عام 1991 أصبحت جوديت بولغار أصغر لاعبة في ذلك الوقت تحصل على لقب "الأستاذ الكبير"، في سن 15 سنة و4 أشهر محطمة رقم بوبي فيشر (لقطة من الفيلم/نتفليكس) ثقافة و فنون “ملكة الشطرنج”: حين اقتحمت جوديت بولغار عالم الرجال by admin 28 فبراير، 2026 written by admin 28 فبراير، 2026 54 وثائقي “نتفليكس” يستعيد تجربة اقتحام أنثوي ناجح لمسابقات الذكور، ويسلط الضوء على نظرية “صناعة العباقرة” عبر ظاهرة جوديت بولغار، ويذكرنا بجمالية هذه اللعبة الضاربة في القدم اندبندنت عربية / علي شرف الدين صحافي @AlCharafeddine أعاد وثائقي “ملكة الشطرنج” الذي تعرضه “نتفليكس” إلى ذاكرتي تسعينيات القرن الماضي والعقد الذي تلاه، حين كنا نترقب نتائج مباريات الشطرنج في صفحات الرياضة لنعرف من كان ضحية غاري كاسباروف الجديدة، أو ما إذا كان فلاديمير كرامنيك قد حقق فوزاً آخر على مواطنه أناتولي كاربوف، وكيف يبلي لاعبون آخرون مثل فيسيلين توبولوف ونايجل شورت وفيشفاناثان أناند وغيرهم. كنا ننتظر أيضاً نشر نقلات بعض المباريات المختارة لنعيد تنفيذها على ألواح الشطرنج ونستعيد أجواءها، كذلك كنا نستمتع بحل أحاجي الشطرنج أنا ورفاقي. ومن اللافت أن نسبةً لا بأس بها من أقراني آنذاك كانوا يمارسون اللعبة، بخلاف ما هي عليه الحال اليوم بين من هم في العاشرة إلى الخامسة عشرة من العمر. قبل عصر الإنترنت، كانت شعبية الشطرنج لا تزال مرتفعة نسبياً. وكانت دورات مثل ليناريس وويك آن زي أشبه ببطولات “غراند سلام” في التنس، يتابعها الملايين، لا سيما في زمن غاري كاسباروف، البطل غير التقليدي، وذلك قبل بروز النابغة النرويجي ماغنوس كارلسن. ومن بين الأسماء التي كانت تتكرر في الصحف برز اسم استثنائي هو جوديت بولغار، لا بسبب إنجازاتها فحسب، بل لأنها كانت المرأة الوحيدة في نادٍ ذكوري يضم رجالاً واثقين بأنفسهم ومقتنعين بتفوق أداء الذكور على الإناث في اللعبة. نسمع في الوثائقي تصريحاً للاعب الشطرنج الفذ بوبي فيشر يقول فيه: “النساء لاعبات شطرنج سيئات… لأنهن لسن ذكيات جداً”. يرافق الوثائقي مسيرة هذه اللاعبة الفريدة منذ طفولتها. والقليل يدرك أن جوديت وأختيها كن ثمرة تجربة تربوية عملية أقدم عليها والداها، ولا سيما والدها. فقد تبنى الأب نظرية مفادها أن العباقرة يُصنعون ولا يولدون بالضرورة بقدرات استثنائية، وجعل هدفه تحويل بناته الثلاث إلى عبقريات. وبحسب والدتهن، اختيرت لعبة الشطرنج لأنها لا تتطلب سوى لوحة وقطع يسهل اقتناؤها. وهكذا غدت الشطرنج محور حياة الفتيات منذ الصغر. لم يرتدن المدارس، بل تلقين تعليمهن في المنزل ليتفرغن للتدريب المكثف. كانت أيامهن تمتلئ بدراسة الافتتاحيات وتفرعاتها، وتحليل المباريات الشهيرة، والتدرب لساعات طويلة. أثمرت هذه التجربة الحية في أولمبياد الشطرنج للسيدات عام 1988، حين تمكن المنتخب المجري، المؤلف من إلديكو مادِل والأخوات بولغار الثلاث: سوزان وصوفيا وجوديت، من إيقاف الهيمنة السوفياتية التي سيطرت على البطولة منذ انطلاقها عام 1957، باستثناء دورة 1976 التي قاطعتها دول الكتلة الشرقية لإقامتها في