هيكل البارثينون الإغريقي في أثينا (صفحة الحضارة الإغريقية - فيسبوك) ثقافة و فنون “مفجر البارثينون” رواية يونانية تفكك قداسة الماضي by admin 16 مارس، 2026 written by admin 16 مارس، 2026 12 خريستوس خريسوبولوس ينتهج التدمير لاستعادة الحاضر المسلوب اندبندنت عربية/ نشوة أحمد على امتداد التاريخ، وفي بقاع مختلفة من العالم، شيد الإنسان القديم حضارات كبيرة، كانت منجزاتها المعمارية ولا تزال، شاهداً على روعة الفن وعبقرية الإبداع، لكن ثمة مفارقة تجمع كثيراً من الأمم التي صنعت تلك الحضارات، فبينما تشي آثارها بعظمة ماضيها، يرزح حاضرها تحت نير البؤس والتهميش والاضمحلال. هذه العلاقة الملتبسة بين الماضي والحاضر تتحمل مسؤولية تحويل الأثر إلى مخدر ثقافي، تبرر به الشعوب عجزها، إذ تلوذ بماضيها كلما اشتد عليها ضغط الواقع. تستمر في الفخر بما صنعه الأسلاف كتعويض نفسي عن غياب الإنجاز المعاصر، فتتصالح مع بؤس واقعها، وتقع في فخ التواطؤ الصامت مع الركود. من هذه المفارقة ينطلق الكاتب اليوناني خريستوس خريسوبولوس في روايته “مفجر البارثينون” (دار العربي – القاهرة، ترجمة خالد رؤوف). الرواية بالترجمة العربية (دار العربي) يجمع الكاتب عبر عنوان النص وعتبته الأولى بين فعل التدمير، والأثر اليوناني معبد البارثينون، الذي يستدعي إلى الذهن قيم العظمة والجمال، مما يخلق صدمة ثقافية لدى القارئ، تتسق مع الغاية الفلسفية للنص في مهاجمة الوثنية الثقافية، التي أودعت اليونانيين حبساً معنوياً، وقيدتهم بهوية تستجدي شرعيتها من غبار القرون الماضية، وتحول بينهم وبين أي محاولة حقيقية لاستعادة الروح، كذلك يراوح العنوان بين المراوغة والمباشرة في آن، فبينما يوحي بطابع بوليسي للنص، يكشف السرد عن مساحات فلسفية تتجاوز الهيكل التقليدي لرواية الجريمة، التي تنهض على اللغز والمطاردة والتحقيق، فيبرز حدث التفجير، لا كفعل إجرامي، بل كمانفيستو، ومحاولة جادة لإيقاظ الوعي المتكلس. وإلى جانب هذه المراوغة يبدو العنوان مباشراً في الوقت نفسه، إذ يبرز أيقونية الهدم، ويحدد المعلم الذي يتعرض للتفجير بغير مواربة. مشروعية تاريخية مع تدفق السرد يتجلى ما يهيمن عليه من نزوع فلسفي، إذ يعيد الكاتب تعريف الحدث المركزي للرواية، فينقل فعل تفجير الأثر من دائرة الجريمة الفردية، إلى فضاء التمرد الوجودي، ويسعى إلى تحقيق هذه الغاية منذ اللحظة الأولى للسرد، فيستهل رحلته باستدعاء أبيات شعرية للشاعر اليوناني يورغيوس ماكريس (1923-1968)، “نحن الحالمون المجانين في هذه الأرض/ بقلوب ملتهبة وأعين حادة متقدة/ ألف شمس تتدحرج في دمائنا/ نحن المتحمسون العظام، والرافضون العظام”. ويمرر خريستوس عبر هذا الاستهلال رؤى فلسفية تعيد صياغة الجنون بوصفه فعلاً رؤيوياً يعكس بصيرة نافذة، وتحول الرفض إلى طاقة مقاومة، وتنفي عن التدمير دلالته العدمية. ويعزز هذه الرؤى من خلال تكرار استعادته شعر ماكريس وأطروحاته، كمرجعية فكرية للبطل، الذي قام بالتفجير تنفيذاً لوصيته، ولا سيما أن الشاعر نفسه دعا صراحة، أثناء الاضطرابات السياسية التي شهدتها اليونان عام 1944 إلى تدمير البارثينون، بهدف التحرر من الماضي، إذ كان يراه سرطاناً ثقافياً يجب استئصاله كي تبدأ حياة يونانية جديدة وصادقة. وعبر هذه الاستعادة يكتسب فعل التفجير مشروعية تاريخية، يعززها حضور الشاعر الراحل، لا كظل، بل كبطل مواز، حرص الكاتب على التجول في حياته القصيرة التي انتهت بالانتحار، “قال لي: من العار ألا أستطيع أن أضع نهاية حاسمة لحياتي، وغادر. ظللت أتصل به دون جدوى وفي مساء الـ31 من الشهر ذاته، تلقيت اتصالاً لإخباري أنه سقط من سطح منزله” ص 