 3 مارس، 2026 ممثلة تريد استعادة وجهها من وزيرة مولدة بالذكاء... 28 فبراير، 2026 “ضربة إيران” على جدول ترمب و”قوى إقليمية” تثير... 21 فبراير، 2026 «لوفيغارو»… تحول رقمي ناجح في العيد الـ200 17 فبراير، 2026 كيبيك: مجلس أرباب العمل يطالب بإعادة تفعيل ’’برنامج... 5 فبراير، 2026 رهان جيوسياسي أمريكي إيراني شديد الخطورة – مقال... 4 فبراير، 2026 مكاسب المغرب من احتضان كأس الأمم الأفريقيةد 18 يناير، 2026 إيران في لحظة مفصلية: دعوة إلى تحرك أميركي... 17 يناير، 2026 شاهد : ما قصة هذا العلم وهل هو... 13 يناير، 2026 الباحث إسلام الخولي يدخل قائمة ’’مبتكرون دون 35‘‘... 3 يناير، 2026