مهى سلطان تكتب عن: الرموز الحضارية القديمة في النحت والرسوم والمنسوجات ثقافة و فنون مهى سلطان تكتب عن: الرموز الحضارية القديمة في النحت والرسوم والمنسوجات by admin 17 November، 2025 written by admin 17 November، 2025 69 معرض وكتاب في متحف نابو وقطع نادرة من التراث الضائع اندبندنت عربية / مهى سلطان يعتمد المعرض على مجموعة كبيرة من المنسوجات والملابس والمطرزات القديمة، التي تعود غالبيتها إلى مقتنيات المستشرقة والباحثة الألمانية هايكة فيبر التي أسست مركز “عناة” في دمشق كمشغل ومعهد لدراسة فن التطريز، استطاعت من خلاله أن تحافظ على النشاط الفكري والإبداعي لأنماط التطريز في بلاد الشام المهددة بالاندثار، فضلاً عن أبحاثها المعمقة التي نشرتها في كتاب بعنوان “عناة وبطلها بعل: أنماط التطريز لغة بلاد الشام” نقلته إلى العربية الكاتبة أميمة درغام. ألقت فيبر في هذا العمل الأضواء على الأبعاد الأسطورية والحضارية للأنماط الزخرفية التي زينت الملابس، منذ أقدم العصور وما زالت حاضرة في التراث الشعبي لفن التطريز. لم تكن الزخرفة في الملابس مجرد ترف بصري. فقد كان للزينة دور في تحديد الانتماء الطبقي أو الديني أو الطقوسي، غالباً ما كانت الأزياء تُلبس في مواسم أو احتفالات. على نحو مشابه، تميزت موضة الأثواب المطرزة في لبنان وسوريا وفلسطين بكونها مؤشراً إلى هوية المرأة: قريتها، حالتها الاجتماعية، بل إن بعض الثياب كانت تحمل رموزاً سحرية اعتُقد أنها تقي من العين والحسد، أو تجلب الخصوبة، وهي دلالات نجدها أيضاً في النسيج الجنائزي في الحضارات القديمة التي تحاكي الصعود السماوي، تعبيراً عن عبور الروح بعد الموت. نماذج من رسوم الفنان ضياء العزاوي عن لباس ملوك وملكات آشور (خدمة المعرض) أجيال من النساء في فلسطين وسوريا ولبنان طرزن وفق قواعد ثابتة في الموضع واللون والشكل. هذه القواعد نادراً ما شرحت، بل مورست وتناقلتها الأجيال. قد تبدو زخرفية للوهلة الأولى، لكنها في جوهرها تمثل معرفة رمزية أقدم من الكتابة، تحفظ ذاكرة الأساطير والطقوس ونظام الكون. ومن بين أعمق الحكايات الكامنة في هذه الرموز ما يعود إلى أوغاريت في القرن الـ15 قبل الميلاد، حيث تتجلى أسطورة بعل وعناة، رمزي الحياة والموت، والخصوبة والتجدد. هكذا تحول التطريز إلى لغة بصرية تعبر عن الإيمان بأن لا حياة بلا موت، ولا نمو بلا ذبول، ولا خصوبة بلا تجدد. تماهي حضارات الشرق يطرح المعرض فكرة التماهي بين حضارات الشرق الأدنى القديم، ويتجلى ذلك في تكرار الرموز نفسها، بصياغات مختلفة وعلى متون متنوعة الوظائف وكأنها تتخطى الأزمنة، إذ تتجاور الأزياء المطرزة مع تحف أثرية وفخاريات ومطبوعات ولوحات ومنحوتات وأعمال تجهيزية معاصرة، لفنانين من فلسطين والأردن ولبنان والعراق، لتقدم معاً سردية تاريخية عن تطور الرموز الزخرفية من العصور الآشورية والكنعانية إلى البيزنطية والإسلامية، وصولاً إلى اليوم. وفي هذا السياق يشير المعرض إلى الهيمنة الثقافية ومحاولات التهويد التي طاولت فن التطريز الفلسطيني، في مقابل عملية إحياء هذا التقليد، التي رافقت انطلاقة المقاومة الفلسطينية في ستينيات القرن الـ20، حين غدا الثوب المطرز أيقونة للنضال وهوية وطنية، غير أن هذا التقليد ما زال مهدداً في زمن العولمة وثقافة الاستهلاك. من أسطورة غلغامش إلى رسوم الفنان ضياء العزاوي، التي تعيدنا إلى السنوات