62. الرواية باليونانية (أمازون) يطرح الكاتب نصه في بناء غير تقليدي، يمزج فيه بين السرد الأدبي والأسلوب التقريري. ويوزع صوت الحكي على رواة متعددين، فيتشاركه كل من البطل، والراوي العليم، وحارس المعبد، والجندي، إضافة إلى شهادات بعض الشخوص الحقيقية والمتخيلة. وعبر هذا النهج يغزل نسيجه السردي في صورة أقرب إلى محضر تحقيق شرطي، فيمنح الجريمة المتخيلة واقعية صادمة، ويحول النص إلى وثيقة حية، لا تكتفي برواية الحدث، بل تسعى إلى محاكمته ومساءلته. ويعمد إلى تجهيل البطل والاكتفاء بالإشارة إليه بحروف اسمه الأولى “خ ك”، ليجرد فعل التفجير من ذاتيته وينزع عنه أية خصوصية فردية، ويبرزه كموقف فكري يحفز من خلاله القارئ على تأمل ما وراء الهدم، ودوافع التفجير الرامية لتحطيم الهوس القومي بالماضي، وكشف تحول هذا الهوس إلى ميكانيزم دفاعي ومخدر جماعي، يكرس نوعاً من التطبيع مع حاضر بائس وواقع معطوب. تشكل هذه القضية المحور الرئيس الذي يدور في فلكه السرد ويدعمها ما يطرحه الكاتب من رؤى حول خداع التاريخ، وخطورة الافتتان بالأسلاف، وما يسفر عنه العيش في الماضي، من تغذية شعور زائف بالاكتفاء، يسمح بالتصالح مع هزائم الحاضر، والتواطؤ مع الانهيار والركود، “نستحضره بإعجاب عندما نشعر بصغر شأننا، وهو ما يحدث غالباً، أو عندما ندرك أننا قد بقينا فقراء، وهذا يكفينا، وهكذا نرتضي الأمر” ص 32. الروائي اليوناني خريستوس خريستوبولوس (صفحة الكاتب – فيسبوك) وتحيل هذه الرؤى إلى رفض النزعة النوستالجية، ونبذ تمجيد التاريخ والتمرد عليه، كمحاولة لإعادة بناء الحاضر واستعادة أثينا الحقيقية. ومن قضيته الجوهرية يتفرع الكاتب إلى قضايا أخرى، فيتطرق إلى الفقر والعزلة والتهميش والاغتراب والتعصب والشيزوفرنيا الأخلاقية والسلوكية وغياب القيم واندثار الجمال “يكفي نظرة متأملة إلى مدينتنا. البيوت والأحياء، نحن أنفسنا، بصاقنا على الطريق، عرق جسد متعب، الشتيمة، الهواء الجاف. كيف يمكن أن يحبه لأنه جميل؟ لماذا لا يسعى إلى الجمال في نفسه، فيمن حوله؟ لماذا لا يستطيع فهم الجمال؟ لماذا لا يهمه ولا يمسه؟ الجمال في مدينتنا ضاع منذ زمن” ص 22. الوصف والرمز يلجأ الكاتب لاستخدام الوصف محاولاً تفكيك قداسة الأثر تفكيكاً جمالياً، فيرسم صورة متناقضة له، فبينما ترى فيه الجموع سمات الخفة والإتقان والانسجام والكمال، يراه البطل منبوذاً شائخاً يترنح. وعبر هذا الوصف المزدوج للبارثينون، يعيد خريستوس صياغة العلاقة بين الإنسان اليوناني والأثر، محيلاً إلى نزوع المخيلة الجمعية إلى تقديس الماضي بغير وعي حقيقي بحدود حضوره في الواقع الراهن. يعزز هذه الدلالة عبر رمزية وصفه لسحب الحشرات الضاجة، التي تدور بقلق حول مصابيح المعبد، والتي تحيل ضمناً إلى إصرار المجتمع على العيش في ظل الماضي، وما ينتاب أفراده من تخبط وقلق حضاري. وكما يتجلى التناقض في سمات المعبد، بين ما يراه البطل وما تراه الجموع، يتجلى مرة أخرى عبر الانتقال من وصف شيخوخة النصب قبل الهدم، إلى رحابة الطبيعة المحررة فور احتراقه: “القاعدة مجروحة من النار، عمود رفيع من الدخان يرتفع بين الأعمدة الحديدية المنحنية، السماء فوق المدينة ذات لون أزرق عميق، يصبح الهواء ألطف من الأرض نفسها، لوحة سماوية رائعة تنبض بالحياة” ص 34. يمتد الوصف من البارثينون إلى البطل ذاته، الذي تضعه شهادات الشهود المتباينة في منطقة من التناقضات، فيراه البعض مثقفاً، حالماً، مجداً، طموحاً، في حين يراه آخرون انطوائياً، متردداً، جباناً، مضطرباً. ولا يحيل هذا التناقض، إلى تشوهات البطل النفسية، وإنما يشي بعدم قدرة المجتمع على استيعاب غايته الجمالية من