نابوليون بونابرت في المنفى (غيتي) ثقافة و فنون مذكرات نابوليون… “البطل” لا يعترف بالهزيمة by admin 20 فبراير، 2026 written by admin 20 فبراير، 2026 45 حين أصدرت القاهرة الرسمية الكتاب الأفخم والأكثر إثارة للحيرة في تاريخها المعاصر اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان الحدث غريباً في عام 2006 حين أصدر “المشروع القومي للترجمة” الرسمي والممول من السلطات الرسمية واحداً من أفخم الكتب التي أنتجتها، طباعة وأهمية، منفقة عليه أموالاً طائلة، بما في ذلك كلفة ترجمته المرتفعة. ولعل غرابة الأمر تنبع من كون الكتاب يضم أجزاء لافتة من مذكرات نابوليون بونابرت المتعلقة خصوصاً بـ”الحملة على مصر“، تلك الحملة التي كان المصرين “يحتفلون” بمئويتها الثانية احتفالاً بالغ السلبية، لا يتلاءم معه إصدار ذلك الكتاب على تلك الصورة الاحتفالية. بيد أن الأهمية تكمن في محل آخر، إذ إن مذكرات هذا “العدو” التاريخي للوطن والشعب المصريين لم تبد مجرد محاولة لاستعادة حياة عسكرية استثنائية، بل تبدو كمشروع واع لإعادة تشكيل التاريخ من داخل المنفى. فالرجل الذي حكم معظم أوروبا بالسيف، وجد نفسه في نهاياته أسير جزيرة نائية، هي سانت هيلانة، محروماً من الجيوش والخرائط، لكنه ما زال يمتلك سلاحاً واحداً: اللغة. هنا تبدأ قصة المذكرات، ففي سانت هيلانة لم يعد نابوليون قائداً، بل أصبح راوياً، وهذا التحول ليس تفصيلاً ثانوياً. فالإمبراطور المخلوع أدرك باكراً أن المعركة الحقيقية لم تعد على الأرض، بل في الذاكرة الأوروبية. من سيكتب القصة؟ ومن سيحدد صورة الرجل الذي هزم الملوك وأعاد تشكيل القارة؟ لهذا السبب، لم تكن مذكراته عفوية ولا ارتجالية. لقد تعامل معها بوصفها امتداداً لحملاته العسكرية: تخطيط، واختيار زوايا الرؤية، وتوزيع للأدوار، وضبط صارم للسرد. كان نابوليون يملي أفكاره يومياً على مرافقيه، وأبرزهم إيمانويل دو لاس كاز، الذي لعب دور الناسخ والمحرر والوسيط الثقافي بين الإمبراطور المعزول والرأي العام الأوروبي. فما الذي كان يكتبه فعلاً؟ أولاً، كان يعيد بناء ذاته. في هذه الصفحات، لا يظهر نابوليون بوصفه طاغية أو فاتحاً جشعاً، بل كمصلح عظيم، ابن الثورة الفرنسية، وحارس مبادئها. يقدم نفسه كضحية تحالف الممالك الرجعية، لا كمسؤول عن ملايين القتلى. الحروب تتحول إلى دفاع عن التنوير، والهزائم تفسر بالخيانة أو سوء الحظ، لا بالأخطاء الاستراتيجية. إنه يمارس ما يمكن تسميته “الهندسة الأخلاقية للسيرة”، كل حدث يعاد ترتيبه بحيث يخدم صورة محددة: نابوليون المفكر، نابوليون المشرع، نابوليون الحالم بأوروبا موحدة. حتى لحظات القسوة تقدم كضرورات تاريخية. أما القرارات الكارثية، كالحملتين المصرية والروسية، فتروى بوصفها مغامرات كبرى خانها المناخ لا العقل. ثانياً، كان يكتب للتاريخ لا للمعاصرين. نابوليون كان واعياً تماماً أن قراءه الحقيقيين لم يولدوا بعد، لذلك تأتي لغته مزيجاً من الاعتراف والتبرير والنبوءة. إنه يخاطب القرن الـ19 والقرن الـ20 