التأسيسية التي أمضاها في كنف المتحف العراقي وهو يرسم ملوك آشور بلباسهم المزدانة بالزخارف المعبرة عن رموز الحضارة الرافدية وفلسفة الحياة والموت والتجدد. كذلك نجد منحوتة “الرجل والديك” للفنان العراقي إسماعيل فتاح الترك المنبثقة من الميثولوجيا اليونانية، والعمل التجهيزي لعبدالرحمن قطناني الذي يجسد “شجرة الحياة” في تقليد التطريز الفلسطيني من خلال رمزية الشريط الشائك، إلى جانب لوحة جبران طرزي، التي تعكس الفلسفة الرياضية للأرابسك في الفنون الإسلامية، فضلاً عن لوحات تجسد التراث الشعبي الفلسطيني من خلال حضور المرأة بثوبها التقليدي المطرز، أرسلها فنانون من غزة وعمان من بينهم غازي أنعيم وعماد أبو اشتيه وماهر ناجي. شجرة الحياة في التطريز الفلسطيني بالأسلاك الشائكة (خدمة المعرض) يضم المعرض المستمر حتى الـ11 من ديسمبر (كانون الثاني) 2026 قطعاً متحفية نادرة، منها لراية رسمت بالأسلوب البيزنطي على قماش، تعود إلى القرن الـ19 (من بلاد الشام) تظهر كاهناً تحيط به رموز زخرفية شرقية، وأيقونة موقعة عام 1843 للقديس غريغوريوس بثياب كهنوتية مرصعة بالذهب. وتعرض سجادة صلاة من مشاغل ذوق مكايل تعود إلى مطلع القرن الـ20، مصنوعة من حرير مطرز بخيوط فضية وأشجار سرو ترمز إلى الخلود، وسجادة إسلامية من عام 1870 أنجزها مطرزون مسيحيون، تعكس الرموز الدينية المشتركة وتداخل الحرف في الطقوس الروحية. ومن بين المعروضات أيضاً طغراء عثمانية تعرف بـ”بقجة العروس”، منسوجة بالحرير الدمشقي ومطرزة بخيوط الذهب. لم تتوقف رحلة الزخارف الهندسية التي سادت الفنون الإسلامية عند حدود جغرافية، إذ نقلها الرهبان الفرانسيسكان المتأثرون بعلوم الخوارزمي إلى إيطاليا، حيث ظهرت دائرة التشبيك الأرابسكي شعاراً لأكاديمية ليوناردو دافنشي في أواخر القرن الـ15، استلهمها الفنان الألماني ألبرخت دورر خلال إقامته في البندقية (1506–1507)، فيما نشر عالم الرياضيات لوكا باتشيولي كتابه “التناسب الإلهي” عام 1597. لاحقاً أطلق الفنان الإيطالي فرانسيسك بيللغرن موضة الأرابسك في فنون الزخرفة والتطريز بباريس، وأسس بكتاب له مرجعاً لفن التطريز في القصور الملكية الفرنسية التي انطلقت من غاليري فونتان بلو عام 1530. الرموز وعلم الفلك بوستر المعرض في متحف نابو (خدمة المعرض) قبل ابتكار الكتابة شكلت الأنماط الرمزية، الوسيلة الرئيسة للتواصل غير الشفهي. وفي هذا السياق ترى الباحثة الألمانية هايكة فيبر أن “الرمز هو نتاج عميلة فلسفية واعية ومكثفة من التحليل والفهم العميق. فالرموز توحد المعرفة والحكمة وعميلة النتاج المجتمعي مع التعبير الثقافي والفني، وهي تعد تعبيراً جمالياً وفنياً مدمجاً بالقواعد السحرية للطبيعة. والتطريز كان منذ القدم حاجة إلى حياة النساء الروحية، طقساً تتناغم فيه أرواحهن مع الكون”. وبما أن المنظومة الزخرفية في فن التطريز ارتبطت عبر التاريخ بالأساطير والرموز الفلكية القديمة، يتمحور المعرض في سردياته حول ثلاث أساطير نشأت في الشرق الأدنى القديم: غلغامش، وبعل، وأدونيس. فقد أدرك الإنسان القديم أن قوى الطبيعة تنقسم إلى قوتين متقابلتين: قوة الإيجاب (الخصب، فيض النهر، تكاثر الكائنات) وقوة السلب (الموت، الجفاف، الظلام). ومن هذا الصراع ولدت ثنائية الخير والشر، مثلما اكتشف الإنسان الرموز الهندسية من خلال تعاقب الفصول وحركة الأجرام السماوية، ولاحظ الكوكب اللامع