إسرائيل. وتصدرت سيدات المجر الترتيب بفارق نصف نقطة عن المنتخب السوفياتي. جوديت بولغار “ملكة الشطرنج” ومن بين الأخوات الثلاث، كانت جوديت الأكثر سطوعاً. واصلت صعودها السريع، وبدأت المشاركة في بطولات الرجال، وسرعان ما دخلت التاريخ بفوزها في دورة مدريد عام 1994. اتخذت من غاري كاسباروف قدوةً لها، على رغم أنه عبر مبكراً عن شكوكه في قدراتها، قائلاً: “لديها موهبة رائعة في الشطرنج، لكنها في النهاية امرأة. الأمر كله يتعلق بنقاط ضعف النساء. لا تستطيع أي امرأة خوض معركة طويلة الأمد”، مضيفاً في تصريح آخر أن النساء يفقدن تركيزهن تحت الضغط. يرتكز جانب كبير من سردية الوثائقي على المواجهات بينها وبين كاسباروف، التي لم تخلُ من حوادث مثيرة للجدل، أبرزها قيام بطل العالم في لقائهما الأول بتحريك إحدى قطعه ثم إعادتها إلى مكانها بعدما أدرك سوء الخطوة. ووفق قوانين اللعبة، لا يجوز إعادة القطعة إلى مكانها بعد إفلاتها من اليد. وقد انتهك كاسباروف هذه القاعدة، ورفض الإقرار صراحةً بخطئه، على رغم أن الكاميرات وثقت الواقعة. ولن أسلب المشاهد متعة متابعة تفاصيل الحادثة وأجواء اللقاءات اللاحقة بينهم. في عالم مثقل بسخافات مواقع التواصل الاجتماعي، يعيد الوثائقي التذكير بسحر هذه اللعبة البسيطة والمعقدة في آنٍ معاً. بسيطة لأنها لا تتجاوز لوحة و32 قطعة، ومعقدة لأنك تستطيع فوقها أن تخلق عالماً موازياً يعج بالتشويق والتخطيط الاستراتيجي. بوستر الوثائقي “ملكة الشطرنج” (لقطة من الفيلم/نتفليكس) يسعدني أن الشطرنج تعيش اليوم نهضةً جديدةً، مدفوعةً بظاهرة بطل العالم النرويجي ماغنوس كارلسن، وبفترة الإغلاق خلال جائحة “كورونا” التي دفعت كثيرين إلى اللعب، فضلاً عن المسلسل الشهير “مناورة الملكة” The Queen’s Gambit الذي عرضته “نتفليكس” قبل سنوات، وكلها عوامل أسهمت في إنعاش اللعبة. يبقى السؤال عن شعور جوديت حيال كونها كانت جزءاً من تجربة تربوية صارمة قادها والداها. من جهةٍ، نجح الوالدان في تنشئة ثلاث فتيات امتلكن مهارة استثنائية في الشطرنج، وإحداهن، جوديت، بلغت القمة واحتفظت منذ سن الثانية عشرة بلقب أفضل لاعبة في العالم لمدة 26 عاماً متواصلة حتى اعتزالها عام 2014، وهو رقم قياسي يُستبعد أن يُكسر قريباً. ومن جهةٍ أخرى، تعبر جوديت في ختام الفيلم عن مشاعرها قائلةً: “ليس من اللطيف أن يكون المرء جزءاً من تجربة. لم أشعر يوماً بأنني عبقرية. أعرف أن ما حققته جاء بفضل جهدي وتفاني بنسبة 95 في المئة”. بذلك تؤكد الدور الحاسم للمجهود الشخصي في تحقيق الإنجازات، وهي رسالة بالغة الدلالة في زمنٍ نميل فيه إلى إعلان استسلامٍ غير مشروط للذكاء الاصطناعي. المزيد عن: جوديت بولغار غاري كاسباروف لعبة الشطرنج وثائقي نتفليكس 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post «الشرق الأوسط» ترصد خريطة التحالفات الانتخابية اللبنانية next post هل كان فيلم شابلن “الأزمنة الحديثة” بريئا أيديولوجيا؟ You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة 1 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026