معاً، ويزرع في النص بذور التأويل المستقبلي. في هذا المعنى، تشبه مذكراته وصية سياسية طويلة: يريد أن يذكر كعبقري مأسوي، لا كديكتاتور مهزوم. ولعل الأهم أنه يحول المنفى إلى مسرح فلسفي. سانت هيلانة ليست مجرد سجن، بل فضاء تأملي، يعيد فيه القائد المخلوع، قراءة الثورة، والملكية، والدين، والعلاقة بين الفرد والتاريخ. هنا نرى نابوليون وقد تحول من رجل أفعال إلى رجل أفكار، من قائد جيوش إلى محلل لمسار الحضارة الأوروبية. بونابرت أيام العز: الحملة على مصر (الموسوعة التاريخية) ما وراء القناع ما يجعل هذه المذكرات خطرة وجذابة في آن، هو قدرتها على خلق “نابوليون المتخيل”: شخصية أكبر من الواقع، تتجاوز تفاصيل السيرة لتصبح رمزاً. رمز العبقرية الفردية، ورمز صعود الإنسان من الهامش إلى قمة العالم، ثم سقوطه المدوي. هذه الأسطورة لم تولد لاحقاً في الأدب والفن فقط، بل كتبت أولاً بيد نابوليون نفسه. لقد فهم أن السلطة لا تنتهي بسقوط العرش، بل تستمر عبر السرد، ومن هنا جاءت دقته في اختيار ما يروى وما يحذف. لا نجد في المذكرات مساحة كبيرة للضعف الشخصي، أو للندم العميق، أو للارتباك الوجودي. كل شيء مضبوط بإيقاع رجل ما زال يرى نفسه مركز المشهد، ومع ذلك تتسرب أحياناً لحظات إنسانية خاطفة: حنين إلى باريس، ضجر من رتابة الجزيرة، تأمل في معنى المجد. هذه الشقوق الصغيرة هي ما يمنح النص قوته الأدبية، لأنها تكشف عما وراء القناع الإمبراطوري. في النهاية، ليست مذكرات نابوليون مجرد وثيقة تاريخية، بل عمل سردي مركب، يختلط فيه الواقع بالتمثيل، والذاكرة بالاستراتيجية. إنها محاولة أخيرة للسيطرة، لا على الجغرافيا هذه المرة، بل على المعنى. لقد خسر نابوليون إمبراطوريته، لكنه ربح معركة أخرى: معركة الصورة. علاج لكبرياء مجروح حين وصل نابوليون إلى سانت هيلانة، لم يكن قد فقد عرشه فقط، بل فقد الإطار الذي كان يمنح حياته معناها. فالرجل الذي عاش طوال عقدين في حركة دائمة ـ معارك، مواكب، قرارات مصيرية ـ وجد نفسه فجأة محاصراً بالصمت، وبأفق بحري لا ينتهي. هنا تبدأ المذكرات بوصفها استجابة نفسية قبل أن تكون مشروعاً تاريخياً، المنفى بالنسبة إلى نابوليون لم يكن عقوبة جسدية، بل تفريغاً قاسياً للهوية. فكل ما كان يعرفه: الجيش، البلاط، الحشود، اختفى. بقي وحده مع ذاكرته، وفي هذا الفراغ تصبح الكتابة ضرورة وجودية. نابوليون لم “يكتب” مذكراته بالمعنى التقليدي، بل أملاها على مرافقيه، وعلى رأسهم إيمانويل دو لاس كاز، الذي دون تلك الأحاديث في كتاب مذكرات سانت هيلانة. هذا التفصيل مهم نفسياً: نابوليون ظل حتى النهاية يتكلم ولا يدون، يأمر ولا يخط بيده. كأن بنيته الداخلية لم تقبل تماماً الانتقال من القائد إلى الكاتب، في العمق، يمكن قراءة هذه المذكرات كنوع من العلاج بالكلام. الإمبراطور المهزوم يعيد سرد حياته مراراً، يعيد ترتيب الوقائع، يراجع القرارات، يبرر الهزائم. هذا التكرار ليس عبثياً: إنه محاولة لترميم صورة الذات التي تصدعت. فالصدمة الكبرى ليست الهزيمة العسكرية، بل