الذي يظهر مع الشمس ويغيب معها. ومن هنا تغنت الأساطير الشرقية بالشمس والقمر والزهرة وشجرة الحياة، وهي رموز دخلت مبكراً في فن التطريز. كان للرافديين القدماء، ولا سيما البابليين، اهتمام خاص بعلم الفلك، إذ توصلوا إلى رصد خمسة من الكواكب السيارة: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، وزحل، وأضافوا إليها الشمس والقمر ليصبح عددها سبعة، وهو رقم اكتسب قداسة كما ورد في اللوح الخامس من أسطورة الخلق البابلية. ونشأت في مدينة الوركاء السومرية عبادة كوكب الزهرة تحت اسم إينانا (سيدة السماء)، ثم تحول الاسم إلى عشتار مع قيام الدولة الأكادية ودخول الساميين إلى بلاد الرافدين. الأنماط الزخرفية بين الإبرة والعقيدة “منذ أن اخترع الإنسان الإبرة من العظام، لم يكن فعل الخياطة أو التطريز مجرد تقنية عملية، بل لحظة تأسيس رمزية، ربط فيها بين المادة والنظام الكوني. تحولت الأقمشة منذ فجر التاريخ إلى مساحات سردية مشفرة، تدون عليها المعتقدات والميثولوجيا ودورات الزمن والخصوبة، وتعكس فهم المجتمعات الزراعية الأولى للنظام الإلهي، وتجلياته في حياة الإنسان والأرض. ضمن هذا السياق، أدت الأنماط الزخرفية دوراً يتجاوز الزينة، لتصبح لغة بصرية تنقل رموز الحياة والموت والانبعاث، وتجسد إيقاع الكون في صور هندسية متكررة”. كتب الباحث والفنان التشكيلي فيصل سلطان في مقدمة كتيب المعرض، تحدث فيها عن الأنماط الزخرفية بين الإبرة والعقيدة: باعتبارها تمثيلات للنظام الإلهي ودورات الحياة في الرموز القديمة. في حضارات الشرق الأدنى القديم (الكنعانية، والسومرية، والبابلية، والفينيقية) ارتبطت الزخارف ارتباطاً وثيقاً بالمعتقدات الزراعية، التي رأت في تعاقب الفصول وذبول النبات وعودته إلى الحياة تمثيلاً ميثولوجياً لموت الإله وقيامة الطبيعة. تُظهر الأساطير الكبرى لهذه الحضارات نمطاً سردياً مشتركاً، يعرف في علم الأديان بأسطورة “الإله الذي يموت ليحيا من جديد”، وهي محور رمزي نقش على جدران المعابد وتجلى في ملابس الكهنة والأواني والأنسجة الطقسية. استلهمت الزخارف أشكالها من الطبيعة: الخط العمودي، والأفق، والانحناءات، والدائرة، والحلزونات المستمدة من الأعاصير والزوابع. وتعدى حضورها التطريز إلى الفنون التطبيقية كافة: في الفخار نقشت رموز شجرة الحياة، وفي العمارة حفرت السلالم والطيور، وفي الحلي ظهرت القلائد بالزخارف اللولبية، وفي النسيج الجنائزي تجسدت رموز الصعود السماوي تعبيراً عن عبور الروح. هكذا أضحت الطبيعة ينبوعاً للمعرفة. في كل كتابة، في كل زخرفة وفي كل غرزة، تتردد أصداء الحكاية الكبرى: الإله الذي يموت ليبعث، البطل الذي يعبر الظلمات ليجلب المطر والنور، المرأة التي تخيط العالم بخيطها كما تخيط ثوبها. من الإبرة الأولى إلى شجرة الحياة، ومن قطبة الدرج إلى شمس بعل وقمر عنات، ظل التطريز والفن الزخرفي ذاكرة ميثولوجية مشفرة، تحفظ رؤية الإنسان للعالم، وتعيد إنتاج إيقاع الزمن الكوني على سطح القماش، كما على سطح الحياة ذاتها. المزيد عن: معرضالحضارات القديمةالأساطيرقطع نادرةالتطريزالمنسوجاتغلغامشبابلالشرق القديم 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post معجزة “العراب” الثلاثية… نجاح جماهيري ونقدي وتاريخي next post كيف تساهم الفلسفة في ترويض فاشية وادي السيليكون؟ You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026