فعل التفجير، لكن الكاتب في المقابل لا يمنح بطله مثالية زائفة، وإنما يصوره كذات قلقة، شغوفة بالشهرة، تبحث عن الفرادة، مسكونة بالصراع، تنقسم بين الإقدام والإحجام، وبين الفعل واللافعل. ثنائيات جدلية ينهض النص على شبكة متداخلة من الثنائيات الجدلية، التي تدعم التوتر الدرامي للأحداث، وتكسب السرد ديناميكية تتولد من علاقات التفاعل والصراع بين أقطابها، فتبرز الثنائية المركزية بين الحاضر والماضي، بين إرث تاريخي ضخم ولحظة راهنة خاوية، ومنها تنبثق ثنائيات فرعية بين انبهار أعمى تمارسه الجماهير ورفض فردي يعلنه البطل، بين صناعة المجد واستعارته، بين فكر يقدس الجمال وسلوك ينحاز للقبح، بين إدراك الحقيقة وإنكارها، بين العزلة والاندماج، بين المدينة والناس، بين القاعدة والاستثناء. وعبر هذه الثنائيات يفكك الكاتب مأزق الهوية، والانتماء القائم على الاستهلاك التاريخي، ويضيء تحول الجغرافيا من الامتياز إلى التهميش، وتحول المدينة من مركز للإشعاع الحضاري، إلى مجرد متحف سياحي رخامي، لا يشبه مالكوه تاريخهم، ولا يمتلكون أدوات تغيير واقعهم، مما يدفع الاستثناء بينهم “البطل” لاقتراف فعل الهدم، لا كنزوة تخريبية، بل كمحاولة للتحرر من عبادة الماضي، والتحريض على خلق واقع جديد. ولم يكتف الكاتب بالاشتباك مع تلك القضايا عبر التأمل الفلسفي، بل قام بتحويل تأملاته إلى كادرات بصرية، مستدعياً آلية عمل الكاميرا، ولا سيما في مشهد إعدام الجاني/ البطل، الذي ينقله من دائرة السرد إلى نطاق عرض أدائي، مستخدماً مفردات وتقنيات سينمائية، فيشرع المشهد بلقطة عامة تصور عذابات جندي يعيش حياة غير سارة داخل الجيش. ثم ينتقل للقطة قريبة تصور تشوشه بين الوهم والحقيقة، ويعود للقطة العامة ليصور اصطفافه مع بقية الجنود، متوجهين من معسكرهم إلى فضاء مجهول. وبعدها تستدير الكاميرا، تتبع في حركتها سير الجنود وتوقفهم، حملهم السلاح، تصويبهم نحو الشاب مربوط العينين، ضغطهم على الزناد، سقوطه ميتاً. وكما يعزز خريستوس بصرية النص عبر استدعائه التكنيك والمفردات السينمائية، يعمد إلى استنفار بقية الحواس طوال رحلة السرد، ولا سيما في مشهد الإعدام، فتنبعث من سطوره رائحة البارود، ويسمع إيقاع خطوات الجنود، يتجسد ملمس المعدن البارد، همس الضابط ورجفته حين يأمر جنوده المصوبين أسلحتهم: “في القلب”. ليعزز عبر هذه المشهدية نوعاً من التعاطف مع مفجر الأثر، ويجسد فداحة الثمن الذي دفعه نظير المقاومة، وعدم اتساق هذا الثمن مع غايته الجمالية من التفجير. المزيد عن: رواية يونانية روائي ترجمة المجد التراث الواقعية الحاضر الإستلاب الشخصيات السرد 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post تولستوي ينصر الإنسان ضد آلة الحرب في “حاجي مراد” next post Prince Harry and Meghan slam author of new book on royals for ‘deranged conspiracy’ You may also like الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 تولستوي ينصر الإنسان ضد آلة الحرب في “حاجي... 16 مارس، 2026 ماهلر حذف ثلث مغناته “أنشودة النحيب” ثم ندم 16 مارس، 2026 يورغن هابرماس رائد النظرية النقدية في زمن الاضطراب 16 مارس، 2026 ياسين عدنان يفتح السجال حول الاستشراق الجديد بالنقد... 16 مارس، 2026 كتب شهر مارس: حكايات هوليوود والهوية والخيانة 16 مارس، 2026 “العربية السعيدة” رحلة الإنجليزي برترام توماس في الربع... 16 مارس، 2026 “سا أوزير” حكاية عن الماوراء سبقت دانتي والمعري 13 مارس، 2026 كوجو الغاني وتوني الكندي صديقان في البحث عن... 13 مارس، 2026 “حامل الشمعدان” لبرونو: مسرحية هزلية لفيلسوف جدي 13 مارس، 2026