سقوط صورة “الرجل الذي لا يقهر”. لهذا نلاحظ أن نابوليون في مذكراته نادراً ما يعترف بخطأ مباشر. دائماً هناك عامل خارجي: الطقس في روسيا، خيانة الحلفاء، غباء الجنرالات، قسوة الإنجليز. النفس هنا تحمي نفسها عبر الإسقاط، الاعتراف الكامل بالمسؤولية كان سيعني الانهيار. نرجسية الجريح ومن أبرز السمات النفسية في هذه النصوص ما يمكن تسميته “نرجسية الجريح”، نابوليون لا يتوقف عن تأكيد فرادته: عبقريته العسكرية، ورؤيته السياسية، وقدرته على قراءة التاريخ، لكنه يفعل ذلك من موقع الضحية. إنه عبقري لم يفهمه عصره، هذا النموذج ـ البطل المأسوي ـ يمنحه تعزية داخلية: فهو لم يسقط لأنه فشل، بل لأنه كان أكبر من زمانه. هنا تتحول المذكرات إلى مسرح تعويضي، نابوليون يعيد تمثيل نفسه في دور البطولة، بينما يتحول الآخرون إلى كومبارس أو خونة أو أدوات عمياء للتاريخ. لكن تحت هذه الطبقة الصلبة، تظهر شقوق دقيقة. أحياناً يتحدث كما أشرنا، عن الملل القاتل في الجزيرة، عن ثقل الأيام المتشابهة، عن اشتياقه لباريس. هذه اللحظات العابرة تكشف عن هشاشة لم يكن يسمح لها بالظهور حين كان في السلطة، للمرة الأولى يواجه الزمن بلا مهمات، والحياة بلا جمهور. في علم النفس، يعد فقدان الدور الاجتماعي أحد أقسى أنواع الصدمات. ونابوليون فقد دوره الأكبر: كصانع التاريخ، لذلك يحاول تعويض ذلك عبر إعادة كتابة التاريخ. المذكرات هنا ليست فقط دفاعاً عن الماضي، بل محاولة للسيطرة على المستقبل الرمزي. إن الإمبراطور الكاتب يريد أن يحدد كيف سيقرأ، وكيف سيدرس، وكيف سيتذكره العالم. بهذا المعنى، الكتابة تصبح استمراراً للحرب بوسائل أخرى. ومن اللافت أيضاً حضور نزعة شبه نبوئية في كلامه، كثيراً ما يتحدث كما لو كان يرى ما بعد موته: أوروبا موحدة، أفكاره القانونية باقية، اسمه حي. هذا الاستشراف ليس غروراً فحسب، بل استراتيجية نفسية لمقاومة الفناء. إذا كان الجسد محاصراً في جزيرة، فالذات تريد أن تمتد عبر القرون. غياب أي شعور بالذنب ومع ذلك، لا نجد في المذكرات مواجهة صريحة مع الشعور بالذنب. ملايين القتلى، المدن المدمرة، العائلات المفجوعة، كل ذلك يبقى خارج المشهد الداخلي. النفس تختار ما تتحمله، الاعتراف بهذا الثمن الإنساني كان سيقوض السرد البطولي الذي يحتاج إليه نابوليون ليبقى متماسكاً. اللافت أن نابوليون في سانت هيلانة يبدو أقل اهتماماً بالحب أو العلاقات الشخصية، وأكثر انشغالاً بفكرته عن نفسه. كأن العاطفة انسحبت، وبقيت الأنا في مواجهة التاريخ. هذه سمة شائعة لدى الشخصيات التي عاشت طويلاً في مركز السلطة: حين تسقط، لا يبقى إلا الحوار مع الذات. المزيد عن: نابوليون بونابرت الحملة على مصر جزيرة سانت هيلانة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post دراما رمضان في مصر… قضايا حساسة و”خلطة” للجميع next post فيلم إثيوبي يأسر جمهور مهرجان برلين 9 ساعات You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة 1 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026